← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فاتّق الله فيما اؤتُمنت عليه من قليل أو كثير، اتّق الله في أمورك كلّها، فإنّك حامل لتلك الأمانة، فاسعَ في حفظِها، لتلقى الله وأنت من المحافظين عليها، لتلقى الله وأنت من أهل الأمانة الصّادقة. • أمانة أداء حقوق العمال: أيّها المسلم، إنَّ مِن الأمانة إعطاءَ العمّال حقوقَهم، وعدمَ التلاعب والتهاون بذلك، فالعمّال الأجراء عندك هم (أمانة) تحت يدك، أنت مسؤول عن حقوقهم وواجباتِهم، فإن أخللتَ بشيء أو ماطلت بشيء أو حاولتَ التهرُّب أو النقص أو الإساءة فاعلم أن الله قادر عليك، واتق الله، ولا تبخَس الناسَ أشياءهم، وأعطِ الناسَ حقوقَهم، أعطِ العامل أجرَه، أعطه حقوقه وإيّاك والتهاونَ وعدم المبالاة بحجّة ضعفه وقدرتِك على التهرّب، اتّق الله في نفسك، وأعطِ الناس حقوقهم، فتلك أمانة اللهُ سائلك عنها، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء:٥٨). قال ﵌: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». (حسن رواه ابن ماجه). (أَعْطُوا الْأَجِير) أَيْ يَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ فِي إِعْطَاء حَقّه بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الْحَاجَة. (قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقه) الْحَاصِل بِالِاشْتِغَالِ بِالْحَاجَةِ؛ لأن أجره عمالة جسده وقد عجل منفعته فإذا عجلها استحق التعجيل، ومن شأن الباعة إذا سلموا قبضوا الثمن عند التسليم فهو أحق وأولى؛ إذ كان ثمن مهجته لا ثمن سلعته فيحرم مَطْلُه والتسويف به مع القدرة، فالأمر بإعطائه قبل جفاف عرقه إنما هو كناية عن وجوب المبادرة عقب فراغ العمل إذا طلب وإن لم يعرق، أو عرق وجف. • أمانة حفظ الدِين: إنّ الأمة المسلمة قد كلّفها الله وشرفها بحفظ هذا الدين، والقيام بواجب هذا الدين، وذلك بتطبيق شرع الله ، والدعوة إلى الله، والنصيحة للأمة والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحقّ أطرًا، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانةٌ في أعناق الأمّة، قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران:١١٠).

стр. 282

وقال : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْر?ءيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـ?هَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩). يا أمَّةَ الإسلامِ إني ناصِحٌ ... أنا لسْتُ بالهَاجِي ولا اللوامِ لكنَّهُ عَتْبُ الغيورِ لدينِه ... يا ليْتَ مِنْ واعٍ لقصدِ مَرامِي يا مالِكي أمرَ العبادِ تذكَّرُوا: ... للهِ نقضُ الحُكمِ والإبرامِ فَسَتُسألونَ عنِ الأمانةِ فاعملُوا ... خيرًا ليومِ تزاحُمِ الأقدامِ فَوَحقِّ مَنْ لَبَّى الحجيجُ ببيْتِهِ ... ما العِزُّ إلا نصرةُ الإسلامِ • إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﵌ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ»، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟». قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». (رواه البخاري). (إِذَا وُسِّدَ) أَيْ: أُسْنِدَ. كلّ صاحب وِلايةٍ ما من ولايات الأمّة المسلمة قَلَّت تلك الولاية أو كثُرَت صغُرت أم كبرت، فكلُّ مسؤول مؤتمَنٌ على مسؤوليّته، والله سائله يوم القيامة، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بالْعَدْلِ﴾ (النساء:٥٨).وحذَّرنا الله من خيانة الأمانة فقال: ﴿ي?أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـ?نَـ?تِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال:٢٧). إذا خانَ الأميرُ وكاتباهُ وقاضِى الأرضِ داهَنَ في القَضاء فويلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ لقاضِى الأرضِ مِن قاضِى السماء

стр. 283

٢٠ - السعادة الوهمية (١) • هل السعادة وهم أم حقيقة؟ إن كل إنسان على وجه البسيطة يسعى إلى السعادة. قد يختلف الناس في مذاهبهم، يختلفون في أعراقهم، يختلفون في مشاربهم، بل قد يختلفون في مبادئهم، وغاياتهم، ومقاصدهم، إلا غاية واحدة ربما اتفقوا عليها، من أولهم إلى آخرهم، إنها: طلب السعادة. المؤمن والكافر، البر والفاجر، كل واحد منهم يريد السعادة لو سألته: لِمَ تعمل هذا؟ ولأي شيء تفعل ذاك؟ لقال: أريد السعادة!! سواء أقالها بحروفها أم بمعناها، بمدلولها أم بحقيقتها. وإن كثيرًا من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيرا منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية. • تعريف السعادة: السعادة هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة، والطمأنينة، والأرْيَحِيَّة، والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير. إن هناك سعادة وهمية، وسعادة حقيقية. • أوهام السعادة: السعادة في المال: هل السعادة في تكديس المال؟ وفي جمع الثروات، وبناء العقارات والقصور؟ هل هذه هي السعادة؟ كثير من الناس يتوهم ذلك، فهذا سعيد لأنه يملك الأرصدة في البنوك.

стр. 284

وفلان سعيد لأنه يملك كذا من الأراضي، وكذا من العمارات. فلان سعيد لأنه يملك كذا وكذا. كثير من الناس يطلق هذا الوهم بلسانه، وكثير منهم يعتقده بقلبه، فيتصرف من هذا المنطلق الخاطئ. أقول: ليست السعادة في جمع المال، على حد قول الشاعر: ولَسْتُ أرَى السَّعَادةَ جَمْعَ مَالٍ ... ولَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ وتقوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا ... وعِنْدَ اللهِ للأتْقَى مَزِيدُ أخي المسلم: أقف معك حول هذه القضية - أعني قضية أن السعادة في المال - لأنها من أهم القضايا في أوهام السعادة. وجملة القول: «ليس كل صاحب مالٍ سعيدًا». فكثير من أرباب المال وأصحاب الثروات يعيشون في شقاء وتعاسة دائمة في حياتهم الدنيا قبل الآخرة لماذا؟ لأنهم يتعبون في:١ - جمع المال.٢ - حفظه واستثماره. ٣ - القلق والخوف من فوات هذا المال وزواله. كم من إنسان يملك المليارات ولكنه خائف! قلق! لماذا كل هذا الخوف!؟ ولم كل هذا القلق!؟ إنه يخاف على هذا المال، يخاف أن تأتي هزة سياسية، أو يأتي لصوص فيسرقون هذا المال؛ فهو يعيش في شقاء، خوف، قلق، هم، غم، بل إنه لا ينام الليل، وهذا أمر مجرب، مشاهَد، ترونه بأعينكم، بل قد يكون المال سبب هلاكه ومماته!! كم من غني خطف أو قتل بسبب تجارته، بل كم من غني حُرم من لذاته بسبب أمواله، تجده لا يمشي طليقا، لا يمشي حرًا، لا يسافر كما يريد، لا ينام كما يريد، كل هذا بسبب أمواله!! ثم كم من إنسان صاحب مال زال ماله، وزالت ثرواته بسبب أو بآخر فعاش بقية حياته في تعاسة وشقاء. وإليكم هذه النماذج الناطقة: ١ - قصة قارون: تلك القصة التي أوردها القرآن الكريم عن قارون، حيث قال : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (القصص: من الآية٧٩) في قمة سعادته، حتى إن قائلهم يقول: ﴿إِنَّهُ لَذُو

стр. 285

حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص: من الآية٧٩).خرج في زينته فهو ذو حظ عظيم، كل هذا من أوهام السعادة، والنتيجة لكفره بأنعم الله كما يقول الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص:٨١).أي سعادة هذه وأي نهاية!؟ ٢ - قصة كرستينا أوناسيس: تلك القصة العجيبة، التي تؤكد أن المال مهما زاد وكثر، لا يمكن أن يكون - وحده - سببا للسعادة. «كرستينا أوناسيس» تلك الفتاة اليونانية، ابنة المليونير المالي المشهور «أوناسيس» ذلك الذي يملك المليارات، يملك الجزر، يملك الأساطيل. هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها، وبقيت هي الوريثة الوحيدة - مع زوجة أبيها - لهذه الثروات الطائلة. أتدري كم ورثت؟ لقد ورثت من أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال!!! فتاة تملك أسطولًا بحريًا ضخمًا!! تملك جزرًا كاملة!!! تملك شركات طيران!! أخي الكريم: امرأة تملك أكثر من خمسة آلاف مليون ريال، بقصورها وسفنها، وطائراتها، أليست ـ في مقاييس كثير من الناس ـ أسعد امرأة في العالم؟؟ السؤال هو: هل هذه المرأة سعيدة؟ أما أمها: فقد ماتت بعد حياة مأساوية، كان آخر فصولها الطلاق. وأما أخوها: فقد هلك بعدما سقطت به طائرته، التي كان يلعب بها. وأما أبوها: فقد اختلف مع زوجته الجديدة التي هي «جاكلين كندي» زوجة الرئيس الأمريكي السابق «كندي»، تلك الزوجة التي تزوجها بملايين الدولارات، يبحث عن الشهرة فقط، ليقال: إنه تزوج بزوجة الرئيس الأمريكي «جون كندي». ومع ذلك فقد عاش معها في شقاء دائم.

стр. 286

تصور أن من بنود عقد الزواج: ألا تنام معه في فراش، وألا يسيطر عليها، وأن ينفق عليها الملايين ـ حسب رغبتها ـ ومع ذلك فقد اختلفت معه، وعندما مات، اختلفت مع ابنته. وخلاصة القول: أن هذه الفتاة كانت قد تزوجت في حياة أبيها - برجل أمريكي، وعاش معها شهورا، ثم طلقها ـ أو طلقته ـ. وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني، وعاش معها شهورا ثم طلقها ـ أو طلقته ـ ثم انتظرت طويلا تبحث عن السعادة. أتعلمون من تزوجت؟ للمرة الثالثة، «أغنى أمرأة في العالم على الإطلاق»، أتعلمون من تزوجت؟ لقد تزوجت شيوعيًا روسيًا، يا للعجب!! قمة الرأسمالية تلتقي مع قمة الشيوعية!!! وعندما سألها الناس، والصحفيون ـ بشكل خاص ـ عندما سألوها: أنت تمثلين الرأسمالية فكيف تتزوجين بشيوعي؟ عندها قالت: أبحث عن السعادة!!! نعم، لقد قالت: أبحث عن السعادة. وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة، فقد جلست تخدم في بيتها ـ بل في غرفتيها ـ فجاءها الصحفيون ـ وهم يتابعونها في كل مكان ـ فسألوها: كيف يكون هذا؟ قالت: أبحث عن السعادة. وعاشت معه سنة، ثم طلقها ـ بل طلقته ـ. ثم بعد ذلك أقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم. أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة!!! وآخر فصل من فصول المسرحية الحقيقية، تزوجت برجل فرنسي. لاحظوا أنها تزوجت من أربع دول وليس من دولة واحدة لعلها تجرب حظها. أقول: تزوجت بغَنِي فرنسي (أحد رجال الصناعة) وبعد فترة يسيرة أنجبت بنتًا، ثم طلقها ـ بل طلقته ـ.

стр. 287

ثم عاشت بقية حياتها في تعاسة، وهَمّ، وبعد فترة وجدوها ميتة في شالية في الأرجنتين، لا يعلمون هل ماتت مِيتة طبيعية، أم أنها قُتِلت، حتى إن الطبيب الأرجنتيني قد أمر بتشريح جثتها، ثم دفنت في جزيرة أبيها!! انظر إلى هذه المرأة هل أغنى عنها مالها؟ إذن، المال وحده لا يكفي، المال وحده لا يجلب السعادة، ولا يوفرها، فمن أكبر أوهام السعادة قضية الثراء والتجارة. قالوا: السعادةُ في الغِنَى ... فأخو الثَّرَاءِ هوَ السعيدْ الأصفرُ الرنَّانُ في كَفَّيْه يَلْوِي كلّ جِيدْ يرمِي به شرَكًا يصيدُ ... مِن الرغائبِ ما يصيدْ وبه يَدِينُ له العَصِيّ ... وقد يلِينُ له الحديدْ فإذا أرادَ ... فكلّ مَا في هذه الدنيا يُريدْ وإذا تمنَّى الشيءَ جَاءَ كما تمنَّى ... أو يزيدْ قلت: الغِنَى في النَّفْسِ وهْوَ ... واللهِ العيشُ الرغيدْ كَمْ عائِلٍ راضٍ، وكَمْ ... مُثْرٍ على بُؤْسٍ قَعِيدْ فيذوبُ في أطماعِهِ ... هي نارُه وهو الوقودْ فهو الشقِيُّ بوَهْمِهِ ... وبحرصِه العاني الكدُودْ وهو الفقيرُ وإنْ بَدا في ... مَالِ قارونَ العديدْ يَعْدُو هُنا وهناك في ... شُغْلٍ، كطَوَّافِ البريدْ يبغي المئاتِ، فإن وفَتْ يَبْغِ الألوفَ من النقودْ جَشِع به كجهنم ... يشكو: ألا هل مِن مزيدْ؟ أفَبَعْدَ ذاك تَظُنُّ أنّ ... أخَا الثراءِ هو السعيدْ؟ •

стр. 288

هل السعادة في الشهرة، كالرياضة والفن؟ لا؛ لأن الشهرة شقاء لا سعادة، ولأن الشهرة لا حقيقة لها إن لم ترتبط بتقوى الله والذي يتقي الله لا يريد الشهرة؛ لأن الشهرة إذا ارتبطت بغير سبب أصيل فإنها تزول سريعًا، وإذا زالت عن صاحبها عاش في شقاء، وتعاسة. قد يتوهم كثير من الناس أن السعادة موجودة عند صنفين من الناس هم أهل الرياضة وأهل الفن، ولكن: ١ - أهل الرياضة: معظمهم يعيش الشقاء في أيامه ولياليه. فمن معسكر إلى معسكر ومن سفر إلى سفر فلا يكاد يستقر مع أهله إلا قليلا. ويضطر أغلبهم إلى التفريط بمستقبلهم الدراسي وعدم مواصلته بسبب الانشغال الكامل بالرياضة. أضف إلى ذلك: اضطرابهم عند كل مباراة. وكآبتهم عند كل هزيمة. ثم إن الإصابات تتقاذفهم من كل جانب. كما أن الخوف من رأي الجماهير ونظرتها عند أي هبوط في المستوى يجعلهم يعيشون شقاءً متواصلًا. ثم ماذا بعد ذلك؟ إن الناس سرعان ما ينسونهم بعد الاعتزال فيزدادون ألمًا وحزنًا. إذن فليست السعادة عند أهل الرياضة وإن ظن الكثيرون أنها عندهم. ٢ - أهل الفن: أهل الغناء والطرب، والتمثيل. إن حياتهم أسوأ حياة يعيشها البشر! فشل أسري، مخدرات، انحلال، انعدام حياء، موت فضيلة. وليس هذا الكلام افتراءٌ عليهم، بل هو من مذكراتهم التي تعج بها الصحف صباحَ مساء. «أنور وجدي» زوج الممثلة ليلى مراد، هذه الزوجة التي قالت عنه في مذكراتها: «إن زوجي كان ممثلًا بسيطًا، فقال: أتمنى أن أملك مليون جنيه حتى ولو أصِبْتُ بمرض، فقلت له: ما ينفعك المال إذا جاءك المرض؟ فقال: أنفِقُ جزءًا من المال في علاج المرض، وأعيش في بقيته سعيدًا»، فملك أكثر من مليون جنيه، وابتلاه الله بسرطان الكبد،

стр. 289

فأنفق المليون جنيه وزيادة، ولم يجد السعادة حتى إنه كان لا يأكل إلا شيئًا يسيرًا من الطعام، فهو ممنوع من أكل كثير من الأطعمة، وأخيرًا، مات بهذا المرض حسيرًا نادمًا. • هل السعادة في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتورًا!!. الإجابة - بكل ثقة - لا. طبيبة تصرخ، تقول: خذوا شهاداتي وأعطوني زوجًا!!! انظروا كيف تقول هذه الطبيبة، وربما كانت في نظر كثير من الناس «سعيدة جدًا». لأن الطب ـ في نظر كثير من الناس ـ أعلى العلوم، وشهاداته أفضل الشهادات، وهذه نظرة خاطئة، إنما هذه نظرة الكثير من الناس، أن الإنسان إذا كان «دكتورًا»، وفي الطب، فإنه يعيش في قمة السعادة. تقول تلك الطبيبة: خذوا شهاداتي ومعاطفي، وكل مراجعي، وجالب السعادة الزائفة (تعني المال)، وأسمعوني كلمة «ماما».ثم تقول هذه الأبيات: لقد كنْتُ أرجُو أنْ يُقالَ طبيبةٌ ... فقد قِيل فما نالني مِن مقالِها فَقُل للتي كانتْ ترَى في قدوةً ... هي اليومَ بينَ الناسِ يُرثَى لحالِها وكلّ مُناها بعضُ طِفْلٍ تَضُمُّهُ ... فهل ممكنٌ أنْ تشتريه بمالِها • هل أصحاب السعادة هم أصحاب المناصب العالية المرموقة من قادة ووزراء وغيرهم؟ لا. أتدرون لماذا؟ لأن المسئولية هَمٌّ في الدنيا، وإن لم يقُمْ صاحبها بحقها فهي حسرة وندامة يوم القيامة. صاحب المنصب والسلطان لا يفارقه الهمّ خوفًا من زواله، تجده يشقى للمحافظة عليه، وإذا زال منصبه ـ ولابد أن يزول ـ عاش بقية عمره تعيسًا. والمنصب قد يكون سببًا في هلاك صاحبه، ولذلك يعيش في خوف وقلق دائمين. وكفانا على ذلك قصة: فرعون وهامان صاحبا المناصب العالية المرموقة اللذان خلد القرآن قصتيهما. أما في العصر الحاضر، فشاه إيران مثال واضح: الرجل الذي أقام حفلًا ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد أن يبسط نفوذه على الخليج، ثم على العالم العربي بعد ذلك،

стр. 290

ليلتقي مع اليهود. ذلك الرجل الذي كان يتغنى ويتقلب كالطاووس، كيف كانت نهايته. لقد تشرد!! طُرد!! لم يجد بلدًا يأويه، حتى أمريكا التي كان أذل عميل لها. وظل على هذه الحال حتى مات شريدًا طريدًا في مصر، بعد أن أنهكه الهم، وفتك به السرطان. أما أولاده وأهله وحاشيته فقد أصبحوا أشتاتا متفرقين في عدة قارات!!! قالوا: السعادةُ في النفوذِ وسلطةِ الجاهِ العتيدْ مَن كالأميرِ وكالوزيرِ وكالمديرِ وكالعميدْ؟ يرنُو إلى مَن دونَهُ فيُسَابقون لما يريدْ وإذا رأى رأيًا فذلك ـ وحدَه ـ الرأيُ الرشيد كلٌ يُسَارعُ في هواهُ وعن رضاه لا يحِيدْ قلت: اطرحوا هذي المظاهرَ واسمعوا بيتَ القَصيدْ فأخو النفوذِ بجاهِهِ يَشْقَى وإنْ سحبَ البُرودْ ما عاش يحرصُ أنْ يدومَ له النفُوذُ ويستزيدْ متمَلّقًا مَن فوقَه ... طمَعَ المثوبةِ والمزيدْ ومخافةَ أن يَسقطَ ... الكرسيُّ يومًا أو يميدْ مُتَرضِّيًا مَنْ دُونَه ... بعطائِه أو بالوعودْ يبغِي رضا كلّ الورى ... ورِضَاهُمُو شيءٌ بعيدْ فتراه يبْسُم للبغيض ... كأنه الحِبُّ الودودْ وتراهُ يمْتَدحُ الغبيَّ ... كأنه الفَطِنُ الرشيدْ فاعجَبْ لأزياءِ الملوكِ ... وتحتها نَفْسُ العبيدْ لا يخدَعَنَّك ثُلّة ... حاطوا به مثلَ الجنودْ أبصِرْهُمُو ـ إن شئتَ ـ حينَ ... يجيءُ بالعزلِ البريدْ تجد النفوذَ هوى كما ... تهوي وتنفرطُ العقودْ

стр. 291

ذهب البطانةُ واختفى ... الزوارُ، وانفضَّ الحشودْ وافَوْهُ يومَ نفاقِهِ ... وجَفَوْه أيامَ الرُّكودْ وإذا رأوْه دعَوْا: ألا بعدًا ... كما بعِدَتْ ثمودْ أفبعدَ ذاكَ تَظُنُّ أنّ ... أخَا النفوذِ هو السعيدْ؟ إذن هذه هي السعادة الوهمية التي يتصور الناس أنها حقيقة السعادة. كثير من الناس يبدو لأول وهلة أنهم سعداء، وهم في الواقع يتجرعون غصص الشقاء والبؤس والحسرة. ومن أوضح الأمثلة على السعادة الوهمية، ما تعيشه أوربا، وبخاصة الدول الإسكندنافية، فهي أغنى الدول، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب الانتحار. فدولة السويد مثلا هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار!! بينما نجد الدول الإسلامية - مع أن أكثرها فقيرة - تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم. وهكذا نرى من خلال الواقع أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في الشهرة، ولا في الشهادات، ولا في المناصب، ولا ما أشبه ذلك من حطام الدنيا. • موانع السعادة: لا ريب أن هناك موانع كثيرة للسعادة تحول دون الوصول إليها، والتنعم بالعيش فيها. وأهمها: ١ - الكفر: يقول الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: من الآية١٢٥). هكذا يصور القرآن التعاسة والشقاء تصويرا دقيقا. ٢ - عمل المعاصي والآثام والجرائم: إن المعاصيَ التي يقترفها الناس آناء الليل وأطراف النهار لها آثار مدمرة على الفرد والمجتمع والحياة كلها، وذلك أنّ قوام الحياة

стр. 292

وصلاحها إنما هو في الطاعة والاستقامة على أمر الله والتقيد بشرعه الحنيف، وكلّ انحراف عن أمره، وكل اتباع لنزغات الشيطان وكل تفلُّت من دينه إنما هو ركض وراء السراب، وضرب في تيه الشقاء، ولا بد أن يلمس الإنسان آثارها النكرة في نفسه وحياته ثم في أخراه يوم لقاء ربه. ٣ - الحسد والغيرة: وأمر الحسد خطير، حتى إن الله -تعالى- يأمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد، قال : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق:٥). وقال الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: من الآية٥٤).قال ذلك عن الكفار. وقال رسول الله ﵌ موجها أمته: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (متفق عليه) ٤ - الحقد والغل: قال في سورة الحشر: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: من الآية١٠). يصف الله المؤمنين في هذه الآية بأنهم يقولون هذا الدعاء، لأن الغل من موانع السعادة. ويقول واصفًا المؤمنين في حياتهم الأبدية، في جنة الخلد: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (الأعراف: من الآية٤٣). إن الحاقد يظل طوال وقته لا يفكر إلا في النَّيْل من الذي يحقد عليه، فقد يكذب عليه، وقد يضر به، ولا يهاب في سبيل ذلك ما يفعل. ٥ - الغضب: فلا شك أن الغضب من حواجب السعادة والانشراح، ولذلك امتدح الله المؤمنين قائلا عنهم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه).

стр. 293

(بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء: الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَة، وَالصُّرْعَة بِسُكُونِ الرَّاء بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعهُ غَيْره كَثِيرًا. ٦ - الظلم: فإن الظلم مرتعه وخيم. وعاقبته سيئة إلى أبعد الحدود. فلنقف على مثالين معاصرين يصوران عقبى الظلم ومآل الظلمة، هما (حمزة البسيوني، وصلاح نصر)، فقد كانا من جنود زعيمهما (جمال عبد الناصر) صبَّا على الدعاة إلى الله من الظلم والعذاب ما تقشعر له الأبدان. ولكن: كيف كانت حياتهم؟ شر حياة والله. أما حمزة البسيوني فقد بلغ به التجبر والطغيان إلى حد أنه كان يقول للمؤمنين ـ وهو يعذبهم حينما يستغيثون بالله ـ يقول: أين إلهكم لأضعه في الحديد! وأما صلاح نصر فقد كان يعقد على زوجات الناس عقودًا وهمية، وهن في عصمة رجال آخرين، ويتزوجهن!!! لكن كيف كانت نهاية أولئك الطغاة؟ حمزة البسيوني اصطدمت سيارته، وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية، بشاحنة تحمل حديدًا، فدخل الحديد في جسمه، من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعجز المنقذون أن يخرجوه إلا قطعًا. هكذا أهلكه الله بالحديد، وهو الذي كان يقول إنه سيضع الله في الحديد، تعالى الله عما يقول الظالمون. وأما صلاح نصر فقد أصيب بأكثر من عشرة أمراض مؤلمة، مزمنة، عاش عدة سنوات من عمره في تعاسة، ولم يجد له الطب علاجًا، حتى مات سجينًا، مزجوجًا به في زنزانات زعمائه الذين كان يخدمهم. ٧ - الخوف من غير الله : إن الخوف من غير الباري يورث الشقاء والذلة، قال : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:١٧٥).

стр. 294

وقال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ (الأنعام: من الآية٨٠). ٨ - التشاؤم: كم كان التشاؤم سببًا في التعاسة والمتاعب. ولهذا كان المصطفى ﵌ يعجبه الفأل، ويكره التشاؤم. (رواه البخاري ومسلم). فالمتشائم يتحمل بفعل اتجاهه التشاؤمي متاعب عدة، هي أشد وقعًا على أعصابه من الكوارث والملمات التي قد تقع به. ٩ - سوء الظن: فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: من الآية١٢). ويقول الرسول ﵌: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثَ» (متفق عليه). ١٠ - الكبر: المتكبر يعيش في شقاء دائم، وتعاسة أبدية، وإن تغطرس، وتعالى على الناس، وغمطهم حقوقهم. ١١ - تعلق القلب بغير الله: كتعلق قلب العاشق بمعشوقته. ويكفي لتصوير خطورة الأمر أن نقرأ قصة مجنون ليلى، لنعلم كيف عاش هذا الرجل شريدًا طريدًا، حتى جُنَّ، ومات وهو عاشق. وكم من عاشق مات في عشقه، وقدم على الله وقلبه معلق بغيره. فيالها من خسارة دنيوية وأخروية. ١٢ - المخدرات: إن كثيرًا من الناس يتوهم أن السعادة تجتلب بمعاقرة المخدرات والمسكرات، فيقبلون عليها، قاصدين الهروب من هموم الدنيا ومشاغلها وأتراحها، وإذا بهم يجدون أنفسهم كالمتجير من الرمضاء بالنار. إن المخدرات في الحقيقة تجلب الشقاء، واليأس، والانحلال، والدمار: دمار الفرد والمجتمع والأمة، وإن لنا في الواقع الحاضر لخير شاهد على ذلك فليعتبر أولو الألباب.

стр. 295

٢١ - أسباب السعادة وصفات السعداء إن من يريد أن ينال السعادة، وهو لم يأخذ بأسبابها يصدق عليه قول الشاعر: ترجُو النجاةَ ولم تسلُكْ مسالكَها ... إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ فلنقف معا على أسباب السعادة وصفات السعداء لعل الله أن يوفقنا للأخذ بها إنه جواد كريم: ١ - الإيمان بالله، والعمل الصالح: يقول الله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: من الآية٩٧) أي فلنحيينه حياة سعيدة. وكلنا يريد الحياة الطيبة، فعلينا بالعمل الصالح مع الإيمان: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: من الآية٦٩). وفي حديث أبي يحيى صهيب بن سنان ﵁ قال رسول الله ﵌: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم). وكان الرسول ﵌ يجد راحته ولذته في الصلاة والطاعة، كان يقول: «أقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ، أرِحْنَا بِالصَّلَاة» (رواه أحمد وأبو داود). بينما نجد كثيرًا من الناس يقول: أرحنا من الصلاة، نحن في غم، في هم، نحن مشغولون عن الصلاة - هكذا يقولون - والرسول ﵌ يقول: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (رواه أحمد والنسائي). ولنعرّج على مثال حي واقعي، لنرى كيف يفعل الإيمان بأصحابه، كيف يجعلهم يشعرون بالسعادة في كل الأحوال!! الإمام ابن تيمية ﵀ عُذب وسُجن وطُرد، ومع هذا نجده يقول، وهو في قلعة دمشق، في آخر مرحلة من مراحل إيذائه وجهاده،

стр. 296

يقول: «ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحلتُ فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة». ٢ - الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره: فكله من الله فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وهذه الصفة من أهم صفات السعداء، إذ لا يمكن أن تحصل السعادة إلا لمن يؤمن بالله، ومن الإيمان بالله الإيمان بقضائه وقدره، والرضا بقسمه، لأن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن ينتابه شيء من الهموم والمصائب، فإن لم يؤمن بالقضاء والقدر، هلك. ولنضرب مثلا للإيمان بالقضاء والقدر، وأثره في سعادة الإنسان: وفي الحكاية الصحيحة الثابتة ـ كما يقول الشيخ أبو إسحق الحويني ـ: أن عروة بن الزبير بن العوام ـ وهو أحد التابعين الكبار ـ ﵀ ورضي عن أبيه ـ رحل إلى الوليد عبد الملك بن مروان، وكان في رجله مرض ودبت إلى رِجْله الآكلة (السرطان)، فلما وصل إلى عبد الملك بن مروان استشرى المرض في رجله، فقال الطبيب له: لا حل إلا أن نقطعها لك، قال: وكيف ذلك؟ قالوا: تشرب خمرًا حتى نستطيع أن نقطعها لك فلا تتألم. فقال: ما كنت لأستعين على دفع بلاء الله بمعصية الله، ولكن دعوني حتى إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها. فلما دخل في الصلاة قطعوها فما أحس بها، وبعد أيام من قطع رِجْله، سقط ولده من على سطح الدار فمات، ـ وكان عنده سبعة أولاد ـ فبلغ ذلك عروة فقال: «اللهم لك الحمد، أخذت واحدًا وأبقيت ستة، وأخذت عضوًا وأبقيت ثلاثة، اللهم لئن ابتليت فلقد عافيت، ولئن أخذت فلقد أبقيت». قال الشيخ أبو إسحق الحويني: «لولا أن أسانيد هذه القصة صحيحة لما كاد المرء يصدقها!».

стр. 297

هذا هو الإيمان الصادق بالقضاء والقدر، ولكن أين أمثال هؤلاء التقاة الخاضعين لله، المسَلّمين لمشيئته، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:٣٥). ٣ - الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن: قال : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). إن من داوم على ذكر الله يعش سعيدا مطمئن القلب. أما من أعرض عن ذكر الله، فهو من التعساء البؤساء. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف:٣٦). ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:١٢٤). ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الزمر: من الآية٢٢). ٥ - انشراح الصدر وسلامته من الأدغال: في القرآن الكريم آيات عديدة في مقام الانشراح، فقد حكى الله عن موسى ﵇؛ قوله ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (طه: من الآية٢٥). وقال تعالى ممتنا على رسوله محمد ﵌: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح:١). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ (الأنعام:١٢٥).ويقول : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الزمر:٢٢). فانشراح الصدر وطلبه من علامات السعادة وصفات السعداء. ٥ - الإحسان إلى الناس: وهذا أمر مجرب، ومشاهد، فإننا نجد الذي يحسن إلى الناس من أسعد الناس، ومن أكثرهم قبولا في الأرض. ٦ - النظر إلى من هو دونك في أمور الدنيا وإلى من هو فوقك في أمور الآخرة: كما ورد في التوجيه النبوي الكريم حين قال ﵌: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» (رواه مسلم).

стр. 298

هذا في أمور الدنيا، لأنك إذا تذكرت من هو دونك، علمت فضل الله عليك فإنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ» (رواه مسلم). أما في أمور الآخرة فانظر إلى من هو أعلى منك، لتدرك تقصيرك وتفريطك، لا تنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا. ٧ - قصر الأمل وعدم التعلق بالدنيا، والاستعداد ليوم الرحيل: فالحياة قصيرة. فلا تقصرها بالهم والأكدار. وهاك يا أخي هذه المحاورة القيمة التي دارت بين نفر، من المتخلين عن الدنيا، المتأهبين ليوم الرحيل. جلس نفر من الصالحين يتذاكرون، ويتساءلون حول قصر الأمل. فقيل لأحدهم: ما بلغ منك قصر الأمل؟ فقال: بلغ مني قصر الأمل أنني إذا رفعت اللقمة إلى فمي، لا أدري أأتمكن مِن أكلِها أم لا!! ووجه السؤال نفسه إلى آخر، فأجاب بقريب من ذلك. ولما سئل ثالثهم عن مبلغ قصر الأمل في نفسه. قال: بلغ مني قصر الأمل أني إذا خرج مني النفس، لا أدري أيرجع أم لا!! إن الحياة ـ يا أخي ـ قصيرة، فلا تزِدْها قصرًا ومحقًا بالهموم والأكدار. ٨ - اليقين بأن سعادة المؤمن الحقيقية في الآخرة لا في الدنيا: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود:١٠٨). ويقول الرسول ﵌: «الدُنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (رواه مسلم). وهنا قصة عجيبة للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:خرج يوما بأبهته ـ وكان رئيس القضاة بمصر ـ فإذا برجل يهودي، في حالة رَثّة، فقال اليهودي: قف. فوقف ابن حجر. فقال له: كيف تفسر قول رسولكم: «الدُنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»، وها أنت تراني في حالة رثة وأنا كافر، وأنت في نعيم وأبهة مع أنك مؤمن؟!».

стр. 299

فقال ابن حجر: «أنت مع تعاستك وبؤسك تعد في جنة، لما ينتظرك في الآخرة من عذاب أليم ـ إن مِتَّ كافرًا ـ. وأنا مع هذه الأبهة ـ إن أدخلني الله الجنة ـ فهذا النعيم الدنيوي يعد سجنا بالمقارنة مع النعيم الذي ينتظرني في الجنات». فقال اليهودي: أكذلك؟ قال: نعم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ٩ - مصاحبة الأخيار والرفقة الصالحة: ولا يستطيع أحد أن ينكر أثر القرين على قرينه، فهو مشهود، ومجرب، وواضح من خلال الواقع، ومن خلال التاريخ. ولذلك قال الرسول ﵌: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (متفق عليه). ١٠ - أن تعلم أن أذى الناس خير لك ووبال عليهم: قال إبراهيم التيمي: «إن الرجل ليظلمني، فأرحمه». ويروى أن الإمام ابن تيمية ﵀ أساء إليه عدد من العلماء وعدد من الناس، وسجن في الإسكندرية، فلما خرج، قيل له: أتريد أن تنتقم ممن أساء إليك؟ فقال: «قد أحللت كل من ظلمني، وعفوت عنه» تحية طيبة وبعد أحَلَّهم جميعًا؛ لأنه يعلم أن ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة. ويحكي الفضيل بن عياض: أنه كان في الحرم، فجاء خراساني يبكي، فقال له: لماذا تبكي؟ قال: فقدت دنانير، فعلمت أنها سرقت مني، فبكيت. قال: أتبكي من أجل الدنانير؟ قال: لا، لكني بكيت، لعلمي أني سأقف بين يدي الله أنا وهذا السارق، فرحمت السارق، فبكيت. وبلغ أحد السلف أن رجلًا اغتابه، فبحث عن هدية جميلة ومناسبة، ثم ذهب إلى الذي اغتابه، وقدم إليه الهدية، فسأله عن سبب الهدية.

стр. 300

فقال: إن الرسول ﵌ قال: «مَنْ أتَى إليْكُمْ مَعْرُوفًا فَكافِئُوه» (١) وإنك أهديت لي حسناتك، وليس عندي مكافأة لك إلا من الدنيا. سبحان الله!! ١١ - الكلمة الطيبة، ودفع السيئة بالحسنة: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:٣٤).فتأمل يا أخي هذا الإرشاد الإلهي العظيم. وقال تعالى واصفًا عباده المؤمنين: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: ٧٢). ١٢ - الالتجاء إلى الله وكثرة الدعاء: وقد كان ذلك من هدي الرسول ﵌ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (رواه مسلم). وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». (حسن رواه أبو داود) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ ﵌ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَضَلْعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (صحيح رواه أبو داود). (ضَلْعِ الدَّيْنِ) أَيْ ثِقَله وَشِدَّته وَذَلِكَ حِين لَا يَجِدُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْن وَفَاءَهُ لَا سِيَّمَا مَعَ الْمُطَالَبَة. (وَغَلَبَة الرِّجَال): أَيْ قَهْرهمْ وَشِدَّة تَسَلُّطهمْ عَلَيْهِ. وَالْمُرَاد بِالرِّجَالِ الظَّلَمَة أَوْ الدَّائِنُونَ. • وختامًا: أدعوك أيها المسلم لتلحق بركب السعداء، سعادة حقيقية غير وهمية. لتفوز بالحياة الطيبة الهانئة بعيدا عن الأكدار والمنغصات وذلك بتحقيق معنى الإيمان بالله

стр. 301

والعمل الصالح في نفسك. فإن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧). قُل للذي يبْغِي السعادةَ ... هل علِمتَ مَنِ السعيدْ؟ إنّ السعادةَ أنْ تعيش ... لفكرةِ الحقِّ التليدْ لعقيدةٍ كبرَى تحلّ قضيةَ الكونِ العتيدْ وتجيبُ عما يسألُ الحيرانَ ... في وعيٍ رشيدْ مِن أينَ جئتُ؟ وأين أذهبُ؟ ... لِم خلقتُ؟ وهل أعودْ؟ فتشيعُ في النفسِ اليقينَ وتطردُ الشكَّ العنيدْ وتعلم الفكرَ السوِيَّ ... وتصنعُ الخُلُقَ الحميدْ هذِي العقيدةُ للسعيدِ ... هي الأساسُ هي العمودْ مَن عاشَ يحملُها ويهتفُ ... باسمِها فهو السعيدْ المالُ والجاهُ الحلالُ يراهُ أدْنَى ما يُريدْ فإذا استفادَ المالَ ... فهو لخيرِ أمتِه رصيدْ والجاهُ عدتُه لنفعِ الناسِ ... مِن بِيضٍ وسُودْ فيعيش مِن معروفِه ... في مِثْل سلطانِ الرشيدْ مَلِكًا تحيط به القلوبُ ... ولا تحيطُ به الجنودْ ويعيش مِن أخلاقِه ... في عالمِ الخيرِ المديدْ حُلْوَ الشمائلِ في حياءِ ... الزهرِ، في طُهْرِ الوليدْ يحيا بقلبٍ مِن حريرٍ ... لا بقلبٍ مِن حديدْ يحنُو على العانِي كما ... يحنُو النسيمُ على الورودْ ويذوبُ للشاكي كما قد ... ذابَ في الشمسِ الجليدْ هو في الرخاءِ وفي ... الشدائدِ للجميعِ أخٌ ودودْ لا الفقرُ يُذْهلُه ولا ... الإثراءُ يُنسيهِ العهودْ

стр. 302

٢٢ - نحن والمزاح إن الإنسان مدني بطبعة، ومع اتساع المدن وكثرة الفراغ لدى بعض الناس، وانتشار أماكن التجمعات العامة كالمنتزهات والاستراحات، وكثرة الرحلات البرية، والاتصالات الهاتفية، واللقاءات المدرسية، والتجمعات الشبابية، توسع كثير من الناس في المزاح مع بعضهم البعض، دون ضابط لهذا الأمر الذي قد يؤدي إلى المهالك، ويورث العداوة والبغضاء. والمراد بالمزاح: الملاطفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور. وقد كان هذا من هدي النبي ﵌ كما ذكر ذلك البخاري في (بَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ) عن أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النّغَيْرُ» (رواه البخاري). النّغَيْر: طَائِر مَعْرُوف يُشْبِه الْعُصْفُور. وَفِي الحديث جَوَاز الْمُمَازَحَة وَتَكْرِير الْمَزْح وَأَنَّهَا إِبَاحَة سُنَّة لَا رُخْصَة، وَأَنَّ مُمَازَحَة الصَّبِيّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّز جَائِزَة. وَفِيهِ تَرْك التَّكَبُّر وَالتَّرَفُّع. عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، احْمِلْنِي»، قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ» قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟». فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟» (صحيح رواه أبو داود). (اِحْمِلْنِي): أَيْ عَلَى دَابَّة وَالْمَعْنَى اِعْطِنِي حَمُولَة أَرْكَبهَا. (قَالَ وَمَا أَصْنَع بِوَلَدِ النَّاقَة): لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَف عِنْد الْعَامَّة فِي بَادِي الرَّأْي اِسْتِعْمَال وَلَد النَّاقَة فِيمَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَصْلُح لِلرُّكُوبِ وَإِنَّمَا يُقَال لِلصَّالِحِ الْإِبِل، تَوَحّش الرَّجُل عَلَى فَهْم الْمَعْنَى.

стр. 303

(وَهَلْ تَلِد الْإِبِلَ): بِالنَّصْبِ مَفْعُول مُقَدَّم، (إِلَّا النُّوقُ): بِضَمِّ النُّون جَمْع نَاقَة وَهِيَ أُنْثَى الْإِبِل. وَقَوْله (إِلَّا النُّوقُ) بِالرَّفْعِ فَاعِل مُؤَخَّر؛ فَالْإِبِل وَلَوْ كِبَارًا أَوْلَاد النَّاقَة فَيَصْدُق وَلَد النَّاقَة بِالْكَبِيرِ وَالصَّغِير. وَالْمَعْنَى إِنَّك لَوْ تَدَبَّرْت لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، فَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ قَوْلًا أَنْ يَتَأَمَّلهُ وَلَا يُبَادِر إِلَى رَدّه. وعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ قال له: «يَا ذَا الأذُنَيْنِ» يمازحه. (صحيح رواه الترمذي).وهَذَا الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ مُدَاعَبَاتِهِ ﵌ وَلَطِيفِ أَخْلَاقِهِ. ولا شك أن التبسط لطرد السأم والملل، وتطيب المجالس بالمزاح الخفيف فيه خير كثير فإن مَنْ اسْتَعَانَ بِالْمُبَاحِ الْجَمِيلِ عَلَى الْحَقِّ فَهَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟»، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْر» (رواه مسلم). البُضْع: الْجِمَاع، وَيُطْلَق عَلَى الْفَرْج نَفْسه وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَات تَصِير طَاعَات بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَات، فَالْجِمَاع يَكُون عِبَادَة إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاء حَقّ الزَّوْجَة وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ، أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَاف الزَّوْجَة وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ النَّظَر إِلَى حَرَام، أَوْ الْفِكْر فِيهِ، أَوْ الْهَمّ بِهِ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ لَهُ: «إنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلَّا ازْدَدْت بِهَا دَرَجَةً وَرِفْعَةً حَتَّى اللُّقْمَةُ تَضَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِك». وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. فَالْمُؤْمِنُ إذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ أَتَتْ عَلَى عَامَّةِ أَفْعَالِهِ وَكَانَتْ الْمُبَاحَاتُ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِ لِصَلَاحِ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ». •

стр. 304

ضوابط المزاح: وقد اعتبر بعض الفقهاء المزاح من المروءة وحسن الصحبة، ولاشك أن لذلك ضوابط منها: ١ - ألا يكون المزاح إلا صدقًا: قال ﵌: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» (حسن رواه أبو داود). (وَيْل): أَيْ هَلَاك عَظِيم أَوْ وَادٍ عَمِيق فِي جَهَنَّم (فَيَكْذِب): أَيْ فِي تَحْدِيثه وَإِخْبَاره (لِيَضْحَك): بِفَتْحِ الْيَاء وَالْحَاء (بِهِ): أَيْ بِسَبَبِ تَحْدِيثه أَوْ الْكَذِب (الْقَوْم): بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل، وَيَجُوز بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْحَاء (لِيُضْحِكَ) وَنَصْب الْقَوْم عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا؟ قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» (صحيح رواه الترمذي) (إِنَّك تُدَاعِبُنَا) مِنْ الدُّعَابَةِ أَيْ تُمَازِحُنَا. ومن الكذب في المزاح ما يسمونه بالنكت، وهي مواقف مضحكة لم تحدث، ويكون فيها ـ في الغالب ـ سخرية واستهزاء بطائفة من الناس، بل وقد يكون فيها ما يخدش الحياء ويشجع على انتشار الفاحشة بتهوين أمر الغيرة على الأعراض، والتهوين من قبح المعاصي، بل أحيانًا يكون فيها استهزاء بأمور الدين ـ والعياذ بالله. ٢ - ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين: فإن ذلك من نواقض الإسلام قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ *لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٥ - ٦٦)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه». وكذلك الاستهزاء ببعض السنن، ومما انتشر الإستهزاء باللحية أو الحجاب، أو بتقصير الثوب أو غيرها؛ فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يبعث فيه لا باستهزاء، ولا بإضحاك، ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر،

стр. 305

لأنه يدل على استهانته بالله ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله مما صنع، لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عمله ويجعل في قلبه خشية الله وتعظيمه وخوفه ومحبته. ٣ - عدم الترويع: خاصة ممن لديهم نشاط وقوة أو بأيديهم سلاح أو قطعة حديد، أو يستغلون الظلام وضعف بعض الناس ليكون ذلك مدعاة إلى الترويع والتخويف. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﵌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﵌، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (صحيح رواه أبو داود). (لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّع مُسْلِمًا): أَيْ يُخَوِّفهُ؛ وَلَوْ هَازِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاء. ٤ - الإستهزاء والغمز واللمز: الناس مراتب في مداركهم وعقولهم وتتفاوت شخصياتهم، وبعض ضعاف النفوس ـ أهل الاستهزاء والغمز واللمز ـ قد يجدون شخصا يكون لهم سلما للإضحاك والتندر - والعياذ بالله - وقد نهى الله عن ذلك فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات:١١)، قال ابن كثير في تفسيره: «المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام، ويعد من صفات المنافقين» والبعض يستهزي بالخلقة أو بالمشية أو المركب ويُخْشَى على المستهزىء أن يجازيه الله بسبب استهزائه. وحذر ﵌ من السخرية والإيذاء؛ لأن ذلك طريق العداوة والبغضاء قال ﵌: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى

стр. 306

صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم). ٥ - أن لا يكون المزاح كثيرًا: فإن البعض يغلب عليهم هذا الأمر ويصبح ديدنًا لهم، وهذا عكس الجد الذي هو من سمات المؤمنين، والمزاح فسحة ورخصة لاستمرار الجد والنشاط والترويح عن النفس. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «اتقوا المزاح، فإنه حمقة تورث الضغينة». قال الإمام النووي ﵀: «المزاحُ المنهِيُّ عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى: ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﵌ يفعله». قَدِّمْ لنفسِكَ في الحياةِ تزَوُّدًا ... فلقد تُفارقُها وأنتَ موَدَّعُ وَاهْتَمَّ لِلسَّفرِ القَرِيبِ فإِنَّهُ ... أنآى مِن السفرِ البعيدِ وأشْسَعُ واجعَلْ تزوُّدَك المخافةَ والتّقَى ... وكأن حَتْفَك مِن مسائِكَ أسْرَعُ والصمتُ يُحْسِنُ كلَّ ظنٍّ بالفتَى ... ولعلهُ خَرِقٌ سفِيهٌ أرْقَعُ وَدَعِ المُزَاحَ فَرُبَّ لفظة ِ مازحٍ ... جَلَبَتْ إليكَ مساوئًا لا تُدْفعُ (الشَّاسِع والشَّسُوع: البَعِيد). (الأَخْرَقُ والخَرِقِ: الأحمق، ومَن لا يُحْسِنُ الصَّنْعَةَ). (الرقيع: الأحمقُ). ٦ - أن يكون المزاح بمقدار الملح للطعام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁:فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ» فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ

стр. 307

تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (حسن رواه الترمذي). (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أَيْ الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ لِلسَّامِعِ الْمُصَوَّرَةَ فِي ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ. (وَقَالَ اِتَّقِ الْمَحَارِمَ) أَيْ اِحْذَرْ الْوُقُوعَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْك (تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ) أَيْ مِنْ أَعْبَدْهُمْ. (وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَك) أَيْ أَعْطَاك (تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) فَإِنَّ مَنْ قَنَعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلَمْ يَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ اِسْتَغْنَى عَنْهُمْ، قال ﵌: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (رواه البخاري ومسلم). والْعَرَض هُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا. (وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِك) بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (تَكُنْ مُؤْمِنًا) أَيْ كَامِلَ الْإِيمَانِ. (وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك) مِنْ الْخَيْرِ (تَكُنْ مُسْلِمًا) أَيْ كَامِلَ الْإِسْلَامِ. (وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ) أَيْ تُصَيِّرُهُ مَغْمُورًا فِي الظُّلُمَاتِ، بِمَنْزِلَةِ الْميِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا مَكْرُوهًا، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ. وقال عمر بن الخطاب ﵁: «من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عُرِف به». الرفقُ يُمنٌ وخيرُ القولِ أصدقُه وكَثْرةُ المزحِ مفتاحُ العداواتِ والصدقُ برٌ وقولُ الزورِ صاحبُه يومَ المعادِ حَرِيٌّ بالعقوباتِ ٧ - معرفة مقدار الناس: فإن البعض يمزح مع الكل بدون اعتبار، فللعالم حق، وللكبير تقديره، وللشيخ توقيره، ولهذا يجب معرفة شخصية المقابل فلا يمازح السفيه ولا الأحمق ولا من لا يعرف. وفي هذا الموضوع قال عمر بن عبد العزيز: «اتقو المزاح، فإنه يذهب المروءة».

стр. 308

وقال سعد بن أبي وقاص: «اقتصر في مزاحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجَرّىء عليك السفهاء». فإياكَ إياكَ، المزاحَ فإنّه يُجَرِّىءُ ... عليكَ الطفلَ والدنِسَ النَذْلَا ويُذْهِبُ ماءَ الوجهِ بعدَ بهاءِه ... ويورثُه مِن بعدِ عزتِه ذلا ٨ - ألا يكون فيه غيبة: وهذا مرض خبيث، ويزين لدى البعض إنه يحكى ويقال بطريقة المزاح، وإلا فهو داخل في حديث النبي ﵌: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (رواه مسلم) ٩ - اختيار الأوقات المناسبة للمزاح: كأن تكون في رحلة برية، أو في حفل سمر، أو عند ملاقاة صديق، تتبسط معه بنكتة صادقة لطيفة، أو طرفة عجيبة، أو مزحة خفيفة، لتدخل المودة على قلبه والسرور على نفسه، أو عندما تتأزم المشاكل الأسرية ويغضب أحد الزوجين، فإن الممازحة الخفيفة تزيل الوحشة وتعيد المياه إلى مجاريها. قال رجل لسفيان بن عيينة ﵀: «المزاح هُجْنَة ـ أي مستنكر ـ» فأجابه قائلًا: «بل هو سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه في مواضعه». والأمة اليوم وإن كانت بحاجة إلى زيادة المحبة بين أفرادها وطرد السأم من حياتها، إلا أنها أغرقت في جانب الترويح والضحك والمزاح فأصبح دَيْدَنَها وشغل مجالسها وسمرها، فتضيع الأوقات، وتفنى الأعمار، وتمتلىء الصحف بالهزل واللعب. قال ﵌: «لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» (رواه البخاري). والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة «وعلى المسلم والمسلمة أن ينزع إلى اختيار الرفقة الصالحة الجادة في حياتها ممن يعينون على قطع ساعات الدنيا والسير فيها إلى الله بجد وثبات، ممن يتأسون بالأخيار والصالحين، قال بلال بن سعد: «أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانا». وسُئِلَ ابن عمر ﵄: «هل كان أصحاب رسول الله ﵌ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال». فعليك بأمثال هؤلاء، فرسان النهار، رهبان الليل. يا أُمتي وجب الكفاحْ فدعي التشدق والصياحْ ودعي التقاعُس ليس يُنْصَرُ من تقاعسَ واستراحْ ما عادَ يُجدينا البكاءُ على الطُلُولِ ولا النُّواحْ يا قومْ .. إن الأمرَ جِدٌّ قد مضَى زمنُ المِزاحْ سقط القِناعُ عن الوجوهِ ... وفِعلُهم بالسرِّ باحْ عادَ الصليبيّونَ ثانيةً ... وجالوا في البِطاحْ عادوا وما في الشرقِ (نور ... الدين) يحكُمُ أو (صلاحْ) عاثوا فسادًا في الديار كأنها كلْاٌ مُباحْ لم يخجَلوا من ذبحِ شيخٍ ... لو مشى في الريح طاحْ أو صِبْيَةٍ كالزهرِ لم ... يَنْبٌتْ لهم ريشُ الجناحْ ذبحوا الصبيَّ وأمَّهُ وفتاتها ذاتَ الوشاحْ عبثوا بأجسادِ الضحايا ... في انتِشاءٍ وانشِراحْ لم يَشْفِ حِقدَهُمُ دمٌ ... سفحوه في صَلَفٍ وقاحْ فغدَوْا على الأعراضِ لم ... يَخْشَوا قِصاصًا أو جُناحْ لم يعبأوا بقرار أمنٍ داَنهم أو باقْتراحْ يا أمة الإسلامِ هُبُّوا ... واعملوا، فالوقتُ راحْ الكفرُ جَمَّعَ شَمْلَهُ ... فلِمَ النِّزاعُ والانتطاحْ فتجمَّعوا وتجهَّزوا ... بالمُستطاعِ وبالمُتاحْ يا ألفَ مِليونٍ وأينَ هُمو إذا دعت الجِراحْ

стр. 309

٢٣ - إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ ﵁، عَنْ رسولِ الله ﵌ قال: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (رواهُ مُسلم). (الذِّبْحَةَ) بكسر الذال والهاء كالقتلةِ، وهي الهيئة، ويروى: «الذَّبْحَ» بفتح الذال بغير هاء. • معنى الحديث: قولُه ﵌: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ» ظاهرُهُ يقتضي أنَّه كتب على كلِّ مخلوق الإحسان، فيكون كُلُّ شيءٍ، أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه، والمكتوب هو الإحسّانُ. وقيل: إنَّ المعنى: أنَّ الله كتب الإحسانَ إلى كلِّ شيء، أو في كلّ شيء، أو كتب الإحسانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور، وإنَّما المذكورُ المحسَن إليه. ولفظ: «الكتابة» يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين، وإنَّما يعرف استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء:١٠٣)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة:١٨٣)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (البقرة:٢١٦)، أو فيما هو واقع قدرًا لا محالة، كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (المجادلة:٢١)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:١٠٥)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ (المجادلة:٢٢). وقال النَّبيُّ ﵌ في قيام شهر رمضانَ: «إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ» (رواه البخاري ومسلم).

стр. 310

فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل:٩٠)، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:١٩٥). وهذا الأمرُ بالإحسّانِ تارةً يكونُ للوجوب كالإحسّان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ، والإحسّانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه. وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها. • دلالة الحديث: وهذا الحديثُ يدلّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه، فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب. والإحسانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام:١٢٠).فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب. وأما الإحسانُ في الصبر على المقدورات، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع. والإحسانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب. والإحسانُ في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه. وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ ﵌ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيلِ المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم

стр. 311

فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوه. وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة. وأسهلُ وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حقِّ الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (محمد:٤)، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (الأنفال:١٢) وقد قيل: إنَّه عين الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أنْ يَقْتُلَهُ كذلك. وكان النَّبيُّ ﵌ إذا بعث سريةً تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» (رواه مسلم). وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عمران بنِ حُصينٍ وسَمُرَة بنِ جُندبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﵌ كان يَنْهَى عن المُثْلةِ». (صحيح). ورواه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه: نَهى عن المُثْلَةِ. • القتلَ المباحَ يقع على وجهين: أحدُهما: أنْ يكون قصاصًا، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ. فإنْ كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء: أحدُهما: لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف. والقول الثاني: أنَّه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، وفي «الصحيحين» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﵌ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﵌: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟»، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَأَعَادَ

стр. 312

عَلَيْهَا قَالَ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟» فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟»، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ. وفي روايةٍ لهما: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﵌ عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا، وَرَضَخَ رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ الله ﵌ وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﵌: «مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ؟»، لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا. قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ أَنْ لَا، فَقَالَ فَفُلَانٌ ـ لِقَاتِلِهَا ـ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله ﵁ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (رواه البخاري ومسلم). وفي روايةٍ لمسلم: عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ الله ﵌ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ». (الْأَوْضَاح): قِطَع فِضَّة، (رَمَق): بَقِيَّة الْحَيَاة وَالرُّوح. وَالْقَلِيب: الْبِئْر. (رَضَخَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ) هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَعْنَاهَا وَاحِد؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ رَأْسه عَلَى حَجَر وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَر فَقَدْ رَجَمَ، وَقَدْ رَضَّ، وَقَدْ رَضَخَ. وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْم الْمعْرُوف مَعَ الرَّضْخ؛ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: أَنَّ الْجَانِي عَمْدًا يُقْتَل قِصَاصًا عَلَى الصِّفَة الَّتِي قَتَلَ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَب أَوْ نَحْوهمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ. الوجه الثاني من وجهَي القتلَ المباحَ: أنْ يكون القتلُ للكفر، إما لكفر أصلي، أو لردَّة عن الإسلام، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف. وكان النَّبيِّ ﵌ قد أَذِنَ في التحريق بالنار، ثم نهى عنه كما في (صحيح البخاري) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي بَعْثٍ وَقَالَ لَنَا إِنْ

стр. 313

لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ» قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». وصحَّ عن عليٍّ ﵁ أنَّه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس ﵁ عليه فروى البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵁:أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال: «لا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ اللهِ ». وقيل: إنَّ عليًا ﵁ لم يُحرّقهم، وإنَّما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا. (ذكره البيهقي). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنَّسائي من حديث ابن مسعودٍ ﵁ قال: «كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﵌، فمَرَرْنَا بِقَرْيَةِ نَمْلٍ قَدْ أُحْرِقَتْ، فغَضِبَ النَّبِيُّ ﵌ وقَالَ: إنَّه لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ » (صحيح). وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ. ونهت أمُ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال الإمام أحمد: لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ. • الرفق بالحيوان: وقد ثبت عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه نهى عن صَبْرِ البهائِمِ، وهو: أنْ تحبس البهيمة، ثُمَّ تُضرب بالنبل ونحوه حتَّى تموتَ. ففي «الصحيحين» عن أنسٍ ﵁:أنَّ النَّبيَّ ﵌ نَهَى أنْ تُصْبَرَ البَهَائِم. وفيهما أيضًا عن ابن عمر: أنَّه مرَّ بقوم نصبوا دجاجةً يرمونها، فقال ابنُ عمر: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا». وروى مسلم من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﵌ «أنَّه نَهَى أنْ يُتَخَّذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُوحُ غَرَضًا»، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام. وأمر النَّبيُّ ﵌ أنْ تُحَدَّ الشَّفْرةُ، وأنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ. (رواه أحمد وإسناده صحيح)، فالذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.

стр. 314

وقال عمر ﵁: «لا تَعْجلُوا الأنْفُسَ قَبْلَ أنْ تُزْهَقَ». (رواه البيهقي وقال الألباني: إسناده يحتمل التحسين). وروى الخلالُ والطبرانيُّ من حديث عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «مَرَّ رَسُولُ الله ﵌ عَلَى رَجُلٍ وَاضِعٍ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَةِ شَاةٍ، وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، وَهِيَ تَلْحَظُ إِلَيْهِ بِبَصرِها، فقال: «أفَلَا قَبْلَ هَذَا؟ تُرِيدُ أنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْنِ؟» (صحيح). وقال الإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتُوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسولُ الله ﵌ بذلك: «أنْ تُوَارَى الشّفَارُ».وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنَّها تعرف ربها، وتعرف أنَّها تموت. وروى عبدُ الرزاق عن ابن سيرين: أنَّ عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت قودًا جميلًا. وروى محمدُ بنُ زيادٍ: أنَّ ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا، فأخرج القصابُ شفرة، فقال: ما أسوقها سوقا جميلًا وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقًا جميلًا. وفي «مسند الإمام أحمد» عن معاوية بنِ قُرة، عن أبيه: أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ ﵌:يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها، فقال النَّبيُّ ﵌: «والشَاةُ إنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ». (إسناده صحيح). وقال مطرف بنُ عبد الله: إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور. وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها، (أي يفرق بينهما) وهو عام في بني آدم وغيرهم. فروى البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والحاكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﵌ َ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا».

стр. 315

وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟»، قُلْنَا: «نَحْنُ»، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (سنده صحيح). (الْحُمَّرَةُ):بضم الحاء وفتح الميم المشددة: طائر صغير كالعصفور أحمر اللون. (تُفَرِّش):أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض. وَسُئِلَ ﵌ عَنْ الْفَرَعِ قَالَ: «وَالْفَرَعُ حَقٌّ، وَأَنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا شُغْزُبًّا ابْنَ مَخَاضٍ أَوْ ابْنَ لَبُونٍ، فَتُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً، أَوْ تَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ، وَتَكْفَأَ إِنَاءَكَ، وَتُولِهُ نَاقَتَكَ». (حسن رواه أبو داود). والمعنى: أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه. وعن عبد الله بن جعفر ﵄ أن النبي ﵌ دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﵌ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (صحيح رواه أبو داود). (حَائِطًا): أَيْ بُسْتَانًا (فَإِذَا): لِلْمُفَاجَأَةِ (فَلَمَّا رَأَى): أَيْ الْجَمَل (النَّبِيّ ﵌). (حَنَّ): أَيْ رَجَّعَ صَوْته وَبَكَى (وَذَرَفَتْ): أَيْ جَرَتْ (عَيْنَاهُ): أَيْ عَيْنًا الْجَمَل. (ذِفْرَاهُ): الذِّفْرَى مِنْ الْبَعِير مُؤَخِّر رَأْسه وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يُعْرَف مِنْ قَفَاهُ. وقيل: ذِفْرَى الْبَعِير أَصْل أُذُنه. (وَتُدْئِبهُ): أَيْ تُكْرِههُ وَتُتْعِبهُ. وعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً». (صحيح رواه أبو داود). (قَدْ لَحِقَ ظَهْره بِبَطْنِهِ): أَيْ مِنْ الْجُوع. (الْمُعْجَمَة): أَيْ الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى النُّطْق. وَالْمعْنَى: خَافُوا اللهُ فِي هَذِهِ الْبَهَائِم الَّتِي لَا تَتَكَلَّم فَتَسْأَل مَا بِهَا مِنْ الْجُوع وَالْعَطَش وَالتَّعَب وَالْمَشَقَّة. وأصل الأعجم: الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها عجميًا كان أو عربيًا سمي به لعجمة لسانه، والتباس كلامه. (وَكُلُوهَا صَالِحَة): أَيْ حَال كَوْنهَا صَالِحَة لِلْأَكْلِ أَيْ سَمِينَة. قال الألباني: «قوله (كلوها) قيَّدُوها بضم الكاف من الأكل وعليه جرى المناوي في شرح هذه الكلمة، فإذا صحت الرواية بذلك فلا كلام، وإلا فالأقرب عندي أنها (كِلوها) بكسر الكاف من وكل يكل كل أي اتركوها، هذا هو المتبادر من سياق الحديث. وروى البخاري في «الأدب المفرد» أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ، ﵀ يَوْمَ القِيَامَةِ» (سنده حسن). وقال ﵌: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ». (رواه البخاري ومسلم). (فِي هِرَّة) أَيْ بِسَبَبِ هِرَّة. (خَشَاشِ الْأَرْضِ): هَوَامّ الْأَرْض وَحَشَرَاتهَا. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: «لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي». فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ؛ فَشَكَرَ الله لَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: «يَا رَسُولَ الله، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟» قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». (رواه البخاري) بَيْنَا: بَيْنَمَا. يَلْهَث: لَهَثَ الْكَلْبُ: أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ الْعَطَش.

стр. 316

الثَّرَى: الْأَرْض النَّدِيَّة. خُفّه: الخُفّ: ما يُلبَس في الرِّجْل من جِلْدٍ رقيق. ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ: أَيْ أمسك أَحَد خُفَّيْهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاء بفمه، وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِج بِيَدَيْهِ لِيَصْعَد مِنْ الْبِئْر، وَهُوَ يدل على أَنَّ الصُّعُود مِنْهَا كَانَ عَسِرًا. رَقِيَ: صَعِدَ. وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم أَجْرًا: أَيْ فِي سَقْي الْبَهَائِم أَوْ الْإِحْسَان إِلَى الْبَهَائِم. فِي كُلّ كَبِد رَطْبَة أَجْر: أَيْ كُلّ كَبِد حَيَّة، وَالْمُرَاد رُطُوبَة الْحَيَاة، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَة لَازِمَة لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَة، أَيْ الْأَجْر ثَابِت فِي إِرْوَاء كُلّ كَبِد حَيَّة. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلّ كَبِد حَيّ أَجْر، وَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع الْحَيَوَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّ عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم ـ وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ ـ فَيَحْصُل الثَّوَاب بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِق بِهِ إِطْعَامه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن التِّين: لَا يَمْتَنِع إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومه، يَعْنِي: فَيُسْقَى ثُمَّ يُقْتَل لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِن الْقِتْلَة وَنُهِينَا عَنْ الْمُثْلَة. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ». (رواه البخاري). ولفظ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (رواه مسلم). الْبَغِيّ: الزَّانِيَة، وَالْبِغَاء هُوَ الزِّنَا. رَكِيٍّ: ِبِئْرٍ. يُطِيفُ بِبِئْرٍ: يَدُور حَوْلهَا. أَدْلَعَ لِسَانه: أَيْ أَخْرَجَهُ لِشِدَّةِ الْعَطَش. الْمُوق: الْخُفّ: وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلد رقيق. نَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا: أي أخْرَجَتْ له الماءَ بِخُفِّها مِن البِئْرِ.

стр. 317

• ومن الآثار في الرفق بالحيوان (ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة): أ - عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا، وقال: لم تحمل على بعيرك مالا يطيق؟! (رواه ابن سعد في «الطبقات» وسنده صحيح). ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا حَدَّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر ﵁ بالدِّرّة وقال أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟! (رواه البيهقي). (الدِّرَّة: السوط). ج - عن محمد بن سيرين: أن عمر ﵁ رأى رجلًا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدِّرَّة وقال: سُقْها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموت سوقًا جميلًا. (رواه البيهقي). د - عن وهب بن كيسان: أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي حوِّلْها، فإني سمعتُ النبي ﵌ يقول: «كُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ َرِعَّيِتِهِ». (رواه أحمد وسنده حسن). هـ - عن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له: (دمون)، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غدًا عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق. (رواه أبو الحسن الأخميمي في «حديثه»). قال الشيخ الألباني: تلك هي بعض الآثار، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي ﵌ في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة نقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع للناس مبدأ (الرفق بالحيوان)، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيمًا دقيقًا، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم! وغرهم في ذلك أنه لايكاد يُرَى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها وأهلها!

стр. 318

٢٤ - المستقبل لهذا الدين رغم مرارة الواقع ألمْ يَأْنِ للكفرِ أن يُهزَما ... ألم يأْنِ للدينِ أن يَحكما؟ فقدْ طالَ من أمتي نومُها ... وليلُ الجهالةِ قد خيّما وأنظرُ حوليَ في حسرةٍ ... وأستعجلُ النصرَ مُسترحما ليَعلمَ مَنْ لم يزلْ جاهلًا ... ويُبصرَ مَنْ لم يزلْ في عَمَى بأنَّ السبيلَ لمستنصر ... بأن يَنصرَ اللهَ ربَّ السما وأنَّ الذي لم يزلْ عاصيًا ... حريّ وأجدرُ أن يُهزما ومنْ لم يقاومْ هَوى نفسِه ... يَظلَّ أسيرَ الهوى دائمًا ولنْ تَستقيمَ لعودٍ ظلال ... إذا لم يكنْ جذعُه قائما يغيِّرُ ربُّ إذا غيّروا ... ولن ينصرَ اللهُ مستسلما • البشارة بمستقبل الدين رغم مرارة الواقع: كثيرًا ما يرد على أسماع المصلحين والدعاة وطلاب العلم أن المستقبل لهذا الدين، وأن المستقبل للإسلام، وأن النصر قادم إن شاء الله تعالى. فيقول القائل في مرارة وحسرة: أيّة بشرى بمستقبل الإسلام والمذابح الوحشية تلاحق المسلمين في كل مكان، أية بشرى وأيّ أمل وقد بُتر من جسد الأمة القدس الحبيب، أولى القبلتين ومسرى الرسول الأمين ﵌، وقد بترت العراق والشيشان وأفغانستان وغيرهم؟ أية بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام ـ على اختلاف مشاربهم وتعدد دياناتهم ـ على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، أية بشرى وأي أمل وقد مات ثلة من علماء الأمة الربانيين والمصلحين المخلصين واحدًا تلو الآخر رحمهم الله تعالى جميعا، وبالرغم من كل هذا بل وأكثر من هذا نقول: لئِنْ عرفَ التاريخُ أوسًا وخزرجَا فلِلّهِ أوسٌ قادمونَ وخزرجُ وإن كنوز الغيب تُخْفِي طلائعًا صابرةً رغمَ المكائدِ تخرجُ •

стр. 319

كيف يكون المستقبل للإسلام والأعداء قد اجتمعوا عليه وتكالبوا من كل جهة؟ كيف والأعداء يملكون القنابل النووية والأسلحة الفتاكة، والمسلمون عزّلٌ من السلاح؟ إن هذا السائل ينسى: ١ - أن الذي ينصر المسلمين هو الله لا بجهدهم ولا قوتهم قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١٤) فالمسلمون سبب لتحقيق قدر الله وإرادته ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:١٧). ٢ - وينسى هذا السائل أن الله يُسبِّح له من في السموات ومن في الأرض، ومما يسبح له قنابل هؤلاء وأسلحتهم. ٣ - وينسى أن الله إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر:٥٠) ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١). ٤ - وينسى أن الأعداء وصلوا إلى هذه القوة الهائلة والتمكين بجهدهم البشري، وهو ليس حكرًا على أحد، وحركة التاريخ لا تتوقف قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:١٤٠). وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، فمهما كادوا للإسلام وأهله واجتمعوا لحربه فإن الله ناصرٌ دينه ومُعْلي كلمته، من كان يظن ورسول الله ﵌ مع قلة مؤمنة في مكة يُعَذّبون ويُضطَهَدون ويحارَبون بل ويُطرَدون من بيوتهم وبلدهم، بل ونال الأذى والبلاء رسول الله ﵌ ووضع التراب وسلى الجزور على رأسه وهو ساجد وفي تلك الحالة يعدهم الرسول ﵌ بكنوز كسرى وقيصر.

стр. 320

فما هي إلا سنوات قليلة ويعود برسول الله ﵌ إلى مكة فاتحًا منتصرًا يحيط به عشرة آلاف رجل، ويدخل الحبيب ﵌ المسجد الحرام فتشرق شمس التوحيد حول الكعبة وتتبعثر الأصنام والآلهة المكذوبة في ذل وخزي شديد، ويردد الحبيب قول الله : ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء٨١). وبعد فترة يموت النبي ﵌، وتبرز فتنة الردة بوجهها الكالح حتى ظنّ بعض مَن في قلبه مرض أنه لن تقوم للإسلام قائمة، فنهض الصديق ﵁، ووقف وقفته الخالدة، وانتهت الفتنة، وازداد الإسلام رفعةً وعزةً. ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد ما استولى الصليبيون على كثير من بلدان المسلمين ودنسوا المسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان حتى حرر الله الأرض وطهر المسجد الأقصى على يد البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي ﵀ في معركة حطين الحاسمة التي سطرها التاريخ. أيها المسلمون: إن الإسلام قادم والله الذي لا إله إلا هو، لأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا. إن الدين عند الله الإسلام، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة ٣). • تنسم رسول الله ﵌ النصر في أضيق الظروف وأصعب الأوقات: لقد كان النبي ﵌ عند تناهي الكرب والشدائد يبشر أصحابه بالنصر والتمكين؛ فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنْ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ» فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».
следующие страницы →