← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

خطب مناسبات ٤١ - الزكاة (١) • الغنى والفقر ابتلاء: إن الله قد خلق الغنى والفقر مَطِيَّتَيْنِ للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ ﵌ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: «إِنَّا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» (صحيح رواه الإمام أحمد). (وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ) أي لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره. والمراد بابن آدم الجنس باعتبار طبعه وإلا فكثير منهم يَقْنَعُ بما أعطِي ولا يطلب زيادة، لكن ذلك عارضٌ له من الهداية إلى التوبة كما يومئ إليه قوله (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) أي يقبل التوبة من الحرص المذموم ومن غيره، أو (تَابَ) بمعنى وُفِّق، يقال تاب الله عليه أي وفقه، ىيعني: جُبِل الآدمي على حب الحرص إلا من وفق اللهُ وعصمه. وفي ذكر ابن آدم دون الإنسان إيماء إلى أنه خلق من تراب طبعه القبض واليُبْس، وإزالته ممكنة بأن يمطر الله عليه من غمام توفيقه. فأخبر ﵌ في هذا الحديث أن الله أنزل المال ليُستَعَانَ به على إقامة حقه بالصلاة وإقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الأنعام. فإذا خرج المال عن هذين المقصودين فإن الغرض والحكمة التي أنزِل لها كان التراب أولى به. دَعِ الحرْصَ على الدنيَا ... وفي العَيْشِ فلا تَطْمَعْ ولا تَجْمَعْ من المالِ ... فلا تَدْري لمن تَجْمَعْ • ما هي الزكاة: الزكاة اسم لما يخرجه الانسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات. فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة:١٠٣). أي خذ ـ أيها الرسول ـ من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة، أو غير معينة، وهي التطوع، تطهرهم بها من دنس البخل والطمع، والدناءة والقسوة على الفقراء والبائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها، أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية، حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية. • حكمة الزكاة: المسلم الغنى ينظر إلى ثروته وأمواله كأمانة استأمنه الله عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يُرضي الله تعالى، ويحث الله

стр. 457

تعالى المسلمين على الإنفاق من أموالهم ليسدوا حاجات الفقراء والمحتاجين، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة ٢ - آية ٢٤٥). والزكاة في الإسلام هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين. والزكاة طهرة لأموال المزكيَ وطهرة لنفسه من الأنانية والطمع والحرص وعدم المبالاة بمعاناة الغير، وهى كذلك طهرة لنفس الفقير أو المحتاج من الغيرة والحسد والكراهية لأصحاب الثروات، وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية إذا أحسن استغلال أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها. يا جامعَ المالِ في الدنيا لوارثهِ ... هل أنتَ بالمالِ قبل الموتِ منتفعُ؟ قدِّمْ لنفسِكَ قبلَ الموتِ في مَهَلٍ ... فإِن حظكَ بعد الموتِ منقطعُ • أسماء الزكاة: منها: الزكاة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة:٤٣). ومنها: الحق، قال تعالى: ﴿آَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام:١٢٤١). ومنها: النفقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة (٣٤:.ومنها: الصدقة قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة:١٠٣). والزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة، وقرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وقد فرضها الله تعالى بكتابه، وسنة رسوله ﵌، وإجماع أمته فمن جحدها فقد كفر. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ

стр. 458

افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». (رواه البخاري ومسلم). وكانت فريضة الزكاة بمكة في أول الإسلام مطلقة، لم يحدد فيها المال الذي تجب فيه، ولا مقدار ما ينفق منه، وإنما ترك ذلك لشعور المسلمين وكرمهم. وفي السنة الثانية من الهجرة ـ على المشهور ـ فرض مقدارها من كل نوع من أنواع المال، وبُيِّنَتْ بيانًا مُفَصَّلًا. • حكم مانعها: الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الأمة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الإسلام، وقتل كفرًا، إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، فإنه يعذر لجهله بأحكامه. أما من امتنع عن أدائها ـ مع اعتقاده وجوبها ـ فإنه يكون بامتناعه قد ارتكب كبيرة من الكبائر، دون أن يخرجه ذلك عن الإسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرا ويعزِّره، ويأخذ نصف ماله، عقوبة له. قَالَ رَسُولَ اللهِ ﵌ عن الزكاة: « ... وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا » (حسن رواه أبو داود). (مِنْ عَزْمَاتِ رَبِّنَا): أَيْ حُقُوقِهِ وَوَاجِبَاتِهِ. ولو امتنع قوم عن أدائها ـ مع اعتقادهم وجوبها ـ، وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها؛ قال ﵌: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ

стр. 459

رَسُولُ اللهِ ﵌: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (رواه مسلم). العِقال: حَبْلٌ تُثْنى به يد البعير إِلى ركبته فتُشَدُّ به. نَاظَرَ عُمَر أَبَا بَكْر ﵁ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيّ ﵌: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ نَفْسه وَمَاله»، وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَر ﵁ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره وَيَتَأَمَّل شَرَائِطه. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر ﵁: إِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال، يُرِيد أَنَّ الْقَضِيَّة قَدْ تَضَمَّنَتْ عِصْمَة دَم وَمَال مُعَلَّقَة بِإِيفَاءِ شَرَائِطهَا. وَالْحُكْم الْمُعَلَّق بِشَرْطَيْنِ لَا يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَعْدُوم. ثُمَّ قَايَسَهُ بِالصَّلَاةِ وَرَدّ الزَّكَاة إِلَيْهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله دَلِيل عَلَى أَنَّ قِتَال الْمُمْتَنِع مِنْ الصَّلَاة كَانَ إِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَة، فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ عِنْد عُمَر صِحَّة رَأْي أَبِي بَكْر ﵄ وَبَانَ لَهُ صَوَابه تَابَعَهُ عَلَى قِتَال الْقَوْم. عَجَبْتُ لمعشرٍ صَلُّوا وصاموا ... ظواهرَ خشيةٍ وتُقًى كِذابَا وتلْفِيهِم حيالَ المالِ صُُمّا ... إِذا داعي الزكاةِ بهِم أهَابا لقد كتَموا نصيبَ اللهِ مِْنه ... كأنَّ اللهَ لم يُحْصِ النِّصابَا ومَنْ يَعْدِلْ بِحُبِّ اللهِ شيئًا ... كحُبِّ المالِ ضَلَّ هوىً وخابَا • فضائل الزكاة: * الزكاة هى أرفع عبادة مالية والصلاة أرفع عبادة بدنية فلذلك يقرن ربنا بينهما دائمًا في الكتاب الكريم: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:١١٠)

стр. 460

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:٢٧٧). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة:٥٥). * وجعل الله أخص صفات الأبرار الإحسان، ومظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السحر تعبدا لله وتقربا إليه، كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه، رحمةً وحُنُوًا عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. (الذاريات:١٥ - ١٩). * والجماعة التي يباركها الله ويشملها برحمته، هي الجماعة التي تؤمن بالله، ويتولى بعضها بعضا بالنصر والحب، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتصل ما بينها وبين الله بالصلاة، وتقوي صلاتها ببعضها، بإيتاء الزكاة. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١). * وجعل الله إيتاء الزكاة غاية من غايات التمكين في الأرض، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤١). * ولقد جعلها الله هى والصلاة فقط سببًا للأخوة في الدين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:١١).

стр. 461

* وهى من أوجب الواجبات بعد الصلاة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦). وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:٥). • التحذير من منع الزكاة: * بيَّن الله أن تركها من سبيل الكافرين، قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (فصلت:٦ - ٧). * وحَذَّر ربُنا الذين يكنزون ولا يزكُون؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة (٣٤:. *وتوعَّدهم بالعذاب الشديد؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة:٣٥) وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا

стр. 462

مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (رواه مسلم) (بُطِحَ) قَالَ جَمَاعَة: مَعْنَاهُ: أُلْقِيَ عَلَى وَجْهه، قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ «يُخْبَط وَجْهُهُ بِأَخْفَافِهَا»، قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْط الْبَطْح كَوْنه عَلَى الْوَجْه، وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنَى الْبَسْط وَالْمَدّ، فَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْهه، وَقَدْ يَكُون عَلَى ظَهْرِهِ. الْقَاع: الْمُسْتَوِي الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض. وَالْقَرْقَر: الْمُسْتَوِي الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض. الْعَقْصَاء: مُلْتَوِيَة الْقَرْنَيْنِ، وَالْجَلْحَاء: الَّتِي لَا قَرْن لَهَا، وَالْعَضْبَاء: الَّتِي اِنْكَسَرَ قَرْنهَا الدَّاخِل. (أَوْفَرَ مَا كَانَتْ): أَعْظَم مَا كَانَتْ، هَذَا لِلزِّيَادَةِ فِي عُقُوبَته بِكَثْرَتِهَا وَقُوَّتهَا وَكَمَال خَلْقهَا، فَتَكُون أَثْقَل فِي وَطْئِهَا، كَمَا أَنَّ ذَوَات الْقُرُون تَكُون بِقُرُونِهَا لِيَكُونَ أَنْكَى وَأَصْوَبَ لِطَعْنِهَا وَنَطْحهَا. (لَا يَفْقِد مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا):الفصيل: ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه وفصله عن أمه. (وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) الظِّلْف لِلْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالظِّبَاء، وَهُوَ الْمُنْشَقّ مِنْ الْقَوَائِم، وَالْخُفّ لِلْبَعِيرِ، وَالْقَدَم لِلْآدَمِيِّ، وَالْحَافِر لِلْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَار. أهلكتَ نفسكَ يا ظلومُ ... بما ادَّخَرْتَ مِن المظالمْ أظَنَنْتَ أنّ المالَ لا ... يفْنَى، وأنَّ المُلكَ دائِمْ هيهاتَ، أنتَ وما جمَعْتَ ... كِلاكُما أحلامُ نائمْ تَفْنَى، ويَفْنَى، والذِي ... يَبْقَى الخَطايَا والمآثِمْ

стр. 463

* وقال : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:١٨٠). * وبيَّن حبيبنا ﵌ معنى هذه الآية؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ـ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ـ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الْآيَةَ». (رواه البخاري). (مُثَّلَ لَهُ) أَيْ صَوَّرَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: خَصَّ الْجَنْب وَالْجَبِين وَالظَّهْر لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَال، وَلَمْ يَصْرِفهُ فِي حَقّه، لِتَحْصِيلِ الْجَاه وَالتَّنَعُّم بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِس، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الْفَقِير وَوَلَّاهُ ظَهْره، أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَف الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاء الرَّئِيسَة. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِهَا الْجِهَات الْأَرْبَع الَّتِي هِيَ مُقَدَّم الْبَدَن وَمُؤَخَّره وَجَنْبَاهُ، نَسْأَل اللهَ السَّلَامَة. وَالْمُرَاد بِالشُّجَاعِ: الْحَيَّة الذَّكَر، وَقِيلَ الَّذِي يَقُوم عَلَى ذَنَبه وَيُوَاثِب الْفَارِس. والْأَقْرَع مِنْ الْحَيَّات الَّذِي اِبْيَضَّ رَأْسه مِنْ السُّمّ. (لَهُ زَبِيبَتَانِ) هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ، وَقِيلَ: نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ، وَقِيلَ: لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسه مِثْل الْقَرْنَيْنِ، وَقِيلَ: نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ. (يُطَوَّقهُ) أَيْ يَصِير لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَان طَوْقًا. (ثُمَّ يَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ) فَاعِل يَأْخُذ هُوَ الشُّجَاع، وَالْمَأْخُوذ يَد صَاحِب الْمَال كَمَا ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ» قَالَ: «وَاللهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ». (رواه البخاري). قَوْله: (بِلِهْزِمَتَيْهِ): الشِّدْقَيْنِ، وقيل: هُمَا الْعَظْمَانِ الْفَائِتَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ تَحْت الْأُذُنَيْنِ. وقيل: هُمَا لَحْم الْخَدَّيْنِ الَّذِي يَتَحَرَّك إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَان. (ثُمَّ يَقُول: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) فَائِدَة هَذَا الْقَوْل الْحَسْرَة وَالزِّيَادَة فِي التَّعْذِيب حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم، وَفِيهِ نَوْع مِنْ التَّهَكُّم. * والرسول الحبيب ﵌ بيَّن مكانة الزكاة في الإسلام فعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (رواه البخاري ومسلم) * وكان الصحابة يبايعونه ﵌ عليها؛ فعن جَرِير ﵁ قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (رواه البخاري) * وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ: لَا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، فَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ، وَلَا يَتَوَلَّى اللهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ، وَالرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا آثَمَ: لَا يَسْتُرُ اللهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح رواه الإمام أحمد). * وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ـ وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ـ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (حسن رواه ابن ماجه). (الْفَاحِشَةُ) أي الزنا. (الْأَوْجَاعُ) أي الأمراض. (السِّنِين) أي الفقر. (الْقَطْرَ) أي المطر. (بَأْسَهُمْ) أي حربهم.

стр. 464

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (رواه البخاري). (خَلَفًا):أَيْ: عِوَضًا. وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ. • تصدق وأخرج الزكاة قبل أن تُرَدَّ عليك: عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا» (رواه البخاري). (يَقُولُ الرَّجُل) أَيْ الَّذِي يُرِيدُ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا. • فضائل الصدقة: عن عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ أن النَّبِيُّ ﵌ قَالَ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ». (رواه البخاري) قَوْله ﵌ (أَيّكُمْ مَال وَارِثه أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مَاله) أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَان مِنْ الْمَال وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَال مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ اِنْتِقَاله إِلَى وَارِثه يَكُون مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ، فَنِسْبَته لِلْمَالِكِ فِي حَيَاته حَقِيقِيَّة وَنِسْبَته لِلْوَارِثِ فِي حَيَاة الْمُوَرِّث مَجَازِيَّة وَمِنْ بَعْد مَوْته حَقِيقِيَّة. قَوْله (فَإِنَّ مَاله مَا قَدَّمَ) أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَبَعْد الْمَوْت بِخِلَافِ الْمَال الَّذِي يَخْلُفهُ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ـ وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ـ فَإِنَّ َ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري ومسلم). (بِعَدْل تَمْرَة) أَيْ بِقِيمَتِهَا (فَلُوَّهُ) الفَلُوّ: هُوَ الْمُهْرُ.

стр. 465

وقال ﵌: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِِعَ السُّوءِ، وصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني). ولم أرَ مِثْلَ جَمْعِ المالِ دَاءً ولا مِثْلَ البخيلِ به مُصابَا فلا تقتلْكَ شهوتُهُ وزِنْها كما تَزِنُ الطعامَ أو الشَّرابَا وخذْ لبَنِيكَ والأيامِ ذُخْرًا ... وأعطِ اللهَ حِصَّتَه احْتِسَابَا وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا يُخْرِجُ رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهَا لَحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا». (صحيح رواه الإمام أحمد). فإن الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة الله والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك، والنفس لهم على الإنسان ظهيرة؛ لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل الله فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم). (مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال) ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات، فَيَنْجَبِر نَقْص الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة. وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة. (وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا) فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب، وَزَادَ عِزّه وَإِكْرَامه. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ. (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ). فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:

стр. 466

أَحَدهمَا: يَرْفَعهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة، وَيَرْفَعهُ اللهُ عِنْد النَّاس، وَيُجِلّ مَكَانه. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه فِي الْآخِرَة، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الْعُلَمَاء: وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة مَعْرُوفَة، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. • أفضل الصدقة: عن أبى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (رواه البخاري ومسلم). مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لِأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر. (وَتَأْمُل الْغِنَى). بِضَمِّ الْمِيم أَيْ تَطْمَع بِهِ. وَمَعْنَى (بَلَغَتْ الْحُلْقُوم): بَلَغَتْ الرُّوح، وَالْمُرَاد قَارَبَتْ بُلُوغ الْحُلْقُوم إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ تَصِحّ وَصِيَّته وَلَا صَدَقَته وَلَا شَيْء مِنْ تَصَرُّفَاته بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاء. وَقَوْله ﵌: (لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِهِ الْوَارِث، وَقَالَ غَيْره: الْمُرَاد بِهِ سَبَقَ الْقَضَاء بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفه وَكَمَال مِلْكِهِ وَاسْتِقْلَاله بِمَا شَاءَ مِنْ التَّصَرُّف فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.

стр. 467

٤٢ - الامتحانات، كل منا ممتحن (١) • شتان بين اهتمام واهتمام، وبين امتحان وامتحان: يخوض أبناؤنا وإخواننا ذكورًا وإناثًا غمار الامتحانات الدراسية، وبهذه المناسبة تجد القلوب وَجِلَة، والأذهان قلقة، والآذان تتلقف الأخبار عن الامتحان، قلَّمَا تجد منزلا لم تُعلَن فيه حالات الطوارئ، كل أب ينتظر بصبر وعلى مضض نتيجة ابنه في هذا الامتحان؛ لأنه يرجو له النجاح، تراه يدعو الله بتوفيقه وتسديده وتثبيته، يعده ويمنِّيه إن نجح، ويتوعده ويحذره ويهدده إن رسب، وهذا إحساس من الأحاسيس التي فُطِر عليها البشر. لكن أيها الأب الحنون وقد اهتممت بابنك هذا الاهتمام، فأنت به الآن مشغول، تسعى وتصول وتجول، تهتم به وترعى، وتحس أنك عنه مسؤول، فهلا كان الاهتمام بآخرته كالاهتمام بدنياه، هلاَّ كان الاهتمام به بعد موته كالاهتمام براحته في حياته، علمك وما علمك، مسئوليتك وما مسئوليتك، أحاطت بعلوم الدنيا فأهملت الأخرى الباقية، شُغِلتَ به في حياته، وأهملتَه بعد مماته، بنيتَ له بيتَ الطين والإسمنت في دنياه، وحرمْتَه بيت اللؤلؤ والياقوت والمرجان في أخراه. نظرتك وما نظرتك، طموحك، أمَلُك، غاية مُنَاكَ أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا، ويا الله كل الأماني دنيوية! السعي والجد للفانية مع إهمال الباقية، بعض الناس تأهبوا واستعدوا وعملوا على تربية أبناءهم أجسادًا وعقولا، وأهملوا تربية القلوب التي بها يحيون ويسعدون، أو بها يشقون. هذا هو الواقع، وها هي الأدلة على ما نقول أيها الأب الحنون.

стр. 468

هَبْ أنّ ابنه تأخر في نومه عن وقت الامتحان، ما حالته؟ ما شعوره؟ ألا يسابق الزمن ليلحق الامتحان؟ ألا ينام بعدها بنصف عين لكيلا يفوته الامتحان؟ كأن الجواب يقول: بلى. هل كان شعوره حين نام عن صلاة الفجر كشعوره حين نام عن امتحانه؟ ألا يسأله كل يوم عن امتحانه: ماذا عمل؟ وبماذا أجاب؟ وعسى أن يكون الجواب صحيحًا، فهل سأله عن أمر دينه يوما ما؟ ألا يضيق صدره ويعلو همُّه حين تعلم أن ابنه قصَّر في الإجابة؟ فهل ضاق صدره حين قصَّر في سنن دينه وواجباته؟ فما عساك فاعل أيها الأب الحنون في امتحان ليس له دور ثان، ولا إعادة؟ فقط نجاح أو رسوب، والرسوب معناه الإقامة في النار أبد الآبدين، معناه الخسران المبين، والعذاب المهين، ماذا تغني عنه شهادته ومركزه وماله إذا أُوتيَ كتابه بشماله، ثم صاح بأعلى صوته ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ (القيامة:٢٥ - ٢٩). ما أغنى عني مركزي، ما أغنى عني سلطاني، ما أغنى عني علمي الدنيوي وشهادتي. كل ذلك هَلَك واندَثَر، هلك عني سلطاني ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (القيامة:٣٠ - ٣١)، خسارة ورسوب، وأي خسارة، وأي رسوب، تكون في الدنيا طبيبًا أو مهندِسًا أو مُدرِّسًا، أما الآخرة فمؤمن وكافر، فريقان؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير. لا نقول: أهملوا أبناءكم، لا والله، بل نقول: إن الآخرة هي أولى بالاهتمام، وأجدر بالسعي، وأحق بالعمل. أيها الأحبة مَن مِنا حرص على جلب مربٍّ لابنه يعلمه القرآن ويدارسه السُّنَّة، مَن مِنا أعطى لابنه جائزة يوم حفظ جزءًا من القرآن، أو تعلَّم حديثًا لخير بني الإنسان ﵌.فماذا كانت نتيجة إهمالنا لأولادنا؟ النتيجة أن اتجه شبابنا إلى الملاعب يوم نادى المنادي: «حي على الصلاة، حي على الفلاح». النتيجة أنْ حلّ محل المصحف مجلة، ومحل السواك سيجارة.

стр. 469

أيها الآباء وأنتم تعدون أبناءكم للامتحان اتقوا الله فيهم، اعلموا وعلموهم أن سلعة الله أغلى وأعلى. علِّموهم أن الامتحان والنجاح بقَصْر النفس على ما يرضي الله، علموهم أن السعادة في تقوى الله، واعلموا أنتم أنه لن ينصرف أحد من الموقف وله عند أحد مَظْلَمَة. يفرح ابنك أن يجد عندك مظلمة، تفرح زوجتك أن تجد عندك مظلمة، يأتي ابنك يقف يحاجّك بين يدي الله قائلا: يا رب سل أبي لِمَ ضيعني عن العمل لما يرضيك، ورباني كالبهيمة، ما يكون جوابك أيها الأب الحنون؟ أَعِدَّ للسؤالِ جوابًا. إن ابنًا بنيناه جسدًا حَرِيٌّ بنا أن نربي عقله وقلبه، ونهتم بحياته بعد موته، وأول خطوة إلى ذلك أن نصلح أنفسنا؛ ففي صلاحنا وبصلاحنا تكون استقامتهم، ورعاية الله لهم، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (الكهف:٨٢). وثانيها: أن نجعل التربية الإسلامية غاية وهدفًا، لا مانع من تعلُّم العلوم الدنيوية، ولكن ليس على حساب الاهتمام بالآخرة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص:٧٧).فيا عبد الله اتقِ الله في رعيَّتك؛ فأنت عنهم مسئول أمام الله. اتق الله أن يستأمنك الله عليهم فتشرع لهم أبواب الفتن؛ من أفلام وأجهزة خبيثة عديدة، ومجلات فاتنة صفيقة. يا عبد الله يوم تهتم هذا الاهتمام المادي بابنك يصبح ابنك مركِّزًا كل همِّه في ثوبه ومسكنه ومأكله ومشربه وسيارته. جزاك الله خيرًا على اهتمامك به ماديًا، لكن ماذا فعلت لتؤنسه في وحدته، إذا ما دفنته في التراب ما أنت صانع بشهادته؟ قد يرسب الآن في مادة أو مادتين، قد ينجح فيهما غدًا أو بعد غد، والمجال مفتوح للتعويض، لكن لا تعويض في الآخرة. يا عبد الله يوم غدٍ ليس مضمونًا، قد تسعى وتتعب وتزرع فلا تحصد، قد تدرس وتختبر فلا تدرك النتيجة، أما وقد بلغتك الرسالة فقد وجب الامتحان ووجبت النتيجة.

стр. 470

يا أيها الأب الحنون أدعوك إلى التأمل في وصية لقمان لابنه الذي يحبه، ويفتديه بالغالي والنفيس. هل أوصاه بدنيا؟ هل أوصاه بزخرف؟ لا، بل دعاه لما يحييه حياة طيبة، وينجيه من العذاب الأليم، نهاه أن يشرك بالله ﴿إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:١٣). وأخبره أن الله محيط بكل شيء، لا يعجزه شيء. ودلَّه على ما ينجيه من الله؛ ألا هو الهرب منه إليه بإقامة الصلاة، بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بصبر على ما يصيبه من جرَّاء ذلك، ثم دلَّه على مكارم الأخلاق التي تسمو بها نفسه، ويعلو بها مركزه. فلا تكبُّر على الخلق، ولا ذلة مع قصد في المشية، وخفض في الصوت ﴿إنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ﴾ (لقمان:١٩). تلك يا عبد الله جملة وصية الأب الحنون حقًا. فهلا رجعنا إلى القرآن، فقرأنا هذه الوصايا، فعملنا بهذه الوصية مع ابنائنا؟ هل أوصيناهم ببعضها أو بها جميعها؟!! • الدنيا دار امتحان: أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارًا فانية مُزيَّنة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف:٧).وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (رواه مسلم). ويقول الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا *إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان:١ - ٣). يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر لحقارته وضعفه، فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾؟ ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء الخَليط، بعضه في بعض. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا

стр. 471

واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي: نختبره. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (رواه مسلم). • الأولاد امتحان: قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم﴾ (الأنفال:٢٨). أي: اختبار وامتحان منه لكم؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه؟ ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله، سبحانه، هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وقال ﵌: «إن الْوَلَد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَحْزَنَةٌ». (صحيح رواه الحاكم والطبراني). (إن الْوَلَد مَبْخَلَةٌ) بالمال عن إنفاقه في وجوه القُرَب خوف فقره. (مَجْبَنَةٌ) يجبن أباه عن الهجرة والجهاد خشية ضيعته. (مَجْهَلَةٌ) لكونه يحمل على ترك الرحلة في طلب العلم والجد في تحصيله لاهتمامه بتحصيل المال له. (مَحْزَنَةٌ) يحمل أبويه على كثرة الحزن لكونه إن مرض حَزنَا وإن طلب شيئًا لا قدرة لهما عليه حَزنَا، فأكثر ما يفوت أبويه من الفلاح والصلاح بسببه، فإن شب وعق فذلك الحزن الدائم والهم السرمدي اللازم. فالحذر على الولد يكسب هذه الأوصاف ويحدث هذه الأخلاق، فكأنه أشار إلى التحذير من النكول عن الجهاد والنفقة، وطلب العلم بسبب الأولاد. • الناس بعضهم لبعض فتنة وامتحان: قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم مَن يُطيع ممن يعصي؛ فالرسول فتنة للمرسَل إليهم

стр. 472

واختبار للمطيعين من العاصين، والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغَنِى فتنة للفقير والفقير فتنة للغَنِي، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار، دار الفتن والابتلاء والاختبار. والقصد من تلك الفتنة ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. • الشر والخير فتنة وامتحان: قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:٣٥). ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمّر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل، والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. • عباد الله كلنا في امتحان: فبين راسب وناجح، والمادة هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها، قالها موقنا محبًا منقادًا مستسلمًا، صدَّقها قلبه، وعملت جوارحه بها، فهو الناجح، وأي نجاح! وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل، فهو الراسب المنافق. وآخر لم ينطقها، فإلى جهنم وبئس القرار. • الأسئلة تترد صباح مساء: هل صليت وصمت لله يا عبد الله؟ هل أطعت الله ورسوله؟ هل تحب الخير وأهله؟ هذه أسئلة، أسئلة تتردد على مسامعكم، هل تبغض الشر وأهله؟ هل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ هل تحب للناس ما تحب لنفسك؟ هل سلِمَتْ أعراض المسلمين من لسانك؟ هل يطمئن قلبك بذكر الله؟ هل يتعلق قلبك بالله في الشدة

стр. 473

والرَّخاء؟ هل نزّهْتَ أذنَكَ عن سماع ما يغضب الله؟ هل غضَضْتَ بصرك عن محارم الله؟ هل غضبت لله؟ هل أحببت في الله؟ هل أبغضت في الله؟ هل أعطيت لله، ومنعت لله؟ هل استسلمت لأمر الله؟ هل استسلمت لأمره يوم يأمرك بالحجاب فحجبت أهل بيتك امتثالًا لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٩)؟ الأسئلة كثيرة تترد عليك صباح مساء، إن كان الجواب بنعم فأنت من الناجحين الفائزين بإذن رب العالمين، وإن كان الجواب بلا فَعُدْ إلى الله ما دمت في زمن الإمهال، واندم واقلع وردّ المظالم لأهلها قبل وضع الميزان، وتطاير الصحف، وعبور الصراط يوم ينسى الخليل خليله، والصاحب صاحبه، وكلٌ يقول: نفسي نفسي، والرسل تقول: اللهم سلِّم سلِّم. أيها المُمْتَحَن ـ وكلنا مُمْتحَن ـ تذكر وقوفك لاستلام النتيجة، يوم يوقف العبد بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه يطرب ويفرح ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَه﴾ وإن خفَّ ميزانه فذاك هو الرسوب. عندها يقول: ﴿يَا لَيتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه﴾. مَثِّلْ وقُوفَكَ يومَ العرضِ عُريانَا ... مُستوحشًا قَلِقَ الأحشاءِ حَيْراناَ النارُ تَلْهَبُ مِن غيظٍ ومِن حَنَقٍ ... على العصاةِ وربُّ العرش غَضبانَا اقرَأ كتابَك يا عبدُ على مَهَلٍ ... فهل ترى فيه حَرفًا غيْرَ مَا كانَا فلما قرأتَ ولم تُنكِرْ قراءَتَه ... إقرارَ مَن عَرفَ الأشياءَ عِرفانَا نادَى الجليلُ خُذوهُ يا ملائكَتَي ... وامْضُوا بعَبدٍ عَصَى ـ للنَّارِ ـ عطشَانَا المشركونَ غدًا في النار تَلتهبُ ... والمؤمنونَ بدارِ الخلدِ سُكَانَا بأي لسان نُجيب حين نُسْأل عن عملنا القبيح؟ بأي لسان تجيب يوم تُسأل يا أيها الممتحَن عن عمرك فيما أفنيته وشبابك فيما أبليته ومالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته وعن علمك ماذا عملت فيه؟ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (حسن رواه الترمذي). (فِيمَا أَفْنَاهُ) أَيْ صَرَفَهُ (وَعَنْ شَبَابِهِ) أَيْ قُوَّتِهِ فِي وَسَطِ عُمُرِهِ (فِيمَا أَبْلَاهُ) أَيْ ضَيَّعَهُ. والْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ قُوَّتِهِ وَزَمَانِهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى أَقْوَى الْعِبَادَةِ. (وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اِكْتَسَبَهُ) أَيْ أَمِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ؟ (وَفِيمَا أَنْفَقَهُ) أَيْ فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ. بأي قدم ٍتقف غدًا بين يديه بأي عين تنظر إليه بأي قلب تجيب عليه؟ فكيف بك إن شقيت؟ فيا أيها الممتحنون غدًا ـ وكلنا ممتحن ـ لمثل هذه المواقف فأعدوا وتذكروا بامتحان الدنيا وقوفكم بين يدي المولى إذ تعدوا وأعدوا وتزودوا وخير الزاد التقوى. وليكن لسان حال كل منا لنفسه: ستَنْدَمُ إنْ رَحَلتَ بغيرِ زادِ ... وتشقَى إذْ يُناديكَ المنادِي فما لكَ ليسَ يعملُ فيكَ وعظٌ ... ولا زجرٌ كأنكَ مِن جمادِ فتُبْ عَمّا جَنَيْتَ وأنتَ حَيٌّ ... وكُنْ مُتَيَقِّظًا قبلَ الرُّقَادِ تَيَّقظْ للذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فإنّ الموتَ ميقاتُ العبادِ أتَرْضَى أنْ تكونَ رفيقَ قومٍ ... لهم زادٌ وأنتَ بغيرِ زادِ جدّ واتعبْ أيها الطالب وانصب فوالذي نفسي بيده لن تجد طعم الراحة إلا عند أول قدم تضعها في الجنة. فانتبِهْ مِن رَقْدَةِ ... غَفْلةٍ فالعمرُ قليلْ واطْرِحْ (سوفَ) و (حتَّى) ... فإنهم داءٌ دخِيلْ • امتحان القلوب: قلوبنا ـ أيها الأخوة ـ ممتحنة صباح مساء، تمتحن في كل لحظة من لحظات حياتنا، فهل نحن منتبهون لهذا، فغلطة واحدة قد تودي بحياة هذا القلب، وتحبط ذلك

стр. 474

العمل. قال : ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: ١٥٤). وقال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة الحجرات، الآية: ٣). فمن هؤلاء الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى؟ هذه الآية نزلت في الصحابيين الجليلين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ عندما رفعا صوتيهما عند رسول الله ﵌ فقد روى البخاري عن عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵁ أَنَّهُ قال: «قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ حَتَّى انْقَضَتْ». نعم! لا مجاملة في هذا الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ثم ماذا؟ ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (سورة الحجرات، الآية: ٢). سبحان الله! موقف في نظر الكثيرين لا يستحق. من الذي يهدَّد في هذه الآية؟ أبو بكر الذي قال فيه الرسول ﵌: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر» (رواه البخاري ومسلم). وعمر ﵁ الذي قال فيه الرسول ﵌: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (رواه البخاري ومسلم). لكنهما ﵄ تابا، وأنابا، واستغفرا، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﵌ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ» (رواه البخاري). (السِّرَار) أَيْ الْكَلَام السِّرّ، (كَأَخِي السِّرَار) كَصَاحِبِ السِّرَار، وَالْمَعْنَى كَالْمُنَاجَى سِرًّا. (لَا يَسْمَعهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ) أَيْ يَخْفِض صَوْته وَيُبَالِغ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى اِسْتِفْهَامه عَنْ بَعْض كَلَامه.

стр. 475

هنا خرجت النتيجة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات: ٣). أي أخلص قلوبهم للتقوى، حتى أصبحت لا تصلح إلا له. والمراد أخلصها للتقوى، أي جعلها خالصة لأجل التقوى، أو أخلصها لها فلم يبق لغير التقوى فيها حق، كأن القلوب خلصت ملكًا للتقوى. موقف واحد يسير في نظرنا لرجلين هما أفضل أمة محمد، ﵌ وامتحان يسير لغفلةٍ بدرت منهما. ولكن! ماذا نقول عن أحوالنا؟ كم من امتحان رسبنا فيه ونحن لا نشعر. وهنا سرّ بديع في هذه الآية: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: ٢). لأنه قد يحبط عمل الإنسان وهو لا يشعر، فهو لا يتصور أن يحبط عمله بذلك العمل، أو لا يلقي لعمله بالًا. وكم من عملٍ أو كلمةٍ أودت بصاحبها وهو لا يشعر. وإذا كان رفع الصوت عند رسول الله، ﵌ كاد أن يحبط عمل أبي بكر وعمر ﵄ فما سيكون حال من يرفع صوته فوق صوت الحق؟ أولئك الذين يقدمون شريعة البشر على شريعة الله، أولئك الذين يعادون ويوالون في سبيل الشيطان. ولنتأمل هذا الحديث العظيم الذي رواه حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا؛ فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (رواه مسلم). وَمَعْنَى (تُعْرَض) أَنَّهَا تُلْصَق بِعَرْضِ الْقُلُوب أَيْ جَانِبهَا كَمَا يُلْصَق الْحَصِير بِجَنْبِ النَّائِم، وَيُؤَثِّر فِيهِ شِدَّة اِلْتِصَاقهَا بِهِ. وَمَعْنَى (عُودًا عُودًا) أَيْ تُعَاد وَتُكَرَّر شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. (كَالْحَصِيرِ) أَيْ كَمَا يُنْسَج الْحَصِير عُودًا عُودًا وَشَظِيَّة بَعْد أُخْرَى. وَذَلِكَ أَنَّ نَاسِج الْحَصِير عِنْد الْعَرَب كُلَّمَا صَنَعَ عُودًا أَخَذَ آخَر وَنَسَجَهُ فَشَبَّهَ عَرَضَ الْفِتَن عَلَى الْقُلُوب وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى بِعَرْضِ قُضْبَان الْحَصِير عَلَى صَانِعهَا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد.

стр. 476

مَعْنَى (أُشْرِبَهَا) دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا تَامًّا وَأُلْزِمَهَا وَحَلَّتْ مِنْهُ مَحَلّ الشَّرَاب. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل﴾ أَيْ حُبّ الْعِجْل، وَمِنْهُ قَوْلهمْ: ثَوْب مُشْرَب بِحُمْرَةٍ: أَيْ خَالَطَتْهُ الْحُمْرَة مُخَالَطَة لَا اِنْفِكَاك لَهَا. وَمَعْنَى (نُكِتَ نُكْتَة): نُقِطَ نُقْطَة. وَمَعْنَى (أَنْكَرَهَا) رَدَّهَا. وَقَوْله ﵌: «حَتَّى تَصِير عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَض مِثْل الصَّفَا فَلَا تَضُرّهُ فِتْنَة مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْآخَر أَسْوَد مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِف مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِر مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». لَيْسَ تَشْبِيهه بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ لَكِنْ صِفَة أُخْرَى لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْد الْإِيمَان وَسَلَامَته مِنْ الْخَلَل، وَأَنَّ الْفِتَن لَمْ تَلْصَق بِهِ، وَلَمْ تُؤَثِّر فِيهِ كَالصَّفَا وَهُوَ الْحَجْر الْأَمْلَس الَّذِي لَا يَعْلَق بِهِ شَيْء. (مُرْبَادًّا) أي: شديد السواد في بياض. ولَيْسَ قَوْله (كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا) تَشْبِيهًا لِسَوَاده بَلْ هُوَ وَصْف آخَر مِنْ أَوْصَافه بِأَنَّهُ قُلِبَ وَنُكِّسَ حَتَّى لَا يَعْلَق بِهِ خَيْر وَلَا حِكْمَة. وَمِثْله بِالْكُوزِ الْمُجَخِّي وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: «لَا يَعْرِف مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِر مُنْكَرًا». شَبَّهَ الْقَلْب الَّذِي لَا يَعِي خَيْرًا بِالْكُوزِ الْمُنْحَرِف الَّذِي لَا يَثْبُت الْمَاء فِيهِ. ومَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِي دَخَلَ قَلْبه بِكُلِّ مَعْصِيَة يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَة، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ اُفْتُتِنَ وَزَالَ عَنْهُ نُور الْإِسْلَام. وَالْقَلْب مِثْل الْكُوز فَإِذَا اِنْكَبَّ اِنْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلهُ شَيْء بَعْد ذَلِكَ. وفي الحديث التعبير بالفعل المضارع (تُعْرَضُ)، وهو هنا يدل على استمرار البلاء والامتحان: كما أن هذه الفتن لا تأتي دفعة واحدة، وإنما شيئًا فشيئًا حتى يصبح القلب أسود ـ والعياذ بالله ـ أو يسلمه الله فينجح في الامتحان فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض.

стр. 477

وهذه الدعوة الربانية للمؤمنين متضمنة تحذيرًا مخيفًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية: ٢٤). يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول ﵌، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله : ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله ولزوم طاعته وطاعة رسوله ﵌ على الدوام. ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن ترُدُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء. فليُكثِر العبدُ من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك. نسأل الله أن يوفقنا ويعيننا على الاستجابة لله وللرسول، وأن يحي قلوبنا، وألا يحال بيننا وبين قلوبنا بمعاصينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. • مواطن امتحان القلوب: كثير من الناس يتصور أن القلب إنما يمتحن بالشهوات والمعاصي، ولكن هذا من المواطن التي يمتحن فيها القلب، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥).فمِن المواطن التي يمتحن فيها القلب: ١ - العبادة: فالعبادة مثل: الصلاة والصدقة والصيام والحج وغيرها موضع امتحان وابتلاء، ففيها ابتلاء في تحقيق الإخلاص لله، وعدم مراعاة الناس بها، يقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: ٢٣).

стр. 478

وفي العبادة ابتلاء بتصحيحها، وأدائها كما جاءت عن النبي ﵌، وابتلاء بتحقيق التقوى فيها، يقول ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: ٣٧). وهذا جزء يسير من الابتلاء الذي يحدث في هذا الموطن. ٢ - العلم: وهذا موطن خصب لامتحان القلوب، وكم فشل أناس في هذا الامتحان، فطائفة طلبوا العلم لله، ثم تحولت النية إلى الشهوة الخفية، حب الرئاسة، الشهرة، التصدر، التعالي على الأقران، المراء والجدل، القدح في الخصوم .. وغيرها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. (صحيح رواه أبو داود). (مِمَّا يُبْتَغَى): أَيْ مِمَّا يُطْلَب. (إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ): أَيْ لِيَنَالَ وَيُحَصِّل بِذَلِكَ الْعِلْم. (عَرَضًا) أَيْ حَظًّا: مَالًا أَوْ جَاهًا. (عَرْف الْجَنَّة):رَائِحَتها، مُبَالَغَة فِي تَحْرِيم الْجَنَّة لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد رِيح الشَّيْء لَا يَتَنَاوَلهُ قَطْعًا، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقّ أَنَّهُ لَا يَدْخُل أَوَّلًا ثُمَّ أَمْره إِلَى اللهِ تَعَالَى كَأَمْرِ أَصْحَاب الذُّنُوب كُلّهمْ إِذَا مَاتَ عَلَى الْإِيمَان. ٣ - الدعوة: وهذا المجال من أشد مجالات امتحان القلوب. وأصحاب الدعوة المشتغلون بها من أشد الناس معاناة لهذا الامتحان. فشهوة توجيه الآخرين، والشهرة، والتعالي على الخلق كلها امتحانات قد تجعل الدعوة وبالا على صاحبها ـ والعياذ بالله ـ وفتنة النكوص عن الدعوة، أو توجيهها إلى غير رضَى الله داء عضال. ٤ - الخلاف والجدل: وهو مرتع من مراتع الشيطان. ومزرعة من مزارعه، ولذلك نبهنا الله جل وعلا إلى الأسلوب الأمثل في المجادلة فقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). ولأنه قد يكون الباعث للجدال هو الانتصار للحق، ثم يتحول إلى انتصار للنفس، وهنا مكمن الداء قال :

стр. 479

﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: ٤٦). ٥ - الشهوات: وإنما أخرتُها قصدًا؛ لأن كثيرًا من الناس يُقْصِرُ امتحان القلوب على الشهوات: المال، والمركب، والنساء، والبنين، والبنيان، وهذه لا شك أنها فتنة وابتلاء ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (التغابن: ١٥). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». (رواه مسلم). ٦ - الشبهات والفتن: وهما مجال رحب من مجالات مرض القلب وسبب لكثير من العلل. ٧ - الرياسة والمناصب: فكم تغيرت من نفوس، وتباغضت من قلوب بسبب هذا الموطن الذي قل أن يسلم منه أحد، فالحسد والغيرة والحقد والغل أمراض مبعثها هذا الأمر في غالب الأحوال والأحيان. ٨ - النسب والحسب والجاه: وهو أرض مثمرة لأمراض القلوب وأدوائه، فالتعالى والتفاخر والكبر وغيرها من أمراض القلوب تنطلق من هذه الأرض، ففيها تنبت ومنها تثمر. • أخيار امتحنوا فنجحوا: عباد الله ولنا في سِيَر الأخيار عظات وعِبَر، لقد امتحنوا فنجحوا وتفوَّقوا. فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبُّه بالكرام فلاح امتحن إبراهيم ﵇ بذبح ابنه إسماعيل فنجح، وامتحن إسماعيل ﵇ بأمر أبيه فنجح ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات:١٠٢ - ١٠٧)

стр. 480

وامتُحِن يوسف ﵇ بامرأة العزيز فنجح ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:٢٣ - ٢٤).وفضل السجن على معصية الله ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف:٣٣). • اختبار للصحابة في الولاء والبراء: ابتُليَ الصحابة الكرام ﵃ بأهليهم من أهل الشرك يصدون عن سبيل الله ، وجدوهم أمامهم في ساحة القتال فماذا كانت النتيجة. لقد قتل أبو عبيدة أباه عبد الله بن الجراح، وهمَّ الصديق أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن حين دعا ابنه للمبارزة يوم بدر، وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير، وقتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام يوم بدر، وقتل حمزة وعلي وعبيدة والحارث أقرباءهم وعشيرتهم، متجردين من علائق الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة. وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط والقيم في ميزان الله. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة المجادلة: ٢٢). • عمر بن عبد العزيز ﵀ الخليفة الفقير: وها هو عمر بن عبد العزيز ﵀ يعود يومًا بعد صلاة العشاء إلى داره ـ وهو خليفة المسلمين، ميزانية الأمة بين يديه ـ يلمح بناته الصغار، فيسلم عليهن كعادته، وكنّ يسارعْن إلى تقبيله، لكنهن هَرَبْنَ هذه المرة، وهنَّ يغطين أفواههن، فقال لزوجته: ما شأنهن؟ قالت: «لم يكن لديهن ما يتعشَّيْن به سوى عدس وبصل، فكرِهْن أن تشم من أفواههن رائحة البصل». فبكى وأجهش بالبكاء وهو يئن تحت وطأة المسؤولية، ميزانية الأمَّة تحت يديه، يقول: «يا بُنَيَّاتي أيَنْفَعُكُنَّ أنْ تَتَعَشَّيْنَ أطيبَ الطعام والشراب، وتكتَسِينَ أجمل الثياب من مال الأمة، ثم يُؤمر بأبيكُنَّ إلى النار؟». قلن: «لا، لا»، ثم اندفعن يبكين. فلا والله لا تسمع في البيت إلا الحنين والأنين. * لما حلَّت بعمر بن عبد العزيز سكرات الموت ﵀ دخل عليه مسلمة بن عبد الملك ـ خال أولاده ـ وقال: «لقد تركت أبناءك فقراء جوعى فأوْصِ بهم إلىَّ أو إلى أحد من أهل بيتك»، وكان مُضَّجعًا قال: أسندوني، ثم صرخ: «والله ما منعت أبنائي حقًا لهم، والله لن أعطيهم ما ليس لهم، أما أن أوصي بهم إليك أو إلى غيرك فلا، إن وصيَّي وولِيِّي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، إن بنىَّ أحد رجلين؛ إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وإما رجل مكبٌّ على المعاصي فوالله لم أكن لأقويه على معصية الله». ثم طلب جميع أولاده وهم بضعة عشر فاجتمعوا، فنظر إليهم، ثم ذرفت عيناه دموعًا حرَّى، وقال: «أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم، يا بني إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم تلا قوله تعالي: «تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾». فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: «انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم». قال الراوي: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، لأن عمر وكلَ ولدَه إلى الله .

стр. 481

ها هي رسالة امتحان، تأتي لصلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبين يوم ذاك، واليهود اليوم مع الصليبيين، تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لصلاح الدين: يا أيها الملكُ الذي ... لمعالمِ الصلبانِ نَكَّسْ جاءَتْ إليكَ ظِلامَةٌ ... تسعَى مِن البيتِ المقدسْ كلّ المساجِدِ طُهِّرَتْ ... وأنا ـ على شرفي ـ مُنَجَّسْ امتحان لصلاح الدين قام صلاح الدين فيه يصوم نهاره، ويقوم ليله، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد، ولا يمزح أحد، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر بعد استعداد جيد للامتحان، فيدمر الصليب، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الأخوة؟ استيقظ اليهود يوم نِمْنَا فدنَّسوه، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه، وقالوا: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فبعد صلاح الدين مؤامرات على أقصانا، بغى اليهود، ولكنّا أحسنَّا الصياح. إن أسئلة الامتحان التي قُدِّمت لصلاح الدين، أسئلة الآن تُقدَّم لنا، لكن صلاح الدين حلَّ الأسئلة بنفسه، ونحن أحلنا حلَّ الأسئلة إلى غيرنا، فكان ما كان. سقَوْا فِلَسْطينَ أحلامًا منوِّمَة ... وأطعموها سخيفَ القولِ والخُطَبِ لكن يا عباد الله: لا يأس، لا قنوط، سَتُحلُّ الأسئلة، وستبقى طائفة على الحق؛ لتقود الأمة ليعود الأقصى، وتعود فلسطين والعاقبة للمتقين. لا يَأسَ يسكُنُنَا فإنْ كَبُرَ الأسَى ... وبغَي فإنّ يقينَ قلبِي أكبرُ في منهجِ الرحمنِ أمْنُ مخاوفي ... وإليه في ليلِ الشدائدِ نجأرُ

стр. 482

٤٣ - عاشوراء وشهر الله المحرّم • عظموا ما عظّم الله: إن شهر الله المحرّم شهر عظيم مبارك وهو أول شهور السنّة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية (٣٦) سورة التوبة وقال النَّبِيِّ ﵌: « .. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» (رواه البخاري). والمحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرما وتأكيدا لتحريمه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما وعظّم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: «إن الظّلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها. وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء». وقال أيضًا: «إن الله اصطفى صفايا من خلقه: اصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظّم الله، فإنما تُعَظّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل». • فضل الإكثار من صيام النافلة في شهر محرّم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» (رواه مسلم). (شَهْرُ اللهِ) إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم، قال القاري: الظاهر أن المراد جميع شهر المحرّم. ولكن قد ثبت أنّ النبي ﵌ لم يصم شهرًا كاملا قطّ غير رمضان فيُحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصّيام في شهر محرم لا صومه كله. وقد ثبت إكثار النبي ﵌ من الصوم في شعبان ولعلّ لم يوحَ إليه بفضل المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه. • عاشوراء في التاريخ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. (رواه البخاري). وفي رواية للبخاري أيضا: «فقال لأصحابه: أنْتُمْ أحَقّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا». أي نحنُ أثبت وأقرب لمُتابعة مُوسى ﵌ منهم، فإنّا مُوافقُون لهُ في أُصُول الدّين، ومُصدّقُون لكتابه، وهم مُخالفُون لهُما بالتّغيير والتّحريف. ومن العبر التي نأخذها من هذا الحديث أن رابطة الإيمان تتخطى حواجز الزمان والمكان فالمسلمون شرع لهم النبي ﵌ صيام هذا اليوم شكرًا لله على نجاة موسى ﵇ وأتباعه المؤمنين. ومن العبر أن أيام النصر لا تعاد ذكراها بالمعاصي والكفران بل بالشكران لله صاحب الفضل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا , والنبي ﵌ لم يتخذ يوم عاشوراء عيدًا بل إنه صامه وأمر بصيامه ولو كان عيدًا لما صامه لأن الأعياد لا يجوز صيامها , بل صامه شكرًا لله على إنجائه موسى ومن معه وإهلاكه فرعون وجنوده.

стр. 483

ولا يجوز إحداث عيد لم يشرعه الله أو رسوله ﵌ فالأعياد كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: «شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع» (اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٦٦). • كان صيام عاشوراء معروفًا في الجاهلية: إن صيام عاشوراء كان معروفًا حتى على أيّام الجاهلية قبل البعثة النبويّة فقد ثبت عن عائشة ﵄ قالت: «إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه» (رواه مسلم) ولعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم ﵇. وقد ثبت أيضا أنّ النبي ﵌ كان يصومه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة فلما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون به فسألهم عن السبب فأجابوه كما تقدّم في الحديث وأمر بمخالفتهم في اتّخاذه عيدًا والظاهر أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام. • كان صيام عاشوراء من التدرّج الحكيم في تشريع الصيام وفرضه: فعن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَأْمُرُ بِصِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (رواه مسلم). وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ (رواه مسلم). وعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ﵂ قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ». فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ (رواه مسلم).

стр. 484

وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ» (رواه مسلم). وعن معاذ بن جبل ﵁ « ... أنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ إِلَى رَمَضَانَ، مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيَامَ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ... » (صحيح رواه الإمام أحمد). فانتقل الفرض من صيام عاشوراء إلى صيام رمضان فتُرِك وجوب صيام عاشوراء، أما استحبابه فباقٍ. • فضل صيام عاشوراء: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ» (رواه البخاري). ومعنى «يتحرى» أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه. وقال النبي ﵌: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، إنّي أحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التِي قَبْلَهُ» (رواه مسلم)، وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة والله ذو الفضل العظيم. • أي يوم هو عاشوراء وأي يوم تاسوعاء: عَاشُورَاءُ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَتَاسُوعَاءُ هُوَ التَّاسِعُ مِنْهُ. • استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء: عن عَبْدِ اللهِِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌. (رواه مسلم).

стр. 485

يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا؛ لأن النبي ﵌ صام العاشر ونوى صيام التاسع. وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وكلّما كثر الصّيام في محرّم كان أفضل وأطيب. • الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أن الحِكْمَةِ في اسْتِحْبَابِ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ. • حكم إفراد عاشوراء بالصيام: قال شيخ الإسلام: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَلا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ. • صيام عاشوراء ماذا يكفّر؟ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلا الْكَبَائِرَ. فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ، وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ. • عدم الاغترار بثواب الصيام: يَغْتَرُّ بَعْضُ الْمَغْرُورِينَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مِثْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْعَامِ كُلِّهَا وَيَبْقَى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْرِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: «لَمْ يَدْرِ هَذَا الْمُغْتَرُّ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهِيَ إنَّمَا تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ فَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ لَا يَقْوَيَانِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ إلَّا مَعَ انْضِمَامِ تَرْكِ الْكَبَائِرِ إلَيْهَا فَيَقْوَى مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ. وَمِنْ الْمَغْرُورِينَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ طَاعَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعَاصِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ وَلَا يَتَفَقَّدُ ذُنُوبَهُ وَإِذَا عَمِلَ طَاعَةً حَفِظَهَا وَاعْتَدَّ بِهَا، كَاَلَّذِي يَسْتَغْفِرُ اللهَ بِلِسَانِهِ أَوْ يُسَبِّحُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغْتَابُ الْمُسْلِمِينَ وَيُمَزِّقُ أَعْرَاضَهُمْ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَرْضَاهُ اللهُ طُولَ نَهَارِهِ، فَهَذَا أَبَدًا يَتَأَمَّلُ فِي فَضَائِلِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّهْلِيلَاتِ وَلَا

стр. 486

يَلْتَفِتُ إلَى مَا وَرَدَ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُغْتَابِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالنَّمَّامِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَذَلِكَ مَحْضُ غُرُورٍ». • صيام عاشوراء وعليه قضاء من رمضان: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِكَوْنِ الْقَضَاءِ لا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى حُرْمَةِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَعَدَمِ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِلْقَضَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَرْضِ حَتَّى يُقْضِيَهُ. فعلى المسلم أن يبادر إلى القضاء بعد رمضان ليتمكن من صيام عرفة وعاشوراء دون حرج. • بدع عاشوراء: ١ـ بدعة الحزن واتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا: وهي بدعة أحدثها الشيعة في هذا اليوم، وهم طائفة جاهلة ظالمة، إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، ومن مظاهر هذه البدعة النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية وسب الصحابة ﵃، وإنشاد قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب وإثارة الشحناء والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سَبّ السابقين الأولين وكثرة الكذب والفتن في الدنيا. ولم يُعرف في طوائف الإسلام أكثر كذبًا وفتنًا ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه الطائفة الضالة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين. والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة:١٥٥ - ١٥٧). وعن النبي ﵌ أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بٍدًعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (رواه البخاري ومسلم).، وقال: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». (رواه مسلم). إن الشيعة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا، ودينهم يُدخل على المسلمين كلَّ زنديق ومرتد، كما دخل فيه النصيرية والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يُعلم فساده يقيمونه. ٢ـ بدعة الفرح واتخاذ يوم عاشوراء عيدًا: وهي بدعة أحدثتها النواصب في هذا اليوم، ـ والنواصب طائفة من الخوارج يكفّرون علي بن أبي طالب ﵁ ويفسقونه، ويتنقصون بحرمة أهل البيت ـ. ومن مظاهر اتخاذ يوم عاشوراء عيدًا: إظهار الفرح والسرور والاغتسال والتجمل والاكتحال والتطيب وإعداد المطاعم وذبح الذبائح والتوسعة على العيال إلى غير ذلك. ولم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﵌، ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا لا عن النبي ﵌ ولا الصحابة ولا التابعين لا صحيحًا ولا ضعيفًا لا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة. ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن «من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام»، و «من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام» وأمثال ذلك.

стр. 487

ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وإنجاء إبراهيم من النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك. ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي ﵌ أنه: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة». ورواية هذا كله عن النبي ﵌ كذب. فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين يبغضون عليًّا ﵁ وأصحابه، ويريدون أن يقابلوا الشيعة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد والبدعة بالبدعة. ولم يسن رسول الله ﵌ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئًا من هذه الأمور لا شعائر الحزن والترح ولا شعائر السرور والفرح. ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ (الكهف:١١٠)، فالعمل الصالح ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع المسنون ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا». وقال ابن القيم: «أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة فيه وغير ذلك من فضائل لا يصح منها شيء، ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي ﵌ فيه شيء غير أحاديث صيامه، وما عداها فباطل». وأمثل ما فيها: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته»، قال الإمام أحمد: لا يصح هذا الحديث. وأما أحاديث الاكتحال والادهان والتطيب فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان على السنة، وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﵌.

стр. 488

٤٤ - استقبال رمضان (١) يا باغي الخير أقبِل قلتُ، والنّاسُ يرقبون هلالًا ... يشبه الخَيْطَ مِنْ نَحَافَةِ جِسْمِهْ: «مَنْ يَكنْ صائمًا فذا رمضانٌ ... خطّ بالنّور للورَى أوّلَ اسمِهْ» (خطّ بالنّور للورَى أوّلَ اسمِه: أي أن الهلال يشبه حرف الراء). رمضانُ يا خيرَ الشهورِ تحيةً ... تُفْضِي عليكَ مِن الجلالِ جَلالَا خُذْها يَفُوحُ عبيرُها مِن مُؤمِنٍ ... يبْغِي لك التعظيمَ والإجلالَا رمضانُ عُدْتَّ وهذه أوطانُنا ... عَمّ الفسادُ بها وزادَ وطالَا ضاعتْ مقاييسُ الفضيلةِ بيننا ... وتبدلَتْ أحوالُنا أوحَالَا اللهُ أكبرُ إنّ عيني قد رأتْ ... نورًا بآفاقِ السمَا يتلَالَا فلعله فجرُ العقيدةِ قد بَدَا ... يُحيِي النفوسَ ويبعثُ الآمالا ويُميطٌ عن هذِي القلوبِ قِناعَها ... فتعودُ تُرْسِلُ نورهَا أرسَالَا وتروحُ بالإسلامِ تكسِرُ قيدَها ... وتَفُكُ عن أعناقِها الأغْلَالَا وتردُّ للدنيا عدالةَ أحمدِ ... وتُعيدُ للإسلامِ تلكَ الحالَا إن حكمة الله اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة وميدانًا للتنافس وكان من فضله على عباده وكرمه أن يجزي على القليل كثيرًا، ويضاعفَ الحساب ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات؛ عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.

стр. 489

ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجَلّها شهرُ رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد، ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويتفقه في شروط ومستحبات، وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل لئلا يفوته الخير العظيم ولا ينشغل بمفضول عن فاضل ولا بفاضل عما هو أفضل منه. • أخي المسلم: استحضر في قلبك الآن أحبَّ الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرًا وهَبْ أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل ... كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟ إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان أن تتأهب لقدومه؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله ﵎ القائل: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢). يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويستبشرون ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات وأولئك يبشَّرون بقول الله ﵎: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:٥٨). إنّ محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة:١٢٤) فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان، تحِنُّ قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم، وتراهم يمهدون لاستقبال رمضان بصيام التطوع خاصة في شعبان. باع قوم من السلف جارية لهم لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان ـ كما يصنع كثير من الناس اليوم ـ فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: «لماذا تصنعون ذلك؟»، قالوا:

стр. 490

«لاستقبال شهر رمضان»، فقالت: «وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلَّها رمضان، لا حاجة لي فيكم، رُدُّوني إليهم»، ورجعت إلى سيدها الأول. سمع المؤمنون قول رسول الله ﵌: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (رواه مسلم)، فعلموا أن الامتناع عن الشهوات لله في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة؛ كما أشار إلى ذلك مفهوم قول رسول الله ﵌: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ «(متفق عليه) وقوله ﵌: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (متفق عليه)، وقوله ﵌: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا للهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» (حسن رواه الترمذي). (مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ) أَيْ لُبْسَ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْقِيمَةِ. (تَوَاضُعًا للهِ) أَيْ لَا لِيُقَالَ إِنَّهُ مُتَوَاضِعٌ أَوْ زَاهِدٌ وَنَحْوُهُ. (دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ) أَيْ يُشَهِّرُهُ وَيُنَادِيهِ. (مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ أَيِّ حُلَلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وعن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﵌ قال: «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ». (رواه البخاري). وفي رواية في الصحيحين: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»، (رواه البخاري ومسلم) «مَنْ دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا» (صحيح رواه النسائي). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال رسول الله ﵌: «أتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ أحَدَ وَالِدَيْهِ فَماَتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: يَا

стр. 491

مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأدْخِلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَّلّ عَلَيْكَ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأبْعَدَهُ اللهُ قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (صحيح رواه الطبراني). فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يقول في هذا الحديث وفيما رواه مسلم «مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ ولَمْ يُغْفَرْ لَهُ بَاعَدَهُ اللهُ فِي النَّارِ» ثم يؤمِّن خليل الرحمن الصادق المصدوق ﵌ على دعائه؟! وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة ودواعيها متيسرة والأعوان عليها كثيرون وعوامل الفساد محدودة ومردة الشياطين مصفَّدون ولله عتقاء في كل ليلة وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النيران مغلقة فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن؟! ومن لم يكن أهلًا للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها، ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره؟!. لقد بيَّن الصادق المصدوق ﵌ اختلاف سعى الناس في الاستعداد لرمضان فعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَظَلَّكُمْ شَهْرُكُمْ هَذَا، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ ﵌ مَا مَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ قَطُّ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ، وَمَا مَرَّ بِالْمُنَافِقِينَ شَهْرٌ قَطُّ أَشَرُّ لَهُمْ مِنْهُ، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِنَّ اللهَ لَيَكْتُبُ أَجْرَهُ وَنَوَافِلَهُ، وَيَكْتُبُ إِصْرَهُ وَشَقَاءَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْخِلَهُ، وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ». (صحيح رواه الإمام أحمد). قوله ﵌: «وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ» أي ما يقويهم عليها في رمضان كادخار القوت وما ينفقه على عياله فيه؛ لأن اشتغالهم بالعبادة فيه يمنعهم من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يُحصلِّون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة

стр. 492

والإقبال على الله واجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم لما اكتسبوه فيه من الأجر العظيم والغفران العميم. وقوله ﵌: «وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ» يعني أن المنافقين يستعدون في شهر رمضان للإيذاء بالمسلمين في دنياهم وتتبع عوراتهم أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم إلى الله ، فكأن ذلك غنيمة اغتنموها في نظرهم ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم ـ نعوذ بالله من ذلك ـ وما أدق هذا الوصف في حق أهل الفن والإعلام الذين يغتنمون موسم الطاعة لصد الناس عن سبيل ربهم وفتنتهم عن طاعة الله . وقوله ﵌: «فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ» أي هو فوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادات موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه ولا عمل يفضل عما فيه فهو بحق غنيمة المؤمنين. وقوله ﵌: «يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ» المعنى أن الله ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله بالعبادة فيه. • ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» (صحيح رواه ابن ماجه).

стр. 493

إن خير الهدي هدي محمد ﵌ ومن هديه ﵌ في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم فقد قال ﵌: لأصحابه في أول ليلة من رمضان: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ للهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» (حسن رواه النسائي). • يا باغي الخير أقبل!!! كيف يستقبل باغي الخير رمضان؟ أولًا: بالمبادرة إلى التوبة الصادقة المستوفية لشروطها وكثرة الاستغفار قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (التحريم:٨). وممّا ينبغي أن يُستقبَل به شهر الصيام والقيام أيضًا، المبادرة بالتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها، والإكثار من الطاعات دُقِّها وجُلِّها، فهذا زمان التوبة. يا ذَا الذي ما كَفَاهُ الذنبُ في رجبٍ حتى عصَى ربَّه في شهرِ شعبان لقدْ أظَلّكَ شهرُ الصومِ بعدهُما فلا تُصًيِّرْه أيضًا شهرَ عصيان واتْلُ القرآنَ وسبِّح فيه مجتهدًا فإنه شهرُ تسبيحٍ وقرآن ثانيًا: بتعلم ما لابد منه من فقه الصيام أحكامه وآدابه والعبادات المرتبطة برمضان من اعتكاف وعمرة وزكاة فِطر وغيرها قال رسول ﵌: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». (صحيح رواه ابن ماجه). ثالثًا: عقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير رمضان بالأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (محمد:٢١) وقال : ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً َ﴾ (التوبة:٤٦)، وتحري أفضل الأعمال فيه وأعظمها أجرًا. رابعًا: استحضار أن رمضان كما وصفه الله أيام معدودات، سرعان ما يولي، فهو موسم فاضل، ولكنه سريع الرحيل، واستحضار أن المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة تذهب أيضًا، ويبقى الأجر، وشَرْحُ الصدر، فإن فرط الإنسان ذهبت ساعات لهوه وغفلته، وبقيت تبعاتها وأوزارها.

стр. 494

خامسًا: الاجتهاد في حفظ الأذكار والأدعية المطلقة منها والموظفة، خصوصًا الوظائف المتعلقة برمضان، استدعاءً للخشوع وحضور القلب، واغتنامًا لأوقات إجابة الدعاء في رمضان، والاستعانة على ذلك بدعاء: «اللهم أعِنِّي على ذكرِك، وشُكرِك، وحُسنِ عبادتِك». سادسًا: الاستكثار من الأعمال الصالحات، فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن ذلك: (١) الإكثار من الصيام في شعبان: استعدادًا لرمضان، فعن أم المؤمنين عائشة ﵄ قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» (رواه مسلم). ويُنهى عن تخصيص النصف الثاني من شعبان بالصيام لحديث أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﵌ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حتى حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» (رواه الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني)، أمّا من صام في أوّل الشهر فلا جناح عليه أن يصوم نصفه الثاني بَعضَه أو كلّه، وكذلك من كانت له عادة صيام صامها، كيومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، فيصومهما ولا حَرج. ولا يجوز للصائم أن يتقدّم رمضان بصيام يومٍ أو يومَين لقوله ﵌: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (رواه مسلم). ولهذا النهي حِكَمٌ جليلةٌ منها: الاحتياط لرمضان لئلا يُزاد فيه ما ليس منه، ومنها الفصل بين صيام الفرض والنفل لأن جنس الفصل بين النوافل والفرائض مشروع، كما في النهي عن وصل صلاة مفروضة بصلاةِ نافلةٍ حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، ومنها التقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صيام الفرض. (٢) تلاوة القرآن الكريم: فإن رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من تلاوته وحفظه، وتدبره، وعرضه على من أقرأ منه.

стр. 495

كان جبريل يدارس النبي ﵌ القرآن في رمضان، وعارضه في عام وفاته مرتين (رواه البخاري ومسلم)، وقال ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». (صحيح رواه الترمذي). وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة المصحف. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن. وقال الزهري: «إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام». (٣) قيام رمضان: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُرَغِّبُ فِى قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنٍْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم). (٤) الصدقة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﵌ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (رواه البخاري ومسلم). ومن صور الصدقة إطعام الطعام، وتفطير الصُوّام، قال ﵌: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (صحيح رواه الترمذي)، فإن عجز عن عَشائه فطَّره على تمرة أو شربة ماء أو لبن، وقال ﵌: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (رواه البخاري ومسلم). وعن عليّ ﵁ قال رسول الله ﵌: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا». فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى للهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (حسن رواه أحمد والترمذي). (غُرَفًا) جَمْعُ غُرْفَةٍ، أَيْ عَلَالِيَّ فِي غَايَةٍ مِنْ اللَّطَافَةِ وَنِهَايَةٍ مِنْ الصَّفَاءِ وَالنَّظَافَةِ (تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا) لِكَوْنِهَا شَفَّافَةً لَا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا. (لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَام):الْمَعْنَى لِمَنْ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ مَعَ الْأَنَامِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فَيَكُونُ مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا. الْمَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾. (وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ) لِلْعِيَالِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْأَضْيَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَأَدَامَ الصِّيَامَ) أَيْ أَكْثَرَ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ تَابَعَ بَعْضَهَا بَعْضًا وَلَا يَقْطَعُهَا رَأْسًا، قَالَهُ اِبْنُ الْمَلَكِ. وَقِيلَ أَقَلُّهُ أَنْ يَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّوْمِ (وَالنَّاسُ) أَيْ غَالِبُهُمْ (نِيَامٌ) جَمْعُ نَائِمٍ أَوْ غَافِلُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا رِيَاءَ يَشُوبُ عَمَلَهُ وَلَا شُهُودَ غَيْرُ اللهِ، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ الْمُنْبِئُ وَصْفُهُمْ بِذَلِكَ عَنْ أَنَّهُمْ فِي غَايَةٍ مِنْ الْإِخْلَاصِ لله. وقال ﵌: «أَفْشِ السَّلَامَ، وَأَطِبْ الْكَلَامَ، وَصِلْ الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلْ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (صحيح رواه أحمد والحاكم). وقال ﵌: «صَنَائِعُ الَمعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِ تُطْفِيءُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فٍي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني). وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة.
следующие страницы →