← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إلى أدلة المواعظ موضوعات للخطب بأدلتها من القرآن الكريم والسنة الصحيحة مع ما تيسر من الآثار والقصص والأشعار جمع وترتيب شحاتة صقر: الجزء الأول الخطب من١ - ٥٠ مع كلمات متعلقة بالخطابة والخطبة والخطيب طبعة جديدة منقحة وبها بعض الزيادات الناشر: دَارُ الفُرْقَان للتُرَاث البحيرة ـ حوش عيسى ـ شارع عبد العظيم بديوي ـ أمام الشهر العقاري ت/٠١٢٤٥٣٦٠٠٣

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة رقم الإيداع: ٥٠٤٥/ ٢٠٠٨ * يمكن للخطيب الاستعانة بموقع المنبر www.alminbar.net في إعداد الخطب. * يمكن للخطيب الحصول مجانًا علَى موسوعة خطب المنبر وذلك من: موقع صيد الفوائد www.saaid.net، وموقع مشكاة الإسلام www.almeshkat.com وغيرهما. والموسوعة برنامج يحتوي على ٥٠٠٠ خطبة من خطب موقع المنبر www.alminbar.net. دَارُ الفُرْقَان للتُرَاث البحيرة ـ حوش عيسى ـ شارع عبد العظيم بديوي ـ أمام الشهر العقاري ت/٠١٢٤٥٣٦٠٠٣

стр. 3

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاالله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلمونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. «فإن الخطابة إحدى وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، وهي من أهم وسائل التربية والتوجيه والتأثير، لذا فقد كانت جزءًا من مهمة الأنبياء ﵈ في دعوة أقوامهم إلى توحيد الله وطاعته، وتحذيرهم من غضبه وبطشه، وأليم عقابه، ليقلعوا عما هم عليه من ضلال وفساد عقدي، وخلقي، واجتماعي. وما زالت الخطابة ـ أيضًا ـ وسيلة ناجحة من الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون، والعلماء، والدعاة، والقادة في كل العصور لتحريك العقول، وبعث الثقة في النفوس للدفاع عن فكرة معينة، أو النهوض بمهمة معينة.

стр. 4

وإن خطبة الجمعة تتميز بمزايا، وتختص بخصائص لا تتوفر في أي نوع من أنواع الخطب الأخرى، حيث إنها تمثل شعيرة من شعائر الإسلام، وتتم في جو مهيب خاشع تتهيأ فيه النفوس للتلقي والاستماع، ويشعر المسلم فيه أنه في صلاة وطاعة لله ، كما أنها تتميز بوجوب الإنصات إلى الخطيب، وعدم التشاغل عنه، مما يفردها عن سائر الخطب، والمحاضرات، والندوات التي لا ينطبق عليها الحكم الشرعي نفسه. وتتميز خطبة الجمعة أيضًا بالاستمرارية والتكرار في كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لاثنتين وخمسين خطبة، وهذا يمثل مساقًا دراسيًا متكاملًا، فإذا أحسِن إعداده كانت آثاره جليلة، وثمراته عظيمة. وتتميز خطبة الجمعة إلى جانب ذلك بتنوع الحاضرين إليها، وباختلاف مستوياتهم وطبقاتهم العلمية، والاجتماعية، فإن الخطيب في خطبة الجمعة يخاطب جميع فئات المجتمع، وهذا التنوع يعني تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ طرائق الإصلاح الاجتماعية، فإن العامل وصاحب العمل، والطالب والمعلم، والموظف والرئيس كلهم يخاطَبون في آنٍ واحد، ويوضعون أمام مسؤولياتهم، فلا تخاطَب فئة منهم في غياب الفئة الأخرى، ولا تحمل المسئولية على فئة منهم دون الأخرى». (١) وهذا الكتاب (دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ) محاولة لإعداد موضوعات متكاملة يستفيد منها الخطيب وغيره في إعداد خطبة الجمعة وغيرها من المواعظ. وقد جمعتها من كتب أهل العلم، ومن مواقع الخطب على الشبكة العنكبوتية مع تعديلها بالحذف أو الإضافة بما يناسب منهج الكتاب. وتشتمل هذه الموضوعات على أدلة من الكتاب والسنة الصحيحة مع ما تيسر من الآثار والقصص والأشعار، مع الحرص على تجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ حيث إن في الصحيح ما يُغني عن الضعيف.

стр. 5

والاعتماد في الحكم على الأحاديث في الغالب على كتب الشيخ الألباني ﵀، وفي النادر على كتب الشيخ أحمد شاكر ﵀، أو الكتب التي أشرف على تحقيقها الشيخ مصطفى العدوي، حفظه الله. أما طريقة عرض الخطبة فمتروكة للخطيب بما يناسب قدراته ومنهجه في العرض وبما يناسب جمهور مستمعيه. وقد يلاحظ الخطيب أن في بعض الخطب طولًا فاحشًا، ولكن هذا لا يعني أنه يقولها كلها في خطبة واحدة ـ فإن من السنة عدم إطالة الخطبة ـ بل الغرض من ذلك توفير المزيد من العناصر التي تتيح له فرصة الانتقاء منها إذا لزم الأمر. واللهَ نسأل أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 6

كلمات متعلقة بالخطابة والخطبة والخطيب (١) مكانة يوم الجمعة في الإسلام: يوم الجمعة في الإسلام له مكانة رفيعة ومنزلة عالية وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على تميزه واختصاصه بخصائص عديدة. وذكر الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه (زاد المعاد) خصائص يوم الجمعة وأوصلها إلى ثلاث وثلاثين خصيصة ذكر منها: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله ﵌ بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا مقصود الخطبة والاجتماع لها ... أ. هـ.

стр. 7

مكانة خطبة الجمعة وأهميتها: لا شك أن خطبة الجمعة في الإسلام لها مكانة سامية وأهمية بالغة وتعد خطبة الجمعة من أهم ـ إن لم تكن أهم ـ وسائل الاتصال بالناس، وأعظمها أثرًا، فهي تتميز بعدة مزايا، منها: ١ - أنها من وسائل نشر الدعوة العامة حيث لا تختص بأحد دون أحد، ولا طبقة دون طبقة، فجميع المصلين يستمعون إليها من الخطيب: مَن كان منهم قوي الإيمان أو ضعيفه، ومن كان منهم ذا ثقافة أو عديمها، والكبير والصغير؛ فهي فرصة للخطيب متكررة يستطيع بها التأثير على هذه الأعداد الهائلة الذين سيحضرون باختيارهم راغبين غير مكرهين. وكثير ممن لا يشهد صلاة الجماعة يحضر الجمعة، وهذا يتيح للخطيب أن يخاطب الجميع، وأن يتحدث إلى الكثير ممن لا يحضرون المحاضرات والندوات، ودروس المساجد، فهي تعد من المجالات القليلة جدًا التي يتاح للدعاة من خلالها أن يتحدثوا مع الجميع. ٢ - الأمر بالسعي لها فإن المسلم مأمور بالسعي لصلاة الجمعة حين يسمع النداء الثاني، وحين يحضر المصلي للجمعة يلزمه الإنصات للخطيب ولا يجوز الكلام فالمسلم أمِرَ بالسعي إلى الجمعة والإنصات للخطبة. ٣ - استمرارية التواصل، فخطبة الجمعة تتكرر كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لاثنتين وخمسين خطبة، فلو أن كل خطيب يعالج في كل سنة اثنين وخمسين موضوعًا ما بقي بين المسلمين جاهل بالأحكام الضرورية. ٤ - الحاضرون والمستمعون للخطبة يزيدون ولا ينقصون بخلاف غيرها من وسائل الدعوة الأخرى أو المستجدات العصرية ـ كالمحاضرة والدرس والندوة مثلا ـ فقد يخرج البعض قبل اكتمال الموضوع، ففرق شاسع بينها وبين وسائل الدعوة الأخرى مما يدل على أهميتها.

стр. 8

٥ - الجو الرُوحاني الذي تتم فيه الخطبة، فهي تتم في بيت من بيوت الله تعالى تعمره السكينة، وتغشاه الرحمة، ويغمره الخشوع، وتحفه الملائكة الأطهار. ٦ - وجوب الإنصات الذي يميز الحاضرين في خطبة الجمعة، فقد أمِر الحاضر للخطبة بالإنصات للخطيب، بحيث إنه نُهي أن يتكلم مع جليسه بكلمة ولو كانت خيرًا، فلا يقول له: «أنصت»، وعدم جواز تشميت العاطس، ورد السلام، ولا يمس الحصى، أي لا يأتي بأي قول أو فعل يقدح في تمام الإنصات والاستماع حتى يكون كامل الاستعداد للتلقي والإفادة مما يسمع. ٧ - الاتصال المباشر بين الخطيب والمخاطبين، الأمر الذي يُفتقَد في كثير من الوسائل الأخرى، ولا ريب أن هذا الاتصال المباشر أعظم تأثيرًا في النفوس لقراءة الإنسان ـ من قريب ـ الانفعالات العاطفية والوجدانية التي تحدث لدى الخطيب فيكون أكثر تأثرًا بها، ولِما تحدثه المباشرة من المشافهة، والسؤال، والحياء، والمخاطبة. ٨ - شعور المرء وهو يستمع إلى الخطبة أنه في عبادة، وطاعة لله ، بل الشعور بأنه يقوم بأداء فريضة من الفرائض وإظهار شعيرة من الشعائر الإسلامية، مما يميزها عن أي محاضرة، أو ندوة ونحوها، وهذا الشعور يضفي على المرء قدرًا من المهابة والخشوع، ويُحْدِث في نفسه قدرًا من الطمأنينة والسكينة، ومزيدًا من الرضا والسعادة. ٩ - الخطبة ثابتة ومستمرة في كافة الأحوال في السلم والحرب والأمن والخوف، وتَوَفّر الخيرات والجدب فهي مطلوبة في سائر الظروف والأحوال. وحين يعتني بها الخطيب، ويرتب موضوعاتها يقدم للمستمع مادة متكاملة، فهي تمثل دورة مكثفة مستمرة، وهذا التكرار والاستمرار في كل الظروف، وفي جميع الفصول والمواسم، له دور كبير في إرساء المفاهيم الإسلامية، وتقليل الشر والفساد، ورفع مستوى الخير والصلاح، والحث على الفضائل، فإن تنوع

стр. 9

الموضوعات لخطبة الجمعة يجعلها تستوعب متطلبات الوعي لدى المسلم المواظب على حضور هذه الخطبة. ١٠ - إن خطبة الجمعة باستمرارها وتكرارها، وبتنوع موضوعاتها ذات آثار عظيمة في تربية الأمة، وتصحيح عقيدتها، وتقويم مسلكها، وتجنيد طاقاتها لخدمة عقيدة الإسلام، ونصرة دين الله . في بحث عن أثر خطبة الجمعة في مصر (طبقا لموقع Islamdoor.com) أفاد ٧٨% من العينة أنهم يتأثرون دائمًا بما يقوله الخطيب، وأفاد ٧١% أنهم يلتزمون دائمًا بما يقوله الخطيب. وتم الاتفاق مع أحد الخطباء على أن يخطب عن الربا، وأجرِىَ استفتاء قبل الخطبة، وبعدها، فكانت النتيجة أن ٨٥% كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا، وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى ٩٧%، و٣٣% كانوا يعرفون عقوبة الربا، وارتفعت إلى ٩٤%، و٥٠% كانوا يفضلون الاستثمار في البنوك الإسلامية وارتفعت إلى ٦٤%، و٣٤% سينصحون الآخرين بترك الربا، و٣١% سيقاومون أي عمل ربوي. وتعكس هذه النتائج دور خطبة الجمعة ليس فقط في المعالجات الإسلامية للقضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن أيضًا في طرح ما يستجد من هذه المشكلات والمساهمة في حلها وفقا للمرجعية الإسلامية؛ إذ لا يمكن للمنبر أن يتخذ موقفًا محايدًا منها على اعتبار أن هذا يناقض وظيفة الخطبة، فضلا عن وجود تأثيرات سلبية خطيرة نفسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا. والتصدي لمثل هذه المشكلات هو من صميم خطبة الجمعة؛ نظرا لأن الخطيب في هذه الحالة يقوم بفريضة (الحسبة) (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي تعادل فريضة الجهاد في سبيل الله ؛ فالأولى مجالها الداخل، والثانية مجالها الخارج.

стр. 10

صفة خطبة النبي ﵌ - قال الإمام ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد): «كَانَتْ خُطْبَتُهُ ﵌ إنّمَا هِيَ تَقْرِيرٌ لِأُصُولِ الْإِيمَانِ: مِنْ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَذِكْرِ الْجَنّةِ وَالنّارِ وَمَا أَعَدّ اللهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ وَمَا أَعَدّ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ؛ فَيَمْلَأُ الْقُلُوبَ مِنْ خُطْبَتِهِ إيمَانًا وَتَوْحِيدًا وَمَعْرِفَةً بِاللهِ وَأَيّامِهِ. وَمَنْ تَأَمّلَ خُطَبَ النّبِيّ ﵌ وَخُطَبَ أَصْحَابِهِ وَجَدَهَا كَفِيلَةٍ بِبَيَانِ الْهُدَى وَالتّوْحِيدِ، وَذِكْرِ صِفَاتِ الرّبّ ﷻ ، وَأُصُولِ الْإِيمَانِ الْكُلّيّةِ، وَالدّعْوَةِ إلَى اللهِ وَذِكْرِ آلَائِهِ تَعَالَى الّتِي تُحَبّبُهُ إلَى خَلْقِهِ وَأَيّامِهِ الّتِي تُخَوّفُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ، وَالْأَمْرِ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ الّذِي يُحَبّبُهُمْ إلَيْهِ، فَيَذْكُرُونَ مِنْ عَظْمَةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ مَا يُحَبّبُهُ إلَى خَلْقِهِ وَيَأْمُرُونَ مِنْ طَاعَتِهِ وَشُكْرِهِ وَذِكْرِهِ مَا يُحَبّبُهُمْ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ السّامِعُونَ وَقَدْ أَحَبّوهُ وَأَحَبّهُمْ. وَمِمّا حُفِظَ مِنْ خُطَبِهِ ﵌ أَنّهُ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَخْطُبَ بِالْقُرْآنِ وَسُورَةِ ﴿ق﴾. قَالَتْ أُمّ هِشَامٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ النّعْمَانِ: «مَا حَفِظْت (ق) إلّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﵌ مِمّا يَخْطُبُ بِهَا عَلَى المنْبَرِ» (رواه مسلم). هَدْيِهِ ﵌ فِي خُطَبِهِ • كَانَ ﵌ إذَا خَطَبَ احْمَرّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدّ غَضَبُهُ حَتّى كَأَنّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبّحَكُمْ وَمَسّاكُمْ، وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيُقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السّبّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ: «أَمّا بَعْدُ فَإِنّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمّدٍ، وَشَرّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» ثُمّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيّ وَعَلَيّ» (رَوَاهُ مُسْلم). • وَكَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ التّحْمِيدِ وَالثّنَاءِ وَالتّشَهّدِ «أَمّا بَعْدُ» (رواه البخاري). • وَكَانَ يُقَصّرُ الْخُطْبَةَ وَيُطِيلُ الصّلَاةَ وَيُكْثِرُ الذّكْرَ وَيَقْصِدُ الْكَلماتِ الْجَوَامِعَ وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» (رواه مسلم). (مَئِنَّة: أَيْ عَلَامَة). • وَكَانَ يُعَلّم أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ كَمَا أَمَرَ الدّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلّيَ رَكْعَتَيْنِ. (رواه البخاري ومسلم).وَنَهَى المتَخَطّيَ رِقَابَ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ. (حسن رواه أبو داود). • وَكَانَ يَقْطَعُ خُطْبَتَهُ لِلْحَاجَةِ تَعْرِضُ أَوْ السّؤَالِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُجِيبُهُ ثُمّ يَعُودُ إلَى خُطْبَتِهِ فَيُتِمّهَا. وَكَانَ رُبّمَا نَزَلَ عَنْ المنْبَرِ لِلْحَاجَةِ ثُمّ يَعُودُ فَيُتِمّهَا كَمَا نَزَلَ لِأَخْذِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ فَأَخَذَهُمَا ثُمّ رَقِيَ بِهِمَا المنْبَرَ فَأَتَمّ خُطْبَتَهُ. (صحيح رواه الترمذي). • وَكَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ السّبّابَةِ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ. (رواه مسلم). وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِهِمْ إذَا قَحَطَ المطَرُ فِي خُطْبَتِه. • وَكَانَ يُمْهِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ فَإِذَا اجْتَمَعُوا خَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ. • فَإِذَا دَخَلَ المسْجِدَ سَلّم عَلَيْهِمْ فَإِذَا صَعِدَ المنْبَرَ اسْتَقْبَلَ النّاسَ بِوَجْهِهِ وَسَلّم عَلَيْهِمْ. • ثُمّ يَجْلِسُ وَيَأْخُذُ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَامَ النّبِيّ ﵌ فَخَطَبَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ. • لَا يُحْفَظُ عَنْهُ ﵌ بَعْدَ اتّخَاذِ الْمِنْبَرِ أَنّهُ كَانَ يَرْقَاهُ بِسَيْفٍ وَلَا قَوْسٍ وَلَا غَيْرِهِ. (١) • وَكَانَ مِنْبَرُهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ وَكَانَ قَبْلَ اتّخَاذِهِ يَخْطُبُ إلَى جِذْعٍ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فَلما تَحَوّلَ إلَى المنْبَرِ حَنّ الْجِذْعُ حَنِينًا سَمِعَهُ أَهْلُ المسْجِدِ فَنَزَلَ إلَيْهِ ﵌ وَضَمّهُ. (رواه البخاري). • وَكَانَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ الثّانِيَةَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَخَذَ بِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ. • وَكَانَ يَأْمُرُ النّاسَ بِالدّنُوّ مِنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَاتِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّ الرّجُلَ إذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: «أَنْصِتْ» فَقَدْ لَغَا. (رواه البخاري ومسلم). • وَكَانَ إذَا فَرَغَ بِلَالٌ مِنْ الْأَذَانِ أَخَذَ النّبِيّ ﵌ فِي الْخُطْبَةِ وَلم يَقُمْ أَحَدٌ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ الْبَتّةَ، وَلم يَكُنْ الْأَذَانُ إلّا وَاحِدًا. • وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْجُمُعَةَ كَالْعِيدِ لَا سُنّةَ لَهَا قَبْلَهَا وَهَذَا أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلماءِ وَعَلَيْهِ تَدُلّ السّنّةُ فَإِنّ النّبِيّ ﵌ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَإِذَا رَقِيَ المنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَكْمَلَهُ أُخِذَ النّبِيّ ﵌ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَهَذَا كَانَ رَأْيَ عَيْنٍ، فَمَتَى كَانُوا يُصَلّونَ السّنّةَ؟!! • وَكَانَ ﵌ إذَا صَلّى الْجُمُعَةَ دَخَلَ إلَى مَنْزِلِهِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ سُنّتَهَا وَأَمَرَ مَنْ صَلّاهَا أَنْ يُصَلّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا. قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيّة َ: إنْ صَلّى فِي المسْجِدِ صَلّى أَرْبَعًا وَإِنْ صَلّى فِي بَيْتِهِ صَلّى رَكْعَتَيْنِ. قُلْتُ وَعَلَى هَذَا تَدُلّ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ كَانَ إذَا صَلّى فِي المسْجِدِ صَلّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلّى فِي بَيْتِهِ صَلّى رَكْعَتَيْنِ (صحيح). وَفِي (الصّحِيحَيْنِ):عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﵌ كَانَ يُصَلّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِه وَفِي (صَحِيحِ مُسْلم) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ ﵌ إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ

стр. 11

الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ»، وَاللهُ أَعْلم». اهـ بتصرف من (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن القيم ﵀. اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية مهما ملك الخطيب من أسباب البيان، وبلاغة الخطاب، ومهما كانت قوة عباراته وجزالة أسلوبه، فلن يَصِلَ إلى درجة تأثير القرآن في القلوب، وقرعه للعقول، وأين كلام البشر من كلام الله تعالى؟!! ولذا كان جديرًا بالخطيب أن يضمن خطبته الآيات القرآنية التي تزين خطبته، وتجلي حجته، وتجعله ينطق بالحق، فإن الاستشهاد بالآية، وتلاوتها في الوقت المناسب والموضع المناسب، إقامةٌ للحجة، وبيان وبرهان يأخذ بمجامع القلوب، ويشنف الأسماع، ويقرع العقول. وقد كان رسول الله ﵌ في كثير من الأحيان يجعل خطبته أو جُلها تلاوة سورة من القرآن لما يشتمل عليه من ابتداء الخلق والبعث، والحساب، والجنة، والنار، والترغيب والترهيب. أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُخْتٍ لها قَالَتْ: «أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ». وعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵂ قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ تَنّورُنَا وَتَنّورُ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ» (رواه مسلم). (التنّور: الفُرن يُخبَزُ فيه). وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﵌ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾» (رواه مسلم).

стр. 12

قال النووي ﵀ في شرحه: «فِيهِ الْقِرَاءَة فِي الْخُطْبَة وَهِيَ مَشْرُوعَة بِلَا خِلَاف، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبهَا وَالصَّحِيح عِنْدنَا (يقصد الشافعية) وُجُوبهَا وَأَقَلّهَا آيَة». قال الشيخ عبد الله البسام في توضيح الأحكام (٢/ ٣٣٤).: «وفيه مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وهي واجبة عند بعض العلماء، ومنهم الحنابلة، فلا بد من قراءة آية من كتاب الله، وفيه استحباب ترديد المواعظ لتذكير الناس في الخطبة، وأنفع ما يوعظ به العامة والعصاة هو ذكر الموت والبعث والجزاء». ومما ينبغي التنبيه له عند الاستشهاد بالآيات القرآنية في الخطبة ونحوها ما يلي: ١ - الحذر من الخطأ في تلاوة الآية، فإن هذا مما يعيب الخطيب، ويفسد عليه جمال أفكاره، وأهمية موضوعه، ويصرف السامع عن التأثر بالخطبة إلى التصحيح والنقد، وتتبع الأخطاء، فينبغي على الخطيب حفظ الآيات التي يستشهد بها في الخطبة حفظًا دقيقًا وسليمًا، فإن لم يتيسر له ذلك فلتكن مكتوبة يرجع إليها عند الحاجة، حتى ولو كان مرتجلًا لخطبته ارتجالًا. ٢ - الحذر من قراءة الآية بقراءة غير معروفة ولا مشهورة لدى السامعين، وإن كانت قراءة سبعية، فهذا من شأنه أن يشوش أذهان السامعين، ويصرفهم عن تدبر المعنى إلى الوقوف عند اللفظ، ومن كان محَدِّثًا للناس فليحدثهم بما يعرفون، وليترك ما ينكرون. ٣ - الحذر من الاستشهاد بالآية في غير موضعها، وإنزالها على غير واقعها، والتكلف في حمل الآية على حادثة معينة، أو على جماعة معينة، أو واقع معين مما يعد من التحريف، وتحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على تفسير الآيات من كتب التفسير المعتمدة، فلا أقل من أن يطلع على تفسير واحد من هذه التفاسير حتى يكون على علم بفهم السلف للآيات وتأويلها، مما يقيه من التأويلات الباطلة، والأقوال الواهية في ذلك، وليحذر من الاعتماد على تفاسير المبتدعين، من الباطنية، والمعتزلة، والصوفية، والشيعة ونحوهم.

стр. 13

٤ - الحذر من إقحام الآيات في مجال المخترعات الحديثة أو الصناعات والوسائل العلمية المستجدة ما لم يكن ذلك نصًّا أو معنًى راجحًا مرْضِيًّا من العلماء الأخيار، فإن ولوج ذلك الباب لا يخلو من التكلف والتعسف في لَيِّ النصوص وتحميلها ما لا تحتمل من المعاني، وهذا باب يستهوي كثيرًا من الخطباء رغبةً في التميز، وإعجاب الناس بسعة علمه، وثقافته، ودقة نظره، واستنباطه للطائف المعرفة، وهو أمر محفوف بالمخاطر، ربما فتح الباب للتأويلات الفاسدة، والتجرؤ على الخوض في أمور من العلم لا يحسنها. ٥ - الحذر أيضًا من التكلف في تطويع الآيات للمناسبات المختلفة سواء أكانت مناسبات عامة أو خاصة. ترتيل الآيات في الخطبة: قال البعض بمشروعية ذلك واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:٤) وبعموم قوله ﵌: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (رواه البخاري). وقال الشيخ بكر أبو زيد ـ عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية سابقًا ـ ﵀: «مما أحدث الوعاظ، وبعض الخطباء في عصرنا، مغايرة الصوت عند تلاوة الآيات من القرآن لنسق صوته في الوعظ أو الخطابة وهذا لم يُعرف عن السالفين، ولا الأئمة المتبوعين، ولا تجده لدى أجلاء العلماء في عصرنا، بل يتنكبونه، وكثير من السامعين لا يرتضونه، والأمزجة مختلفة ولا عبرة بالفاسد منها، كما أنه لا عبرة بالمخالف لطريقة صدر هذه الأمة وسلفها» (١). قال الشيخ سعود الشريم: «بعض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم ببعض الآيات، يقومون بترتيلها ولو كانت آيتين، فأقل بل إن بعضهم لا يكاد بمر بآية! إلا ويرتلها، ومحط السؤال هنا هو أنني لم أجد حسب بحثي القاصر ما يدل على هذا من سنة النبي ﵌ بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي ﵌ بآية من القرآن

стр. 14

ولم يأت فيها ما يدل على أنه كان يرتلها، ومعلوم أن الترتيل إنما يكون عند التلاوة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:٤). ولذا فإنني لا زلتُ أبحث جاهدًا للوصول إلى نتيجة مقنعة تؤكد ما يذكره البعض من أن هذا بدعة في الخطب، إلا أن صعوبة التبديع تجعلني أتقاصر عن هذا البحث، ولكنني أقول: إن هذا خلاف سنة النبي ﵌ المعروفة عنه بالاستقراء سواء كانت في أثناء الخطبة أو في أثناء حديثه للصحابة ﵃، لا أعلم بعد التتبع ما يدل على أنه ﵌ كان يرتل الآية الواحدة أو الآيتين في الاستشهاد. والعلم عند الله تعالى. اشتمال الخطبة على الأحاديث النبوية لا يقِلّ الاستشهاد بالحديث النبوي أهمية عن الاستشهاد بالقرآن، فإن السنة شارحة للكتاب العزيز، مفصلة ومبينة لمُجْمَله، مخصِّصَة لعامِّه، ولا يستغني الخطيب عن دعم رأيه، وتقوية حجته بحديث النبي المعصوم ﵌، لكن عليه أن يراعي الأمور التالية عند الاستشهاد بالحديث النبوي: ١ - تجنب التحريف في المعنى والتكلف في حمل الحديث على غير ما يحتمله معناه لتقوية رأي، أو مذهب، أو جماعة، أو نصرة فئة على فئة. ٢ - تجنب ذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والواهية، فإنه لا خير فيها، ولا نور عليها، بل إن ذكرها وحملها وتبليغها إلى الناس له دور خطير في نشر العقائد الفاسدة، والبدع والضلالات، لاسيما وأن العامة لا تمحيص ولا تثبت لديهم، فسرعان ما تنتشر مثل هذه الأمور فيما بينها لتعلقها بالغرائب، مع الاستهانة بما يترتب عليها من مفاسد. ولا يُعفي الخطيب من التبعة أن يكون حسن النية سليم القصد، هدفه التأثير في القلوب، والترغيب في الإصلاح فإن الغاية المشروعة لا تسوغ الوسيلة المحرمة،

стр. 15

وقد وقع قوم من جهلة العباد والمتنسكة في هذه الخطيئة حيث زعموا أنهم يكذبون لرسول الله ﵌ لا عليه، ويكذبون للإصلاح لا للإفساد، ويكذبون حسبة للخير كما فعل نوح بن أبي مريم، وهو الذي وضع الأحاديث في فضائل القرآن سورةً سورةً. وفي الصحيح غُنْيَة عن الضعيف، ولا يخفى ما في نشر الأحاديث الضعيفة من آثار سيئة على الأمة في عقيدتها وفي سلوكها، فكم من حديث ضعيف أو واه، تناقله الناس محتجين به اعتمادا على إيراد الخطيب له، وكم من عادة تشبث بها الناس كان مستندها حديثًا ضعيفًا. إن الخطيب إذا لم يكن من أهل العلم فعليه أن يرجع إلى كتب الحديث التي تقتصر على الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، أو الرجوع إلى الكتب المعتمدة التي تكون الأحاديث فيها مخرجة تخريجًا علميًا مبينًا فيها درجة الحديث من الصحة والضعف. ولا يجوز العمل بالحديث الضعيف عند الأئمة المحققين كابن معين والبخاري ومسلم وابن العربي وابن حزم وابن رجب وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرهم كثير وكثير. • أثر الأحاديث الضعيفة في الابتداع في الدين: قال الشيخ الألباني ﵀: «إن تساهل العلماء برواية الأحاديث الضعيفة ساكتين عنها قد كان من أكبر الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين، فإن كثيرًا من العبادات، التي عليها الناس اليوم، إنما أصلها اعتمادهم على الأحاديث الواهية، بل والموضوعة، كمثل التوسعة يوم عاشوراء، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم نهارها وغيرها وهي كثيرة جدًا» (١). ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أن من طرق المبتدعة في الاستدلال: اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على رسول الله ﵌، ثم قال:

стр. 16

«والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي ﵌ قالها، فلا يمكن أن يُسنَد إليها حكم، فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟ ... وهذا على فرض ألا يعارض الحديثَ أصلٌ من أصول الشريعة، وأما إذا كان له معارض فأحرى ألا يُؤخَذ به». (١) * قال الشيخ الألباني: «لا يجوز ذكر الحديث الضعيف إلا مع بيان ضعفه، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله ﵌: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أنَهُ كَذِبٌ فَهُوَ أحَدُ الكَاذِبَيْنِ» رواه مسلم. واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين: إما أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا يُنبّه على ضعفها فهو غاشّ للمسلمين وداخل حتمًا في الوعيد المذكور، وإما أن لا يعرف نسبتها فهو آثم أيضًا لإقدامه على نسبتها إليه ﵌ دون علم وقد قال ﵌: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم). وقد صرح النووي بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن لم يكن عارفًا». (٢) * قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: «من نقل حديثًا صحيحًا بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلًا: «قال رسول الله ﵌» وأما إذا نقل حديثًا ضعيفًا أو حديثًا لا يعلم حاله، أصحيح أم ضعيف، فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: «رُوِى عنه كذا» أو «بلغنا كذا». وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف؛ لئلا يغتر به القارئ أو السامع، ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم». (٣) •

стр. 17

هل تكفي كلمة «رُوي» أو «بلغنا» ونحوهما؟ قال الشيخ الألباني: «أرى أن هذا لا يكفي اليوم لغلبة الجهل، فإنه لا يكاد يفهم أحدٌ من كتب المؤلف أو قول الخطيب على المنبر: «رُوي عن رسول الله ﵌ كذا وكذا» أنه حديث ضعيف، فلابد من التصريح بذلك كما جاء في أثر على ﵁ قال: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ» أخرجه البخاري» (١). • لا يجوز استحباب شيء لمجرد حديث ضعيف في الفضائل: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يُحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملًا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع» (٢). • معنى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «مراد العلماء من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك، فإذا رُوي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها، فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا رُوي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحًا كثيرًا فهذا إن صدق نفعه، وإن كذب لم يضره» (٣).

стр. 18

• لا يجوز التقدير والتحديد بأحاديث الفضائل الضعيفة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرًا وتحديدًا، مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة لم يجُز؛ لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي». (١) • شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال عند القائلين به: ١ - أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه. ٢ - أن يكون مندرجًا تحت أصل عام، فيخرج ما يُخترع بحيث لا يكون له أصل أصلًا. ٣ - أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﵌ ما لم يَقُله. (٢) * قال الشيخ الألباني: «هذه الشروط توجب على أهل العلم والمعرفة بصحيح الحديث وسقيمه أن يميزوا للناس شيئين هامين: الأول: الأحاديث الضعيفة من الصحيحة، والآخر: الأحاديث الشديدة الضعف من غيرها» (٣) • هل هناك إجماع من العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ؟ قال الشيخ الألباني ﵀: «الخلاف في ذلك معروف، فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام ولا في الفضائل، قال الشيخ القاسمى ﵀ في (قواعد التحديث) (ص٩٤): «حكاه ابن سيِّد الناس في عيون الأثر عن يحيى بن معين، ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضًا ... وهو مذهب ابن حزم ... » قلت (أي الشيخ الألباني): وهذا هو الحق الذي لا شك فيه عندي». (٤)

стр. 19

* قال الحافظ ابن حجر: «لا فرق في العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أو في الفضائل إذ الكل شرع» (١). * قال الشيخ أحمد شاكر: «لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ﵌ من حديث صحيح أو حسن» (٢). اشتمال الخطبة على ضرب الأمثال المراد بضرب المثل هنا سَوق الصور، والقصص، والوقائع المتشابهة، ليستدل بالحاضر على الغائب، وبالمحسوس على غير المحسوس، أو بالمحسوس من الصور الوقائع على نظائرها وأشباهها، والمقصود من ضرب المثل تقريب الأمر للمخاطب، وترسيخه في ذهنه لتحصل العبرة والعظة من ذلك. لذا نجد أن القرآن الكريم أكثر من ضرب الأمثال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ (الروم: ٥٨). وضرب الله تعالى المثل بالعنكبوت، والبعوضة، والذباب، وغير ذلك، وكل أمثال القرآن عظيمة مؤثرة، تأخذ بالقلوب، وتهز النفوس، وتجسد المعاني في صور ماثلة للعيان كأن المرء يحسها ويلمسها بيده. ولْيَحذر الخطيب في هذا من الإكثار من الأمثال الشعبية، أو ذكر الأمثال الساقطة والمبتذلة، وما يشتمل على سوء أدب، أو إيذاء للأسماع، فإن ذلك سيئ الأثر على النفوس، وربما أدى إلى تثبيت وتأكيد مفاهيم اجتماعية خاطئة، أو مخالفة للشرع، ويكون الخطيب بذكرها أحد المروجين والناشرين لها.

стр. 20

ولا ريب أن مِن أكثرِ الأمثال تأثيرًا في نفوس السامعين ما كان منتزعًا من واقعهم لصيقًا بعادتهم، سائرًا في حياتهم معبرًا عن مشكلاتهم. الاستشهاد بالشعر في الخطبة ومما يزين الخطبة، ويزيد من التأثر بها لدى السامع استشهاد الخطيب بالشعر، إن الشعر في موضعه يشد السامع ويلهب عاطفته، ويحرك نفسه، وفي الحديث الصحيح عن أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً» (رواه البخاري). ومن أول أغراض الشعر أن يكون في المواعظ، والأمثال، والآداب، والأخلاق، والحث على الجهاد أو الإنفاق، أو خلالِ الخير المتنوعة، وكذلك ما يرقق القلوب من شعر الزهد، والقناعة، والتذكير بالآخرة والجزاء. * سُئِل الشيخ ابن باز ﵀: هل الاستشهاد ببعض الشعر في خطبة الجمعة مما يحث على مكارم الأخلاق والجهاد في سبيل الله أمر مشروع؟ فقال ﵀: لا شك بذلك، يقول النبي ﵌: «إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً» (رواه البخاري).، وكان النبي ﵌ ينشد مع الصحابة وهم يبنون المسجد ينشد معهم ﵌: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقْنا ولا صلَّيْنا فأنزلَنْ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقَيْنا إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبَيْنا كان رافعًا بها صوته يقول: أبَيْنَا، أبَيْنَا، أبَيْنَا، كما أن ﵊ أنشدهم وهم يحفرون الخندق. فالمقصود أن إنشاد الشعر الحق الطيب في الخطب والمواعظ والمحاضرات وخطب الجمعة والأعياد لا بأس به لأنه يؤثِّر ويحصل به خير عظيم». (١)

стр. 21

الاستشهاد بالقصة في الخطبة • القصة القرآنية: تعددت القصص في القرآنية الكريم، وتعددت أغراضها وفوائدها، إذ فيها تثبيت لفؤاد النبي ﵌، وموعظة وذكرى للمؤمنين، وعبرة لأولي الألباب، أو نجد القرآن يوجه الرسول ﵌ إلى أن يتخذ القصة مسلكًا من مسالك نشر دعوته، ووسيلة يستخدمها في توجيه الناس، فيأمره بمخاطبة الناس عبر قص قصص الأولين عليهم، حتى يكون لهم في آثار السابقين عبرة وهدى وموعظة حسنة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف- ١٧٦). ومما يؤسف له حقا أن المنابر تكاد تخلو من التذكير بما قصه القرآن الكريم من القصص، مع عظم العبرة، وقوة الموعظة فيها، فإن الخطيب البارع يستطيع أن ينزلها على واقع المخاطبين مع الإيجاز والتوجيه لتغدو أحداثها كأنما هي واقعة بينهم، ماثلة أمام أعينهم. ومهما كانت القصة طويلة، فإنه يستطيع أن يخلص إلى زُبدتها وخلاصتها بأسلوب بليغ وجيز، وبأداء فصيح لا يتجاوز في زمنه دقائق معدودة، بل ربما رأى أن الأفضل توزيعها على أكثر من خطبة، مع ربط بواقع الناس والتحذير من نقمة الله تعالى وأليم عقابه، وشدة بطشه، وبيان سنته في المكذبين والمعرضين الغافلين، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر:٤٣). إن الخطيب البليغ، والداعية الموفق لا ينبغي له أن يغفل عن هذه الذخيرة الجليلة من بيان ما يذكر به، فإن التذكير بالقصة تذكير بالقرآن، وقوة بيانه، وبلاغة عرضه للأحداث، وعواقب الأعمال دون أدنى شائبة من ضعف الحوار أو طروء الخيال، أو عدم مطابقة الواقع. قال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلم وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (الأعراف- ٧).وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام- ٥٧).

стр. 22

إن من خصائص القصة القرآنية أنها صالحة للاعتبار والاستشهاد في كل زمان، ولا عجب فهي جزء من هذا القرآن الذي هو موعظة دائمة، ورسالة خالدة لا تنفد خزائنه، ولا تنقضي عجائبه. • نموذج: خذ مثلا من القصة القرآنية قصة (أصحاب الجنة) الذين غرهم المال، وغيَّرهم الجشع والطمع، فمنعوا حق المساكين الذين كان والدهم يوصله إليهم، فلقد كان للمساكين نصيب من العطاء عندما كان صاحب تلك الجنة حيًا، ثم لما مات تآمر أبناؤه فيما بينهم واستكثروا ما ينقطع لهؤلاء المساكين من مالهم، فاتفقوا على أن يقطعوا الثمر في وقت مبكر من النهار حيث يأمَنون تعرض المساكين لهم في هذا الوقت الباكر. وأقسموا اليمين على ذلك دون استثناء، فباتوا على كيد وغدوا على حرد، وإذا بطائف من الله تعالى يطوف عليها شجرة شجرة، وثمرة ثمرة، فلا يبقي منها باقية، فكأنه سبقهم إليها من صرمها وأتى على ثمارها كلها. فانظر كيف قوبل مكرهم وشدة تعميتهم وتبييتهم لسوء النية بهذا الانتقام الإلهي السريع ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ (يونس:٢١)، ثم تخلص القصة إلى العبرة العظيمة: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلمونَ﴾ (القلم - ٣٣). ألا ترى أن القصة في أحداثها وعبرتها تصلح أن تكون تذكارًا صارخًا في كل جيل لأولئك الذين بطروا نعمة الله، وبدلوها جحودًا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ووسع عليهم من فضله، وبسط لهم الرزق، فأمسكتْ أيديهم، وشحَّتْ قلوبهم، ومنعوا حقَّ الله عبادَ الله، وأخفوا الشر ومنعوا الخير. إنه نموذج من الكنود البشري المتكرر، تصلح له هذه التذكرة القرآنية في كل عصر، وهكذا كل القصص القرآني، فإنه يصلح أن يكون عظة بليغة وتذكرة حالة إذا أحسن ربطه بالواقع، بأسلوب موجز، وعرض محكم.

стр. 23

الاستشهاد بواقع الآخرين ومما يحسن الاستشهاد به في الخطبة، وتنويه الخطيب به بين الحين والحين ما يزخر به واقع غير المسلمين من تناقضات، وما يعصف به من فساد وموبقات، وآثار مدمرة في المجالات الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، تتمثل في الأمراض الجنسية الفتاكة، وجرائم القتل، والاغتصاب، والسرقة، وترويج المخدرات، وتفكك الأسرة، والروابط الاجتماعية، وغير ذلك مما يصلح أن تكون كل جزئية منه مدارا لمضمون خطبة، ومحورا للتوجيه والتذكير، واستخلاص العبر. ولكن ليحذر الخطيب في هذا المجال من التهويل والمبالغة، والإفراط في وصف تلك المجتمعات، والاعتماد في استقاء المعلومات، والإحصائيات على مصادر غير موثوق بها، أو جهات غير معتمدة. وليكن قصده بيان عظمة الإسلام ونعمته، وسلامة المجتمع الإسلامي من أمراض الانحراف والشذوذ، والإيدز، وغير ذلك مما تعاني منه المجتمعات الكافرة والخارجة على دين الله تعالى المتمردة على شرائعه، وليست مهمة الخطبة إيصال المعلومات الجديدة للناس، بقدر ما هي تفعيل للسامعين، وتحريك لنفوسهم ثم الانتقال بهم من حال التأثر إلى التغير والإصلاح.

стр. 24

فقه الخطيب قال النبي ﵌: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» (رواه مسلم).وهذا دليل على أن الفقه من صفات الخطيب. فالثقافة الشرعية تتنوع إلى أنواع، فمنها ما هو ألزم كفقه العقيدة، وأصول الإيمان، والتوحيد بأنواعه الثلاثة، ومنها ما هو لازم للخطب وهو الأنواع التالية: ١ - فقه ما يرقق القلوب، وينعش النفوس من الزهد والرقائق، ولطائف السير، وأخبار الصالحين، فإنها منشطة للنفوس، باعثة للعمل والتأسي. ٢ - فقه ما يتعلق بصلاة الجمعة، وأحكام الجمعة، والخطبة. ٣ - فقه ما يرتبط بالمناسبة، فإذا خطب عن الحج لمناسبته، أو عن الصوم بمناسبة حلول شهر رمضان، فينبغي أن يكون فقيهًا بأهم أحكام الحج، وأهم أحكام الصيام، وإذا تكلم عن الربا، أو الرشوة، أو تكلم عن المخدرات، وغير ذلك فينبغي أن يكون ملمًا بأطراف موضوعه، فقيها بأهم أحكامه، فإنه ربما سئل عن بعض مسائله. ٤ - فقه عام، وهذا يعتمد على دراسة الخطيب الشرعية وعلمه، واطلاعه في هذا الجانب. وعلي الخطيب أن يتقي الله تعالى، ولا يفتي فيما لا يفقه ولا يدخل فيما لا يعلم، وما لا يحسن، ولا تحملنه إجادة القول على الإعجاب بنفسه، والإسراع إلى الفتوى، لاسيما إذا لم يكن من طلبة العلم، أو دارسي العلم الشرعي، والتقوى تقتضي أن يكون شجاعًا فيَرُدّ الأمر إلى عالمه، أو يقول: لا أدري، فتسلم مقالته. وعلى المصلين والمخاطبين أن يعلموا بأنه ليس كل من يحسن الخطابة يحسن الفتوى، ولا يفترض في الخطيب أن يكون فقيهًا مفتيًا، وليس نقصًا في الخطيب أن لا

стр. 25

يكون مفتيًا أو مجتهدًا، فلكل علم رجال، وقد يجيد المرء جانبًا من جوانب العلم، ولا يجيد آخر، فعلى المصلين أن لا يحرجوا الخطيب، ولا ينزلوه فوق منزلته. • ماذا تقرأ في صلاة الجمعة ؟ يحرص بعض الخطباء ـ عن حسن نية ـ أن يقرأ في صلاة الجمعة آيات تتناسب مع موضوع خطبة الجمعة، وهذا ـ وإن كان عن حُسن نية ـ فهو خلاف السنة، فإن الأكمل اتباع سنته ﵌، وقد ثبت عنه ﵌ ـ كما في صحيح مسلم ـ أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة المنافقين في الركعة الثانية، أو يقرأ في الأولى سبح، وفي الثانية الغاشية، أو يقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة الغاشية في الركعة الثانية. فيتبين من هذا أن ما يفعله بعض الخطباء خلاف السنة، وكذلك الاقتصار على بعض السورة، أو يقرأ إحداهما في الركعتين. وهذا خلاف السنة. قال الشيخ بكر أبو زيد ـ عضو هيئة كبار العلماء في السعودية سابقًا ـ ﵀: «رتب النبي ﵌ في قراءة صلاة الجمعة ثلاث سنن: قراءة سورتي الجمعة والمنافقون، أو سورتي الجمعة والغاشية، أو سبح والغاشية. وقد فشى في عصرنا العدول من بعضهم عن هذا المشروع إلى ما يراه الإمام من آيات أو سور القرآن الكريم، متناسبًا مع موضوع الخطبة. وهذا التحرّي لم يُؤْثَر عن النبي ﵌ ولا يُعرف عن سلف الأمة، فالتزام ذلك بدعة، وهكذا قصْد العدول عن المشروع إلى سواه على سبيل التسنن فيه استدراك على الشرع، وهجر للمشروع، واستحباب ذلك، وإيهام العامة به، والله أعلم» (١). أما من قرأ بسورة غير هذه السور ولم يداوم على سور معينة منها، فإن فِعْله لا يُعَدُّ بدعة، وإن كان قد خالف السنة.

стр. 26

• قطع الخطبة للتنبيه والإرشاد: يشرع أن ينصح الخطيب أثناء خطبة الجمعة من يراه يؤذي الناس الموجودين بالمسجد، وأن ينصح من يراه دخل المسجد وجلس ولم يصل ركعتين، بأن يصلي تحية المسجد، لثبوت السنة بذلك. ويغفل بعض الخطباء ـ وفقهم الله ـ عن تنبيه الداخلين إلى المسجد بعد خروج الإمام الذين يجلسون ولا يصلون ركعتين، والأولى للإمام أن ينبه على ذلك إذا رأى أحدًا دخل فجلس دون أن يركع ركعتين، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﵌ عَلَى المنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قَالَ: لَا، فَقَالَ: ارْكَعْ». (هذا لفظ مسلم). ولفظ البخاري: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﵌ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟» قَالَ: «لا». قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ». ومن قالوا: لا يصليهما، واحتجوا بالأمر بالإنصات للإمام، فقولهم خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﵌ كقوله: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (رواه مسلم). وجمهور أهل العلم على أن تحية المسجد سنة لمن يريد الجلوس فيه، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة. فقد ورد في البخاري ومسلم عن أبي قتادة سدد خطاكم أن رسول الله ﵌ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ المسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». وهذا الحكم يشمل الداخل أثناء الخطبة. وخطبة الجمعة لا تمنع الداخل من أداء تحية المسجد، ولكن لتكُنْ خفيفة ولو دخل أثناء الآذان فليركع التحية.

стр. 27

• ما الحكم فيمن دخل المسجد لصلاة الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني ؟ هل ينتظر إلى أن يقضي المؤذن أذانه ثم يصلي تحية المسجد؟ أم يصلي وهو يؤذن حتى يدرك بداية الخطبة؟ «من دخل المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الذي بعد دخول الإمام؛ فإنه ينبغي له أن يصلي تحية المسجد؛ حتى يتفرغ لسماع الخطبة». (من فتاوى الشيخ الفوزان). • رفع اليدين للدعاء في الخطبة: الصواب أن اليدين لا ترفع للدعاء في الخطبة، إلا إذا استسقى الإمام في خطبته، كما ثبت ذلك عن النبي في صحيح البخاري، وأما إذا لم يستسق فإنه لا يرفع يديه في الدعاء، وإنما يشير بأصبعه السبابة إذا دعا وإذا ذكر الله. عَنْ حُصَيْن بن عبد الرحمن أن عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى المنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ المسَبِّحَةِ». (رواه مسلم). قال الإمام النووي ﵀: «هَذَا فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنْ لَا يَرْفَع الْيَد فِي الْخُطْبَة، وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض السَّلَف وَبَعْض المالِكِيَّة إِبَاحَته لِأَنَّ النَّبِيّ ﵌ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَة الْجُمُعَة حِين اِسْتَسْقَى، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْع كَانَ لِعَارِضٍ».اهـ من (شرح صحيح مسلم). • هل يصلي بالناس الجمعة غير الخطيب ؟ السنة أن من يتولى الخطبة يتولى الصلاة كذلك لأنه ﵌ كان يتولاهما بنفسه وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل وصلى آخر لعذر جاز ذلك. • إذا قرأ الخطيب آية تشتمل على سجدة وهو يخطب فهل يسجد سجود التلاوة ؟ قال العلماء ﵏: إن شاء سجد وإن ترك السجود فلا حرج، فعله عمر وترك، على أن سجود التلاوة ليس بواجب في الأصل.

стр. 28

كيف تختار موضوع الخطبة ؟ يشتكي كثير من الخطباء من كيفية اختيار الموضوع، وبعضهم يُرجع سبب ذلك إلى ندرة الموضوعات التي يمكن أن يتناولها الخطيب وتناسب الكثير من الناس لاسيما أن الخطبة تتم كل أسبوع. وقد يكون السبب الرئيس لهذه النظرة عند الخطيب هي: قلة علمه، ومحدودية اطلاعه، وضعف نظرته إلى واقع الناس. وإلا فإن الخطبة لو كانت تتكرر يوميًا لما استطاع الخطيب أن يعالج جميع الموضوعات التي يحتاجها الناس في هذا العصر المتغير، الذي كثرت فيه الفتن، فالناس يحتاجون إلى تقوية إيمانهم، وترسيخ عقيدتهم، والقضاء على ما تخللها من انحرافات من أقوال أو أفعال قد تناقضها بالكلية، أو تنقص كمالها. والناس يحتاجون إلى تصحيح عباداتهم، ويحتاجون إلى بيان الحكم الشرعي في كثير من المعاملات والعادات التي تتجدد باستمرار، غير ما يفِدُ إليهم من خارج مجتمعهم، ويحتاجون إلى الحث على مكارم الأخلاق والتنفير من مساوئها، وإلى ترقيق القلوب، والتذكير بالآخرة .... ، والموضوعات كثيرة جدًا. ويمكن تقسيم الجُمعات إلى قسمين: • القسم الأول: جمعات توافق مناسبات مهمة: وهذه المناسبات على نوعين: أـ مناسبات طارئة: كحدث يحصل في الحي أو البلد واشتهر وعرفه الناس؛ فهم ينتظرون من الخطيب رأيه فيما حدث، ومنها أيضًا قضايا المسلمين التي تشتعل بين حين وآخر: كقضايا فلسطين، والعراق، والصومال، والشيشان، ونحوها. وينبغي للخطيب أن يعالج مثل هذه الموضوعات معالجة شرعية، تبين حجم القضية الحقيقي بلا مبالغة ولا تهوين، ومن ثَمَّ يبين موقف المسلم في هذه القضية، وما يجب عليه تجاهها، فلا يكفي مجرد عرضها.

стр. 29

ب ـ مناسبات متكررة بتكرر الأعوام: كرمضان والحج وعاشوراء، والتحذير من البدع المحدثة ونحوها. وهذه المناسبات مريحة عند كثير من الخطباء؛ إذ لا يحتاجون إلى إعداد خطب جديدة في موضوعاتها، ولربما حفظ الناس خطبهم فيها من كثرة ترديدها، وأصابهم الملل منها. بيد أن هذه المناسبات تُقلق مَن يهتمون بخطبهم، ويحبون التجديد في موضوعاتها، ويوَدّون إفادة الناس بكل وسيلة ممكنة. ولتلافي التكرار في كل عام يمكن تفتيت الموضوع الواحد إلى موضوعات عدة في كل عام يطرق الخطيب منها موضوعًا. وبالمثال تتضح الصورة: درج الخطباء في ثالث جمعة من رمضان على الحديث عن غزوة بدر الكبرى، ويقدمون لها بمقدمة عن نصر الله تعالى لعباده، وكون رمضان شهرًا للانتصارات والأمجاد، ويسردون عددًا من المعارك التي وقعت في رمضان، غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وفتح الأندلس ونحوها، ثم يخصصون الخطبة بكاملها عن غزوة بدر، وهكذا في كل عام. ومن الممكن لتلافي التكرار جمع الغزوات والأحداث الكبرى التي وقعت في رمضان، واختيار واحدة منها في كل عام للحديث المفصل عنها. ويمكن أيضًا تفتيت الغزوة الواحدة إلى عدة موضوعات، في كل عام يطرق جانبًا جديدًا منها. فغزوة بدر مثلًا يمكن إنشاء خطب عدة منها، كل واحدة تتناول جانبًا مختلفًا، فتكون مجموعة من الخطب موضوعاتها كالتالي: ١ـ سرد أحداث الغزوة كما في كتب السير، وهذا يعمله أكثر الخطباء كل عام. ٢ـ وصف حال المسلمين قبل الغزوة (الهجرة ـ المطاردة ـ المحاصرة ـ الضعف ـ القلة ـ الخوف).

стр. 30

وحالهم بعدها (ارتفاع معنوياتهم بالنصر ـ عز الإسلام ـ قوة المسلمين، رهبة اليهود والمنافقين). ٣ـ وصف حال الفريقين المتقابلين: حال المؤمنين: (الدعاء، الحماس للقتال، التضحية والفداء، التعلق بالله تعالى). حال المشركين (الكبرياء، محادة الله ورسوله، الاعتداد بالنفس، الاغترار بالكثرة، ممارسة العصيان، شرب الخمر وغناء القينات، كما هو قول أبي جهل). ٤ـ تأييد الله لعبادة المؤمنين: (النعاس، المطر، قتال الملائكة معهم، وفيه عدة أحاديث صحيحة، الربط على قلوبهم، تقليل العدو في أعينهم) وخذلان الكافرين. ٥ـ الحديث عن مصير المستكبرين حيال دعوة الأنبياء ﵈، ويكون صرعى بدر من المشركين نموذجًا على ذلك بذكر مجمل سيرتهم الكفرية وعنادهم ثم ما جرى لهم، وفيه قصص مبكية من السيرة. فهذه خمسة مواضيع، كل واحد منها يصلح أن يكون خطبة مستقلة، وهذه الموضوعات الخمسة في غزوة واحدة، ومن تدبر فيها أكثر استخرج موضوعات أخرى. والكلام عن المولد النبوي مثلًا يمكن تقسيمه أيضًا إلى عدة موضوعات منها: ١ـ بيان حقيقة محبة الرسول ﵌، وأنها تكون باتباعه لا بالابتداع، مع تقرير وجوب محبته من خلال نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وبيان العلاقة بين محبته وتطبيق سنته، وهذا موضوع ثري جدًا يمكن صنع عدة خطب فيه. ٢ـ تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، وبيان أنه بدأ بعد القرون المفضلة في المائة الرابعة للهجرة على أيدي بني عبيد الباطنيين (الذين يدعون بالفاطميين)، وظل قرنين من الزمن لا يعرفه أهل السنة، حتى انتقل إليهم في المائة السادسة على يد شيخ

стр. 31

صوفي استحسن هذه البدعة وتبناها، وبيان أن دوافع إحداث هذا الموضوع عند بني عبيد كانت سياسية، ولم تكن بدافع محبة النبي ﵌. ٣ـ ذكر المخالفات الشرعية في احتفالات المولد، من الغلو في الرسول ﵌ الذي قد يصل إلى حد الشرك، إلى الأناشيد والأهاجيز الصوفية، إلى سائر المنكرات الأخرى: كالاختلاط في بعضها، وكونها تنشد على أنغام الموسيقى أو الدفوف. ٤ـ التنبيه على أن الاشتغال بالبدعة يشغل عن السنة، وجعل المولد مثلًا لذلك، فما يصرف فيه من جهد ووقت ومال قد يصرف عن كثير من السنن؛ بل ربما صرف عن الفرائض، وكثير ممن يحتفلون بتلك الموالد تظهر عليهم مخالفات شرعية، ويعلم من سيرة بعضهم تضييعه للفرائض فضلًا عن المندوبات. ٥ـ أخذ جانب من سيرة النبي ﵌ في مولده أو بعثته أو غير ذلك، ثم التنبيه على بدعة الاحتفال بمثل هذه المناسبات، فهذه خمسة موضوعات كل واحد منها يصلح لأن يكون خطبة مستقلة. والكلام عن عاشوراء أيضًا يمكن استخراج موضوعات عدة منه، ولاسيما أنه متعلق بقصة نجاة موسى ﵇ وغرق فرعون، وهي أكثر القصص ورودًا في القرآن، وفيها جوانب كثيرة يمكن أن تكون موضوعات، وفي نهاية كل خطبة منها يتم التنبيه على سُنِّية صيام يوم عاشوراء. كذلك الحديث عن مراحل صوم عاشوراء، وأنه كان واجبًا، ثم نُسخ الوجوب إلى السُّنِّية بعد فرض رمضان، ثم في آخر سنة قصد النبي ﵌ مخالفة اليهود، وأمر بصيام التاسع مع العاشر، وذكر فضل صيام هذا اليوم، وفضل شهر الله المحرم. وهكذا يقال في بقية الموضوعات، تطرح من جوانب متعددة، كل جانب فيها يكون خطبة؛ مما يكون سببًا في إثراء المشروع الخطابي للأمة، وإفادة السامعين، والتجديد في الموضوعات التي يلقيها الخطيب.

стр. 32

• القسم الثاني: جمعات لا توافق مناسبات معينة: وهذه هي الأكثر، ويستطيع الخطيب أن يضع لها مخططًا يسير عليه، ويشتمل هذا المخطط على موضوعات عدة، وفي فنون مختلفة، ومن فوائد ذلك: ١ـ عدم حيرته في اختيار موضوع الخطبة، لاسيما إذا ضاق الوقت عليه. ٢ـ نضج الموضوعات التي يطرحها، إذ قد يمر عليه شهور وهي تدور في مخيلته، وكلما حصل ما يفيده فيها من مطالعاته وقراءاته قيّده، أو استذكره. ٣ـ سهولة بحثه عدة موضوعات، إذا كانت في فن واحد، وتوفير كثير من الوقت؛ فمثلًا إذا كان في خطته خمسة موضوعات في العقيدة، فإن جلسته لبحث واحد منها كجلسته لبحثها كلها؛ إذ إن مصادرها واحدة، ومظانها متقاربة. ٤ـ التنويع على المصلين وعدم إملالهم. ويمكن تقسيم الموضوعات إلى أقسام كثيرة، يختار في كل جمعة منها قسمًا للحديث عن موضوع من موضوعاته. • ومن مجالات المواضيع: المجال الأول: القرآن الكريم: يمكن أن يكون موضوع الخطبة آية قرآنية يجعل الموضوع يدور حولها وحول تفسيرها، وحول معانيها وما قال العلماء عنها، ويربطها بواقع الأمة وواقع الناس واحتياجاتهم اليومية، وكثيرًا ما نجد لهذه الموضوعات أثرها الطيب وصداها الكبير؛ لأن القرآن العظيم ـ كما نعلم ـ هو القرآن المعجِز الذي حوى الهداية كلها والإحكام في الأحكام على أتم وجه، وهو الذي حوى البلاغة من جميع أطرافها، فربما كان شطر آية ليس موضوعًا لخطبة واحدة فقط بل لعدة خطب. وأضرب لذلك مثالًا في الآيات المفردة وأمثلة أخرى يمكن أن تقاس عليها، فلك أن تتصور موضوعًا لخطبة الجمعة، يكون مداره في شطر آية وهي قول الله : ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:٢١١).وانظر إلى مدلول هذه الآية كم فيه من سعة ورحابة، وكم فيه من تدليل واستشهاد، وكم فيه من تحليل

стр. 33

للواقع وربط بسنن الله في هذا الكون وفي حياة الناس، إلى غير ذلك من الآفاق الواسعة الكثيرة. وقس على ذلك آيات كثيرة يمكن أن تكون موضوعًا مثل قول الله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلمونَ﴾ (البقرة:٢٨١). ومثل قوله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣١)، إلى غير ذلك من الآيات. من أمثلة المواضيع القرآنية: ١ ـ الآيات التي تتكلم عن صفات عباد الرحمن؛ فإنها يمكن أن تكون موضوعًا لسبعة أسابيع أو عشرة أسابيع ولأكثر من ذلك. ٢ ـ آيات الوصايا مثل الوصايا العشر في سورة الأنعام، والوصايا في سورة الإسراء. ٣ ـ القصص القرآني، فيمكن أن تأخذ قصة نوح ﵇ وتأتي بأحداثها ودروسها وعبرها في أربعة خطب إلى غير ذلك. المجال الثاني: الحديث النبوي: ويكون محور الموضوع فيه حول حديث من أحاديث النبي ﵌ وهي أحاديث جامعة لأنه ﵌ أوتي جوامع الكلم. فهناك أحاديث كثيرة يمكن أن تكون بذاتها موضوعات لخطبة أو خطب عديدة، فحديث مشهور كحديث ابن عباس: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» وحديث وصية النبي ﵌ لمعاذ: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» هو أيضًا كذلك. وكذلك الأحاديث التي فيها تعداد فيمكن أن تكون مجالًا لخطب مسلسلة طويلة، كحديث النبي ﵌ في السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يمكن أن يكون كل واحد من هذه الأصناف موضوعًا لخطبة مستقلة، وهكذا أحاديث كثيرة

стр. 34

للنبي ﵌ كحديث: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ»، يمكن أن يكون كل واحد منها مضمونًا لموضوع معيّن. أضف إلى ذلك مجال القصص التي قصها النبي ﵌ في أحاديثه كقصة الثلاثة الذين آواهم الغار، وقصة الأعمى والأبرص إلى غير ذلك من القصص الكثيرة التي وردت في قصة السنة النبوية المشرفة، وهذا أيضًا مجال رحب واسع طويل. المجال الثالث: العقيدة وما يتعلق بها: وفيها موضوعات كثيرة، كأهمية التوحيد، وأن من عقيدة المسلمين تطبيق شرع الله ، وبيان خطورة الشرك، وأنواعه، والسحر، والاستهزاء بالدين، والحكم بغير ما أنزل الله . المجال الرابع: السيرة النبوية ومعارك الإسلام: يختار حدثًا أو معركة يتحدث عنها أو عن جانب منها، ويستخرج من ذلك الدروس والعبر. وهو أيضًا مجال مهم ونافع ويحتاج الناس إليه كثيرًا، إذ فيه ارتباط بسيرة النبي ﵌ وفيه تذكيرٌ بالمعاني الإيمانية والدروس المستفادة من هذه الأحداث والغزوات وربطها بالواقع إلى غير ذلك أيضًا من أمور كثيرة في هذا المجال، فهناك الحديث عن غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، وعن الفتح في الثامن منه، وأحُد في شوال، وعن تبوك في رجب، وغيرها من أحداث النبي ﵌. وليس ذلك فحسب بل أحداث التاريخ كثيرة، فيما بعد حياته ﵌ في مواقع شتى كانت فاصلة في تاريخ الإسلام، تبين كيف كان هذا الدين ـ عندما يلتزم به أتباعه ـ معينًا وناصرًا لهم ورافعًا لرايتهم ومعزًا لمكانتهم، وإذا تخلّوا عنه فإنهم يحل بهم ما وقع بهم في آخر الزمان الذي نَحيَى بعض أمثلته، وهذا مجال من المجالات الواسعة. المجال الخامس: الشخصيات الإسلامية: ويبدأ ذلك بصحابة النبي ﵌ والتابعين من بعدهم وسلف الأمة من علمائه وقوادِها وأهل الرأي فيها الذين كانت لهم سيَر ناصعة ومواقف مشرِّفة وعلم غزير

стр. 35

وحِكَم نافعة؛ فإن هذا مجال كبير جدًا، فمن حديثك عن صدق أبي بكر، إلى عدالة عمر، إلى حياء عثمان إلى شجاعة علي، إلى علم ابن عباس، إلى فقه معاذ، إلى غير ذلك في صحابة النبي ﵌ و ﵃. ولك بعد ذلك مجال واسع في حِكَم الحسن البصري، وفي زهد الفضيل بن عياض، وفي جهاد ابن المبارك وغيرهم من التابعين، وهكذا تنتقل بعد ذلك إلى الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، إلى غير ذلك من الشخصيات من قواد وعلماء الأمة كابن تيمية وغيرهم من العلماء. المجال السادس: أحداث العالم الإسلامي: وهذا يربط المنبر بواقع الناس، ونعلم جميعًا أن هناك أحداثًا مستجدة، ليس المنبر مكانًا لنشرة الأخبار أو لاستعراض الأحداث بذاتها، ولكن كيف يستل منها الدرس والعبرة، وكيف يبين بعض الحقائق المهمة من ضرورة الولاء لله ولأوليائه والبراءة من أعداء الله، وبيان تكالب الأعداء على أمَّة الإسلام، وبيان ما يواجه ذلك من فرقة المسلمين، وغير ذلك من بعض المواطن التي يمكن الاستفادة منها بشكل جيد. المجال السابع: مجال الأنظمة الإسلامية: وهذا مجال مهم جدًا، فهناك النظام الاجتماعي فيمكن أن يكون مجالًا لعدد من الخطب والموضوعات، بِدءًا من الآداب أو الشروط أو المواصفات التي جاءت في الإسلام في اختيار الزوجة، ثم بناء الأسرة ثم تربية الأبناء، هذا كله ثم العلاقة بالجيران، ثم العلاقة بحقوق المسلم، هذا كله في نطاق النظام الاجتماعي. ثم بعد ذلك آفاق أخرى في النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القضائي كل هذه الأنظمة التي عندما يستعرضها الخطيب بشكل واضح وبسيط، ومقرِّب للناس يمكن أن يفيدهم كثيرًا ويفيد نفسه أيضًا بشكل واسع.

стр. 36

المجال الثامن: مجال الأخلاق الإسلامية: وهو مجال واضح سواء من ناحية تأصيلها والكلام عنها وعن ربطها بالإيمان وربطها بالعبادة وأنها جزء لا يتجزأ من هذا الدين، أو بضرب أمثلة منها بأن يكوِّن موضوعًا عن الصبر وموضوعًا عن الحلم وموضوعًا عن الأخلاق الأخرى كالوفاء بالوعد وغيرها من الأخلاق، فهناك عدد كبير من هذه الموضوعات. المجال التاسع: الموضوعات الإيمانية: التي فيها ترقيق القلوب والتذكير بالآخرة وذكر أوصاف الجنة، وأهوال النار، وصف أهلهما، أعمال أهلهما، الطريق الموصلة إليهما. والفتن والملاحم وأشراط الساعة: وكل فتنة أو ملحمة أو علامة من علامات الساعة الكبرى صالحة لأن تكون خطبة مستقلة، بل ربما أكثر من خطبة، لغزارة ما فيها من نصوص ومعلومات شرعية. وكذلك القيامة وأحوالها: وفيها من الموضوعات شيء كثير: الصراط، الميزان، البعث، الحساب، الصراط، الحشر، وغير ذلك مما يتعلق بهذه الموضوعات، التي جميع الناس في أمَسّ الحاجة إليها، والموضوعات المتعلقة بتهذيب النفوس وترقيق القلوب وتصفيتها وتهذيبها من الأدواء والأمراض التي تحل بها هو أيضًا مجال واسع في هذا الباب. المجال العاشر: في الموضوعات الفقهية في العبادات والمعاملات: فيمكن أن تكون هناك الموضوعات المتعلقة ببعض الأحكام في الصلاة وببعض الأحكام في الطهارة والوضوء، وببعض أحكام الحج عند الحج، وبعض أحكام الصيام في وقت الصيام، وبعض هذه المسائل التي يقع الناس فيها في بعض القضايا، من أمور حياتهم العامة كموضوعات الربا وموضوعات بعض المعاملات غير الشرعية، لا بد أيضًا أن يتناولها الخطيب في خطبه بين فيْنة وأخرى.

стр. 37

المجال الحادي عشر: الموضوعات الفكرية المنهجية: التي يتحدث فيها عن منهج الإسلام وعن رسالة الإسلام وخصائصها، وعن المزايا والمحاسن الذي جاء بها هذا الدين، فله أن يتحدث على سبيل المثال عن الإنصاف في منهج الإسلام، وعن الوسطية في منهج الإسلام، الوسطية التي تعني الالتزام بالإسلام ككل وليس المقصود بالوسطية التمييع والتنازل عن ثوابت هذا الدين العظيم. ويمكن أن يتحدث عن الغزو الفكري الذي جاء من الأعداء وكيف نواجهه، وعن الأفكار والمصطلحات والأحداث وموقف الشرع منها: كالديمقراطية، والعلمانية والحداثة، والحضارة الغربية وموقف المسلم منها. المجال الثاني عشر: الموضوعات التربوية والدعوية: ومعنى ذلك معالجة الأخطاء في السلوكيات على وجه الخصوص؛ لأن التربية هي التقويم للأخطاء وهذا جزء أساسي منها، فيمكن باستمرار أن يكون هناك عرض من خلال بعض الموضوعات لبعض الأخطاء التي يقع فيها الناس عادة، سواء كانت بعض الأخطاء في الحياة الاجتماعية أو في الحياة المتعلقة بالناحية العلمية، وارتباطها بهذا الدين، وكذلك بعض الأمور المتعلقة بالدعوة إلى الله . * هذه بعض الموضوعات الكلية، ويمكن تقسيم كل موضوع منها إلى موضوعات جزئية في كل موضوع منها خطب كثيرة. فبإمكان الخطيب أن يضع تحت كل مجال من هذه المجالات عشرة عناوين، فسيصبح عنده عشرين ومائة من الموضوعات والعناوين؛ لأن المجالات المذكورة اثنا عشر مجالًا، وعشرة مواضيع تحت كل مجال يصبح لدينا مائة وعشرين موضوعًا، تكفيه أكثر من سنتين، ويحتاج أن ينوع بينها فلذلك ضع عشرة شخصيات وعشرة أحداث، وعشرة مناسبات وهكذا ستجد عندك قائمة واسعة لن تحتار بإذن الله في اختيار الموضوع بعدها.

стр. 38

فالخطيب إذا عمل هذا التقسيم، ورتبه في خطة محكمة؛ بحيث يتعرض في كل جمعة لموضوع من هذه الموضوعات فإنه يُعَلم الناس مجمل الشريعة، ويُطْلِعْهُم على ما يحتاجون إليه في معادهم ومعاشهم، ويريح نفسه بحصر ذهنه عن الاختيار في موضوع واحد بدل التشتت في موضوعات كثيرة. وعلى كل حال فإن حرص الخطيب، وجدّه في اختيار موضوعات خطبه، واستفادته من خطبه، واستفادته من الخطباء الآخرين سيعينه في هذا المجال كثيرًا، كما أن اطلاع الخطيب، وغزارة علمه، واجتهاده في تحصيل العلم وطلبه، ومعرفته بأحوال الناس، وتلمس حاجاتهم، وقربه منهم، يجعله قريبًا من قلوبهم، عارفًا بهمومهم، قادرًا على معالجة مشكلاتهم، في كل أسبوع يصعد درجات المنبر، ويخطب فيهم وهم له منصتون. وإذا كان الخطيب كذلك فإن المصلين سيشتاقون إلى الجمعة، وينتظرون خطيبهم برغبة كبيرة، ويفرحون بإطلالته عليهم، مما يجعل الخطيب قريبًا من مستمعيه، وهذا حقيق بأن يجعل الخطبة تؤتي ثمارها، وتظهر فائدتها التي شرعت من أجلها.

стр. 39

ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة • أولاً: حسن اختيار الموضوع: إن موضوع الخطبة هو لبُّها وروحها وبحسب الموضوع يكون أثر الخطبة، والخطيب الذي يقدر سامعيه ويحترمهم ويقدر أوقاتهم ويضن بها أن تضيِع في غير فائدة يحرص غاية الحرص على موضوع الخطبة ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يكون موضوعها نافعًا للناس ويتبدى فقه الخطيب وحسن اختياره للموضوعات في الملامح التالية: ١ - استحضار الهدف: إن من فقه الخطيب أن يكون مستحضرًا الهدف الذي يريد أن يتوصل إليه بخطبته ويكون ذلك الهدف مشروعًا وبحسب ذلك الهدف يبني خطبته وينظم عقدها، ويكون مقتنعًا بذلك الهدف فيكون اختياره للموضوع نابعًا من صلاحيته للعرض على الناس ومقدار النفع المتوقع لهم منه، لا أن يكون ناتجًا عن اندفاع عاطفي أو رغبة في إرضاء جمهور الناس فبعض الخطباء ـ شعروا أو لم يشعروا ـ يهتمون بطرح ما يرضي الناس وما يرغبون فيه، فيكون المؤثر في الخطيب الناس، بينما المفترض العكس. ويمكن أن يِكون هناك نوعان من الأهداف: أ - أهداف بعيدة المدى: بحيث يجعل الخطيب في الحي أو البلدة أو القرية مجموعة من الأهداف يسعى لتحقيقها في حيِّه أو بلدته فيرسم معالم للتغيير الذي ينشده وطرائق لمعالجات الواقع في مجتمعه مراعيًا في ذلك الموازنة من جلب المصالح ودرء المفاسد، ويكون وضع هذه الأهداف في ضوء دراسته للبيئة التي يعيش فيها.

стр. 40

ب - الأهداف الخاصة بكل خطبة: بحيث يكون الخطيب قاصدًا لأهداف يريد تحقيقها وغايات وأغراض يريد الوصول إليها. ٢ - أن تكون الخطبة صادرة من شعور قلبي صادق: إن أحسن الخطب وأفضلها وأكثرها نفعًا وفائدة ما كان صادرًا من شعور الخطيب وإحساسه بأهمية الموضوع وبمقدار حاجة الناس إليِه، فالداعية رحيم بالناس مشفق عليهم. ٣ - اختيار الوقت المناسب للموضوع: إن من المداخل الجيدة للموضوعات الخطابية يوم الجمعة أن يكون السياق الزمني داعيًا لها وإذا استغل الخطيب ذلك الظرف كان لخطبته أثر كبير مثال ذلك: لو كانت الأمة في حالة خوف وفي خضم أمر عظيم دهمها فركنت إلى القوى المادية فخطب الخطيب عن التوكل على الله وأهميته وأن اتخاذ الأسباب لا ينافي ذلك لَوَقع الموضوعُ في نفوسهم موقعه، ولَرَسخ في الأذهان ورَدّ الناس إلى الموقف الرشيد. ومن مراعاة الوقت أن يختار لكل موسم ما يصلح له، فلرمضان من الخصائص ما ليس لغيره من الشهور، وفيه من الوظائف الشرعية ما ليس في غيره فتكون الخطب في جُمَعه مراعية للظرف، وليس من الحكمة في شيء أن يخطب الإنسان بعد نهاية الظرف المناسب للموضوع عن الموضوع (فقد خطب أحد الخطباء عن ليلة القدر يوم الثلاثين من رمضان، وليس هناك أمل بإدراك هذه الليلة في تلك السنة). ٤ - التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية: ومن فقه الاختيار التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية، وعدم تضخيم الجزئيات على حساب الكليات الأصول. ومع أن هناك بعض الجزئيات أو الفروع التي قَد يرى الخطيب وجوب بيانها للناس، إلا أنه لابد من التأكيد على ربط تلك الجزئية بالكليات العامة، وهذا الربط له أثره في بيان حكم الأمر والنهي والحض على الالتزام بالأمر، واجتناب النهي، وإذا جعل الخطيب مدخله إلى الجزئيات أمورًا كلية كان ذلك أدعى لقبول القول.
следующие страницы →