مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأدْخِلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَّلّ عَلَيْكَ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأبْعَدَهُ اللهُ قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (صحيح رواه الطبراني).
فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يقول في هذا الحديث وفيما رواه مسلم «مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ ولَمْ يُغْفَرْ لَهُ بَاعَدَهُ اللهُ فِي النَّارِ» ثم يؤمِّن خليل الرحمن الصادق المصدوق ﵌ على دعائه؟!
وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة ودواعيها متيسرة والأعوان عليها كثيرون وعوامل الفساد محدودة ومردة الشياطين مصفَّدون ولله عتقاء في كل ليلة وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النيران مغلقة فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن؟! ومن لم يكن أهلًا للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها، ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره؟!.
لقد بيَّن الصادق المصدوق ﵌ اختلاف سعى الناس في الاستعداد لرمضان فعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَظَلَّكُمْ شَهْرُكُمْ هَذَا، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ ﵌ مَا مَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ قَطُّ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ، وَمَا مَرَّ بِالْمُنَافِقِينَ شَهْرٌ قَطُّ أَشَرُّ لَهُمْ مِنْهُ، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِنَّ اللهَ لَيَكْتُبُ أَجْرَهُ وَنَوَافِلَهُ، وَيَكْتُبُ إِصْرَهُ وَشَقَاءَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْخِلَهُ، وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ». (صحيح رواه الإمام أحمد).
قوله ﵌: «وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ» أي ما يقويهم عليها في رمضان كادخار القوت وما ينفقه على عياله فيه؛ لأن اشتغالهم بالعبادة فيه يمنعهم من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يُحصلِّون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة
стр. 492
والإقبال على الله واجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم لما اكتسبوه فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
وقوله ﵌: «وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ» يعني أن المنافقين يستعدون في شهر رمضان للإيذاء بالمسلمين في دنياهم وتتبع عوراتهم أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم إلى الله ، فكأن ذلك غنيمة اغتنموها في نظرهم ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم ـ نعوذ بالله من ذلك ـ وما أدق هذا الوصف في حق أهل الفن والإعلام الذين يغتنمون موسم الطاعة لصد الناس عن سبيل ربهم وفتنتهم عن طاعة الله .
وقوله ﵌: «فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ» أي هو فوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادات موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه ولا عمل يفضل عما فيه فهو بحق غنيمة المؤمنين.
وقوله ﵌: «يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ» المعنى أن الله ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله بالعبادة فيه.
• ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» (صحيح رواه ابن ماجه).
стр. 493
إن خير الهدي هدي محمد ﵌ ومن هديه ﵌ في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم فقد قال ﵌: لأصحابه في أول ليلة من رمضان:
«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ للهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» (حسن رواه النسائي).
• يا باغي الخير أقبل!!! كيف يستقبل باغي الخير رمضان؟
أولًا: بالمبادرة إلى التوبة الصادقة المستوفية لشروطها وكثرة الاستغفار قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (التحريم:٨).
وممّا ينبغي أن يُستقبَل به شهر الصيام والقيام أيضًا، المبادرة بالتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها، والإكثار من الطاعات دُقِّها وجُلِّها، فهذا زمان التوبة.
يا ذَا الذي ما كَفَاهُ الذنبُ في رجبٍ حتى عصَى ربَّه في شهرِ شعبان
لقدْ أظَلّكَ شهرُ الصومِ بعدهُما فلا تُصًيِّرْه أيضًا شهرَ عصيان
واتْلُ القرآنَ وسبِّح فيه مجتهدًا فإنه شهرُ تسبيحٍ وقرآن
ثانيًا: بتعلم ما لابد منه من فقه الصيام أحكامه وآدابه والعبادات المرتبطة برمضان من اعتكاف وعمرة وزكاة فِطر وغيرها قال رسول ﵌: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». (صحيح رواه ابن ماجه).
ثالثًا: عقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير رمضان بالأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (محمد:٢١) وقال : ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً َ﴾ (التوبة:٤٦)، وتحري أفضل الأعمال فيه وأعظمها أجرًا.
رابعًا: استحضار أن رمضان كما وصفه الله أيام معدودات، سرعان ما يولي، فهو موسم فاضل، ولكنه سريع الرحيل، واستحضار أن المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة تذهب أيضًا، ويبقى الأجر، وشَرْحُ الصدر، فإن فرط الإنسان ذهبت ساعات لهوه وغفلته، وبقيت تبعاتها وأوزارها.
стр. 494
خامسًا: الاجتهاد في حفظ الأذكار والأدعية المطلقة منها والموظفة، خصوصًا الوظائف المتعلقة برمضان، استدعاءً للخشوع وحضور القلب، واغتنامًا لأوقات إجابة الدعاء في رمضان، والاستعانة على ذلك بدعاء: «اللهم أعِنِّي على ذكرِك، وشُكرِك، وحُسنِ عبادتِك».
سادسًا: الاستكثار من الأعمال الصالحات، فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن ذلك:
(١) الإكثار من الصيام في شعبان: استعدادًا لرمضان، فعن أم المؤمنين عائشة ﵄ قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» (رواه مسلم).
ويُنهى عن تخصيص النصف الثاني من شعبان بالصيام لحديث أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﵌ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حتى حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» (رواه الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني)، أمّا من صام في أوّل الشهر فلا جناح عليه أن يصوم نصفه الثاني بَعضَه أو كلّه، وكذلك من كانت له عادة صيام صامها، كيومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، فيصومهما ولا حَرج.
ولا يجوز للصائم أن يتقدّم رمضان بصيام يومٍ أو يومَين لقوله ﵌: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (رواه مسلم).
ولهذا النهي حِكَمٌ جليلةٌ منها: الاحتياط لرمضان لئلا يُزاد فيه ما ليس منه، ومنها الفصل بين صيام الفرض والنفل لأن جنس الفصل بين النوافل والفرائض مشروع، كما في النهي عن وصل صلاة مفروضة بصلاةِ نافلةٍ حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، ومنها التقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صيام الفرض.
(٢) تلاوة القرآن الكريم: فإن رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من تلاوته وحفظه، وتدبره، وعرضه على من أقرأ منه.
стр. 495
كان جبريل يدارس النبي ﵌ القرآن في رمضان، وعارضه في عام وفاته مرتين (رواه البخاري ومسلم)، وقال ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». (صحيح رواه الترمذي).
وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة المصحف.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن.
وقال الزهري: «إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام».
(٣) قيام رمضان: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُرَغِّبُ فِى قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنٍْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
(٤) الصدقة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﵌ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
ومن صور الصدقة إطعام الطعام، وتفطير الصُوّام، قال ﵌: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (صحيح رواه الترمذي)، فإن عجز عن عَشائه فطَّره على تمرة أو شربة ماء أو لبن، وقال ﵌: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (رواه البخاري ومسلم).
وعن عليّ ﵁ قال رسول الله ﵌: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا».
فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى للهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (حسن رواه أحمد والترمذي).
(غُرَفًا) جَمْعُ غُرْفَةٍ، أَيْ عَلَالِيَّ فِي غَايَةٍ مِنْ اللَّطَافَةِ وَنِهَايَةٍ مِنْ الصَّفَاءِ وَالنَّظَافَةِ (تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا) لِكَوْنِهَا شَفَّافَةً لَا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا.
(لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَام):الْمَعْنَى لِمَنْ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ مَعَ الْأَنَامِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فَيَكُونُ مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا. الْمَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾.
(وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ) لِلْعِيَالِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْأَضْيَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
(وَأَدَامَ الصِّيَامَ) أَيْ أَكْثَرَ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ تَابَعَ بَعْضَهَا بَعْضًا وَلَا يَقْطَعُهَا رَأْسًا، قَالَهُ اِبْنُ الْمَلَكِ. وَقِيلَ أَقَلُّهُ أَنْ يَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّوْمِ
(وَالنَّاسُ) أَيْ غَالِبُهُمْ (نِيَامٌ) جَمْعُ نَائِمٍ أَوْ غَافِلُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا رِيَاءَ يَشُوبُ عَمَلَهُ وَلَا شُهُودَ غَيْرُ اللهِ، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ الْمُنْبِئُ وَصْفُهُمْ بِذَلِكَ عَنْ أَنَّهُمْ فِي غَايَةٍ مِنْ الْإِخْلَاصِ لله.
وقال ﵌: «أَفْشِ السَّلَامَ، وَأَطِبْ الْكَلَامَ، وَصِلْ الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلْ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (صحيح رواه أحمد والحاكم).
وقال ﵌: «صَنَائِعُ الَمعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِ تُطْفِيءُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فٍي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني).
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة.
стр. 496
وكان من السلف من يطعهم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وقال أبو السوار العدوي: «كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس وأكل الناس معه».
قال الإمام الماوردي ﵀: «ويستحب للرجل أن يوسع على عياله في شهر رمضان، وأن يحسن إلى أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه».
وإذا دُعي المسلم الصائم عليه أن يجيب الدعوة، لأن من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم ﵌، وينبغي عليه أن يعتقد جازمًا أن ذلك لا يضيع شيئًا من حسناته، ولا ينقص شيئًا من أجره.
(٥) المكث في المسجد بعد صلاة الفجر: فقد كان ﵌ إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. (رواه مسلم).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ». (صحيح رواه الترمذي).
(الْغَدَاةَ):الصبح (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ تُسَمَّى صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةِ الضُّحَى.
(كَانَتْ) أَيْ الْمَثُوبَةُ.
(قَالَ) أَيْ أَنَسٌسدد خطاكم.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ») صِفَةٌ لِحَجَّةٍ وَعُمَرَةٍ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: أَعَادَ الْقَوْلَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالتَّمَامِ وَتَكْرَارِهِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ.
стр. 497
فعلى المرء أن يجمع همته ليغتنم هذا الزمان الشريف، ولا يضيره انصراف أكثر الناس عن هذه السُّنَّة، بل الحازم ينظر في أمر الدين إلى من هو فوقه، ومن هو أنشط منه ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦).
وقد يُحرم المرء من هذه السُّنَّة الجليلة لإفراطه في السهر أو السمر بعد العشاء.
(٦) الاعتكاف: فقد كان ﵌ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا (رواه البخاري) ..
(٧) العمرة: فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟».
قَالَتْ: «نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ ـ زَوْجِهَا ـ حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا؟».
قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً».
وفي رواية: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». (رواه مسلم). (الناضح: الدابة يُسْتَقَى عليها).
ومما ثبت في فضائل العمرة: قوله ﵌: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». (صحيح رواه ابن ماجه).
وقوله ﵌: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا». (صحيح رواه الإمام أحمد).
وقال ﵌: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَلَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً». (صحيح رواه الترمذي). (أُسْبُوعًا: أي سبعة أشواط).
(٨) تحرِّي ليلة القدر: قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر:١ - ٣).
стр. 498
وقال ﵌: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (رواه البخاري).
وكان ﵌ يتحرى ليلة القدر، ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يعتكف لذلك، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر رجاء أن يدركوها.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵄ قالت: قلتُ: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: «قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
ويستحب أن يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خصوصًا الليالي الوتر منها، لقوله ﵌: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ فِي الوِتْرِ» (رواه البخاري ومسلم)، ورجح بعض العلماء أنها ليلة السابع والعشرين.
(٩) الإكثار من النوافل بعد الفرائض: كالسُّنن القبلية والبعدية، وصلاة التسبيح، والضحى، والذكر والاستغفار، والدعاء خصوصًا في أوقات الإجابة، وعند الإفطار، وفي ثلث الليل الآخر، وفي الأسحار، وساعة الإجابة يوم الجمعة.
(١٠) المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد: والاجتهاد في تطبيق قول رسول الله ﵌ «مَنْ صَلَّى للهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ». (حسن رواه الترمذي).
واعلم أن النبيُّ ﵌ لم يأذن في آخر الأمر للأعمى الذي جاء يطلب الرخصة في ترك صلاة الجماعة فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكمقَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﵌ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ لَيْسَ لِى قَائِدٌ يَقُودُنِى إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ الله ﵌ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّىَ فِى بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟».
فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ». (رواه مسلم).
وعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ سدد خطاكم أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ ﵌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّى رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِى قَائِدٌ لاَ يُلاَئِمُنِى، فَهَلْ لِى رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّىَ فِى بَيْتِى؟
стр. 499
قَال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «لاَ أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً».
(رواه أبو داود وصححه الألباني).
(ضَرِير الْبَصَر): أَيْ أَعْمَى. (شَاسِع الدَّار): أَيْ بَعِيد الدَّار.
(وَلِي قَائِد): الْقَائِد هُوَ الَّذِي يُمْسِك يَد الْأَعْمَى وَيَأْخُذهَا وَيَذْهَب بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَيَجُرّهُ. (لَا يُلَائِمنِي):أَيْ لَا يُوَافِقنِي وَلَا يُسَاعِدنِي.
(هَلْ تَسْمَع النِّدَاء): أَيْ الْإِعْلَام وَالتَّأْذِين بِالصَّلَاةِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ حُضُور الْجَمَاعَة وَاجِب وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ نَدْبًا لَكَانَ أَوْلَى مَنْ يَسَعهُ التَّخَلُّف عَنْهَا أَهْل الضَّرَر وَالضَّعْف، وَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَال اِبْن أُمّ مَكْتُوم.
وَكَانَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح يَقُول: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْق الله فِي الْحَضَر وَالْقَرْيَة رُخْصَة إِذَا سَمِعَ النِّدَاء فِي أَنْ يَدَع الصَّلَاة جَمَاعَة.
وَكَانَ أَبُو ثَوْر يُوجِب حُضُور الْجَمَاعَة: وَاحْتَجَّ هُوَ وَغَيْره بِأَنَّ الله أَمَرَ رَسُول اللَّه ﵌ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَة فِي صَلَاة الْخَوْف وَلَمْ يَعْذُر فِي تَرْكهَا فَعُقِلَ أَنَّهَا فِي حَال الْأَمْن أَوْجَب.
وقد عدّ بعض العلماء من الكبائر ترك الجماعة فيصلي وحده من غير عذر.
ويُخشَى والعياذ بالله من عدم قبول صلاة تارك الجماعة فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
قال السندي في حاشيته على (سنن ابن ماجه): «وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد الَّذِي سَمِعَ نِدَاءَهُ فَرْض لِصِحَّةِ الصَّلَاة حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاته».
وَذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من قال من الأئمة إن صلاة الجماعة وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ. وَالثَّانِي تَصِحُّ مَعَ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ.
стр. 500
٤٥ - استقبال رمضان
يا باغي الشر ... أقصر !!
غدًا يهِلُّ علينا البشْرُ والظَّفَرُ ... ويحتفي الحجْرُ بالصُّوَّام والحجَرُ
غدًا يهلُّ هِلالُ الصَّوم مؤتلقًا ... في موكبٍ مشرقٍ والليلُ يعتكرُ
رَنَتْ إليه قلوبٌ في قرارتها ... لحبِّه سكَنٌ حلوُ الرُّؤى نَضِرُ
غدًا تُؤَذِّن بالبُشرى منائرُنا ... تَسْري بأخباره الآياتُ والنذر
نغفو ونصحو على ذكرى شمائله ... نكادُ نشرق بالذكرى ونَنْفَطِرُ
رأيتُهُ قبلَ عامٍ في مساجدنا ... يضيء في راحَتيْهِ الشمسُ والقمرُ
يُهدي مكارمَه للناس تذْكرةً يُصغي ... لها السمعُ والإحساسُ والبصَرُ
• يا مستثقلًا رمضان ... أقصر!!
إن أول شر يرتكبه أهل الغفلة وبغاة الشر هو أنهم يستثقلونه، ويعدون أيامه ولياليه وساعاته، لأن رمضان يحجب عنهم الشهوات، ويمنعهم اللذات.
• يا متعمد الإفطار في نهار رمضان ... أقصر!
ومن بغاة الشر من لا يسثقلون رمضان أصلًا، لأنهم لا يصومون، بل يجاهرون بالفطر في الطرقات، دون حياء من الله، ولا من عباد الله. ومن شركاء هؤلاء في الوزر أصحاب المطاعم الذين يفتحون محالهم لترحب بالفاسقين المفطرين بغير عذر، ويعاونونهم على الإثم والعدوان ومعصية الله ورسوله ﵌.
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «بَيْنَمَا أنَا نَائِمٌ إِذْ أتَانِي رَجُلَانِ، فَأخَذَا بِضَبْعَيَّ ـ عَضُدَيَّ ـ فأتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أطِيقُهُ، فَقَالَا: «َسُنَسهِّلُهُ لك»، فَصَعدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الجَبَلِ إذَا بِأصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الأصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطلِقَ بِي، فَإِذَا أنَا
стр. 501
بِقَوْمٍ مُعَلّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٌ أشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: «َمنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَا: هَؤُلَاءِ الذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلّةِ صَوْمِهِمْ» (صحيح رواه ابن خزيمة وابن حبان)
الضَّبْعُ: العَضُدُ، الوعْر: الصعب، والصلب، الشَّدْق: جانب الفم مما تحت الخد، قَبْلَ تَحِلّةِ صَوْمِهِمْ: أي يفطرون قبل وقت الإفطار.
فإذا كان هذا وعيد من يفطرون قبل غروب الشمس ولو بدقائق معدودات، فكيف بمن يفطر اليوم كله؟!
قال الحافظ الذهبي ﵀: «وعند المؤمنين مقرر: أنَّ من ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يَشُكّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال».
• يا تارك الصلاة أقصر!
وأعظم بغاة الشر في رمضان تارك الصلاة الذي لا يتوب من جريمة كبرى، قال الله سبحانه في شأن تاركها ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر٤٢:٤٣). وقال في شأنها رسول الله ﵌: «الْعَهْدُ الذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (صحيح رواه أحمد والترمذي والنسائي)، وقال ﵌: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ: تَرْكُ الصَلَاةِ» (رواه مسلم). وقال ﵌: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إلّا تَرْكُ الصّلَاةِ؛ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أشْرَكَ». (صحيح رواه ابن ماجه).
وقال النَّبيُّ ﵌: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجَنَّةَ» (صحيح رواه أبو داود والنسائي).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (حسن رواه أحمد).
стр. 502
وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: «لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة».
وبعيدًا عن الخلاف الفقهي في كفر تارك الصلاة، هل هو كفر أكبر مُخرج من الملة أو هو كفر لا يخرج من الملة، فدعني أهمس في أذنك يا تارك الصلاة: هل تقبل أن يكون انتماؤك لدين الإسلام، وإيمانك بالله ورسوله وكتابه قضيةً محلّ خلاف، فعلماء يقولون: «أنت كافر مثل فرعون وقارون وأبي جهل وأبي لهب»، وفريق آخر يقول: «بل فاسق مجرم شرير أشد خبثًا من قاتل النفس، وسارق المال، وآكل الربا، والزاني، وشارب الخمر»؟!
يا تاركًا لصَلاتِهِ ... إنّ الصلاةَ لَتَشْتَكِي
وتقولُ في أوقاتِها: ... اللهُ يلعَنُ تارِكِي.
• يا أيتها المتبرجة ... أقصِري!
ومن بغاة الشر في هذا الشهر الكريم المتبرجات بالزينة اللائي لا ينوين التوبة من هذه الكبيرة، بل يبغين الفساد بالإصرار على إظهار الزينة للأجانب من الرجال، والخروج إلى الأسواق والطرقات والمجامع متعطرات متطيبات، كاسيات عاريات ... فاتق الله يا أمَةَ الله في نفسِكِ، وفي عباد الله الصائمين، ولا تكوني رسول الشيطان ِإليهم لتفسدي قلوبهم وتشوشي صيامهم، بل قَرِّيِ في بيتك، فإن خرجتِ ولابد فاستتري بالحجاب الكامل، وتأدبي بآداب الإسلام.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (رواه مسلم).
•
стр. 503
يا أهل الفن والإعلام: أقصروا!
إن رمضان فرصة ثمينة للتوبة والإنابة إلى الله وأنتم تحولونه إلى فرصة لنشر الفساد وإشاعة الفواحش، فانضموا إلى صفوف أولياء الله المتقين، وسخِّروا الإعلام في خدمة الدين، وإشاعة المعروف والنهي عن المنكر، وذكِّروهم بالقرآن والسُّنَّة، ولا تشغلوهم بالأغاني والمسلسلات، والفوازير، والرقصات، قبيح بكم أن تبارزوا ربكم بالحرب في شهره الكريم، وتكثفوا حربكم على الدين والأخلاق، كأنكم تشفقون من بوار تجارتكم الشيطانية في هذا الشهر المُبارك، فتضاعفون من مجهودكم لتصدوا الناس عن سبيل الله ، وتبغوها عوجًا.
إن المنادي يناديكم من أول ليلة في رمضان ... أقصروا يا بغاة الشر، فإن أصررتم فإن ربكم لبالمرصاد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: ١٩).
ويا أيها المسلمون الصائمون: فِرُّوا من الفيديو والتلفاز والصحف الفاسدة فراركم من الأسد، إن الفنانين هم قطاع الطريق إلى الله، إنهم ممن قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة:٢٢١)، وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى* فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه: ١٥ ـ ١٦)، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء ٢٨:٢٧).
فتذكر يا عبد الله الصائم قوله ﵎: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء ٣٦)، وأهل الفن يدعونك إلى زنا العين، وزنا الأذن، فكبف تطاوعهم وأنت مسلم؟!
стр. 504
وكيف تشاركهم وأنت صائم؟! وكيف لا تقول إذا دعاك الشياطين إلى هذه المعاصي: «إني صَائِم، إني صَائِم»؟! وإذا كنت في الصيام تحرم الحلال من الطعام والشراب والشهوة امتثالًا لأمر الله، فكيف تستبيح ما هو حرام قطعًا من إطلاق البصر إلى النساء الفاجرات، ألا ما أصدق قول الصادق المصدوق ﵌: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري).
وقوله ﵌: «رُبَّ قَائِمٍ حَظّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ» (صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي).
وقوله ﵌: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري).
فيا عاكفين أمام الممثلات والراقصات، أين أنتم من عباد الرحمن الذين: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (فرقان ٧٢)، و ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون ٣)، لقد بين الله الحكمة من تشريع الصيام في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٨٣).
ولقد سأل أمير المؤمنين عمر ﵁ أُبَيَّ بن كعب ﵁: ما التقوى؟، فقال أُبَيَّ:
«يا أمير المؤمنين أما سلكتَ طريقًا ذات شوك؟، قال: بلى، قال: فماذا صنعت؟، قال: شمَّرتُ واجتهدتُ، قال: فذلك التقوى».
وسئل أمير المؤمنين عليٌّ ﵁ عن معنى التقوى، فقال: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
خَلّ الذنوبَ صغيرَها ... وكبيرَها ذاكَ التّقَى
واصنع كماشٍ فوقَ أرضِ ... الشوكِ يحذَرُ ما يرَى
لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً ... إنّ الجبالَ مِنَ الحَصَى
стр. 505
ولقد قال رسول الله ﵌: «الصِّيَامُ جُنَّة» أي وقاية نتَّقِي بها كل ما نخشاه، وننال به كل ما نتمناه، فالصوم وقاية للَّسان في نطقهِ، وللعين في بصرها، وللأذن في سماعها، وهكذا كل الجوارح تتقي ما نُهِي عنه، قال جابر بن عبد الله ﵄: «إذا صُمْتَ فليصم سمعُك وبصرك ولسانُك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوَم صومِك سواءً».
• يا خائضًا في أعراض الناس ... أقصر!!
فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات ١٢)، وقال ﵌: «الغِيبَةُ: ذِكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (رواه مسلم).
وقال القرطبي ﵀: «لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدًا عليه أن يتوب إلى الله ».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ». (صحيح رواه أحمد وأبو داود).
(يَخْمِشُونَ) أَيْ يَخْدِشُونَ، خَمَشْت الْمَرْأَة كَضَرَبَ وَجْههَا بِظُفْرٍ جَرَحْت ظَاهِر الْبَشَرَة. (يَأْكُلُونَ لُحُوم النَّاس): أَيْ يَغْتَابُونَ الْمُسْلِمِينَ.
لَمَّا كَانَ خَمْش الْوَجْه وَالصَّدْر مِنْ صِفَات النِّسَاء النَّائِحَات جَعَلَهُمَا جَزَاء مَنْ يَغْتَاب وَيَفْرِي فِي أَعْرَاض الْمُسْلِمِينَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ صِفَات الرِّجَال بَلْ هُمَا مِنْ صِفَات النِّسَاء فِي أَقْبَح حَالَة وَأَشْوَه صُورَة.
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (صحيح رواه أحمد وأبو داود).
стр. 506
وعن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر ﵁: «إذا صُمْتَ فتحفَّظْ ما استطعْتَ»
فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل، فلم يخرج إلا إلى صلاة.
وعن مجاهد قال: «من أحب أن يسلم له صومه؛ فليتجنب الغيبة والكذب».
وعن حفصة بنت سيرين قالت: «الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة».
وعن ميمون بن مهران: «إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب».
وقال الشاعر:
إذا لم يكنْ في السمعِ مِنّي تَصَوُّنٌ ... وفي بصري غَضٌ، وفي منطقي صَمْتُ
فحَظّي إذًا مِن صومِي الجوعُ والظمأ ... وإن قُلتُ: «إني صُمْتُ يومًا» فما صُمْتُ
• وهذه وصايا لكل مسلم ومسلمة في هذا الشهر الكريم:
* ينبغي أن يقدم في شعبان قضاء ما فاته من صيام رمضان الماضي.
* من سُّنَّة المصطفى ﵌ صيام أغلب شهر شعبان لأنه لرمضان كنوافل للصلاة
* احرص على قيام أول ليلة من رمضان وهي ليلة الرؤيا، ولا تفوتها، كي تنال فضيلة قيام رمضان كله.
* اصبر على القيام خلف إمامك في التروايح إلى أن ينصرف كي يُكتب لك قيام ليلة كاملة.
* احرص على صلاة المغرب في جماعة المسجد، فإنه ينبغي تعمير المساجد بالجماعة في رمضان أكثر من غيره.
* لا تضيع سُّنَّة العشاء البعدية، وهما ركعتان بعد العشاء، وقبل القيام.
* لا تسهر سهرًا يضر بمواظبتك على حضور صلاة الفجر بالمسجد.
• احرص على تطبيق الأحاديث الشريفة التالية:
(١) عن أبي أُمامة ﵁ قال رسول الله ﵌: «صَلَاةٌ فِي إثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا؛ كِتَابٌ فِي عِلّيّينَ» (حسن رواه أبو داود).
(صَلَاة فِي إِثْر صَلَاة): أَيْ صَلَاة تَتْبَع صَلَاة وَتَتَّصِل بِهَا فَرْضًا أَوْ سُنَّة.
قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).
• عباد الله سيأتي الموت على الجميع:
كم من أخ نعرفه صام معنا وقام في رمضان الماضي وما قَبله، ثمّ صار إلى عالَمِ الدود واللحود، بعد أن استلّه هاذم اللذّات من بينِنَا، وسيأتي الموت على الجميع، إن عاجلًا وإن آجلًا.
تَمُرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنَّمَا نُسَاقُ إلى الآجالِ والعينُ تنظرُ
فليسَ عن لُقيا المنيّةِ صارفٌ وليس مَن يدرِي الأوانَ فيُنذِر
يا نفسُ فالتمِسِي النجاةَ بتوْبَةٍ ... فبِتَوْبَتِي نَحْوَ النجاةِ سأبْحِرُ
فهلّا اغتنمنا هذه الفرصة للتزوّد، فإنّ خير الزاد التقوى، وهي الغاية الكبرى من مشروعيّة الصيام قال تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٨٣) فالصائم الصادق الصالح هو الذي يتّقي الله في صومه، فيصوم جوفه، وفرجه، وسائر جوارحه، صومًا يكفّه عن المعاصي، ويحجزه عن الحرمات، فلا يقول إلاّ خيرًا، ولا يسمع إلاّ خيرًا، ولا يفعل إلاّ خيرًا، ويُقلِع عن قول الزور والعمل به، فمن لم يكن كذلك فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، كما صحّ بذلك الخبر عن خير البَشَر فيما رواه الإمام البخاري في (صحيحه).
كيف لا، وللصيام منزلة رفيعة بين العبادات، ففي الحديث القدسي الذي رواه الشيخان يقول الله : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، والحكمة في ذلك أنّ الصوم سرٌ بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه أحد سواه، وقيل: «فإنّهُ لِي» أي لم يُتَعَبَّد أحد بمثله إلا أنا، فالعباد يركعون لبعضهم ويسجدون، وينفقون تزلفًا وتملّقًا، ويقصد بعضهم بعضًا، إلى غير ذلك مما يصرفه بعضهم لبعضٍ من الأعمال، أمّا الصوم فلا يُعرَف أنّ أحدًا يصوم لأحدٍ غيرِ الله .
стр. 509
والمؤمن الرشيد ـ يا عباد الله ـ يقدّم بين يدي رمضان توبة تحجزه عن الملاهي والمنكرات، التي تكتظ بها وسائل الإعلام والإجرام، ويتزوّد بالتقوى والإنابة، قبل تزوده بالطعام والشراب والثمار المستطابة.
إن رمضان فرصة عظيمة وساحة واسعة للتفكير الصادق في العودة إلى الله ، وترك أكل الحرام وشهادة الزور، والتوبة الصادقة من الظلم والغيبة والنميمة، وقد قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣١).
فإن لم نَتُبْ في رمضان فليت شعري متى نتوب؟ ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار.
مَضَى شعبانُ ما أحسنْتَ فيهِ ... وهذا شهرُ رمضانَ المباركْ
فيا مَن ضَيَّع الأوقاتَ جهلًا ... بقيمتِها أفِقْ واحْذَر بَوَارَكْ
فسوف تفارقُ اللذاتِ قهرًا ... ويُخْلى الموتُ يومًا منكَ دارَكْ
تدارَكْ ما استطعتَ مِن الخطايَا ... بتوبةِ مخلصٍ واجعلْ مدارَكْ
على طلبِ السلامةِ مِن جحيمٍ ... فخيرُ ذوي الجرائمِ مَن تدارَكْ
وعليكم في رمضان خاصة بكتاب ربّكم خيرًا، فإن القرآن ورمضان شفيعان مشفّعان يوم القيامة؛ قال ﵌: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: «أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: «مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ». (صحيح رواه الإمام أحمد).
إِقْرَأْ كِتَابَ اللِه جُهْدَكَ وَاتْلُهُ ... فيمَنْ يَقومُ بِهِ هناكَ ويَنْصِبُ
بِتَّفَكُّرٍ وتخشُّعٍ وتَقَرُّبٍ ... إن المقَرَّبَ عِندهُ المُتَقَرَِّبُ
*************
مَنَعَ الكتابُ بوَعْدِه ووَعيدِهِ ... مُقَلَ العيونِ بليلِها لا تَهْجَعُ
فَهِمُوا عن الملِكِ العظيمِ كلامَه ... فهْمًا تَذِلّ له الرقابُ وتخضَعُ
(يُغْفَرَ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ) أَيْ تُمْحَى ذُنُوبُهُ فِي أَوَّلِ صَبَّةٍ مِنْ دَمِهِ.
(وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أَيْ يُحْفَظُ وَيُؤَمَّنُ.
قَالَ الْقَارِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ «يُرَى مَقْعَدَهُ» عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ يُغْفَرُ لَهُ لِئَلَّا تَزِيدَ الْخِصَالُ عَلَى سِتٍّ، وَلِئَلَّا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ: «وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
(وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ) أَيْ تَاجٌ هُوَ سَبَبُ الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ.
وَالتَّاجُ: مَا يُصَاغُ لِلْمُلُوكِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ.
(الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ التَّاجِ. وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَلَامَةُ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَجْمُوعٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا.
(وَيُزَوَّجُ) أَيْ يُعْطَى بِطَرِيقِ الزَّوْجِيَّةِ (اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ) أَيْ نِسَاءِ الْجَنَّةِ، وَاحِدَتُهَا حَوْرَاءُ وَهِيَ الشَّدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ الشَّدِيدَةُ سَوَادِهَا، وَالْعِينُ جَمْعُ عَيْنَاءَ وَهِيَ الْوَاسِعَةُ الْعَيْنِ (وَيُشَفَّعُ) أَيْ يُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ.
يا بَنِي قومِنا سراعًا إلى اللهِ ... فقدْ فازَ مَن يموتُ شهيدَا
سارعوا سارعوا إلى جنة قد ... فاز من جاءها شهيدًا سعيدَا
والبِسوا حُلّة من الكفنِ الغالي ... وبيعوا الحياة بيعًا مجيدَا
• رمضان شهر الجهاد:
الصيام مصدر قوة روحية تدفع الى العمل واعتقاد المؤمن أنه يؤدي عبادة فرضها الخالق مما يمده بالروح الفتى والعزم القوى؛ لذلك كانت شهور رمضان أيام نصر حربي وفوز نضالى ففي مواسم هذا الشهر الكريم تحققت انتصارات اسلامية رائعة تبتدئ بمعركة بدر مرورًا بمعارك كثيرة أشهرها فتح مكة والأندلس وحطين وعين جالوت حتى جاء نصر الله وتم العبور في شهر رمضان.
لذلك كان هذا الشهر يحفل على مد العصور بكبريات الوقائع الحربية الحاسمة في تاريخ الإسلام؛ ومن يتصفح كتب التاريخ، أو يقلب أوراقه تبرز أمامه صورة مشرقة لشهر عظيم، صورة غابت عن الأعين لفترة زادت عن المئة عام وأصبح من الصعب على العقل أن يتصورها بعد أن بعدت الشقة بينه وبين مثيلاتها منذ فترة طويلة.
تلك هي الصورة المشرقة التي اتسمت بالعزة والكرامة والسؤدد والبسالة والانتصارات والفتوحات والتقوى والمغفرة. فالأمر لا يحتاج من الناظر إلى التدقيق والإمعان في كتب التاريخ حتى يصل إلى هذه الصورة المشرقة بل يكفيه التصفح السريع أو النظرة العاجلة؛ ليدرك ما في هذا الشهر من الأحداث والبطولات التي نعلمها والتي لا نعلمها والتي تتسم بأنها أحداث عظيمة على قدر فضل شهر رمضان، فاذا قلنا ان رمضان شهر الجهاد فهو قول يحمل مصداقه التاريخي دون جدال.
ولكن رمضاننا هذه الأيام لا نصيب له مما فات لأن سلطان الإسلام لم يعد موجودًا، فهو يأتي والأمة تنزف في مواطن كثيرة، فهذا جرح فلسطين الغائر وذاك جرح الشيشان نازف، وجرح ثالث في كشمير، ورابع في جنوب الفلبين، وخامس في بورما ... وما يبرح أن ينزف جرح جديد حتى يلحق به جرح أخر.
ففي رمضان كان غزو أفغانستان من قبل أمريكا ولما ظهرت بعض الأصوات لتقول لأمريكا بأن رمضان قادم ويجب أن نراعي حرمته فلا نغزو المسلمين، قال بوش متبجحًا إن الدولة الإسلامية كانت تخوض المعارك في شهر رمضان ـ وصدق وهو كذوب ـ ثم يأتي بعده رمضان آخر ليشهد شلالًا من الدماء في بلد آخر بلد الرافدين، لتتكرر نفس المشاهد ولكن مع تغير الوجوه، قتل وتدمير وتفتيت لأجساد الأطفال والنساء والشيوخ؛ ليرى فيها أنواع القنابل العنقودية والتفريغية والذكية والغبية والتقليدية وأسماء ما سمعنا بها من قبل.
стр. 519
وعلى وقع دماء اليوم التي ما زالت تسيل أعود لأذكر بدماء زكية طاهرة سالت بالأمس وآلت هذه السيول إلى العز والتمكين ليكون هذا التذكير بإذن الله فيه النفع للمسلمين:
١ـ غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة:
ففي صبيحة سبع عشرة من رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج المسلمون بقيادة رسول الله ﵌ ليعترضوا قافلة لقريش يقودها أبو سفيان، ولكن أبا سفيان غَيّرَ طريقه إلى الساحل واستنفر أهل مكة، فخرجوا لمحاربة المسلمين والتقى الجمعان في بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة، ونصر الله رسوله والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم فقد كانوا ثلاثمائة وسبعة عشر وكان المشركون أكثر من ألف.
وأثمرت نتائج النصر ثمارًا كثيرة، فقد ارتفعت معنويات المسلمين وعلت مكانتهم عند القبائل التي لم تسلم بعد، واهتزت قريش في أعماقها وخسرت كبار صناديدها وأعمدة الكفر فيها، وأخذت تعد للثأر والانتقام. وخلال سنة تحققت للمسلمين في المدينة عوامل أمن خارجية وداخلية فقبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين بلغها انتصار المسلمين في بدر وتحركهم بعد ذلك لضربها، فخافت وتركت ديارها وخلفت غنائم كثيرة للمسلمين، كما أجلي بنو قينقاع إحدى قبائل اليهود لكيدهم بالمسلمين وعدوانيتهم.
كانت تلك الغزوة فرقانا بين الحق والباطل، تلك الغزوة التي جعلت للمسلمين كيانًا مهابًا وجانبًا مصونًا. وبعد هذه الغزوة أصبح للمسلمين كيانًا ماثلًا لأعين الكفار يحسبون له ألف حساب ولا يجرؤون على تجاهله، بعد أن كانوا مستضعفين لا يكترث بهم بل ويستهان بهم، أصبحوا بعدها قوة ضاربة يهابها الكفار. فكانت تلك الحادثة عرسًا حقيقيًا في رمضان وفرحًا صادقًا للمسلمين في شهر الفرقان.
موقف:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى
стр. 520
شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ».
قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: «يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟». قَالَ: «نَعَمْ».قَالَ: «بَخٍ بَخٍ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟».
قَالَ: «لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا».
قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا».
فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ: «لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ»، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ». (رواه مسلم).
قَوْله ﵌: (لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَد مِنْكُمْ إِلَى شَيْء حَتَّى أَكُون أَنَا دُونه) أَيْ: قُدَّامه مُتَقَدِّمًا فِي ذَلِكَ الشَّيْء لِئَلَّا يَفُوت شَيْء مِنْ الْمَصَالِح الَّتِي لَا تَعْلَمُونَهَا.
قَوْله: (بَخٍ بَخٍ) هِيَ: كَلِمَة تُطْلَق لِتَفْخِيمِ الْأَمْر وَتَعْظِيمه فِي الْخَيْر.
قَوْله: (لَا وَاللهُ يَا رَسُول اللهِ إِلَّا رَجَاءَة أَنْ أَكُون مِنْ أَهْلهَا).
مَعْنَاهُ: وَاللهُ مَا فَعَلْته لِشَيْءٍ إِلَّا لِرَجَاءِ أَنْ أَكُون مِنْ أَهْلهَا.
(فَأَخْرَجَ تَمَرَات مِنْ قَرَنه) جُعْبَة النُّشَّاب.
(لَئِنْ أَنَا حَيِيت حَتَّى آكُل تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاة طَوِيلَة فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْر ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) فِيهِ: جَوَاز الِانْغِمَار فِي الْكُفَّار، وَالتَّعَرُّض لِلشَّهَادَةِ، وَهُوَ جَائِز بِلَا كَرَاهَة عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء.
٢ـ فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة:
ففي رمضان في السنة الثامنة للهجرة تحقق أكبر فتح للمسلمين وهو فتح مكة المعقل الأكبر للشرك آنئذ. وكان لهذا الفتح أثر كبير في تاريخ البشرية، فقد قضى على الأوثان والشرك في مكة تمامًا، وتسابقت الشعوب والقبائل إلى الدخول في الإسلام،
стр. 521
ودخلت الجزيرة العربية بأكملها في دين الله، وبدأ الرسول ﵌ في بعث الرسل إلى البلاد المجاورة. ووضع النبي ﵌ الأسس الخالدة التي قامت عليها الفتوحات الإسلامية، مثل عدم الاعتداء على المدنيين، وعدم قطع شيء من النبات بلا فائدة، والعفو والصفح عند المقدرة.
٣ـ فتح (البويب) في السنة ١٣ هجرية:
لما سمع أمراء الفرس بكثرة جيوش المثنى بن حارثة، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له: مهران. فتوافَوا هم وإياهم بمكان يقال له: البويب قريب من مكان الكوفة اليوم، وبينهما الفرات وأقام بمكانه حتى كاتبه مهران: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا فعبَر مهران فنزل على شاطئ الفرات، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة.
فعزم المثنى على المسلمين في الفطر ليقووا بالطعام على قتال العدو فأفطروا عن آخرهم، وعبأ الجيش، وخرج يطوف في صفوفه يعهد إليهم عهده وهو على فرسه، فوقف كل راية من رايات الأمراء القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت والثبات.
وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول. فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالا شديدًا، وركدت الحرب.
ورأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم؛ فاعتدلوا.
وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر، فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وقُتِلَ مهرانُ، وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم بقية
стр. 522
ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن الغد إلى الليل. وغنم المسلمون مالًا جزيلًا وطعامًا كثيرًا، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر ﵁.
وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا، وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، فغنموا شيئًا عظيمًا لا يمكن حصره وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام.
٤ـ فتح النوبه سنة ٣١ هجرية.
٥ـ وفي عام ٩٢هـ وفي رمضان كان فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد.
٦ـ فتح عمورية سنة ٢٢٣ هجرية:
طمع (تيوفيل بن ميخائيل) ملك الروم في بلاد المسلمين، خاصة عندما علم أن جنود المسلمين جميعهم في أذربيجان يواصلون فتوحاتهم. فأخذ يعبئ الجنود، وخرج قائدًا على مائة ألف من الروم لقتال المسلمين، فوصل إلى حصن (زبطرة)، فقتل الأطفال والشيوخ، وخرّب البلاد، وأسر النساء وسباهن، وانتهك أعراضهن وحرماتهن، ومثّل بكل من وقع في يده من المسلمين. وكان من ضمن النساء امرأة اقتادها جنود الروم للأسر، فصرخت هذه المرأة، وقالت: «وامعتصماه».
فلما وصل الخبر إلى المعتصم خليفة المسلمين استشاط غضبًا، وأخذته الحمية والغضب لله، وقال: «لبيك». وأخذ في الاستعداد، وجمع الجنود، وأعدّ العدة، وخرج على رأس جيش لنجدة المسلمين، وقرر فتح عمورية أقوى حصون الروم.
وقام الجيش الإسلامي بحصار المدينة حصارًا شديدًا، حتى استطاع أن يُحدث ثغرة في سورها، فاندفع الجنود داخل المدينة، وحاربوا بكل قوة وشجاعة؛ حتى سيطروا على المدينة، وانتصروا على الروم يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان.
وهكذا تم فتح أصعب الحصون الرومانية، مما كان له أكبر الأثر في نفوس المسلمين، حيث قويت معنوياتهم، وسهل لهم استمرار الفتوحات في شرق أوروبا. كما أضعف هذا النصر من معنويات الروم، لأنه أظهر لهم قوة المسلمين وشجاعتهم، وأنهم أصبحوا قوة لا يستهان بها، ويخشى الأعداء بأسها. كذلك عايش بعض الروم
стр. 523
الحياة الإسلامية، وأعجبوا بأخلاق المسلمين وطهارة سيرهم، وعظمة دينهم، فدخلوا في الإسلام، بعد أن شعروا برحمته وعدله.
٧ـ وفي رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة تم طرد الصليبيين من سوريا على يد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي استرد من الصليبيين الأراضي التي استولوا عليها في فلسطين.
٨ـ عين جالوت في فلسطين سنة ٦٥٨ هجرية:
(عين جالوت) بلدة من أعمال فلسطين المغتصبة ـ ردها الله إلى المسلمين قريبًا ـ وهي بلدة بين بيسان ونابلس.
وبطل هذه المعركة الجليلة هو السلطان المظفر سيف الدين قُطز بن عبد الله، الذي تولَّى الحكم في مصر يوم السبت ١٧ من ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة.
استمر المغول في زحفهم المدمر حتى دخلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، واستطاع (هولاكو) ـ حفيد جنكيز خان ـ إسقاط الخلافة العباسية، وقتْل الخليفة العباسي سنة ١٢٥٨م، وتدمير بغداد عاصمة الخلافة.
وواصل هولاكو تقدمه، فاستولى على حلب ودمشق، وكان بغي التتار قد امتد وزاد حتى احتلوا بلدة (الخليل) وبلدة (غزة) من أرض فلسطين، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والصبيان، واستاقوا من الأسرى عددًا كبيرًا، ولم يبق أمامه إلا مصر، فأرسل هولاكو رسالة تهديد لحاكم مصر آنذاك السلطان (سيف الدين قطز)، ويطلب منه الاستسلام، فأبى السلطان قطز، وأخذ يعد جيوشه وأرسل قوة استطلاعية بقياد (بيبرس) الذي استطاع أن يهزم إحدى الفرق المغولية.
ورحل السلطان قطز بعساكره ونزل الغور بعين جالوت في فلسطين، وكانت جموع التتار هناك، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان قامت معركة عنيفة بين الفريقين، وتقاتلوا قتالًا شديدًا لم ير الناس مثله، واشتد الأمر في بدء المعركة على المسلمين، فاقتحم قطز ميدان المعركة، وباشر القتال بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنًا. وحقق المسلمون نصرًا ساحقًا على جيش المغول، وأسروا قائدهم، وأمر (قطز) بقتله.
стр. 524
وانتهت بانتهاء معركة عين جالوت أسطورة الجيش المغولي الذي لا يقهر، واستطاع المسلمون إنقاذ العالم كله من همجية المغول وخطرهم، والذين أخذوا يفرون إلى ديارهم وهم يجرون أذيال الخيبة والهزيمة في عين جالوت وكانت هذه المعركة البداية لدولة المماليك في مصر والشام.
٩ـ معركة المنصورة سنة ٦٤٧هـ:
كانت في شهر رمضان سنة ٦٤٧هـ ضد الصليبيين. فقد قدم (لويس التاسع) ملك فرنسا يقود جيشًا قوامه ١١٠ آلاف مقاتل، مزودين بأحدث أنواع الأسلحة، في أحدث حملة صليبية، وواصل زحفه حتى استولى على دمياط سنة ١٢٤٩م، ثم توجّه إلى المنصورة، وعلى ضفاف البحر الصغير دارت معركة حامية، اشترك فيها العربان والمشايخ والفلاحون، واشترك في تعبئة الروح المعنوية الإمام (العز بن عبد السلام) وهو يومئذ ضرير، وانتهت المعركة بأن أسر المسلمون من الصليبيين مائة ألف وقتلوا عشر آلاف، وأُسر الملك لويس التاسع، وسجن بدار ابن لقمان بالمنصورة، ثم افتُدي الملك بدفع (٤٠ ألف دينار)، وأٌطلق سراحه.
١٠ـ ثم كان آخر الانتصارات انتصار العاشر من رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف، حين عبرت القوات المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف الذي شيده اليهود، فكسرت الذراع الإسرائيلية، وكان هذا النصر بعد أن رفع المسلمون صيحة (الله أكبر).
أمَّةَ الإسلامِ يا شعبَ الجهادْ ... مَنْ سوَاكُمْ حَلَّ أغلالَ الورَى
أيُّ داعٍ قبْلَكم في ذَا الوجودْ ... صاحَ لا كسرَى هنَا لا قيصرَا
مَن سواكُمْ في قديمٍ أو حديثْ ... أطْلَعَ القرآنَ صبحًا للرشادْ
هاتفًا في مسمعِ الكونِ العظيمْ ... ليسَ غيرُ اللهِ ربًا للعبادْ
стр. 525
٤٧ - خطبة عيد الفطر
رمضانُ لا ترْتحِلْ فالنفسُ ظامئةٌ ... شوقًا لبلْسَمِكَ الشافي وتعتصرُ
إنْ ترتحلْ تبْسُطِ الآثامُ أذْرُعَها ... ويأسَنُ الصبرُ والأحلامُ تنتحرُ
• وداع الضيف الحبيب:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تحصل الدرجات وبكرمه تبدل الخطيئات الحمد لله على تمام الشهر وكمال الفضل فالفضل لك وحدك لا شريك لك؛ فتقبل منا وأعفُ عنا وتجاوز عن تقصيرنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا ... فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني
كبّرُوا اللهَ عَلَّ تكبيرةَ العيدِ تضخّ الضميرَ في الشريانِ
زلزلَتْ في القديمِ إيوانَ كسرَى هلْ تهزُّ الغداةَ كِسرَى الزمانِ
ها هي صفحات الأيام تطوى وساعات الزمن تنقضي .. بالأمس القريب استقبلنا حبيبا واليوم نودعه .... وقبل أيام هلّ هلالُ رمضان واليوم تصرمت أيامه ... ولئن فاخرت الأمم ـ من حولنا ـ بأيامها وأعيادها واخلعتها أقدارا زائفة، وبركات مزعومة وسعادة واهية فإنما هي تضرب في تيه وتسعى في ضلال .... ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد ﵌.
فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها وخصها بفضل لم يكن لمن قبلها .. أطلِق بصرك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة يوم العيد تتعبد الله بالفطر كما تعبدته من قبل بالصيام.
• الأعياد من جملة الشرائع:
إن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)،
стр. 526
ويقول : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: ٦٧) أي: عيدًا يختصون به.
عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟».
قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (صحيح رواه أبوداود).
فالعيد شعيرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجل مظاهره، تهاون به بعض الناس وقدموا الأعياد المحدثة عليه .. فترى من يستعد لأعياد الميلاد وأعياد الأم وشم النسيم والغطاس وغيرها ويسعد هو وأطفاله بقدومها ويصرف الأموال لإحيائها .. أما أعياد الإسلام فلا قيمة لها بل ربما تمر وهو معرض عنها غير ملتفت إليها.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢)
• يوم العيد يوم فرح وسرور ولكن:
إن يوم العيد يوم فرح وسرور لمن طابت سريرته، وخلصت لله نيته.
واعلموا أيها المسلمون، أنه ليس السعيد من تزين وتجمل للعيد، فلَبِسَ الجديد (١)، ولا من خدَمَتْهُ الدنيا وأتتْه على ما يريد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد واتقى ذا العرش المجيد .. وسكب الدمع تائبًا رجاء يوم المزيد .. والسعيد من فاز بتقوى الله تعالى، وكتب له النجاة من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلها الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم والصديد، وفاز بجنة الخلد التي لا ينقص نعيمها ولا يبيد.
فالحذَر الحذَر أن تكون الأعيادُ موسمًا يُعَبُّ فيه من اللهو عَبًّا، بلا تحرُّز من حرام أو تباعُد عن باطل، فذلك ينافي تعاليمَ الإسلام، ويضادُّ مقاصدَه من الأعياد وغيرها.
•
стр. 527
وقفات سريعة موجزة مع آداب وأحكام العيد:
أولًا: احمدِ الله أن أتم عليك أيام هذا الشهر العظيم وجعلك ممن صامه وقامه. وأكثر من الدعاء بأن يتقبل الله منك الصيام والقيام وأن يتجاوز عن تقصيرك وزللك.
ثانيًا: التكبير:
التكبير في أيام العيدين سنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:١٨٥).
ويسن جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلانًا بتعظيم الله وإظهارًا لعبادته وشكره.
وكان ﵌ يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المُصًلَّى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير. (أخرجه ابن أبي شيبة وصححه الألباني).
وكان ابن عمر ﵄ إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام. (رواه الدارقطني وصححه الألباني).
وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة. وقال بعض العلماء: التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الامام.
ووقت التكبير في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام.
وأصح ما ورد في صيغة التكبير ما رواه عبد الرزاق عن سلمان سدد خطاكم بسند صحيح قال: كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا. وجاء عن عمر وابن مسعود ﵄: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
стр. 528
ثالثًا: الاغتسال والتطيب للرجال ولبس أحسن الثياب:
بدون إسراف ولا إسبال ولا حلق لحية فهذا حرام ـ أما المرأة فيشرع لها الخروج إلى مصلى العيد بدون تبرج ولا تطيب. ونربأ بالمسلمة أن تذهب لطاعة الله وهي متلبسة بمعصية التبرج والسفور والتطيب أمام الرجال.
رابعًا: أكل تمرات: وترا ثلاث أو خمس قبل الذهاب إلى المصلى لفعل الرسول ﵌.
خامسًا: الصلاة مع المسلمين وحضور الخطبة: والذي رجحه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره: أن صلاة العيد واجبة ولا تسقط إلا بعذر، والنساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحُيَّض، ويعتزل الحُيَّضُ المصلَّى.
سادسًا: مخالفة الطريق: يستحب الذهاب إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من طريق آخر لفعل النبي.
سابعًا: لا بأس بالتهنئة بالعيد: كقول (تقبل الله منا ومنك).
• مخالفات العيد:
وننبهك أخي الحبيب إلى بعض المخالفات ـ مع الأسف ـ التي تقع في يوم العيد وليلته لتحذيرها .. والعجب أن يختم بعض المسلمين هذه الطاعة بالمعاصي .. ويستبدل البعض الآخر الاستغفار في نهاية كل عبادة باللهو والعبث .. ومن المخالفات:
* اعتقاد مشروعية إحياء ليلة العيد والأحاديث الواردة فيها لا تصح.
* تخصيص يوم العيد لزيارة المقابر والسلام على الأموات.
* اختلاط النساء بالرجال في بعض المصليات والشوارع والمنتزهات.
* بعض الناس يجتمعون في العيد على الغناء واللهو والعبث وهذا لا يجوز.
* البعض يظهر عليه الفرح بالعيد لأن شهر رمضان انتهى وتخلص من العبادة فيه وكأنها حمل ثقيل على ظهره .. وهذا خطر عظيم.
стр. 529
*الإغراق في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى تجاوز الأمر إلى الإسراف في ذلك. قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:٣١).
• العيد استمرار على العهد وتوثيق للميثاق:
فيا من وفَّى في رمضان على أحسن حال لا تُغَيِّر في شوال .. ويا من أدرك العيد عليك بشكر النعم والثناء عليه ولا تنقض غزلًا من بعد قوة وعناء ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ *وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل:٩١:٩٢).
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الأيمان: جمع يمين وهو الحلف بالله، وتوكيدها: تغليظها بالألفاظ الزائدة ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي وكيلًا، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلًا، فهذه الآية حرمت نقض الأيمان وهو نكثها وعدم الالتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها.
﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: أي أفسدت غزلها بعد ما غزلته. ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: أي إحكام له وبرم. ﴿أَنكَاثًا﴾: جمع نكث وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام. فهي تعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة.
فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾ أي إفسادًا وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي جماعة أكثر من جماعة رجالًا وسلاحًا أو مالًا ومنافع.
стр. 530
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الأيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولًا تفعلوا إيثارًا للدنيا عن الآخرة، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* احذر الرجوع إلى الذنب بعد الطاعة فإن ذلك علامة مقت وخسران، فالعيد بقاء على الخير وثبات على الجادة واستمرار في الطريق قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت مع سفيان يوم العيد فقال: «إن أول ما نبدأ به يومنا هذا غض البصر».
* حذار حذار من جلساء وأصحاب السوء واصطحاب آلات اللهو في المتنزهات والاستراحات والعكوف عليها، قال ﵌: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (رواه البخاري).
(الْحِرَ):الْفَرْج، وَالْمَعْنَى يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا، (وَالْمَعَازِف) هِيَ آلَات الْمَلَاهِي، أي الآلات الموسيقية.
• رب رمضان هو رب كل الشهور:
لا تنس أيها الأخ الحبيب أن رب رمضان هو رب الشهور .. واستمر على الطاعة واسأل الله الثبات على هذا الدين حتى تلقاه، وأعلم أن نهاية وقت الطاعة والعبادة ليس رؤية هلال العيد كما يتوهم البعض بل هو كما قال الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩). واليقين هو الموت .. قال بعض السلف: ليس لعمل المسلم غاية دون الموت.
وقال الحسن: أبَى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهر أو شهرين أو عام أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت.
وقرأ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فصلت:٣٠). فقال: استقاموا والله بطاعة الله ثم لم يروغوا روغان الثعلب.