Полный текст (1 425 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الثَّرَى: الْأَرْض النَّدِيَّة. خُفّه: الخُفّ: ما يُلبَس في الرِّجْل من جِلْدٍ رقيق.
ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ: أَيْ أمسك أَحَد خُفَّيْهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاء بفمه، وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِج بِيَدَيْهِ لِيَصْعَد مِنْ الْبِئْر، وَهُوَ يدل على أَنَّ الصُّعُود مِنْهَا كَانَ عَسِرًا.
رَقِيَ: صَعِدَ. وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم أَجْرًا: أَيْ فِي سَقْي الْبَهَائِم أَوْ الْإِحْسَان إِلَى الْبَهَائِم. فِي كُلّ كَبِد رَطْبَة أَجْر: أَيْ كُلّ كَبِد حَيَّة، وَالْمُرَاد رُطُوبَة الْحَيَاة، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَة لَازِمَة لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَة، أَيْ الْأَجْر ثَابِت فِي إِرْوَاء كُلّ كَبِد حَيَّة.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلّ كَبِد حَيّ أَجْر، وَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع الْحَيَوَان.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّ عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم ـ وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ ـ فَيَحْصُل الثَّوَاب بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِق بِهِ إِطْعَامه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
وَقَالَ اِبْن التِّين: لَا يَمْتَنِع إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومه، يَعْنِي: فَيُسْقَى ثُمَّ يُقْتَل لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِن الْقِتْلَة وَنُهِينَا عَنْ الْمُثْلَة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ». (رواه البخاري).
ولفظ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (رواه مسلم). الْبَغِيّ: الزَّانِيَة، وَالْبِغَاء هُوَ الزِّنَا. رَكِيٍّ: ِبِئْرٍ. يُطِيفُ بِبِئْرٍ: يَدُور حَوْلهَا.
أَدْلَعَ لِسَانه: أَيْ أَخْرَجَهُ لِشِدَّةِ الْعَطَش. الْمُوق: الْخُفّ: وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلد رقيق. نَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا: أي أخْرَجَتْ له الماءَ بِخُفِّها مِن البِئْرِ.
стр. 317
• ومن الآثار في الرفق بالحيوان (ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة):
أ - عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا، وقال: لم تحمل على بعيرك مالا يطيق؟! (رواه ابن سعد في «الطبقات» وسنده صحيح).
ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁:
أن رجلًا حَدَّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر ﵁ بالدِّرّة وقال أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟! (رواه البيهقي). (الدِّرَّة: السوط).
ج - عن محمد بن سيرين: أن عمر ﵁ رأى رجلًا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدِّرَّة وقال: سُقْها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموت سوقًا جميلًا. (رواه البيهقي).
د - عن وهب بن كيسان: أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي حوِّلْها، فإني سمعتُ النبي ﵌ يقول: «كُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ َرِعَّيِتِهِ». (رواه أحمد وسنده حسن).
هـ - عن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له: (دمون)، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غدًا عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق. (رواه أبو الحسن الأخميمي في «حديثه»).
قال الشيخ الألباني: تلك هي بعض الآثار، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي ﵌ في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة نقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع للناس مبدأ (الرفق بالحيوان)، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيمًا دقيقًا، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم! وغرهم في ذلك أنه لايكاد يُرَى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها وأهلها!
стр. 318
٢٤ - المستقبل لهذا الدين رغم مرارة الواقع
ألمْ يَأْنِ للكفرِ أن يُهزَما ... ألم يأْنِ للدينِ أن يَحكما؟
فقدْ طالَ من أمتي نومُها ... وليلُ الجهالةِ قد خيّما
وأنظرُ حوليَ في حسرةٍ ... وأستعجلُ النصرَ مُسترحما
ليَعلمَ مَنْ لم يزلْ جاهلًا ... ويُبصرَ مَنْ لم يزلْ في عَمَى
بأنَّ السبيلَ لمستنصر ... بأن يَنصرَ اللهَ ربَّ السما
وأنَّ الذي لم يزلْ عاصيًا ... حريّ وأجدرُ أن يُهزما
ومنْ لم يقاومْ هَوى نفسِه ... يَظلَّ أسيرَ الهوى دائمًا
ولنْ تَستقيمَ لعودٍ ظلال ... إذا لم يكنْ جذعُه قائما
يغيِّرُ ربُّ إذا غيّروا ... ولن ينصرَ اللهُ مستسلما
• البشارة بمستقبل الدين رغم مرارة الواقع:
كثيرًا ما يرد على أسماع المصلحين والدعاة وطلاب العلم أن المستقبل لهذا الدين، وأن المستقبل للإسلام، وأن النصر قادم إن شاء الله تعالى. فيقول القائل في مرارة وحسرة: أيّة بشرى بمستقبل الإسلام والمذابح الوحشية تلاحق المسلمين في كل مكان، أية بشرى وأيّ أمل وقد بُتر من جسد الأمة القدس الحبيب، أولى القبلتين ومسرى الرسول الأمين ﵌، وقد بترت العراق والشيشان وأفغانستان وغيرهم؟
أية بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام ـ على اختلاف مشاربهم وتعدد دياناتهم ـ على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، أية بشرى وأي أمل وقد مات ثلة من علماء الأمة الربانيين والمصلحين المخلصين واحدًا تلو الآخر رحمهم الله تعالى جميعا، وبالرغم من كل هذا بل وأكثر من هذا نقول:
لئِنْ عرفَ التاريخُ أوسًا وخزرجَا فلِلّهِ أوسٌ قادمونَ وخزرجُ
وإن كنوز الغيب تُخْفِي طلائعًا صابرةً رغمَ المكائدِ تخرجُ
•
стр. 319
كيف يكون المستقبل للإسلام والأعداء قد اجتمعوا عليه وتكالبوا من كل جهة؟
كيف والأعداء يملكون القنابل النووية والأسلحة الفتاكة، والمسلمون عزّلٌ من السلاح؟ إن هذا السائل ينسى:
١ - أن الذي ينصر المسلمين هو الله لا بجهدهم ولا قوتهم قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١٤) فالمسلمون سبب لتحقيق قدر الله وإرادته ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:١٧).
٢ - وينسى هذا السائل أن الله يُسبِّح له من في السموات ومن في الأرض، ومما يسبح له قنابل هؤلاء وأسلحتهم.
٣ - وينسى أن الله إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر:٥٠) ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
(يوسف: ٢١).
٤ - وينسى أن الأعداء وصلوا إلى هذه القوة الهائلة والتمكين بجهدهم البشري، وهو ليس حكرًا على أحد، وحركة التاريخ لا تتوقف قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:١٤٠).
وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، فمهما كادوا للإسلام وأهله واجتمعوا لحربه فإن الله ناصرٌ دينه ومُعْلي كلمته، من كان يظن ورسول الله ﵌ مع قلة مؤمنة في مكة يُعَذّبون ويُضطَهَدون ويحارَبون بل ويُطرَدون من بيوتهم وبلدهم، بل ونال الأذى والبلاء رسول الله ﵌ ووضع التراب وسلى الجزور على رأسه وهو ساجد وفي تلك الحالة يعدهم الرسول ﵌ بكنوز كسرى وقيصر.
стр. 320
فما هي إلا سنوات قليلة ويعود برسول الله ﵌ إلى مكة فاتحًا منتصرًا يحيط به عشرة آلاف رجل، ويدخل الحبيب ﵌ المسجد الحرام فتشرق شمس التوحيد حول الكعبة وتتبعثر الأصنام والآلهة المكذوبة في ذل وخزي شديد، ويردد الحبيب قول الله : ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء٨١).
وبعد فترة يموت النبي ﵌، وتبرز فتنة الردة بوجهها الكالح حتى ظنّ بعض مَن في قلبه مرض أنه لن تقوم للإسلام قائمة، فنهض الصديق ﵁، ووقف وقفته الخالدة، وانتهت الفتنة، وازداد الإسلام رفعةً وعزةً.
ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد ما استولى الصليبيون على كثير من بلدان المسلمين ودنسوا المسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان حتى حرر الله الأرض وطهر المسجد الأقصى على يد البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي ﵀ في معركة حطين الحاسمة التي سطرها التاريخ.
أيها المسلمون: إن الإسلام قادم والله الذي لا إله إلا هو، لأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا. إن الدين عند الله الإسلام، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة ٣).
• تنسم رسول الله ﵌ النصر في أضيق الظروف وأصعب الأوقات:
لقد كان النبي ﵌ عند تناهي الكرب والشدائد يبشر أصحابه بالنصر والتمكين؛ فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنْ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ» فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».
ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».
стр. 321
ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا» (إسناده حسن رواه الإمام أحمد).
وعَنْ رَجُلٍ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﵌ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ وَقَالَ: «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ بَرْقَةٌ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ: «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَرَآهَا سَلْمَانُ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ: «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَجَلَسَ.
قَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ مَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا سَلْمَانُ رَأَيْتَ ذَلِكَ؟»، فَقَالَ: «إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللهِ».
قَالَ: «فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَا حَوْلَهَا وَمَدَائِنُ كَثِيرَةٌ حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ».
قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: «يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ»، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ ـ «ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وَمَا حَوْلَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ»، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ ـ «ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ الْقُرَى حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ».
стр. 322
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عِنْدَ ذَلِكَ: «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» (حسن رواه النسائي).
(حَالَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن الْحَفْر) أَيْ مَنَعَتْهُمْ مِنْ الْحَفْر. (الْمِعْوَل) آلَة. (فَنَدَرَ) أيْ سَقَطَ (فَبَرَقَ) مِنْ الْبَرِيق بِمَعْنَى اللَّمَعَان. (رُفِعَتْ) أيْ أظْهِرَتْ.
(دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ) أَيْ اُتْرُكُوا الْحَبَشَة وَالتُّرْك مَا دَامُوا تَارِكِينَ لَكُمْ.
أيها المؤمنون، إن أشد ساعات الليل سوادًا هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم لا محالة كقدوم الليل والنهار، وإن أمة الإسلام قد تمرض وتعتريها فترات من الركود الطويل، ولكنها بفضل الله لا تموت، وإن الذي يفصل في الأمر في النهاية ليس هو قوة الباطل وإنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ولا شك أنه معنا الحق الذي من أجله خلقت السماوات والأرض، والجنة والنار، ومن أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، معنا رصيد الفطرة.
يوم جاء الإسلام أول مرة وقف في وجهه واقع ضخم، وقفت في وجهه عقائد وتصورات، ووقفت في وجهه قيم وموازين، ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاع، ووقفت في وجهه مصالح وعصبيات، كانت المسافة بين الإسلام يوم جاء وبين واقع الناس مسافة هائلة سحيقة، ولو أنه قيل لكائن من كان في ذلك الزمان أن هذا الدين الجديد هو الذي سينتصر لما لقي هذا القول إلا السخرية والاستهزاء والاستنكار!
ولكن هذا الواقع سرعان ما تزحزح عن مكانه ليخليه للوافد الجديد، فكيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلًا، كيف استطاع رجل واحد أن يقف وحده في وجه الدنيا كلها، إنه لم يتملق عقائدهم، ولم يداهن مشاعرهم، ولم يهادن آلهتهم، ولم يوزع الوعود بالمناصب والمغانم لمن يتبعونه، فكيف إذن وقع الذي وقع؟ لقد وقع الذي وقع من غلبة هذا المنهج لأنه تعامل من وراء الواقع الظاهري مع رصيد الفطرة.
стр. 323
إذن معنا رصيد الفطرة، وقبل ذلك كله معنا الله، ويا لها من معية كريمة جليلة مباركة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• وعد الله :
إنه وعد الله وكلمته ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧١ـ١٧٣) إن هذا الوعد المبارك سنة من سنن الله الكونية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير، وإن هذا النصر سُنّة ماضية كما تمضي الكواكب والنجوم في أفلاكها بدقة وانتظام.
دَعْنا نسافرُ في دُروبِ آبائِنا ولنا مِن الهممِ العظيمةِ زادُ
ميعادُنا النصرُ المبينُ فإنْ يكنْ موتٌ فعِندَ إلهِنا الميعادُ
• أسباب تأخر النصر لن تمنع تحققه ولو بعد حين:
قد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جدًا، ولكنه آت بإذن الله تعالى في نهاية المطاف مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار، ونحن لا نقول ذلك رجمًا بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا، ولكنه القرآن الكريم يتحدث، والرسول الصادق الأمين يبشر، والتاريخ والواقع يشهد.
• البشائر في كتاب الله:
فمع بشائر القرآن العظيم: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:٨) ووعد الله المؤمنين بالنصر فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:٤٧) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧).
ففي هذه الآيات أخبر الله أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين إذا قاموا بنصرة دينه وسعوا لذلك، ولئن تخلفَتْ هذه السنة لحكمة يريدها الله في بعض الأحيان فهذا لا ينقض القاعدة، وهي أن النصر لمن ينصر دين الله.
стр. 324
٢٥ - المستقبل لهذا الدين ولكن ما السبيل إليه ؟
ومن البشائر وعد الله للمؤمنين بالتمكين في الأرض ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور٥٥)، وقد وعد الله في هذه الآية وهو الذي لا يخلف الميعاد وعد المؤمنين باستخلافهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأيّ أمل للمسلمين فوق وعد الله ، وأيّ رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق.
ومن البشائر في كتاب الله الإشارة إلى ضعف كيد الكافرين وضلال سعيهم، إن مما يجلب اليأس لكثير من المسلمين ما يراه من اجتماع الكفار على اختلاف طوائفهم ومشاربهم على الكيد للإسلام وأهله، وما يقومون به من جهود لحرب المسلمين في عقيدتهم وإفساد دينهم، في حين أن المسلمين غافلون عما يكاد لهم ويراد بدينهم.
• ما يبذله الأعداء من مال وجهد إلى تباب:
وحين يرى المرء ثمرات هذا الكيد تتتابع حينئذٍ يظن أن أيّ محاولة لإعادة مجد المسلمين ستواجه بالحرب الشرسة وتقتل في مهدها، فيا من تفكر في هذا الأمر استمع لهذه الآيات: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:٣٦) فكم من المليارات أنفقت ولا زالت تنفق بسخاء رهيب للصد عن سبيل الله لتنحية دين الله ، ولكن بموعود الله : ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
فكم من المليارات أنفقت وبذلت لتنصير المسلمين، وكم من المليارات أنفقت لتدمير كيان الأسرة المسلمة، وكم من المليارات أنفقت لتقويض صرح الأخلاق بإشاعة الرذيلة عن طريق القنوات الفضائية وعن طريق الأفلام الداعرة والمسلسلات
стр. 325
الفاجرة والصور الخليعة الماجنة والقصص الهابطة، والآن عن طريق شبكات الإنترنت، يعرض كل هذا وأكثر، ويدخل لا أقول كل بيت، بل كل غرفة بيسر وسهولة ودون رقيب، ولكن ما هي النتيجة؟
النتيجة بإذن الله وموعوده:: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾، وتأمل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا* فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٥ - ١٧) وقوله : ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (الأنفال: ١٨) فمهما كاد هؤلاء لدين الله ومهما بذلوا لمحاربته، فالله لهم بالمرصاد، وهم أعداء الله قبل أن يكونوا أعداء المسلمين.
• وإليك هذه الدلائل:
* ها هو الأستاذ بكلية اللاهوت بأسيوط: القسيس الذي أسلم على يديه ١٣ قسيسًا: كان القس إبراهيم خليل فيلبس راعيًا لإحدى الكنائس وأستاذًا للعقائد واللاهوت بكلية اللاهوت بمدينة أسيوط أشهر إسلامه وغيَّرَ اسمه من إبراهيم خليل فيلبس إلى إبراهيم خليل أحمد، وقام إبراهيم خليل بعد إسلامه بإلقاء عدد من المحاضرات في علم «الأديان المقارن» بالمساجد في مدن الإسكندرية والمحلة الكبرى وأسيوط والمنيا وسوهاج وأسوان وفي بعض كليات الجامعات المصرية، فاعتنق كثير من الشباب النصراني الإسلام عندما استبانت له الحقيقة.
* وفي عام ١٩٧٥م طُلِب منه تقديم محاضرة بكلية أسيوط، فتكلم عن المسيح ﵇ وعن الرسول ﵌ من خلال الأناجيل والتوراة، وكان للمحاضرة صدى واسع انتهى بإعلان ١٧ من الشبان أبناء الجامعة إسلامهم.
* التقي ـ مع الدكتور جميل غازي ﵀ ـ بـ ١٣ قسيسًا عام ١٤٠١هـ بالسودان في مناظرة مفتوحة انتهت باعتناقهم الإسلام جميعًا وهؤلاء كانوا سبب خير وهداية لغرب السودان حيث دخل الألوف من الوثنيين وغيرهم دين الله على أيديهم.
* وها هي (ميري واتسون) معلمة اللاهوت سابقًا بإحدى جامعات الفلبين،
стр. 326
والمنصِّرة والقسيسة، تحولت بفضل الله إلى داعية إسلامية، كان اسمها قبل الإسلام «ميري»، وهي أمريكية المولد في ولاية أوهايو، والآن بعد الإسلام اسمها خديجة.
وأسلم كثيرون غيرهم ... منهم:
١ - سفير ألمانيا السابق في المغرب الذي أصبح اسمه بعد إسلامه «مراد هوفمان» من مؤلفاته (يوميات مسلم ألماني)، و (الإسلام عام ألفين) و (الطريق إلى مكة) وكتاب (الإسلام كبديل) الذي أحدث ضجة كبيرة في ألمانية.
٢ - المغني البريطاني المشهور «كات ستيفنس» الذي أصبح اسمه بعد إسلامه «يوسف إسلام» وأصبح له نشاط ملحوظ في الدعوة إلى الإسلام.
٣ - «دا?يد بنيامين الكلداني»، كان قسيسًا للروم من طائفة الكلدان، وبعد إسلامه تسمى بـ «عبد الأحد داود».
٤ - القس المصري «فوزي صبحي سمعان» الذي أصبح بعد إسلامه معلمًا للدين الإسلامي. ولقد أسلم والده وأسلمت شقيقته وتزوجت من شاب نصراني (مسيحي) هداه الله للإسلام فاعتنقه وصار داعية له، وهو يعمل حاليًا إمامًا لأحد المساجد بمدينة الدوحة بدولة قطر.
٥ - القسيس الأمريكي «كِنِث چنكِنز» الذي أصبح اسمه بعد إسلامه «عبد الله الفاروق».
٦ - قالت صحيفة «الصنداي تايمز» البريطانية أن ١٤ ألف بريطاني أبيض، بعضهم من صفوة المجتمع ومن الطبقات المثقفة والعليا قد أعلنوا إسلامهم، وبعضهم من كبار ملاك الأرض أو من المشاهير أو من الأثرياء، ومنهم «يحيى بِرت» مدير إذاعة BBC الأسبق الذي كان اسمه قبل إسلامه «جوناثان برت».
٧ - نشرت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية تقريرًا سريًا للمخابرات الفرنسية يفصح عن القلق الشديد من انتشار الإسلام في فرنسا حيث يعلن حوالي ثلاثين إلى خمسين ألف فرنسي إسلامهم سنويًا.
стр. 327
٨ - أسلم خلال السنوات الأربع التالية لأحداث ١١ سبتمبر حوالي نصف مليون شخص في أوربا وأمريكا.
* في وثيقة التنصير الكنسي صرخ بابا الفاتيكان بذعر لكل المنصرين على وجه الأرض قائلًا: «هيا تحركوا بسرعة لوقف الزحف الإسلامي الهائل في أنحاء أوربا».
سبحان الله!! إنه دين الله، تأمل أخي الحبيب جهود بسيطة لكنها مباركة تفعل فعلها في نفوس الكافرين، ترعبهم وتزعجهم، إنه دين الله، ووالله الذي لا إله إلا هو لو بذل الآن للإسلام مثل ما يبذله أعداء الإسلام لأديانهم لم يبق على وجه الأرض إلا الإسلام.
• أحاديث البشارة النبوية بانتصار الإسلام:
وتأتي البشائر النبوية الكريمة لتؤكد هذه الحقيقة: فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ سدد خطاكمقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﵌ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ». (صحيح رواه الإمام أحمد).
ومن البشائر النبوية أحاديث الطائفة المنصورة، ومنها قَولُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (رواه مسلم).
وفي رواية: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (رواه مسلم)
وإن المسلم عندما يطرق سمعه هذا الوصف ليتمنى من أعماق قلبه أن يكون من هذه الطائفة وأن يضرب معها بسهم في نصرة دين الله وإعلاء كلمته، فتتحول هذه الأمنية وقودًا تشعل في نفسه الحماسة والسعي الدؤوب للدعوة لدين الله على منهج الطائفة الناجية أهل السنة والجماعة.
стр. 328
وقد جاءت أحاديث تبشر بانتصار الإسلام في حالات خاصة، فمن ذلك مثلًا قتال اليهود؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» (رواه البخاري) وفي رواية للبخاري أيضًا: «تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي رواية لمسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (رواه مسلم) (الْغَرْقَد نَوْع مِنْ شَجَر الشَّوْك مَعْرُوف بِبِلَادِ بَيْت الْمَقْدِس، وَهُنَاكَ يَكُون قَتْل الدَّجَّال وَالْيَهُود).
وعن أَبي قَبِيلٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ وَسُئِلَ:
«أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟».
فَدَعَا عَبْدُ اللهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ، قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﵌ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا»، يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ» (صحيح رواه الإمام أحمد). (رُومِيَّةُ: روما عاصمة إيطاليا الآن).
قال الشيخ الألباني ﵀:وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف، وذلك بعد ثمانمائة سنة من إخبار النبي ﵌ بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولا بد، ولتعلمن نبأه بعد حين.
وقد جاءت البشائر النبوية أيضًا بأن للمسلمين صولة وجولة وملاحم عظيمة مع الروم تكون فيها الغلبة للمسلمين والنصر لعباده المؤمنين، فعَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: «هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، جَاءَتْ السَّاعَةُ».
قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ.
قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمْ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ.
ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَجْعَلُ اللهُ الدَّيْرَةَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً إِمَّا قَالَ لَا يُرَى مِثْلُهَا ـ وَإِمَّا قَالَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا ـ حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخُ إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ـ أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» (رواه مسلم).
(لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْد اللهُ بْن مَسْعُود) أَيْ شَأْنه وَدَأْبه ذَلِكَ.
(فَيَشْتَرِط الْمُسْلِمُونَ شُرْطَة لِلْمَوْتِ) الشُّرْطَة بِضَمِّ الشِّين طَائِفَة مِنْ الْجَيْش تُقَدَّم لِلْقِتَالِ. (فَيَفِيء هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) أَيْ يَرْجِع.
(نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّة أَهْل الْإِسْلَام) هُوَ بِفَتْحِ النُّون وَالْهَاء أَيْ نَهَضَ وَتَقَدَّمَ.
стр. 329
(فَيَجْعَل اللهُ الدَّيْرَة عَلَيْهِمْ) بِفَتْحِ الدَّال وَالْيَاء أَيْ الْهَزِيمَة، وَرَوَاهُ بَعْض رُوَاة مُسْلِم (الدَّائِرَة) بِالْأَلِفِ وَبَعْدهَا هَمْزَة، وَهُوَ بِمَعْنَى الدَّيْرَة.
(جَنَبَاتهمْ) أَيْ نَوَاحِيهمْ. (فَمَا يَخْلُفهُمْ) أَيْ يُجَاوِزهُمْ.
• واقع الإنسانية وإفلاس المدنيات المختلفة يبشر بالنصر القادم:
وهناك بشائر أخرى تعرف من طبيعة هذا الدين وفطرة الله وسنته في خلقه، ومن ذلك أن الدين الإسلامي هو الذي يتوافق مع الفطرة ويحقق للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة، فالرسالات السماوية قد نسخت وحُرِّفَ فيها وبُدِّّل، والأنظمة البشرية يكفي في تصور قصورها وفشلها أنها من صنع البشر، فمن طبيعة هذا المنهج الإسلامي نستمد نحن يقيننا الذي لا يتزعزع أن المستقبل لهذا الدين، وأن له دورًا في هذه الأرض هو منزّل لأدائه، أراده أعداؤه أم لم يريدوه.
ومن البشائر: أن العالم اليوم يشكو من إفلاس الأنظمة البشرية ويتجرع مرارة وويلات هذه النظم التي دمرت الإنسانية وقضت على كل جوانب الخير لديها، ومن أقرب الشواهد على ذلك انهيار الأنظمة الشيوعية واحدةً تلو الأخرى، وحقٌ على الله ما ارتفع شيء إلا وضعه، والدمار قادم بإذن الله لمن على شاكلتهم من الكفر والضلال ومحاربة الإسلام وأهله، قال الله : ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (الرعد: ٣١) والعالم اليوم يتطلع إلى المنقذ الذي يخلصه من ذلك، ولا منقذ إلا الإسلام.
• الصحوة الإسلامية العارمة تبشر باقتراب النصر:
أيها المسلمون، ومن البشائر بأن المستقبل لهذا الدين: هذا الذي يلوح في الأفق ويشرق كالفجر ويتحرك كالنسيم، بعد كل هذه المؤامرات والضربات المتلاحقة، كان هذا الحدث الكبير الذي هز كيان العالم كله متمثلًا في هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي نسأل الله أن يبارك فيها.
تلك الصحوة الكريمة التي يغذيها كل يوم بل كل ساعة شباب في ريعان الشباب وفتيات في عمر الزهور، ينسابون من كل حدب وصوب، يمشون على الشوك
стр. 330
، ويقبضون على الجمر في كثير من البلدان تمسكًا بدين الله وسنة رسوله ﵌، إنه الأمل إنه هذا الجيل الذي تفتحت عينه على نور الإسلام وانشرحت بصيرته لتقبل الحق ولم يخدع بصره بريق الحضارة الغربية الزائف الخاطف للأبصار.
صُبْحٌ تنفسَ بالضياءِ وأشرقَا وهذه الصحوةُ الكبرَى تَهُزُّ البيرقَا
وشبيبةُ الإسلامِ هذا فيلقٌ ... في ساحةِ الأمجادِ يتبعُ فيلقَا
وقوافلُ الإيمان تتخذُ المَدَى ضربًا وتصنعُ للمحيطِ الزورقَا
وما أمرُ هذهِ الصحوةِ الكبرَى سوَى وعدٌ مِن اللهِ الجليلِ تحقَّقَا
هى نخلةٌ طاب الثّرَى فنمَى لها جِذْعٌ طويلٌ في الترابِ وأعذَقَا
هى في رياضِ قلوبِنا زيتونةٌ في جِذعِها غُصنُ الكرامةِ أوْرَقَا
فجرٌ تدفّقَ من سيحبِسُ نورَه؟! أرِنِى يَدًا سدَّتْ علينا المشرِقَا
(البيرق: راية أو علم، أعذَقَ: خَرَجَ ثمرهُ).
وبعد ذلك كله نقول دون شك أو تردد إن المستقبل لهذا الدين، وإن العزة ستكون لأولياء الله، أوليس الله قد قال:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:٤٧)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ (النساء:١٢٢)، وهو الذي لا يخلف الميعاد.
• ولكن متى يقترب النصر؟
ولكن السؤال هو متى يكون هذا؟ اليوم أم غدًا أم بعد سنوات؟
الجواب: في ذلك اليوم سيعود الناس إلى الدين سيعودون إلى الإسلام، وتلك قوة أكبر من إرادة البشر لأنها مبنية على السنّة التي أودعها الله في الفطرة وتركها تعمل في النفوس، وحين يجيء ذلك اليوم فماذا يعني في حساب العقائد عمر جيل من البشر أو أجيال، ليس المهم متى يحدث ذلك، إنما المهم أنه سيحدث بمشيئة الله وعد صادق
стр. 331
وخبر يقين، وحين يجيء ذلك اليوم وهو آتٍ إن شاء الله، فماذا تساوي كل التضحيات والآلام التي تحملتها أجيال من المسلمين، إنها تضحيات مضمونة في السماء والأرض.
ولكن هل يتنزل النصر كما ينزل المطر، ويمكّن للمسلمين وهم قاعدون خاملون لم يبذلوا أي جهد ولم يسلكوا أي سبيل للنصر، لنقرأ الإجابة في قوله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف ١١٠).
إنها سنة الله في هذا الكون التي لا تتبدل ولا تتغير، لقد شاء الله وقضى أن يقوم هذا الدين على أشلاء وجماجم أوليائه وأحبابه وعلى أن توقد مصابيح الهداية بدم الشهداء الأبرار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة ٢١٤) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران ١٤٢).
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ؛ قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟
قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري).
ما أحسن الكلمة وما أروع العبارة، لقد كان لها وقع كبير في قلوب المستضعفين في كل زمان ومكان «وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» استدراك عجيب منه ﵌ ليخبر الصالحين والمصلحين أن الصبر هو الوسيلة العظمى والزاد النافع لهم في طريقهم الطويل الصعب
стр. 332
الشاق الوعر، ذاك الطريق ـ الاستقامة على شرع الله والدعوة إليه ـ المليء بالعقبات، وذكّرهم ﵌ بمن سبقهم من المستضعفين ليكون لهم زادًا في طريقهم الطويل، ويسليهم حتى يعلموا أن هناك من صبر أكثر منهم وبشرهم ووعدهم حتى لا ييأسوا من العاقبة والعاقبة للمتقين.
وسيرة رسول الله ﵌ خير شاهد على ذلك، فالنبي ﵌ لقي ما لقي من الأذى والبلاء، وهو خليل الله وسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه، إن من رحمة الله أن جعل طريق النصر محفوفًا بالأشواك والمصائب، وهذا من كمال حكمته وعلمه، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل، وقد أشار الله في كتابه إلى شيء من هذه الحكم، فمنها تمييز الصادقين من غيرهم، واتخاذ الشهداء والأجر والمثوبة من عند الله، والهداية والتوفيق لأنصار دينه، وأن ذلك سبب لهم في دخول الجنة، إلى غير ذلك من الحكم العظيمة.
يا فتَى الإسلامِ هلّا قلتَ لي أيُّ ذنبٍ بالمخازِي ضَيَّعَكْ
أيُّها السادِرُ في لذّاتِهِ هل ترَى عَيْشَ المعاصِي أعجَبَكْ
أمَّتي قد علّقَتْ فيك المُنَى فاسْتَفِقْ وانهَضْ وغادِرْ مضْجَعَكْ
عُدْ إلى الرحمنِ في طُهرٍ تجِدْ مركبَ النصرِ إلى العَليَا معكْ
وترى الأبطالَ آسَادَ الشّرَا تشتهِي يومَ الفِدَى أنْ تَتْبَعَكْ
نسألُ اللهَ صلاحًا عادلًا إنما الغافلُ في البلوَى هلكْ
قد كفانا ما مضَى مِن بُؤْسِنا ربَّنا اكشِفْ ما بِنَا فالأمرُ لكْ
أيها المسلمون: إن المستقبل بل كل المستقبل للإسلام، فلتكن كُلّكَ للإسلام دينُك لحمَك، دينُك عرضَك، دينُك دمَك.
قد نهضْنا للمعالِي ومضَى عنّا الجمُودْ
ورَسَمْناها خُطىً للعزِّ والنصرِ تقُودْ
فتقدَّمْ يا أخَا الإسلامِ قَدْ سارَ الجنودْ
ومَضَوْا للمجدِ إنَّ المجدَ بالعزمِ يعودْ
стр. 333
٢٦ - لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁:أنَّ النَّبيَّ ﵌، قالَ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ» (حَسَنٌ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما).
وفي المعنى أيضًا حديثُ النَّبيِّ ﵌ «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ». (حسن رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه).
(مَنْ ضَارَّ) أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِم جَارًا كَانَ أَوْ غَيْره مَضَرَّة فِي مَاله أَوْ نَفْسه أَوْ عِرْضه بِغَيْرِ حَقّ (أَضَرَّ اللهُ بِهِ): أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْس فِعْله وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّة.
(وَمَنْ شَاقَّ) أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا (شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ): أَيْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّة جَزَاء وِفَاقًا. وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم الضِّرَار عَلَى أَيّ صِفَة كَانَ، مِنْ غَيْر فَرْق بَيْن الْجَار وَغَيْره.
• هل بين اللفظتين ـ الضَّرر والضرار ـ فرقٌ أم لا؟
من العلماء من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقًا، ثم قيل: إنَّ الضَّرر هو الاسم، والضِّرار: الفعل، فالمعنى أنَّ الضَّرر نفسَه منتفٍ في الشَّرع، وإدخال الضَّرر بغير حقٍّ كذلك.
وقيل: الضَّرر: أنْ يُدخِلَ على غيرِه ضررًا بما ينتفع هو به، والضِّرار: أن يُدخل على غيره ضررًا بما لا منفعةَ له به، كمن منع ما لا يضرُّه ويتضرَّرُ به الممنوع.
وقيل: الضَّرر: أنْ يضرّ بمن لا يضره، والضِّرار: أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجهٍ غيرِ جائزٍ. وبكلِّ حال فالنَّبيُّ ﵌ إنَّما نفى الضرر والضِّرار بغير حق.
• إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق وبغير حق:
فأما إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله، فيعاقَبُ بقدر جريمته، أو كونه ظلمَ غيره، فيطلب المظلومُ مقابلتَه بالعدلِ، فهذا غير مرادٍ قطعًا، وإنما المرادُ: إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ.
стр. 334
وهذا على نوعين:
أحدهما: أنْ لا يكونَ في ذلك غرضٌ سوى الضَّررِ بذلك الغير، فهذا لا ريبَ في قُبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النَّهيُ عن المضارَّة في مواضع منها:
١ - في الوصية:
قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَار﴾ (النساء:١٢)، وعن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: «الضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾. (رواه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح).
والإضرار في الوصيَّةِ تارةً يكون بأنْ يَخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فرضِهِ الذي فرضَهُ الله له، فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النَّبيُّ ﵌: «إنَّ اللهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (صحيح رواه ابن ماجه).
بل إن بعض الناس يحرم الإناث من الميراث بحجج واهية وهذا ظلم واضح.
وتارة بأن يُوصي لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، فتنقص حقوقُ الورثةِ، ولهذا قال النَّبيُّ ﵌: «الثُّلث، والثُّلُثُ كَثِيرٌ» (رواه البخاري ومسلم).
ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، لم ينفّذ ما وصَّى به إلاَّ بإجازة الورثةِ، وسواءٌ قصدَ المضارَّةَ أو لم يقصد، وأما إن قصدَ المضارَّة بالوصيّة لأجنبيٍّ بالثلث، فإنَّه يأثم بقصده المضارَّة، وهل تُرَدُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلك بإقراره أم لا؟ حكى ابنُ عطية روايةً عن مالكٍ أنَّها تُردُّ، وقيل: إنَّه قياسُ مذهب أحمد.
٢ - في الرجعة في النِّكاح:
قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة:٢٣١)، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ (البقرة:٢٢٨) فدلَّ ذلك على أنَّ من كان قصدُه بالرجعة المضارَّة، فإنَّه آثمٌ بذلك، وهذا كما كانوا في أوَّل الإسلام ـ قبل حصْرِ الطَّلاق في ثلاث ـ يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه، ثم يتركُها حتّى تقارب انقضاءَ عدَّتها، ثم يُراجعها، ثم
стр. 335
يطلِّقُها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية، فيدعُ المرأةَ لا مُطلَّقةً ولا ممسكةً، فأبطل الله ذلك، وحصر الطَّلاق في ثلاث مرات.
٣ - في الرضاع:
قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (البقرة:٢٣٣)، قال مجاهد في قوله: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: لا يَمنَعُ أمَّه أن تُرضِعَه ليحزُنَها وقوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (البقرة:٢٣٣)، يدخلُ فيه أنَّ المطلَّقة إذا طَلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لَزِم الأبَ إجابتها إلى ذلك، وسواءٌ وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ. فإن طلبت زيادةً على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأب من يُرضعُه بأجرةِ المثل، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلبت، لأنَّها تقصد المضارَّة.
والنوع الثاني من نوعي إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ:
أنْ يكون له غرضٌ آخرُ صحيحٌ، مثل أنْ يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحةٌ له، فيتعدَّى ذلك إلى ضرر غيرِه، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيرًا له، فيتضرَّر الممنوعُ بذلك.
ومما يدخل في عمومِ قوله ﵌: «لا ضَرَرَ» أنّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم البتَّة، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم، لكنَّه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة:٦)، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة:١٨٥)، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، وأمرَ بالفدية.
وعن عائشة ﵂ أن النَّبيِّ ﵌ قال: «إنِّي أرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (رواه الإمام أحمد وإسناده حسن).
стр. 336
وعن ابن عباس ﵄، قال: قيل لرسول الله ﵌:أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله ؟ قال: «الحنيفيَّةُ السَّمْحَةُ». (رواه البخاري في صحيحه تعليقًا ووَصَلَهُ فِي كِتَاب (الْأَدَب الْمُفْرَد)، وَكَذَا وَصَلَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره وَإِسْنَاده حَسَن).
وَالْمُرَاد بِالْأَدْيَانِ الشَّرَائِع الْمَاضِيَة قَبْل أَنْ تُبَدَّل وَتُنْسَخ. وَالْحَنِيفِيَّة مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَالْحَنِيف فِي اللُّغَة مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيم حَنِيفًا لِمَيْلِهِ عَنْ الْبَاطِل إِلَى الْحَقّ؛ لِأَنَّ أَصْل الْحَنَف الْمَيْل، وَالسَّمْحَة السَّهْلَة، أَيْ: أَنَّهَا مَبْنِيَّة عَلَى السُّهُولَة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم﴾ (المائدة:٦).
ومن هذا المعنى ما في (الصحيحين) عن أنسٍ: أنَّ النَّبيّ ﵌:رأى رجلًا يمشي، قيل: إنّه نذرَ أن يحجَّ ماشيًا، فقال: «إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهِ، فَلْيَرْكَبْ»، وفي رواية: «إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَه».
وفي (السنن) عن عُقبة بن عامر أنَّ أختَه نذرت أنْ تمشي إلى البيت، فقال النَّبيُّ ﵌: «إنَّ اللهَ لا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أخْتِكَ شَيْئًا فَلْتَرْكَبْ» (حسن).
• من الضرر شرب الدخان:
وشرب الدخان من الضرر الواضح الذي ابتُلي به ـ للأسف ـ كثير من المسلمين.
ظهر الدخان على الوجه المعروف به اليوم عام ١٤٩٢م تقريبًا حيث رأى بعض البحارة الأسبانيين شجرة الدخان عند اكتشافهم القارة الأمريكية. وأول ما ظهر الدخان في البلاد الإسلامية كان في أواخر المائة العاشرة من الهجرة النبوية وأول من جلبه للبلاد الإسلامية هم النصارى.
والدخان هو مجموعة من المواد السامة ويتكون من مئات المواد الكيماوية المختلفة، فيها مواد سامة مسببة للسرطان، ويتوهم الناس ـ أو يظن بعضهم ـ بأن مادة النيكوتين هي المادة السامة الوحيدة، ولكن الحقيقة أن هناك أكثر من خمسة عشر نوعًا من السموم وأهمها:
стр. 337
١ـ النيكوتين: وهو مركب سام جدًا وخطر على جميع المخلوقات إذ يكفي منه جرام واحد لقتل عشرة كلاب من الحجم الكبير، وحقنة واحدة تقدر بواحد سنتيمتر مكعب (١سم٣) كافية لقتل حصان.
٢ـ غاز أول أكسيد الفحم: وهو معروف بتأثيره السام.
٣ـ القطران: وهي المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار الأسنان ونخرها وإلى التهاب اللثة وهي أشد المواد خطرًا.
والقطران يتكون من الاحتراق غير المكتمل للتبغ يضاف إليه ما يتكون من احتراق ورق اللفافة وهو السبب لتلون أصابع المدمنين بالصفرة.
٤ـ عنصر الرصاص الثقيل السام: الذي يتجمع في الجسم فلا يستطيع إفرازه.
٥ـ الزرنيخ: وهذه المادة تستعمل من أجل إبادة الحشرات وينفذ من هذه المادة السامة (١٠%) ويدخل الرئتين.
٦ـ عنصر البلوكنيوم: وهو عنصر مشع ويتركز في رئة المدخن ويفتك بها.
٧ـ البنزوبيرين: والتي أجمع الأطباء على تأثيرها الفعال في ظهور السرطان. وهي مادة سامة جدًا لدرجة أن ٥٠ مليجرامًا منها تقتل إنسانًا إذا حُقن بها دفعةً واحدة في الشريان.
وهناك كحول ومواد مطيبة تضيفها المصانع من أجل الاحتفاظ بالرطوبة في التبغ وغير ذلك من مواد سامة ضارة.
• الأضرار الصحية للدخان:
إن الدخان له مضار على سائر الجسد وأن نسبة التدخين تتسبب في عدد كبير من الأمراض الخطيرة، بلغ مجموعها تسعة وتسعين مرضًا. وهذا السلوك هو اتجاه خاطئ وعادة خطيرة، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، بل إنه انتحار بطيء مع سبق الإصرار والتصميم وقتل النفس، وطريق للهلاك، والدمار. يقول تعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:١٩٥).
стр. 338
والتأثير الضار للتدخين يكون باتجاهين:
١ - تأثير ضار موضعي مباشر عن طريق استنشاق أغبرة ودخان السجاير أو الشيشة.
٢ - تأثير ضار عام بما يحتويه من مواد كيماوية ضارة ومسرطنة كالنيكوتين والقطران وتأثيراتها على الجسم وأجهزته.
وطبقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، فإن التدخين يعتبر أخطر وباء عرفه الجنس البشري، والوفيات الناتجة عنه تعد أكثر الوفيات التي عرفها تاريخ الأوبئة.
• موقف الإسلام من الدخان:
قال العلماء بتحريم الدخان؛ لأنه مضر بالصحة ومن قواعد الشرع الأساسية والمعلومة من الدين بالضرورة أن كل ضار حرام، وأن التحريم يدور مع الضرر فالنتيجة الحتمية هي حرمة تعاطي التبغ واستدلوا بالآيات والأحاديث والإجماع والقياس وإليكم الأدلة بالتفصيل على تحريم الدخان.
من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:١٩٥). فالآية تدل على النهي عن كل ما يؤدي إلى ضرر والدخان من الضرر والهلاك.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف:١٥٧).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء:٢٩).
من السنة النبوية: قوله ﵌: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» (حَسَنٌ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما).
• فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق ﵀:
أصبح واضحًا وجليًا أن شرب الدخان، وإن اختلفت أنواعه وطرق استعماله يلحق بالإنسان ضررًا بالغًا إن عاجلًا أو آجلًا في نفسه وماله، ويصيبه بأمراض كثيرة متنوعة؛ وبالتالي يكون تعاطيه ممنوعا بمقتضى هذه النصوص، ومن ثم فلا يجوز تعاطيه
стр. 339
للمسلم واستعماله بأي وجه من الوجوه وأيا كان نوعه حفاظًا على الأنفس والأموال وحرصًا على اجتناب الأضرار التي أوضح الطب حدوثها وإبقاء على كيان الأسر والمجتمعات، بإنفاق الأموال فيما يعود بالفائدة على الإنسان في جسده ويعينه على الحياة سليما معافا يؤدي واجباته نحو الله ونحو أسرته فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف».
وهذه رسالة من مدخن:
قد يستلذُّ الفتى ما اعتادَ من ضررٍ ... حتى يرى في تعاطيه المَسَرَّاتِ
إن الدخَان لثانٍ في البلاءِ إذا ... ما عُدَّتِ الخمرُ أولَى في البَلِيَّاتِ
وربَّ بيضاءَ قيدِ الأصبعِ احترقَتْ ... في الكفِّ وهي احتراقٌ في الحُشاشاتِ
إن مرَّ بين شفاهِ القوم أسوَدُها ... ألقى اصفرارًا على بِيضِ الثَنِيّاتِ
عوائدُ عمَّتِ الدنيا مصائبُها ... وإنما أنا في تلك المصيباتِ
إن كلَّفَتْنِي السُّكارَى شُربَ خَمْرَتِهم ... شربتُ لكنْ دخانًا مِن سِجَاراتي
واخترتُ أهونَ شرٍّ بالدخانِ ... وإنْ أحْرَقْتُ ثَوْبي مِنْه بالشراراتِ
وقلتُ يا قوم تكفيكم مشاركتي ... إياكم في التذاذٍ بالمضراتِ
إني لأمتصُّ جَمْرًا لُفَّ في وَرَقٍ ... إذ تشربون لهيبًا ملءَ كاساتِ
كلاهما حُمْقُ يفترُ عن ضررٍ ... يسمّ مِن دمِنا تلك الكُرَيَّاتِ
حسْبي مِن الحمْقِ المعتادِ أهونُه ... إنْ كان لابدَّ مِن هذِي الحماقاتِ
يا مَن يُدَخّن مثلي كلَّ آونةٍ ... لُمْنِي بألَمِكَ ولا تَرْضَ اعتذاراتي
إنّ العوائدَ كالأغلالِ تجمعُنا ... على قلوبٍ لنا منهنَّ أشتاتِ
الحُرُّ مَن خرق العادات منتهجًا ... نَهْجَ الصوابِ ولو ضدِّ الجماعاتِ
(الحُشَاشَةُ: بَقِيَّةُ الرُّوحِ في المَرِيضِ والجَرِيحِ، الثَّنِيَّة: إحدى الأسنان الأربَعُ التي في مُقَدَّمِ الفَمِ: ثِنْتانِ من فَوْقُ، وثِنْتانِ من أسْفَلَ).
стр. 340
٢٧ - وفاة الرسول ﵌ -
• الحدث:
يجتمع في شهر ربيع الأول أحداث ثلاثة، وهي مولد النبي ﵌ وهجرته إلى المدينة ووفاته. ولا ريب أن كلًا منها كان حدثًا مهمًّا في حياة المسلمين، لا بل وفي حياة الثقلين أجمعين.
ويوافق بعض المسلمين النصارى وغيرَهم من الوثنيين، فيجعلون حدث المولد أهمَّ الأحداث الثلاثة، بل ويعتبره بعضهم أهمَّ أحداث السيرة النبوية قاطبة.
والحق أن ميلاد النبي ﵌ حدثٌ مبارك، حيث أشرق ﵌ على الأرض بمولده، لكن هذا الحدث ليس له تميز عن سائر ولادات الناس لو لم يبعث ويرسل ﵌.
* والحدث الأهم من ولادته هو هجرته ﵌ التي أوجدت لنا المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي استمرت قرونًا طويلة، وقدمت للإنسانية حضارة فريدة على مرّ الزمن، ولأهمية هذا الحدث أرخ به عمر بن الخطاب ﵁ والمسلمون بعده التاريخ الإسلامي. وقد روى ابن أبي شيبة في (المصنَّف) عن الشّعبيّ أنّ أبا موسى كتب إلى عمر ﵄:إنّه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر ﵁ النّاس فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعث وبعضهم: أرِّخ بالهجرة فقال عمر: (الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها).
والحدث الأهم في سيرة النبي ﵌ هو وفاته ﵌؛ لأن وفاته ﵌ ليست كوفاة سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء؛ إذ بموته ﵌ انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.
• أعظم مصيبة حلت بالمسلمين:
وقد نبه النبي ﵌ إلى عظم هذه المصيبة التي حلت بالمسلمين فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ـ أَوْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ـ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنْ
стр. 341
الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي؛ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي» (صحيح رواه ابن ماجه).
«فَلْيَتَعَزَّ» أي يخفِّف على نفسه مؤونة تلك المصيبة بتذكّر هذه المصيبة العظيمة، إذ الصّغيرة تضمحلّ في جنب الكبيرة فحيث صبر على الكبيرة لا ينبغي أن يبالي بالصّغيرة.
قال أبو العتاهية:
اصْبِرْ لكلِ مصيبةٍ وتجلَّدِ ... واعلمْ بأن المرءَ غيرَ مخلَّدِ
واصبِرْ كما صبَر الكرامُ فإنها ... نُوَبٌ تنوبُ اليومَ تُكشَفُ في غدِ
أوَما ترى أنّ المصائبَ جمَّةٌ ... وترى المنيةَ للعبادِ بمرصدِ
فإذا أتتْك مصيبةٌ تُشْجَى بها ... فاذكُر مُصَابَك بالنبي محمدِ ﵌
وها هي أُمَّ أَيْمَنَ ﵂ بَكَتْ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ ﵌ فَقِيلَ لَهَا: «تَبْكِينَ»، فَقَالَتْ: «إِنِّي وَاللهِ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ سَيَمُوتُ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى الْوَحْيِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنَّا مِنْ السَّمَاءِ» (رواه الإمام أحمد، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح).
قال رسول الله ﵌: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (رواه مسلم).
مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ النُّجُوم مَا دَامَتْ بَاقِيَة فَالسَّمَاء بَاقِيَة. فَإِذَا اِنْكَدَرَتْ النُّجُوم، وَتَنَاثَرَتْ فِي الْقِيَامَة، وَهَنَتْ السَّمَاء، فَانْفَطَرَتْ، وَانْشَقَّتْ، وَذَهَبَتْ.
وَقَوْله ﵌: (وَأَنَا أَمَنَة لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ)
أَيْ مِنْ الْفِتَن وَالْحُرُوب، وَارْتِدَاد مَنْ اِرْتَدَّ مِنْ الْأَعْرَاب، وَاخْتِلَاف الْقُلُوب، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا أَنْذَرَ بِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ وَقَعَ كُلّ ذَلِكَ.
قَوْله ﵌: (وَأَصْحَابِي أَمَنَة لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) مَعْنَاهُ مِنْ ظُهُور الْبِدَع، وَالْحَوَادِث فِي الدِّين، وَالْفِتَن فِيهِ، وَطُلُوع قَرْن الشَّيْطَان،
стр. 342
وَظُهُور الرُّوم وَغَيْرهمْ عَلَيْهِمْ، وَانْتَهَاك الْمَدِينَة وَمَكَّة وَغَيْر ذَلِكَ. وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ مُعْجِزَاته ﵌.
• معرفة النبي ﵌ باقتراب أجله:
بُشِّرَ النبي ﵌ باقتراب أجله في آيات عدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ﴾ (الزمر:٣٠)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الْخَـ?لِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء:٣٤، ٣٥)، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ﴾ (آل عمران:١٤٤)، وقوله: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْو?جًا * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا﴾ (سورة النصر).
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ.
قَالَ مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﵌ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ (رواه البخاري).
وقد أشعر النبي ﵌ أصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله إلى جوار ربه، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا أَوْ لَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا أَوْ قَبْرِي»، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ ﵌. (رواه أحمد وإسناده صحيح).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟
ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: «مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﵌»، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ
стр. 343
- ﵌ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: «أَسَرَّ إِلَيَّ: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي»؛ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ»؛ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ». (رواه البخاري ومسلم).
• بداية المرض بالنبي ﵌ وسببه:
كان سبب مرض النبي ﵌ مؤامرة اليهودية حين دست له السم في طعامه ﵌ الذي دعَتْهُ إليه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكمقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؛ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ».
فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: «مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ»، قَالَتْ: «إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ»، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقُتِلَتْ، ثُمَّ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «مَازِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي» (صحيح رواه أبو داود).
(مَا زِلْت أَجِد): أَيْ أَلَمًا (قَطَعَتْ أَبْهَرَيَّ) الأَبْهَر: عِرْق فِي الظَّهْر وَهُمَا أَبْهَرَانِ، وَقِيلَ هُمَا الْأَكْحَلَانِ اللَّذَانِ فِي الذِّرَاعَيْنِ، وَقِيلَ هُوَ عِرْق مُسْتَبْطِن الْقَلْب فَإِذَا اِنْقَطَعَ لَمْ تَبْقَ مَعَهُ حَيَاة.
وفي الحديث أن أم مبشِّر ﵂ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقَالَتْ: «بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ، فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ»، وَكَانَ ابْنُهَا مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ: «وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ هَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي» (رواه أحمد وإسناده صحيح).
فجمع الله لنبيه ﵌ بين الشهادة على يد قَتَلَةِ الأنبياء من اليهود، وبين المرض والحمى وفيهما ما فيهما من رفع الدرجات.
стр. 344
وأما أول معالم عود المرض إليه ﵌ فكان بعد رجوعه من دفن أحد أصحابه، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: «وَارَأْسَاهْ»، قَالَ: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ»، قَالَ: «مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟» قُلْتُ: «لَكِنِّي ـ أَوْ لَكَأَنِّي بِكَ ـ وَاللهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ»، قَالَتْ: «فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ثُمَّ بُدِئَ بِوَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» (رواه أحمد وإسناده صحيح).
• تخيير النبي ﵌ بين الموت والخلد:
عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ؛ فَانْطَلِقْ مَعِي».
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللهُ مِنْهُ، أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى».
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا، وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ».
قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ.
قَالَ: «لَا وَاللهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ».
ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللهُ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ» (إسناده صحيح رواه أحمد).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: «مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ، إِنْ يَكُنْ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ»، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ هُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 345
وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ»، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»، قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ﵌ قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» (رواه البخاري).
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. (رواه البخاري ومسلم).
واختلف العلماء في مراده ﵌ بالرفيق الأعلى على أقوال، فقيل: الله ، وقيل: ملائكته، وقيل: أنبياؤه، وقيل: الجنة، ولكل منها دليل.
• وصايا النبي ﵌ في مرض وفاته:
لا ريب أن أقوال النبي ﵌ جميعًا موضع للعبرة والعظة، لكنه ﵌ اختص أمته ببعض النصح وهو في مرض موته، وهو مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا، فما هي آخر وصاياه ﵌؟
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا» قَالَتْ: «وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» (رواه البخاري ومسلم).
وقد ذكر ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النبي ﵌ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِإِخْرَاجِ ِالْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. (رواه البخاري ومسلم).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ
стр. 346
وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ»، فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ﵌. (رواه البخاري).
(عِصَابَة) مَا يُشَدّ بِهِ الرَّأْس وَغَيْرهَا. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَة وَمِنْهُ حَدِيث الْمَسْح عَلَى الْعَصَائِب.
(دَسْمَاء) أَيْ لِكَوْنِهَا كَلَوْنِ الدَّسَم وَهُوَ الدُّهْن، وَقِيلَ: الْمُرَاد أَنَّهَا سَوْدَاء لَكِنْ لَيْسَتْ خَالِصَة السَّوَاد، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون اِسْوَدَّتْ مِنْ الْعَرَق أَوْ مِنْ الطِّيب.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا؛ فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (رواه مسلم). (السِّتَارَة) السِّتْر الَّذِي يَكُون عَلَى بَاب الْبَيْت وَالدَّار. قَمِنٌ: حَقِيق وَجَدِير.
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ. (صحيح رواه ابن ماجه). (الصَّلَاة) أَيْ اِلْزَمُوهَا وَاهْتَمُّوا بِشَأْنِهَا وَلَا تَغْفُلُوا عَنْهَا.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ) مِنْ الْأَمْوَال أَيْ أَدُّوا زَكَاتهَا وَلَا تُسَامِحُوا فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِقِرَانِ الصَّلَاة فَإِنَّ الْمُتَعَارَف فِي عُرْف الطُّرُق وَالشَّرْع قِرَانهمَا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَصِيَّة بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاء أَيْ أُدُّوا حُقُوقهمْ وَحَسَن مَلْكَتهمْ فَإِنَّ الْمُتَبَادِر مِنْ لَفْظ مَا مَلَكَتْ الْأَيْمَان فِي عُرْف الْقِرَان هُمْ الْعَبِيد وَالْإِمَاء.
(حَتَّى مَا يُفِيض بِهَا لِسَانه) أَيْ مَا يَجْرِي وَلَا يَسِيل بِهَذِهِ الْكَلِمَة لِسَانه مِنْ فَاضَ الْمَاء إِذَا سَالَ وَجَرَى، حَتَّى لَمْ يَقْدِر عَلَى الْإِفْصَاح بِهَذِهِ الْكَلِمَة.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (صحيح رواه ابن ماجه).
стр. 347
٢٨ - موتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌ -
• مرض النبي ﵌:
بدأ المرض بالنبي ﵌ في مطلع شهر ربيع الأول، وقد نُقل إلينا بعض أخباره وأحواله ﵌ في مرضه:
من أحواله ﵌ قبل اشتداد المرض:
عن عُبَيْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﵌ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ أَتَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ؟
قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ»، وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. (رواه البخاري ومسلم).
(ثَقُلَ) أَيْ: فِي الْمَرَض، اِشْتَدَّ مَرَضه. (فِي أَنْ يُمَرَّض) أَيْ: يُخْدَم فِي مَرَضه.
(فَأَذِنَّ) الْأَزْوَاج، (حَتَّى طَفِقَ) يُقَال طَفِقَ يَفْعَل كَذَا إِذَا شَرَعَ فِي فِعْل وَاسْتَمَرَّ فِيهِ.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري).
стр. 348
وقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂:لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».
فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﵌ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﵌: «أَنْ مَكَانَكَ»، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ.
قِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ: نَعَمْ» (رواه البخاري ومسلم).
(أَسِيفٌ):رَقِيق الْقَلْب.
(إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ):الْمُرَاد أَنَّهُنَّ مِثْلُ صَوَاحِب يُوسُف فِي إِظْهَار خِلَاف مَا فِي الْبَاطِن. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخَطَّاب وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْع فَالْمُرَاد بِهِ وَاحِد وَهِيَ عَائِشَة فَقَطْ، كَمَا أَنَّ (صَوَاحِب) صِيغَة جَمْع وَالْمُرَاد زُلَيْخَا ـ امرأة العزيز ـ فَقَطْ.
وَوَجْه الْمُشَابَهَة بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ زُلَيْخَا اِسْتَدْعَتْ النِّسْوَة وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَام بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْن يُوسُف وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّته، وَأَنَّ عَائِشَة أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَب إِرَادَتهَا صَرْف الْإِمَامَة عَنْ أَبِيهَا كَوْنه لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَة لِبُكَائِهِ، وَمُرَادهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ ما صَرَّحَتْ هِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: «لَقَدْ رَاجَعْته وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَة مُرَاجَعَته إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاس بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ النَّبِيُّ ﵌ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ.
فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﵌ مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﵌ حِينَ وَضَحَ لَنَا فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﵌ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﵌ الْحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ» (رواه البخاري ومسلم).
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهُ ﵌ بِالْحِجَابِ) هُوَ مِنْ إِجْرَاءِ قَالَ مَجْرَى فَعَلَ.
وقالت عَائِشَةَ ﵂: «إن رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﵌ عَنْهُ» (رواه البخاري ومسلم).
• شدة وجعه ﵌:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: «إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا»، قَالَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ»، قُلْتُ: «ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟» قَالَ: «أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﵌ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: «وَاكَرْبَ أَبَاهُ»، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» (رواه البخاري).
• مدة مرضه ﵌:
قال ابن حجر ﵀ في (فتح الباري): «وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّة مَرَضه، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَة عَشَر يَوْمًا، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ يَوْم وَقِيلَ بِنَقْصِهِ ... وَقِيلَ عَشَرَة أَيَّام وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي (مَغَازِيه) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح».
• اليوم الأخير من حياته ﵌:
عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ ـ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﵌ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ ـ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﵌ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﵌ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ
стр. 349
وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنْ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﵌، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﵌ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ» (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية أخرى: « ... وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ». (رواه البخاري).
قال ابن كثير: «وهذا الحديث في الصحيح، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال».
وكَانَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ.
دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: «آخُذُهُ لَكَ»، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ.
فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: «أُلَيِّنُهُ لَكَ»، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ ـ يَشُكُّ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ـ أحد رواة الحديث ـ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ اللهَ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى» (رواه البخاري ومسلم والترمذي).
قال النووي: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْأَنْبِيَاء السَّاكِنُونَ أَعْلَى عَلِيِّينَ.
стр. 350
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» (رواه البخاري ومسلم).
وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، والجمهور أنها في الثاني عشر منه.
• عُمْر النبي ﵌ حين مات:
عن عائشة ﵄ أن النبي ﵌ توفي وهو ابن ثلاث وستين. (رواه البخاري ومسلم).وصح مثله عن ابن عباس ﵁. (رواه البخاري)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس: توفي رسول الله ﵌ وهو ابن خمس وستين. (رواه مسلم) وصح عن أنس ﵁ أنها ستون سنة. (رواه البخاري)
وجمع النووي بين الأقوال، فقال: «توفي ﵌ وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون سنة، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور، ومن روى خمسًا وستين عد سنتي المولد والوفاة، ومن روى ثلاثًا وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون».
• حزن الصحابة على فقد حبيبهم وحبيبنا ﵌:
ولما توفي ﵌ اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْح ِـ يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ ـ فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: «وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﵌».
قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ»، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَبَّلَهُ قَالَ: «بِأَبِي
стр. 351
أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا»، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: «أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ»، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﵌ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ».
وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ.
قَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: «فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللهُ بِذَلِكَ ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... إِلَى الشَّاكِرِينَ﴾. (رواه البخاري).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﵌ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: وَاكَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ»، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: «يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ»، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: «يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ التُّرَابَ» (رواه البخاري).
أَشَارَتْ ﵂ بِذَلِكَ إِلَى عِتَابهمْ عَلَى إِقْدَامهمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّة قُلُوبهمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتهمْ لَهُ، وَسَكَتَ أَنَس عَنْ جَوَابهَا رِعَايَة لَهَا وَلِسَان حَاله يَقُول: لَمْ تَطِبْ أَنْفُسنَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْله اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.
قَالَ الْمُثَنَّي سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: «قَلّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيَّ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا خَلِيلِي ﵌»، وَأَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ وَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ. (رواه أحمد وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري , رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي سعيد فمن رجال البخاري).
стр. 352
وعَنْ أَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَة وَلِأَهْلِهَا ضَجِيج بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيج، فَقُلْت مَهْ؟ فَقَالُوا. قُبِضَ رَسُول الله ﵌. (فتح الباري ٨/ ٥٨٠).
وقال عثمان ﵁:توفي رسول الله ﵌ فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كان بعضهم يوسوس، فكنت ممن حزن عليه، فبينما أنا جالس في أطم من آطام المدينة ـ وقد بويع أبو بكر ـ إذ مر بي عمر فسلم عَلَيَّ، فلم أشعر به لِمَا بي من الحزن. (الطبقات الكبرى ٢/ ٨٤).
لكن حزن الصحابة وعظيم المصاب لم يخرجهم عن الصبر والتصبر إلى النواح والجزع، قال قيس بن عاصم: «لا تنُوحوا عَلَيَّ، فإن رسول الله ﵌ لم يُنَحْ عليه». (رواه النسائي وإسناده صحيح).
• غسل النبي ﵌ وتكفينه ودفنه:
عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﵌ قَالُوا: «وَاللهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﵌ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ».
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﵌ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ».
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ» (حسن رواه أبو داود).
وعَنْها ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» (رواه البخاري).
стр. 353
وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ (أي في مرض موته) فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ﵌؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. (رواه البخاري)
سحولية: نسبة إلى قرية يقال لها سحول باليمن، والكرسف القطن.
قال ابن كثير في (البداية والنهاية): «والمشهور عن الجمهور أنه ﵌ توفي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء».
وقَالَ أَبُو عَسِيبٍ ـ وكَانَ قَدْ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ ـ: « ... َكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ الْبَابِ الْآخَرِ». (رواه الإمام أحمد وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم).
وعن سعيد بن المسيب قال: «لما توفي رسول الله وضع على سريره، فكان الناس يدخلون زمرًا زمرًا يصلون عليه ويخرجون ولم يؤُمُّهم أحد». (مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٣٠).
قال ابن كثير في (البداية والنهاية): «وهذا الصنيع ـ وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه ـ أمر مجمع عليه لا خلاف فيه».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﵌ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ فَقَالُوا: «نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ»، فَأرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﵌» (حسن صحيح رواه ابن ماجه).
(يَضْرَح) ضَرَحَ لِلْمَيِّتِ كَمَنَعَ حَفَرَ لَهُ ضَرِيحًا، وَالضَّرِيح: الشِّقّ.
ورُوِيَ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «وَنَزَلَ فِى حُفْرَتِهِ ـ أي قبره ﵌ ـ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﵌» (رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني).
стр. 354
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَلَمَّا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْأَيْدِي ـ وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ ـ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
(وَمَا نَفَضْنَا) أَيْ مَا خَلَصْنَا مِنْ دَفْنه، مِنْ النَّفْضِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَزُولَ مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَنَحْوِهِمَا (وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ) أَيْ مَشْغُولُونَ بَعْدُ.
(حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالْأُلْفَةِ لِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْوَحْيِ وَفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ مِنْ الرَّسُولِ ﵌ مِنْ التَّأْيِيدِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ.
وقيل: لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّصْدِيقِ الْإِيمَانِيِّ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ وِجْدَانِ النّورَانِيَّةِ وَالصَّفَاءِ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَحُضُورِهِ ﵌ لِتَفَاوُتِ حَالِ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.
• موتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌:
إن كان نبينا محمد ﵌ قد مات فقد ترك لنا دين الحق دين الإسلام؛ فلْنَمُتْ على ما مات عليه ﵌ بلا تبديل ولا تغيير، ولْنُضَحّ في سبيل نصرة هذا الدين.
هذا أنس بن النضر ﵁ قال عنه ابن أخيه أنس بن مالك ﵁: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنْ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ».
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ـ يَعْنِي أَصْحَابَهُ ـ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ـ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ»، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ».
قَالَ سَعْدٌ: «فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ».
قَالَ أَنَسٌ بن مالك: «فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ»، قَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. (رواه البخاري ومسلم).
إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ: مَحْمُول عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ اللهُ تَعَالَى أَوْجَدَهُ رِيحهَا مِنْ مَوْضِع الْمَعْرَكَة، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث أَنَّ رِيحهَا تُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام.
وذكر ابن إسحاق أن أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك ـ انتهى يوم أحد إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﵌.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌.
ثم استقبل فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك».
ولكن الحقيقة أن رسول الله لم يقتل، وخلص المشركون إلى رسول الله، وثبت في وجه العدو وقاتلهم قتالًا شديدًا فظل يرمي بالنبل حتى فني نبله وانكسر قوسه، ثم ظل يرمي بالحجارة حتى دفعهم عنه.
أيها المسلمون موتوا على ما مات عليه رسول الله ﵌، اتبعوا سنته ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، ولا تشغلنكم الدنيا عن نصرة دينه؛ إن حال بعضنا ينطبق عليه قول من قال:
تكدّرَ مِن بعدِ النبيِّ محمدِ ... عليه سلامُ اللهِ ما كان صافيَا
فكم مِن منارٍ كان أوضحَه لنَا ... ومِن علمٍ أمسى وأصبح عافيَا
ركنَّا إلى الدنيا الدّنِيَّةِ بعدهُ ... وكَشَفَتِ الأطماعُ مِنا المساوِيَا
وإنا لنَمُرّ في كل يومٍ بنكبةٍ ... نراها فما نزدادُ إلا تَعامِيَا
لقد ساد الصحابة والتابعون يوم أن كانوا أسودًا للإسلام وحماة للدين وسياجًا واقيًا قويًا للعقيدة وذُلِلنا يوم أن اتخذنا العزة بالدنيا والدرهم، وهُنَّا على الله وعلى
стр. 355
الناس يوم أن اتخذنا الدنيا وطنًا وسكنًا، ووالينا لأجلها وعادينا لأجلها، فلأجلها نرضى ولأجلها نغضب؛ فها نحن لنا في كل موضع من جسدنا ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، أو وكزة بعصا. فها نحن نسمع بين حين وآخر نواحِ الثكالى وبكاء اليتامى ولا مجيب.
أَحَلَّ الْكُفْرُ بِالْإِسْلَامِ ضَيْمًا ... يَقُولُ بِهِ عَلَى الدِّينِ النَّحِيبُ
فَحَقٌّ ضَائِعٌ وَحِمًى مُبَاحٌ ... وَسَيْفٌ قَاطِعٌ وَدَمٌ صَبِيبُ
وَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ أَضْحَى سَلِيبًا ... وَمُسْلِمَةٍ لَهَا حَرَمٌ سَلِيبُ
وَكَمْ مِنْ مَسْجِدٍ جَعَلُوهُ دِيرًا ... عَلَى مِحْرَابِهِ نُصِبَ الصَّلِيبُ
دَمُ الْخِنْزِيرِ فِيهِ لَهُمْ خُلُوفٌ ... وَتَحْرِيقُ الْمَصَاحِفِ فِيهِ طِيبُ
أُمُورٌ لَوْ تَأَمَّلَهُنَّ طِفْلٌ ... لَطَفِلَ فِي عَوَارِضِهِ الْمَشِيبُ
أَتُسْبَى الْمُسْلِمَاتُ بِكُلِّ ثَغْرٍ ... وَعَيْشُ الْمُسْلِمِينَ إِذًا يَطِيبُ
أَمَا لِلهِ وَالْإِسْلَامِ حَقٌّ ... يُدَافِعُ عَنْهُ شُبَّانٌ وَشِيبُ
فَقُلْ لِذَوِي الْكَرَامَةِ حَيْثُ كَانُوا ... أَجِيبُوا اللهَ وَيْحَكُمُوا أَجِيبُوا
إنه لا عزة للأمة الإسلامية ولا مكانة لها ما دامت لا تضحي لدينها، ولا تثأر لعقيدتها. ولن تنال العزة والقوة والتمكين في يوم من الأيام، بالمال والجاه، أو الانهزامية، والخذلان، لقد كانت المبادئ عند الصحابة والتابعين، والغايات التي يسعون لتحقيقها هي رفعة الدين، ونصرة الدعوة وحماية العقيدة فبذلوا لتحقيقها كل غاية ووسيلة صغرت أم كبرت.
أيها المسلمون: اربؤوا بأنفسكم أن تكونوا أذلاء صاغرين لا قيمة لكم ولا عزة لكم، وارفعوا أنفسكم عن سفاسف الأمور، وتطلعوا إلى معاليها، وإياكم والمعاصي والاستسلام للمحرمات صغُرَت أم كبُرَت، وإن الخلق لا يهونون عند الله إلا حينما يخالفون أمره، كما قال أبو الدرداء: «ما أهون الخلق على الله إذا هم خالفوا أمره». وإذا كتب الله علينا الهون فمن يكرمنا، ومن يهن الله فما له من مكرم.
следующие страницы →