← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المجال الثامن: مجال الأخلاق الإسلامية: وهو مجال واضح سواء من ناحية تأصيلها والكلام عنها وعن ربطها بالإيمان وربطها بالعبادة وأنها جزء لا يتجزأ من هذا الدين، أو بضرب أمثلة منها بأن يكوِّن موضوعًا عن الصبر وموضوعًا عن الحلم وموضوعًا عن الأخلاق الأخرى كالوفاء بالوعد وغيرها من الأخلاق، فهناك عدد كبير من هذه الموضوعات. المجال التاسع: الموضوعات الإيمانية: التي فيها ترقيق القلوب والتذكير بالآخرة وذكر أوصاف الجنة، وأهوال النار، وصف أهلهما، أعمال أهلهما، الطريق الموصلة إليهما. والفتن والملاحم وأشراط الساعة: وكل فتنة أو ملحمة أو علامة من علامات الساعة الكبرى صالحة لأن تكون خطبة مستقلة، بل ربما أكثر من خطبة، لغزارة ما فيها من نصوص ومعلومات شرعية. وكذلك القيامة وأحوالها: وفيها من الموضوعات شيء كثير: الصراط، الميزان، البعث، الحساب، الصراط، الحشر، وغير ذلك مما يتعلق بهذه الموضوعات، التي جميع الناس في أمَسّ الحاجة إليها، والموضوعات المتعلقة بتهذيب النفوس وترقيق القلوب وتصفيتها وتهذيبها من الأدواء والأمراض التي تحل بها هو أيضًا مجال واسع في هذا الباب. المجال العاشر: في الموضوعات الفقهية في العبادات والمعاملات: فيمكن أن تكون هناك الموضوعات المتعلقة ببعض الأحكام في الصلاة وببعض الأحكام في الطهارة والوضوء، وببعض أحكام الحج عند الحج، وبعض أحكام الصيام في وقت الصيام، وبعض هذه المسائل التي يقع الناس فيها في بعض القضايا، من أمور حياتهم العامة كموضوعات الربا وموضوعات بعض المعاملات غير الشرعية، لا بد أيضًا أن يتناولها الخطيب في خطبه بين فيْنة وأخرى.

стр. 37

المجال الحادي عشر: الموضوعات الفكرية المنهجية: التي يتحدث فيها عن منهج الإسلام وعن رسالة الإسلام وخصائصها، وعن المزايا والمحاسن الذي جاء بها هذا الدين، فله أن يتحدث على سبيل المثال عن الإنصاف في منهج الإسلام، وعن الوسطية في منهج الإسلام، الوسطية التي تعني الالتزام بالإسلام ككل وليس المقصود بالوسطية التمييع والتنازل عن ثوابت هذا الدين العظيم. ويمكن أن يتحدث عن الغزو الفكري الذي جاء من الأعداء وكيف نواجهه، وعن الأفكار والمصطلحات والأحداث وموقف الشرع منها: كالديمقراطية، والعلمانية والحداثة، والحضارة الغربية وموقف المسلم منها. المجال الثاني عشر: الموضوعات التربوية والدعوية: ومعنى ذلك معالجة الأخطاء في السلوكيات على وجه الخصوص؛ لأن التربية هي التقويم للأخطاء وهذا جزء أساسي منها، فيمكن باستمرار أن يكون هناك عرض من خلال بعض الموضوعات لبعض الأخطاء التي يقع فيها الناس عادة، سواء كانت بعض الأخطاء في الحياة الاجتماعية أو في الحياة المتعلقة بالناحية العلمية، وارتباطها بهذا الدين، وكذلك بعض الأمور المتعلقة بالدعوة إلى الله . * هذه بعض الموضوعات الكلية، ويمكن تقسيم كل موضوع منها إلى موضوعات جزئية في كل موضوع منها خطب كثيرة. فبإمكان الخطيب أن يضع تحت كل مجال من هذه المجالات عشرة عناوين، فسيصبح عنده عشرين ومائة من الموضوعات والعناوين؛ لأن المجالات المذكورة اثنا عشر مجالًا، وعشرة مواضيع تحت كل مجال يصبح لدينا مائة وعشرين موضوعًا، تكفيه أكثر من سنتين، ويحتاج أن ينوع بينها فلذلك ضع عشرة شخصيات وعشرة أحداث، وعشرة مناسبات وهكذا ستجد عندك قائمة واسعة لن تحتار بإذن الله في اختيار الموضوع بعدها.

стр. 38

فالخطيب إذا عمل هذا التقسيم، ورتبه في خطة محكمة؛ بحيث يتعرض في كل جمعة لموضوع من هذه الموضوعات فإنه يُعَلم الناس مجمل الشريعة، ويُطْلِعْهُم على ما يحتاجون إليه في معادهم ومعاشهم، ويريح نفسه بحصر ذهنه عن الاختيار في موضوع واحد بدل التشتت في موضوعات كثيرة. وعلى كل حال فإن حرص الخطيب، وجدّه في اختيار موضوعات خطبه، واستفادته من خطبه، واستفادته من الخطباء الآخرين سيعينه في هذا المجال كثيرًا، كما أن اطلاع الخطيب، وغزارة علمه، واجتهاده في تحصيل العلم وطلبه، ومعرفته بأحوال الناس، وتلمس حاجاتهم، وقربه منهم، يجعله قريبًا من قلوبهم، عارفًا بهمومهم، قادرًا على معالجة مشكلاتهم، في كل أسبوع يصعد درجات المنبر، ويخطب فيهم وهم له منصتون. وإذا كان الخطيب كذلك فإن المصلين سيشتاقون إلى الجمعة، وينتظرون خطيبهم برغبة كبيرة، ويفرحون بإطلالته عليهم، مما يجعل الخطيب قريبًا من مستمعيه، وهذا حقيق بأن يجعل الخطبة تؤتي ثمارها، وتظهر فائدتها التي شرعت من أجلها.

стр. 39

ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة • أولاً: حسن اختيار الموضوع: إن موضوع الخطبة هو لبُّها وروحها وبحسب الموضوع يكون أثر الخطبة، والخطيب الذي يقدر سامعيه ويحترمهم ويقدر أوقاتهم ويضن بها أن تضيِع في غير فائدة يحرص غاية الحرص على موضوع الخطبة ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يكون موضوعها نافعًا للناس ويتبدى فقه الخطيب وحسن اختياره للموضوعات في الملامح التالية: ١ - استحضار الهدف: إن من فقه الخطيب أن يكون مستحضرًا الهدف الذي يريد أن يتوصل إليه بخطبته ويكون ذلك الهدف مشروعًا وبحسب ذلك الهدف يبني خطبته وينظم عقدها، ويكون مقتنعًا بذلك الهدف فيكون اختياره للموضوع نابعًا من صلاحيته للعرض على الناس ومقدار النفع المتوقع لهم منه، لا أن يكون ناتجًا عن اندفاع عاطفي أو رغبة في إرضاء جمهور الناس فبعض الخطباء ـ شعروا أو لم يشعروا ـ يهتمون بطرح ما يرضي الناس وما يرغبون فيه، فيكون المؤثر في الخطيب الناس، بينما المفترض العكس. ويمكن أن يِكون هناك نوعان من الأهداف: أ - أهداف بعيدة المدى: بحيث يجعل الخطيب في الحي أو البلدة أو القرية مجموعة من الأهداف يسعى لتحقيقها في حيِّه أو بلدته فيرسم معالم للتغيير الذي ينشده وطرائق لمعالجات الواقع في مجتمعه مراعيًا في ذلك الموازنة من جلب المصالح ودرء المفاسد، ويكون وضع هذه الأهداف في ضوء دراسته للبيئة التي يعيش فيها.

стр. 40

ب - الأهداف الخاصة بكل خطبة: بحيث يكون الخطيب قاصدًا لأهداف يريد تحقيقها وغايات وأغراض يريد الوصول إليها. ٢ - أن تكون الخطبة صادرة من شعور قلبي صادق: إن أحسن الخطب وأفضلها وأكثرها نفعًا وفائدة ما كان صادرًا من شعور الخطيب وإحساسه بأهمية الموضوع وبمقدار حاجة الناس إليِه، فالداعية رحيم بالناس مشفق عليهم. ٣ - اختيار الوقت المناسب للموضوع: إن من المداخل الجيدة للموضوعات الخطابية يوم الجمعة أن يكون السياق الزمني داعيًا لها وإذا استغل الخطيب ذلك الظرف كان لخطبته أثر كبير مثال ذلك: لو كانت الأمة في حالة خوف وفي خضم أمر عظيم دهمها فركنت إلى القوى المادية فخطب الخطيب عن التوكل على الله وأهميته وأن اتخاذ الأسباب لا ينافي ذلك لَوَقع الموضوعُ في نفوسهم موقعه، ولَرَسخ في الأذهان ورَدّ الناس إلى الموقف الرشيد. ومن مراعاة الوقت أن يختار لكل موسم ما يصلح له، فلرمضان من الخصائص ما ليس لغيره من الشهور، وفيه من الوظائف الشرعية ما ليس في غيره فتكون الخطب في جُمَعه مراعية للظرف، وليس من الحكمة في شيء أن يخطب الإنسان بعد نهاية الظرف المناسب للموضوع عن الموضوع (فقد خطب أحد الخطباء عن ليلة القدر يوم الثلاثين من رمضان، وليس هناك أمل بإدراك هذه الليلة في تلك السنة). ٤ - التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية: ومن فقه الاختيار التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية، وعدم تضخيم الجزئيات على حساب الكليات الأصول. ومع أن هناك بعض الجزئيات أو الفروع التي قَد يرى الخطيب وجوب بيانها للناس، إلا أنه لابد من التأكيد على ربط تلك الجزئية بالكليات العامة، وهذا الربط له أثره في بيان حكم الأمر والنهي والحض على الالتزام بالأمر، واجتناب النهي، وإذا جعل الخطيب مدخله إلى الجزئيات أمورًا كلية كان ذلك أدعى لقبول القول.

стр. 41

مثال ذلك: تكلم خطيب عن حلق اللحية وحرمة ذلك بالنصوص، ونقل أقوال أهل العلم، وتكلم آخر عن نفس الموضوع جاعلًا المدخل من خلال قضيتين: الأولى: وجوب تعظيم السنة والتزام أمر النبي ﵌. الثانية: حرمة التشبه بالكفار، وعزة المسلم بمظهره ودينه وشعائره الظاهرة، ودلف إلى موضوع اللحية بعد أن أصَّل هذين الموضوعين فكان لخطبة الثاني من الأثر والقبول ما ليس لخطبة الأول. وهذا الربط موجود في النصوص ذاتها فالنبي ﵌ يقول في أمر اللحية: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى»، «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (رواهما مسلم). فأكد على موضوع المنع من التشبه. ٥ - الحرص على عدم التكرار إلا لحاجة: ينزع بعض الخطباء إلى تكرار خطبهم كل سنة، ميلًا إلى الدَعَة ورغبةً عن البحث والاطلاع؛ فيقع أسيرًا لبضعة مواضيع قد تكون هامة وقد لا تكون، ليطلع بها علي الناس كل أسبوع مما يحدث الملل لدى الجمهور الذي يعاني من تكرار الخطب التي لا جديد فيها، ويؤدي إلى إهدار قيمة هذا المنبر الخطير. ومن التكرار: أ- تكرار الخطبة الثانية: إذ يلتزم البعض خطبة واحدة محفوظة لا تتغير ولا تتبدل طوال العام وهذا لم يَرِدْ في السُّنَّة، فهو أخذ لوقت الناس بدون فائدة، بل يسمعون كلامًا حفظوه لكثرة ترداده. نعم من المشروع أن يذكر في خطبه بعض الجمل الجامعة التي كان يكررها النبي ﵌ مثل قوله: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه مسلم). ولكن ذلك لما تحويه هذه الجمل من الوصايا الجامعة الشاملة وأما ترديد غيرها مما لم تَرِدْ به السُّنَّة فغير محمود.

стр. 42

ب- تكرار الخطب في المناسبات: ففي رمضان يخطب الخطيب في الأول عن البشارة برمضان، ثم يُثَنّي بالكلام عن أحكام الصيام، ثم يُثَلّث بالكلام عن العشر الأواخر وفضلها ويختم بالكلام عن أحكام صدقة الفطر. وكل ذلك خير ولكن يمكن أن يُنوّع الإنسان بين السنين فيخطب مثلًا عن القرآن ورمضان، وعن غزوات الرسول في رمضان، وعن استثمار رمضان في إصلاح الذات، وعن استثمار رمضان في إصلاح الآخرين، فيُنوع في خطبه ليتحقق بذلك استفادة الناس، خصوصًا أنهم يسمعون الكلام عن الأحكام من خلال أحاديث بعد صلاة العصر في المساجد. ٦ - التبكير بالاختيار: إن الخطيب إذا بكر في الاختيار كان ذلك أدعى لضبط الموضوع، حيث يصبح همًا للخطيب طوال الأسبوع، يبحث عن مراجعه، ويدوّن بعض الملاحظات عنه، ويستفهم، ويسأل أهل العلم عن جوانبه المستغلقة، فيخرج الموضوع وقد تم نضجه واستوى على سوقه. ويزداد الأمر جودة إذا كان الخطيب قد وضع سُلّمًا لأولويات ما يخطب عنه، وحرص على إيجاد دفتر ملاحظات خاص يدون فيه ما يأتي على باله من موضوعات يراها جديرة بالطرح. ٧ - الشمولية: إن الإسلام دين شامل ينظم الحياة كلها، وهذا الشمول سمة من سماته الرئيسة، وخطيب الجمعة حين يختار موضوعاته للناس يجب أن يراعي هذه السمة فلا يكون موغلا في بيان جانب من الجوانب يركز عليه ويغفل ما سواه. إن الناس يحتاجون إلى بيان أمور الاعتقاد، ويحتاجون إلى تعليم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، كما يحتاجون للوعظ والرقائق، بل وإلى بيان أحوال الأمم السابقة وما جرى بيِنهم وبيِن أنبيائهم واستخلاص عبر تلك الأحداث ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: ١١١).

стр. 43

والله ساق قصصهم في القران الكريم ليكون في ذلك العبرة والذكرى للمؤمنين، وأمر رسول الله ﵌ أن يذكر الناس بأيام الله فقال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم: ٥). ومن الملاحظ أن الخطيب قد يكون متخصصًا في أمر أو مهتمًا بأمر فيركز عليه، كأن يكون متخصصًا في الفقه فتكون خطبه كلها فقهية، أو واعظًا فتكون جل خطبه عن المنكرات، وقَد تكون نفسه مائلة إلى جانب فيركز عليه، فتجد من الخطباء من هو دائم الترهيب والتخويف ومن هو دائم الترغيب، ومن حكمة الخطيب أن يجمع في خطبة بين الترغيبِ والترهيب، وبين التعليم والوعظ، وبين الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. • ثانيًا: حسن الإعداد: إن الخطيب الذي يقدر العمل الذي يقوم به، هو ذلك الرجل الذي يعتني بما يقول ويحضر لما يقول. مراحل العمل في إعداد الخطبة في: ١ - القراءة في الموضوع: بعد اختيار الموضوع الذي يوَدّ الخطيب طرحه يحسن به أن يقرأ ما كتب عن الموضوع، أو بعض ما كتب، فمن شأن تلك القراءة أن تثري الخطبة وتجعل الخطيب مُلِمًّا بجوانب الموضوع، إذ ليس الأمر قاصرًا على مجرد الخطبة بل ربما سُئل عن جوانب من الموضوع. ٢ - جمع النصوص: إن الخطيب حين يخطب عن موضوع إنما يريد بيان حكم الله فيه، أو يريد بيان ما أعد الله لأوليائه وما أعد لأعدائه، أو يريد بيان صفات الله أو أسمائه، أو غير هذه الموضوعات التي قيامها على معرفة ما قال الله وقال رسوله ﵌. ويبدأ الخطيب بجمع الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بهذا الموضوع، ويستعين على ذلك بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم أو ببرامج الحاسب

стр. 44

الآلي، فمثلًا إذا أراد أن يخطب عن التقوى رجع إلى المعجم ليستخرج الآيات الدائرة حول هذا الموضوع. ثم يجمع الأحاديث النبوية المتعلقة بالموضوع. ولا يعني جمع هذه النصوص أن يذكرها كلها في الخطبة ولكن اطلاعه علبها يجعله مُلِمًّا بأطراف الموضوع ليطرحه من الجهة الأكثر تأثيرًا في نفوس الناس. ٣ - الرجوع إلى أقوال أهل العلم: وتبدأ هذه المرحلة بالرجوع إلى أقوال المفسرين للآيات التي اختارها الخطيب، والتي تعالج الموضوع الذي يطرحه، ثم الرجوع إلى شُرّاح الحديث أيضًا. وبعد ذلك يراجع كتب أهل العلم في مظان الموضوع الذي يطرحه، فعلى سبيل المثال إذا كان الموضوع عقديًا رجع إلى كتب العقيدة، واستفاد من فهارس تلك الكتب للاهتداء لما يريد، وإذا كان الموضوع فقهيًا رجع إلى كتب الفقه. وإذا كان الموضوع في الآداب رجع إلى كتب الآداب، وقد يكون في الموضوع كتاب مفرد، فإن كان فذلك أفضل وأنفع للخطيب. ثم إذا كان الموضوع عن ظاهرة معاصرة حسن بالخطيب أن يراجع كلام المعاصرين، ويذكر بعض الإحصائيات التي تزيد الموضوع ثراءً والسامع إقناعًا. ٤ - ضم الموضوع في نسق واحد: وبعد مرحلة الجمع هذه يضم الخطيب زبدة ما جمع في نسق واحد، فيضع مخططًا للأفكار التي يريد طرحها، ويكتب خطبته بناء على هذا المخطط ويراعي تسلسل الأفكار، وترابط الجمل والعبارات. • ثالثًا: وحدة الموضوع وترابطه: ١ - وحدة الموضوع: إن مما يساعد على الفهم لما يُقال في خطبة الجمعة توحيد الفكرة التي يدور عليها موضوع الخطبة؛ إذ من الملاحظ: أن بعض الخطباء يجعلون الخطبة مسحًا لجملة من الموضوعات وهذا خطأ إلا في المناسبات العامة التي يُراد فيها التذكير كالأعياد وخطبة عرفة ونحوها، وتعدد موضوعات الخطبة

стр. 45

والاستطرادات الكثيرة فيها بالخروج من موضوع إلى موضوع له عدة مساوئ من ضمنها: أ - تشتيت ذهن السامع وجعله في حيرة من أمره، فلا يستطيع التركيز في الفهم فيخرج بدون فائدة واضحة قيمة مما سمع. ب - ازدحام الموضوعات في ذهن السامع وكثرتها بحيث يُنسي بعضها بعضًا. جـ - أن من شأن الخطبة التي تعالَج فيها موضوعات عدة أن تكون المعالجة لما يطرح فيها معالجة سطحية مسحية عاجلة لا تضع كما يقال (النقاط على الحروف) فتوجد إشكالات في ذهن السامع لا يجد إجابة لها بعكس التركيز على فكرة أو موضوع، فمن شأن ذلك أن يجعل الخطيب يوفي الموضع حقه. ٢ - ترابط أجزاء الخطبة: إن تنافر جزئيات الخطبة ينفر السامع وترابطها يربط على قلب السامع وعقله فيتحقق له الفن، ومما يحقق ذلك الترابط ما يلي: أ - أن يقسم الخطيب الخطبة بشكل منظم فإذا طرح القضية التي لها جوانب عدة فصلها بحسب تلك الجوانب ورقمها فيقول: الجانب الأول ... الجانب الثاني ... وهلم جرا. وإذا استدل بجملة أدلة رقمها فقال: الدليل الأول .. الدليل الثاني. ب - أن تكون الخطبة متسلسلة تسلسلًا علميًا يسهل على الناس الفهم، فإذا تكلم الخطيب عن ظاهرة اجتماعية شخّصها قبل بيان الحكم. جـ - أن ينتقل من الحقائق المعلومة عن الجميع إلى ما يريد الحديث عنه، ولا يطيل الوقوف عند ما يتفق عليه الناس، فإذا تكلم عن الموت فإنه لا يحتاج إلى مزيد كلام حول أن الموت واقعُ لا محالة، ولكنه يحتاج إلى حث الناس على العمل لما بعد الموت، فتذكيرهم به إنما هو من أجل الحث على العمل.

стр. 46

د - أن يجعل الموضوع الطويل مقسمًا على جُمَع متعددة ليعالج الموضوع من جميع جوانبه ولا يكون ذلك إلا للموضوعات التي لابد من علاج جميع جوانبها والتي تَكتسب أهمية خاصة. • رابعَا: مراعاة القدرة: ١ - مراعاة قدرة الخطيب على البيان: إن العلم درجات ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلم عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦)، والله قد أمر نبيه أن يسأله أن يزيده علمًا فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلما﴾ (طه: ١١٤)، وليس الخطيب قادرًا على كل الموضوعات التي يريد طرحها إما لقلة علمه في الجملة وإما لقلة علمه في موضوع معين، فإذا رأى الخطيب من نفسه ذلك فعليه ألا يتكلم في موضوع هو غير قادر على بيانه وتوضيحه أو غير عالم بجوانبه التي يجب طرحها على الناس. وحين يوجد ذلك فالأفضل أن يستعين الخطيب بكتاب فيه خطب لعالم موثوق فيخطب بما فيه، ولا ينشئ كلامًا في موضوع لا يحسن هو الكلام فيه والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) هذا إذا لم يكن ثمة قادر على الخطابة، وإلا فالقادر أحق بالخطابة. ٢ - مراعاة قدرة الناس على الفهم: إن الناس تتباين عقولهم، وتختلف فهومهم، فهم على درجات في الفهم، والخطيب يخاطب أناسًا كثرًا، فكان واجبًا عليه مراعاة قدرة الناس على فهم ما يقول لئلا يصير ذلك القول فتنة لهم، مثال ذلك: تكليم الناس في دقائق العلوم وصعاب المسائل التي لاتصل إليها أفهامهم ولا تدركها عقولهم، كمن يحدث عوام الناس بدقائق المسائل في القضاء والقدر وهي مسائل لا يصلح ذكرها لعوام الناس ولا يدركها إلا خواصهم. فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ» (رواه البخاري).فنهى عن تحديت الناس بما لا يعقلون حتى لا يؤدي ذلك إلى تكذيب اللهِ ورسولِه ﵌.

стр. 47

وعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (رواه مسلم). إن تحديت الناس بما لا يعقلون ولا يدركون يؤدي إلى نتائج سيئة منها: أن يفهم السامع الكلام على غير وجهه فيفتن بأحد أمرين: أ - التكذيب بالحق. ... ب - العمل بالباطل. • خامسًا: مراعاة الأحوال: إن من الحكمة المأمور بها في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالموْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل:١٢٥). مراعاة الحال والمقام. ويحسن بالخطيب: ١ - مراعاة أحوال الأمة العامة: إن الأمة تمر بأحوال مختلفة كل حال تستدعى من الخطابة ما يناسبها، فإن حالة الحرب تستدعي من التركيز على موضوعات معينة ما لا يستدعيه حال السلم، فيركز الخطيب على الصبر، وجمع الكلمة، والجهاد، والتوكل على الله، وعدم الركون للكافرين. كما أن حال الأمن والرغد تستدعي التذكير بالنعم والأمر بالشكر والتحذير من كفران النعم، وبيان قصص السابقين الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار. ٢ - مراعاة حال المصلين في المسجد: إن المساجد يختلف روادها باعتبارات كثيرة وعليه فإن المسجد الذي يرتاده مدرسو الجامعات غير الذي يرتاده طلابها والمسجد الذي يرتاده العمال غير المثقفين غير الذي يرتاده المتعلمون، والمسجد الذي يرتاده الزراع غير المسجد الذي يرتاده الصناع.

стр. 48

فمن الحكمة أن يختار الخطيب من الموضوعات ما يتناسب مع المصلين، بل قد يكون موضوع واحد يُعالَج من أوجه عدة بحسب حال المصلين، فالزكاة يركز فيها عند المزارعين على زكاة الزروع والثمار، وعند التجار على زكاة الأثمان وعروض التجارة وهكذا. • سادسًا: الموازنة بين المتقابلات: ١ - الموازنة بين البشارة والنذارة: إن بعض الناس يكون ذا طبيعة نفسية مائلة إلى جانب التبشير أو جانب التخويف، فيؤثر ذلك على خطبه، فيميل مثلًا إلى جانب الإنذار والتخويف دومًا، فنراه يشيع في الناس ـ على سبيل المثال ـ الكلام عن فساد الناس وضياع الدين واندراس السنن، وإن مستقبل الناس يزداد شرًا وأن الأعداء يملكون زمام العالم ... إلخ. وهذا الاقتصار يبعث اليأس في النفوس ويحطم حيوتيها ونشاطها للعمل الإسلامي، والحكمة أن يوازن الإنسان بين البشارة والنذارة، ولذلك جمع الله للرسول بين هذين العملين فقال: ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (البقرة: ٢١٣) ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (النساء آية٢١٣). فهم يبشرون في مواضع البشارة، وينذرون في مواضع النذارة، ويجمعون بينهما في مواضع الجمع. إن حالات الإنذار يحتاجها الناس عندما يركنون إلى الدنيا وحظوظها فهو أسلوب تخويف مع من لم يرفع بدين الله رأسًا، وأما التبشير فإنه يتوجه للمتقين الطائعين. ويحتَاج الناس للتبشير وبعث الأمل في النفوس حين الاضطراب والضعف والخوف والبلاء، ولذلك لما كان النبي ﵌ مضطربا بعد نزول الوحي عليه بشرته أم المؤمنين خديجة ﵄ بما يُزِيل عنه دواعي الاضطراب وأسباب الخوف فقالت:

стр. 49

«كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا؛ فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (رواه البخاري). وكان النبي ﵌ يبشر أصحابه بالرفعة والظهور على الأديِان وهم في أشد حالات الضعف، وأعداؤهم متسلطون عليهم فقد قال ﵌: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ» (صحيح رواه الإمام أحمد). إن الموازنة بين البشارة والنذارة من الحكمة في الدعوة التي أمر الله بها ومن اتباع سنة سيد المرسلين ﵌ وفيه مراعاة لأحوال الناس ونفوسهم. وهنا يجب التنبيه إلى أمر، وهو أن بعض الناس يذكر في سياق الترهيب من جرم أو ذنب بعض آيات الوعيد، ثم يعقب في خطبته ببيان أن ذلك الوعيد ليس محمولًا على معناه المتبادر، وإنما لا بد له من تأويل مثال ذلك: قد يذكر الخطيب حديثَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (رواه البخاري ومسلم)، فيذكر قول السلف في معنى الحديث وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وهذا حق، ولكنه يُضْعِف أثر الحديث في النفوس، ولذلك لو فرق بين حال التعليم وحال الوعظ وأنه حين الوعظ تُذكر نصوص الوعيد كما جاءت، وأما في حالة التعليم وبيان الحكم فلا بد من البيان. ٢ - الموازنة بين المصالح والمفاسد: إن الخطيب بحاجة إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد ومعرفة رتب المصالح والمفاسد حتى يوازن بين مصلحة كلامه وما قد يترتب عليه من المفاسد، وذلك أن قيام الشريعة إنما هو على جلب المصالح ودرء المفاسد.

стр. 50

وهذه المصالح والمفاسد فد تختلط فيكون الفعل الواحد أو القول الواحد مصلحة من وجه ومفسدة من وجه آخر، أو مصلحة مشوبة بشيء من المفاسد أو العكس أو هي مصالح أو مفاسد في حال دون حال. وتعارض المصالح والمفاسد عالجه الشارع فأمر: أ - بارتكاب أدنى الفسادين للسلامة من أعلاهما. ب - وبإهدار إحدى المصلحتين لتحصيل أعلاهما. ت- وبتقديم درء المفاسد على جلب المصالح. ث - وبالنظر في مآلات الأمور وعواقبها. ولذلك فإنه يجب على الخطيب ألا يدفع الفساد بمفسدة أعظم إذ لا يجوز رفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا يدفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يُجمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا. إن موضوعًا من الموضوعات قد لا يصلح أن يعرضه الخطيب في وقت أو حال لما يترتب على عرضه من مفاسد، بينما لو عرضه في وقت آخر أو حال أخرى كان مصلحة خالصة، والفقيه من وازن بين المصالح والمفاسد، فقال حين يحسن القول، وكَفَّ حين يَحْسُن الكَفّ. ٣ - الموازنة بين الجانب العاطفي والجانب العقلي: إن بعض الخطباء تصطبغ خطبتهم بالصبغة العاطفية البحتة، فلا تراه يجتهد لإقناع الناس بما يقول، وبعضهم تصطبغ خطبه بالصبغة العقلية البحتة فلا يثير عواطف الناس، وكِلا طرفَيْ قصْدِ الأمورِ ذميمُ. •

стр. 51

سابعًا: التثبت: إن خطبة الجمعة يحضرها أناس تختلف أقدارهم العلمية والعقلية وكلهم في الغالب يقف موقف المتلقي من الخطيبِ فكان واجبًا على الخطيب أن يتثبت مما يقول: ١ - التثبت من صحة النص الشرعي: فيجب على ناقل النص من السنة التثبت من صحته، لأن الخبر عن رسول الله ﵌ خبر عن الله ، وليس كذبًا على الله ورسوله ﵌ ككذب أحد على من سواهما، فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﵌ يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم). وعن سلمة ﵁ قال سمعت النبي ﵌ يِقول: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه البخاري). فعلى الخطيب إذا أراد أن يخطب أن يتثبت من صحة الأحاديث وذلك بمعرفة مخرِّجيها، فإن كانت في البخاري ومسلم أو أحدهما كان ذلك دليلا على صحتها وإن كانت في غيرهما اجتهد في البحث عن أقوال أهل العلم في الكلام عن الحديث. ولقد أتِىَ كثير من الخطباء الذين ينقلون نصوصًا غير صحيحة من اعتمادهم على المجاميع المعروفة باحتوائها على الصحيح والضعيف بل وما دونه، ككنز العمال والترغيبِ والترهيب، وما انتشار كثير من الأحاديث الموضوعة المحفوظة في أذهان الناس إلا بسبب تساهل بعض الخطباء والوعاظ ونقلهم لها دون تثبت وتبين. وعلى الخطيب أن يستعين بالكتب التي تبين مدى صحة الحديث، فلا يكفي مثلًا أن يذكر الكتاب أن الحديث رواه أبو داود أو الترمذي أو النسائي أو ابن ماجه مثلًا، بل لابد أن يذكر أن الحديث صحيح أو حسن أو ضعيف؛ لأن هذه الكتب وأمثالها فيها الصحيح والضعيف بل والموضوع.

стр. 52

٢ - التثبت في الفهم ووجه الاستدلال: إن النص قد يكون صحيحًا من جهة النقل ولكن الفهم المقلوب لذلك النص يحيل المراد. فكم مِنْ عَائِبٍ قولًا صحيحًا ... وآفَتُه مِنَ الفَهْمِ السقِيمِ وقد يأخذ من النص دلالة وهو غير مصيب، ولو راجع أقوال المفسرين وشروح العلماء لكتب الحديث لوقع على خبير بما يُؤخذ من النص وما يستفاد منه. وأما الاعتماد على ما يتبادر إلى الذهن من النص، فذلك موقع في الخطأ إذ القرآن يصدق بعضه بعضًا ويحتاج الذي يريد فهم نص إلى الرجوع للنصوص الأخرى وأقوال أهل العلم. ٣ - التثبت من سلامة نقل النص: ينقل الخطيب في موضع الاستشهاد شيئًا من الآيات القرآنية والأحاديثِ النبوية، ومن الواجب على الخطيبِ ألا يعتمد على حفظه فيما يتعلق بالآيات والأحاديث بل يراجعها لينقلها بلفظها إن كانت من القرآن وأما إن كانتْ من السنة فبلفظها إن أمكن أو بمعناها. ومن الملاحظ هنا: أن من الخطباء من يستشهد بنص قرآني فينقله نقلا غير صحيح فيحرف آيات التنزيل أو يلحن في تلاوة النص أو نحو ذلك وقَد يتلقى منه الناس ذلك الخطأ ويأخذونه مأخذ التسليم، وقد ينقل نصًا من السنة من حفظه فيخطئ بتقديم أو تأخير يؤثر في المعنى أو لحن يحيله، ولو راجع النص لسَلِم من ذلك. ٤ - التثبت من الأحكام الشرعية: إن من مهام الخطيب أن يبيِّن للناس الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين من حِلّ وحرمة ووجوب وندب وكراهة، وتزداد أهمية ذلك في بعض المواسم كمواسم رمضان والحج ونحو ذلك، ولا يصح لخطيب أن يذكر تلك الأحكام دون تثبت منها، فإن ذلك قول على الله بغير علم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

стр. 53

وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لم يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلمونَ﴾ (الأعراف آية ٣٣). وحق على الخطيب أن يراجع في كل موسم ما يناسب من أبواب الفقه، ففي رمضان أو قبله بقليل يراجع كتاب الصيام وكتاب الزكاة من كتب الفقه، وقبل موسم الحج يراجع كتاب الحج ويراجع أحكام العشر من ذي الحجة وأيام التشريق وهكذا. هذا إن كان أهلًا وقادرًا على الفهم، وأما إن لم يكن كذلك فعليه أن يقرأ فتاوى أهل العلم إذا أراد بيان شيء للناس من على المنبر، ويحيل إلى تلك الفتاوى الموثقة مسندة إلى مراجعها. ٥ - التثبت من الأخبار: قد ينقل الخطيب في أثناء خطبته للناس حدثًا من الأحداث يريد أن يكون مدخلًا للموضوع، وهذا الأسلوب أسلوب حسن لأنه يشد الناس ويلفت أنظارهم للموضوع؛ لأن من طبيعة غالب البشر حب القصص وتأثرهم بها، ثم تكون تلك القصة وسيلة للفهم لأنها تُجسد المعاني في أشياء واقعية ولكن تلك القصص والأخبار تحتاج إلى جملة ضوابط منها ـ فيما نحن بصدده ـ التثبت، وهو خلق نبيل دعا إليه الإسلام، يقول اللَه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦). والعاقل لا يعتمد على نُقول الناس وأقوالهم، فإن تناقل القول ليس دليلًا على صحته، وفوق أن التثبت فضيلة والنقل من الناس بدونه رذيلة، قد يكون حديث الخطيب عن خبر لا يصدق ولا يثبت سببًا لفقدان مصداقيتِه عند الناس؛ فلا يأخذون قوله، ولا يتقبلونه إلا بنوع من الشك. وتزداد أهمية التثبت بشكل عام حين وقوع الفتن واضطراب الأحوال، وتبلبل الأذهان فإن ذلك إذا وقع في زمان ما أوجب التثبت والتبيين لما يستَدعيه زمن الفتن والشرور من كثرة الكذب والافتراء.

стр. 54

• ثامنًا: معالجة مشكلات الأمة: إن الناظر في المجتمعات المسلمة اليوم يجد أنها تزخر بألوان من المشكلات فمنها المشكلات العقدية كالحكم بغير ما أنزل الله وعبادة القبور والنذر لأصحابها، ومنها المشكلات الاجتماعية كغلاء المهور والعنوسة. ومنها المشكلات الاقتصادية، ومنها المشكلات الأخلاقية كالرشوة، ومنها المشكلات المتعلقة بقضايا الأمة العامة كتفشي الظلم والمنكرات العامة وغير ذلك، ومنها المشكلات النفسية كمشكلات القلق والإحساس بالضيق النفسي ونحو ذلك. والخطيب كالطبيب فهو يعالج هذه المشكلات، بل حقيق به أن يتلمس مشكلات الناس ليساعد في حلها، ولكن يحسن التنبيه إلى جملة ملاحظ تتعلق بهذا الموضوع: ١ - أنه يجب على الخطيبِ أن تكون معالجته للمشكلات على المنبر منضبطة بالضوابط الشرعية المعلومة في إنكار المنكر: ومن ذلك: أ - الإخلاص لله . ب - مراعاة المصالح والمفاسد. ت - العلم بأن ما يريد النهي عنه منكر أو ما يريد الأمر به معروف. ث- المعالجة للأمر بالحكمة والموعظة الحسنة. ٢ - أن يتوجه إلى الناس بما يستطيعون القيام به: فلا يخاطب العوام بما يخرج عن قدرتهم، أو بمنكر ليسوا هم القائمين عليه، أو يخاطبهم عن المنكر العام الذي فعله غيرهم من الجهة التي لا تدخل تحت قدرتهم؛ فإن من الناس من يتكلم عن منكر من المنكرات ولا يذكر ما يمكن للناس عمله تجاه ذلك المنكر فيؤجج مشاعرهم فيقفون موقف المحتار الذي لا يدري ما يعمل، وقد يصير بعض الناس إلى أعمال غير شرعية في تغيير ذلك المنكر.

стр. 55

٣ - ألا يركز الخطيب على جانب الإنكار فقط: بل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن مشكلات الناس إما ترك لمعروف أو فعل لمنكر، بل مع فشو المنكرات لا بد أن يكون ثَمة ألوانًا من المعروف مهجورة، وأنواعًا من الخيرات مهملة، وأن الناس لو شغلوا بأعمال الخير والمشاريع الخيرية النافعة لم يكن عندهم فضل وقت لغيرها. فالمعالجات للوقائع الحادثة تنقسم إلى قسمين: أ - معالجة المنكرات، ولاسيما ما كان منها قريب العهد، وهو حديث الناس، ويراعى في معالجة هذه المنكرات أكبرها ضررًا وأسوأها أثرًا، وعند تحذير الناس من ذلك المنكر يدلل على حرمته وخطره من القرآن والسنة، ويحصر أضراره ومساوِئَه في جميع الجوانب، ويحض على تركه والتوبة منه، مبينًا الموقف من ذلك المنكر وسبل معالجته. ب - الحض على أعمال صالحة ومشاريع نافعة ويذكر أدلة فضل تلك الأعمال وما في القرآن والسنة من بيان أجر عاملها ومزايا هذا العمل ونتائجه وخطورة تَرْكه والإعراض عنه، وأن هذا الإعراض من مشكلات الأمة الحادثة التي يجب علاجها. ٤ - ألا يركز الخطيب على لون من ألوان المشكلات: فإن المجتمع فيه مشكلات كثيرة تحتاج إلى علاج، وبعضها إذا عولج فبالتبع ستتم معالجة مشكلات كثيرة، وقد تكون هناك مشكلة متعبة لأناس كُثر وهم يبحثون عن علاجها، والخطباء أو بعضهم عنها غافلون. ومن ذلك: أن خطيبًا خطب عن القلق وطرق دفعه ومعالجته إذا وقع فوقعت الخطبة موقعًا عظيمًا من الناس وطلب صورتَها ليقرأها طوائفُ كثيرة منهم وذلك لأنهم يعانون من المشكلة، والقلق حقيقتُه عَرَضُ مشكلاتٍ أخرى، والساعي في علاج نفسه من القلق علاجًا شرعيًا سيعالج تلك المشكلات.

стр. 56

٥ - أن صلاة الجمعة صلاة يشهدها جماعات من الناس مختلفة المشارب متنوعة من كل وجه، فمنها البر والفاجر والصالح والفاسق، وضعيف النفس والجاهل، فعلى خطيب الجمعة عند الحديث عن المنكرات والمعاصي ألا يوغل في وصف تلك المنكرات، وبيان أماكنها وطريقة أهل الشر، فإن ذلك الوصف مدعاة إلى عكس ما أراده الخطيب، وفي التحذير عن المنكر والنهي عنه وبيان أضراره وآثاره غُنية عن وصفه. ٦ - أن الكلام عن حدث من الأحداث أو منكر من المنكرات العامة قد يعالج بطريقَة تسبب ضررًا أكبر، كأن يتحدث الإنسان عن ذلك المنكر والقائمين عليه، ويصف أحوالهم وأعمالهم، بينما يمكن أن يعالج الموضوع بطريقة حكيمة كأن يتحدث الخطيب عن موضوع مناسب لما وقع، يفهم الناس عن طريقه الموقف الشرعي الرشيد من القضية. مثالان على ذلك: الأول: في بلد مسلم كُرِّم رجل لا يستحق التكريم لأمور أعظمها أنه غير مسلم، وأنه لم يفعل شيئًا يستحق التكريم، فضج أحدُ الخطباء يخطب وأوغل في ذكر ما جرى من تكريم للرجل بما هو ليس من أهله. ولكن خطيبًا خطب خطبة عن موازين رفع الناس وخفضهم، ولم يتطرق للحدث، ولكن الظرف الزماني ساعد الناس على الفهم، وأصَّل الرجل الموضوع تأصيلًا شرعيًا لا يقتصر على مجرد ما وقع، ولكنه يشمله ويشمل نظائره من الأحداث. الثاني: تحدث في بلد تجاوزات بسبب فرح بأمر كفوز فريق أو نحو ذلك، فتصدر الجهات الرسمية بيانات، ويتكلم بعض الخطباء عن ما حدث ولكن الأفضل من ذلك بالنسبة للخطيبِ أن يضع للناس موازين شرعية في الفرح والسرور ومتى يكون ذلك وبم يكون؟ والذين يفعلون ذلك يجعلون للمنبر حرمة ومكانة مع أنهم قد أعذروا إلى الله ببيان الحكم الشرعي فيما حدث.

стр. 57

وصايا للخطيب ١ - الإخلاص والمتابعة سر النجاح: أخي الخطيب قبل أي شيء أوصيك أن تجدد نيتك وتتفقد إخلاصك حتى تكون لكلماتك وخطبك أثرًا في قلوب الناس، ثم تأمل كم لك من الأجور والحسنات وأنت تقوم في مسجدك خطيبًا كل جمعة، وكم هو النفع الذي ينتشر بين الناس بسبب كلماتك ونصائحك عبر الخطبة. إن الخطيب من أولى الناس مطالبة بالإخلاص لله تعالى، لأنه ربما رأى مقامه وهو يخطب المئات، ويعلمهم ويذكرهم فيرى أن له فضلًا عليهم، وتقدمًا دونهم، فتحمله نفسه على العُجْب، والتعالي، والغَضّ من قدْر غيره ونسبتهم إلى الجهل، فالإخلاص لله تعالى يعَرِّفه قدر نفسه، ويقيه شرها. فالذي ينبغي للخطيب في ذلك أن يكون منشأ الخطبة والسعي إليها وطلبها، من باب الإخلاص لله ، وتبليغًا للدين، ودعوةً إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، ولكن هذا العمل لا يتم قبوله ـ بعد الإخلاص لله ـ إلا بمتابعة النبي ﵌ وعدم الابتداع، فهذان هما شرطا قبول العبادة. يجب على الخطيب أن يراقب قلبه، ويحاسب نفسه في أثناء العمل، حتى يضمن أنه على الطريق المستقيم، فإن لمس في نفسه تطلعًا إلى غير ثواب الله تعالى، والتفاتًا إلى غير مولاه، تذكرَ فاستغفرَ وأبصرَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠١). وإذا شعر أنه إنما يرفع من صوته، أو يغير من نبرته، أو يكرر العبارة، أو غير ذلك من أجل إرضاء الحضور أو بعضهم بادر إلى تصحيح نيته، وتقويم قصده. وينبغي للخطيب محاسبة نفسه وتقويمها بعد الخطبة، فإن وجد خيرًا حمد الله تعالى على توفيقه، وإن وجد غير ذلك عزم على تدارك أمره، وإصلاح خطئه.

стр. 58

ويحسُن بالخطيب قبل أن يصعد المنبر أن يتذكر الأمور التالية: ١ - فضل الله تعالى عليه ونعمته، وعظيم إحسانه إليه، وأنه لولا الله تعالى ما وقف هذا الموقف. ٢ - الأجر الجزيل، والثواب الجميل على الإخلاص، وصدق النية لله تعالى. ٣ - الوعيد الشديد للمرائين، ومن سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به. ٤ - أن أعمال المرائين محبطة، لا يقبلها الله تعالى، وليتذكر خبر الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، نعوذ بالله من الخذلان. ٥ - أن الناس كلهم لا يملكون له من الله تعالى شيئًا، وأن رضاهم أو سخطهم لا يقدم ولا يؤخر، ومن أرضى الناس بسخط الله تعالى، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخطهم في رضا الله تعالى، ﵁ وأرضى عنه الناس. قال ابن الجوزي ﵀: من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار: أحدهما: من لطف ينالونه به، والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه، وقال: من راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم. ٢ - الشعور بالمسؤلية: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة إيصالها إلى الناس، لا يكَلّ ولا يمَلّ. وإذا ما توفر هذا الشعور في نفس الخطيب فإن النجاح سيكون حليفه، وسيكون من أحسن الناس قولًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسْلمينَ﴾ (فصلت:٣٣). فلا أحد أحسن قولًا ممن حمل مشعل الدعوة إلى الله وإلى اتباع منهجه والالتزام بأحكامه وتعاليمه.

стр. 59

٣ - كم رصيدك من العلم الشرعي والثقافة العامة؟ وهذا أساس لا بد منه حتى يجد الناس عند الخطيب إجابة التساؤلات، وحلول المشكلات، وهو كذلك العدَّة التي بها يعلم الخطيب الداعية الناس أحكام الشرع، ويبصرهم بحقائق الواقع، وبه أيضًا يكون الخطيب قادرًا على الإقناع وتفنيد الشبهات، ومتقنًا في العرض، ومبدعًا في التوعية والتوجيه. وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلّها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم على حد يصل إليه السعي. ٤ - صلة الخطيب بالله : تذكر أنك إنما تخطب وتتكلم بحول الله تعالى وقوته فإن شاء الله تعالى أطلق لسانك وإن شاء عقده، ولو وكلك الله إلى نفسك لعييت وعجزت. إن حنجرتك التي هي وعاء خروج الأصوات ولسانك وشفتيك وأسنانك التي تصيغ الحروف والنغمات إنما هي خلق من خلق الله تعالى. واعلم أن الله معك .. شاهد ومطلع عليك .. نظره أسبق من نظر المخاطبين إليك. فاعتصم بالله، وليكن لك في نبي الله موسى ﵇ أسوة حسنة حيث: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه:٢٥ - ٢٨). ٥ - رُوحانية الخطيب: الخطيب الناجح في سيره لإعلاء كلمة الله، وبيان شرعه ونشر سنة نبيه ﵌، وأمره الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، يمضي ذلك الداعية وقد وطنَّ نفسه على الجادّة، وجاهدها على هوى المادَّة، وعلمها أخلاقها ونقّاها من أدرانها، وأدبها فأحسن تأديبها على منهاج النبيين ﵈ وسنة سيد المرسلين ﵌ وطريقة السلف ومن بعدهم من الخلف الصالحين المصلحين.

стр. 60

يدعو ربه خيفةً وتضرعا أن يُيَسِّر له إلقاء تلك الكلمة، أو نشر تلك الورقة، أو تعليق تلك الصحيفة. حتى في أصغر الأمور لا يهمل ولا يتكاسل عن طلب العون والمدد من مالك الملك ، وقد قرأ أن السلف ﵃ كانوا يسألون الله كل شيء حتى الملح لطعامهم! فيسأل ربه أن يُيَسِّر له وسيلة النقل لتلك القرية، أو آلة النسخ لتلك المطوية، أو ذلك المال البسيط لشراء ما يعينه على دعوته من أشرطة أو كتب أو نحوها. ٦ - اللهََ اللهََ في القدوة: فالناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل كلامه مقبولًا عند المستمعين، أما مخالفة العمل للقول، فإنه يجعل المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه. وسيرة الخطيب وما يتحلى به من مكارم الأخلاق لها دور كبير في قبول كلامه، واحترام توجيهاته، سواء أكانت هذه السيرة مع أصحابه، وجيرانه، ومن يعاملهم في موقع عمله، أم كانت في بيته، ومع أهله وأسرته، فإن ذلك هو مقياس صدق الخطيب، ومدى احترامه لآرائه ونصائحه. وليس في مخالفة الخطيب لما يأمر به وينهى عنه مسوغ للآخرين بارتكاب ما حرم الله تعالى، أو تعدي حدوده، لكن ضعاف الإيمان يتخذون ذلك أسوة لهم، ويجعلونه حجة يحتجون بها على من ينصح لهم، فيكون بذلك إثمه مضاعفًا، حيث إنه خالف إلى ما نهى عنه، وترك ما كان يأمر به، ثم إنه سهَّل فعل الحرام وارتكاب المنهيات على ذوي النفوس المريضة، فافتُتِنُوا به حين جعلوه قدوة لهم. يقول الله تعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤).

стр. 61

ويقول أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لم تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢ - ٣). ومن المقت الذي يصيب من يقول ما لا يفعل، ويأتي ما ينهى عنه، ما وصفه الرسول ﵌ من جزائه في الآخرة. فعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﵌ قال: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» (رواه البخاري ومسلم). وسيرة الخطيب سرعان ما تنتشر بين الناس، والشائعات قد لا تقف عند حد، والناس ينظرون إلى العلماء والخطباء والآمرين بالمعروف بعيون بصيرة، والناقد بصير، وأعمال هؤلاء موضوعة تحت المجهر المكبر، فصغيرتهم تضخم إلى كبيرة، وكسرهم ليس له جبيرة، ومن الأمثال السائرة: زلة الجاهل يغطيها الجهل، وزلة العالم يضرب بها الطبل. فالناس شديدو الرقابة للعلماء والخطباء، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ورقابتهم لا تنحصر في العالم والخطيب نفسه، بل يرقبون نساءه، وأولاده، وأحفاده، ويتعلقون بأفعالهم، ويستدلون بسيرتهم وسلوكهم، والناس ـ إلا من رحم الله ـ يغلب عليهم الميل إلى التسويغ والترخص بأدنى الشبهات. ولا يكفي أن يكون الخطيب واقفًا عند حد الكف عن المنكر الذي ينهى عنه، أو فعل الواجب الذي يأمر به، أو الالتزام به، أو الالتزام بالخلق الحميد الذي يحض عليه، بل ينبغي أن يكون متميزًا عن غيره ممن يقتدي به: بفعل النوافل، والمسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى الطاعات، والتشمير والمبادرة إلى كل خصلة كريمة،

стр. 62

مع زيادة الورع، وقوة الشخصية، وصلابة الإيمان، فهو قبل أن يأمر الناس بخير ينبغي أن يكون أسبقهم إلى فعله. وليعلم الخطيب أنه مهما بلغت فصاحته، وتجلى بيانه، ومهما بلغ من قوة الإلقاء، ونصاعة الأسلوب فإنه لن يستطيع أن يقنع أحدًا بفكره، أو أن يستميل القلوب لدعوته ما لم يكن مخلصًا في دعوته، نقيًا في سيرته. بل إنه مع ذلك لا يستطيع أن يسلم من غمز الناس به في سلوكه، فليوطن نفسه على ذلك، وكم رأينا وسمعنا من خطيب مفوَّه، لكن الناس يجلسون في خطبته جلوس المحكومين ظلمًا وكأنهم يستمعون إلى قاض ظالم يتلو عليهم قرار الحكم، وكم رأينا كذلك من خطباء يتمنى الحضور لو أن خطبة أحدهم تمتد ساعات، وهذا شيء مشاهد معلوم، فليس الأسلوب وحده أو البلاغة والفصاحة وحدها هي التي تجذب قلوب الناس وتحببهم في الخطيب أو الداعية. ولن يستطيع الخطيب أن يقف صادعًا بالحق، واثقًا مما يقول، وهو يعلم أن العيون تغمزه، والقلوب تمقته، وأنه ملوث السيرة، غير نقي الذيل. فكأن الناس وهم ينغضون إليه رؤوسهم، ويرمون إليه بأبصارهم يقولون بلسان حالهم: يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه ... هلّا لنفسِك كان ذا التعليمُ تصفُ الدواءَ لذي السقام وذي ... الضنى كيما يصحّ به وأنت سقيمُ ونراك تُصْلِحُ بالرشادِ عقولَنا ... أبدًا وأنتَ مِن الرشادِ عقيمُ لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأتِيَ مِثلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ واعلم أن الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يصل إلى القلب، فكل خطيب وواعظ لا يكون عليه سيما الصلاح قَلّ أن ينفع الله به. يا واعظَ الناسِ قد أصبحتَ متّهمًا ... إذ عِبْتَ منهم أمورًا أنتَ تأتيها كمُلبِسِ الثوبِ من عُري وعورتُه ... للناس باديةٌ ما إنْ يُواريها

стр. 63

٧ - الشجاعة: أن يكون الخطيب شجاعًا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدًا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لابد وأن يتحلَّى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة فإن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع الوصول إلى الهدف والغاية المرجوة. فالداعية والخطيب الناجح هو الذي يعتني بالدليل ويصبر على الأذى ويبذل وسعه في الدعوة إلى الله مهما تنوعت الإغراءات ومهما تلوع من التعب، ولا يضعف من أذى أصابه أو من أجل كلمات يسمعها، بل يجب أن يصبر ويبذل وسعه في الدعوة من جميع الوسائل. ٨ - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لما كانت الخطابة من المهام القيادية في الأمة، وجب أن تكون مضبوطة بضوابط الشرع حتى لا يكون إفسادها أكثر من إصلاحها. ولما كان الخطيب آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر فإنه ينبغي أن تتوفر فيه شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ومن أهم هذه الشروط أن يكون: • متواضعًا. • رفيقًا فيما يدعو إليه شفيقًا رحيمًا، غير فظ ولا غليظ القلب ولا متعنت • عدلًا صائنًا نفسه عن أسباب الفسق، وما يجرح عدالته. • فقيهًا عالما بالمأمورات والمنهيات شرعًا. • ديِّنًا نزيهًا عفيفًا، ذا رأي، وصرامة، وشدة في الدين. • قاصدًا بذلك وجه الله وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء، ولا منافقة، ولا مداهنة. • غير متنافس في الدنيا ولا متفاخر. • ممن لا يخالف قوله فعله. • حَسَن الخلق.

стр. 64

الخطيب وجمهوره ١ - التأثير العجيب: الخطيب والداعية الناجح هو صاحب الخلق العظيم مع الناس بالابتسامة المشرقة والكلمة الطيبة. نعم .. إنها حركة بسيطة، ولكنها تعني للمدعو الشيء الكثير، فهي بذرة صغيرة ترميها في نفسية المدعو تنمو وتكبر، وتؤتي أكلها بإذن الله. ٢ - القناعة والعفة: إنه على قدر قناعة العلماء والدعاة والخطباء في الدنيا وتقللهم منها تكون مكانتهم في نفوس الناس والتفافهم حولهم والانقياد لهم، وعلى قدر تعلقهم بالدنيا تكون زهادة الناس فيهم وعزوفهم عنهم ونفرتهم منهم. قال سفيان الثوري: العالم طبيب هذه الأمة، والمال داؤها، فإذا كان يجر الداء إلى نفسه فكيف يعالج غيره؟! والقناعة والعفة والاستغناء عن الناس شرف الداعية والخطيب، يقول الحسن البصري: لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخَفّوا به وكرهوا حديثه وأبغضوه. وقيل لأهل البصرة: من سيدكم؟ قالوا: الحسن. قال: بم سادكم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم. ٣ - الإحسان قبل البيان: فالنفوس جُبلت على حُب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها فهو ﵌ فتح أقفال القلوب برحمته ورفقه، حتى لانت له القلوب القاسية، واستقامت الجوارح العاصية.

стр. 65

وصايا أثناء الخطبة ١ - قف جيدًا: إن الوقوف الصحيح له دوره في ارتياح الخطيب أثناء إلقاء الخطبة مما يزيد ثقته بنفسه كما أنه يساعده على التنفس الصحيح الذي يؤثر في فعالية الصوت. وينبغي للخطيب أن يتهيأ قبل الخطبة فيبعد عما يؤثر على صوته، فلا يأكل طعامًا أو يشرب شرابًا يذهب بقوة صوته، أو يجعله يحشرج إذا تكلم. ٢ - لباس الخطيب: فلزامًا على الدعاة وخاصة الخطباء أن يزيدوا من اهتمامهم بهذا الجانب فيكونوا ذوي مظاهر جميلة تأنس بهم العين ويقبل عليهم الناس. ٣ - كيف تستفتح الخطبة: خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يعلمها أصحابه: إِنَّ الْحَمْدَ لِله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلمونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَمَّا بَعْدُ. «ثُمَّ يَذْكُرُ حَاجَتَهُ». (انظر مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وانظر تخريج الخطبة بالتفصيل في رسالة (خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يعلمها أصحابه) للشيخ الألباني ﵀. قال الشيخ الألباني ﵀ في الرسالة المذكورة: «قد تبين لنا من مجموع الأحاديث المتقدمة أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب، سواء كانت خطبة نكاح أو خطبة جمعة أو غيرها؛ فليست خاصة بالنكاح كما قد يُظَنُّ. وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك، وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة كما صنع الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ حيث قال في مقدمة كتابه (مشكل الآثار): «وأبتدئ بما أمر ﵌ بابتداء الحاجة مما قد روي عنه بأسانيد أذكرها بعد ذلك إن شاء الله: إن الحمد لله ... » قلت (أي الشيخ الألباني): فذكرها بتمامها. وقد جرى على هذا النهج شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ فهو يكثر من ذلك في مؤلفاته كما لا يخفى على من له عناية بها.» (اهـ كلام الشيخ الألباني بتصرف). وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» (رواه مسلم). وفي رواية لمسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ أيضًا قَالَ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﵌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ ... ». ولفظ النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ

стр. 66

يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ... » (صحيح). وقد قال بعض العلماء إن التزام الخطباء بخطبة الحاجة الواردة عن النبي ﵌ في بداية كل خطبة ليس بلازم، وليست السنة كذلك، فإن النبي ﵌ لم يلتزم به في كل خطبة، فهذه خطبة الوداع أشهر خطبه ﵌ وأكثرها مستمعين لم يُنقل أنه بدأها بخطبة الحاجة. إن المقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرًا بفشله وتفاهة أثره ومن المهم أن تفتتح الخطبة بمقدمة مثيرة، وبشيء يأسر الانتباه في الحال. وإذا أردت أن تستخدم مقدمة يجب أن تكون قصيرة كلائحة الإعلان. لأن ذلك يتطابق مع مزاج المستمع للحديث الذي لسان حاله يقول: أعطنا ما عندك بسرعة واجلس. ومن الخطأ الذي يقترفه الخطيب المبتدئ الاعتذار في مقدمته بكونه ليس بخطيب، أو أنه ليس لديه ما يقوله، فهذا الأمر يضعف تفاعل الجمهور معه. لا تفعل ذلك أبدًا، بل ابدأ بشيء مثير منذ الجملة الأولى، وليس الثانية أو الثالثة. وقد تكون هذه المقدمة على شكل سؤال يوجهه إلى المخاطبين، ثم يكون جوابه في أثناء الخطبة، فإن السؤال يثير الرغبة لمعرفة الجواب، ويوقظ انتباه السامع. وقد يبدأ الخطيب هذه المقدمة بخبر موجز مثير، وقد يبدؤها في كلمات موجزة، إما بقصة من التاريخ، أو من الواقع، أو يبدؤها بآية، أو حديث أو حكمة، أو ما شابه ذلك مما يكون فاتحة لموضوعه، ومنبها لأذهان السامعين إليه، وينبغي أن يحذر الرتابة في هذا المجال حيث تكون خطبه ذات مقدمة واحدة معروفة لدى

стр. 67

سامعيه، بل عليه أن يلون ويجدد ويغير في طريقة تناوله للموضوع، وفي أسلوب استهلاله للخطبة. وليعلم أن شدة إصغاء السامعين إليه، وانجذابهم، وتفاعلهم معه ليس لحسن تقدمته وحسب، بل لا بد من توفر مجموعة أمور تتعلق بإخلاصه، وحسن سيرته، وعلمه، وأدبه، وفصاحته ... وغير ذلك، فليجتهد الخطيب في تحضير المقدمة، والتمهيد للموضوع جهده. وبعض الخطباء يستهِلّ خطبته دائما بألفاظ معينة يلتزم بها في كل خطبة، حتى أصبحت محفوظة مكررة لدى المصلين، تدعو إلى الملل والسأم من حين يبدأ في الخطبة. ٤ - الاتزان وضبط النفس: الاتزان يعني الطمأنينة والهدوء وتجنب إحداث أي حركة في غير محلها. ولا ينبغي العبث بملابسك لأنها تلفت الانتباه. ٥ - بعدما تنهض لمخاطبة جمهورك لا تبدأ بعجلة. ٦ - عدم الإطالة في الخطبة: فالخطيب الناجح لا يطيل في خطبته مراعاةً لأحوال وظروف المستمعين، فيكون من بينهم المرضى وأصحاب الحاجات والمهمات، وأحيانًا طبيعة الجو تلعب دورًا أساسيًا في تحديد وقت الخطبة، فيجب على الخطيب مراعاة ذلك بصورة معتدلة. ولا بد أن يعلم الخطيب أن فن الإيجاز والإطناب يختلف من حال إلى حال، بحسب حال السامعين في إقبالهم ومللهم، ونوع الموضوع، وظروف الإلقاء. ويحسن من الخطيب أن يعوّد سامعيه على زمن معتدل ثابت يلتزمه، فإنهم إذا عرفوه بانضباطه ودقة التزامه أحبوه ولازموا حضوره. وقد قرر علماء النفس أن الذاكرة القريبة هي بين ١٥ - ٢٠ دقيقة. لذلك لابد للخطيب أن يتدارك هذا الاستعداد الذهني لدى المستمعين خلال هذه الدقائق الأولى فيزرع ما يريد زرعه ويستنبت ما يريد استنباته.

стр. 68

ومن الخير للخطيب وجمهوره أن ينفضوا وهم متعلقون به من غير ملل أو سآمة. إن الخطيب الذي لا يصيغ خطابه ليتناسب مع روح العصر السائدة والمتميزة بالسرعة لن يكون موضع ترحيب، وفي بعض الأحيان، يثير كراهية الآخرين؛ لذلك كن مختصرًا. عن أَبُي وَائِلٍ قال: خَطَبَنَا عَمَّارٌ ﵁ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلما نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا» (رواه مسلم). ٧ - التكرار وحسن البيان: وهو أحد الأسس التي يقّدم الخطيب من خلالها المضمون، ووظيفة هذا الأسلوب التوضيح وزيادة التأكيد. فيعيد الكلام إذا رأى الحاجة لذلك، كأن يكون معظم الحضور من العامة، أو بعض الأفكار تحتاج إلى إعادة لعدم وضوحها، أو لأهميتها. عن أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا». (رواه البخاري). ٨ - تغيير نبرة الصوت: من أسباب ضعف التأثير وتطرق الملل والسآمة إلى السامعين أن يتحدث الخطيب بطبقة رتيبة على وتيرة واحدة. عندما تجد نفسك كذلك ابحث عن أي جملة مناسبة لتغير من خلالها نبرة صوتك بما يتوافق مع أسلوب الجملة. ٩ - تغيير سرعة الكلام: فالأفكار الرئيسية والجمل الهامة ينبغي أن يلاحظ في إلقائها التؤدة وعدم الاستعجال تمكينًا لاستيعاب السامع لها وتعزيزًا لأثرها في النفوس. ١٠ - حسن الوقوف في موطن الوقوف والبدء في موقع البدء: فلا يحسن بالخطيب أن يتوقف في وسط الجملة التي لم تتم.

стр. 69

والخطيب الناجح يعرف أين يتوقف أثناء خطبته، فإذا مر بفكرة عظيمة يرغب في ترسيخها في أذهان مستمعيه توجه إليهم وأحدق بعيونهم مباشرة لِلَحظة من دون أن يقول شيئًا. هذا الصمت المفاجئ له نتيجة الضجة المفاجئة، وهو يجذب الانتباه ويجعل كل إنسان منتبهًا ومتحفزًا لما سيتلو ذلك الصمت. وكذا يقال في التوقف بعد كل جملة يراد توكيدها فهو يضيف إلى قوتها قوة أخرى من خلال الصمت وذلك أن المعنى يغوص في هذه الأثناء في النفس ويؤدي رسالته، لكن يجب أن يكون التوقف بشكل طبيعي ومن دون تكلف. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﵌ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلم، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلم، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَال: َ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلم، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِه، قَالَ: «أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُم» (رواه البخاري). ١١ - الحركات والإشارات: للحركات والإشارات أثرها الهام في الخطابة وهي نوعان: أ- حركات لاإرادية: فالغاضب يقطب جبينه ويعبس وجهه، وذو الحماس تنتفخ أوداجه وتحمر عيناه، ومنهم من تنقبض أصابعه وتنبسط، ومنهم من يعلو صوته حماسًا وتفاعلًا، ومنهم من يبكي رقة وخشوعًا.

стр. 70

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» (رواه مسلم). ب- حركات إرادية: تعكس الانفعال والمشاعر وتعين على مزيد من المتابعة والتوضيح. وينبغي أن تكون هذه الإشارات والحركات منضبطة بقدر معقول وانفعال غير متكلف ومتناسقة مع الشعور الحقيقي. ومن الصعوبة إعطاء قواعد محددة في هذا الباب لأنه يعتمد على مزاج الخطيب وعلى تحضيره وحماسه وشخصيته وموضوعه وعلى الجمهور والمناسبة. وإذا استخدمت الإيماءات والإشارات بمهارة وبلا تكلف وكانت ملائمة لمعاني الكلمات المصاحبة لها فإنه من الممكن أن تكون يدا الخطيب أداة عجيبة لإيصال الأفكار وتحريك المشاعر. فالحركة اليسيرة الموزونة لا بأس بها، بل قد تكون أحيانًا مطلوبة لزيادة الإفهام، وهي التي كان النبي ﵌ يستعملها فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله سدد خطاكم قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﵌ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ».وَيَقُولُ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ».وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (رواه مسلم). (فقد كان ﵌ يفعل ذلك أثناء الخطبة). ومن ذلك إشارته ﵌ بالسبابة إلى السماء فقد جاء في حديث خطبة الوداع: «فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم). ١٢ - الاتصال البصري: لا بد من توزيع النظر على الجمهور، فعيناك هما الحبل الذي يربطك بهم يعرفون من خلاله مدى اهتمامك بهم، وتعرف أنت من خلاله مدى اهتمامهم بما تقول.

стр. 71

وهذا يزيد ثقتك بنفسك ويخلصك من الارتباك والتوتر كما أنه يفيدك في معرفة ردود فعل المستمعين وانطباعاتهم لتجري على موضوعك أو طريقة إلقائه التعديل المناسب. ١٣ - التمهل في الإلقاء: الإلقاء السريع المتعجل يفقد المتابعة كما أنه قد يشوه إخراج الحروف فيختلط بعضها ببعض وتتداخل المعاني وتلتبس العبارات وقد يؤدي التعجل إلى إهمال الوقوف عند المقاطع ورعاية الفواصل. وهذا التمهل الذي ندعو إليه لا ينبغي أن يقود إلى هدوء بارد وتثاقل مميت. ١٤ - تجنُب الألفاظ العامية الساقطة، والكلمات المرذولة، فإن مقام المنبر ينبغي أن ينزه عن كلام السوقة، والأسواق. ١٥ - أن يختار الأسلوب السهل الواضح ما أمكن مع القوة والجزالة، وذلك لأن أكثر مستمعيه هم من العامة، أو من متوسطي الثقافة غالبًا. ١٦ - وضوح الصوت، وعلوه في اعتدال: عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» (رواه مسلم). والضَّمِير فِي قَوْله: (يَقُول صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ) عَائِد عَلَى مُنْذِر جَيْش. فعلى الخطيب مراعاة الاعتدال في علو صوته، ومراعاة حاجة المكان والجمع مع عدم الإسراع في إلقائه. ١٧ - إثارة العواطف: الخطيب المؤثر إذا حدَّث الناس عن الجنة فكأنما بجناحيه فيها يطير، وحول أنهارها يسير، وبين يدي حُورها يميل، وإذا حدَّثهم عن النار فكأنه في بركانها يصطلي، كلامه عنها يفتت الأكباد، ويذهل الألباب، ويقطع الآمال.

стр. 72

١٨ - إثارة انتباه الجماهير: أثِر انتباه الجماهير بالآتي: أ-قصة مثيرة: إنها بداية مثيرة جدًا، فالنفوس تحب الاستماع إلى القصص والروايات ومتابعة أحداثها أكثر من الكلام النظري المجرد. ب- سؤال يحرك الأذهان: من الافتتاحيات المميزة أن يبدأ الخطيب بطرح سؤال لاستدراج الجمهور إلى التفكير، والتعاون معه. إن استخدام هذا السؤال الافتتاحي هو واحد من أبسط وأضمن الطرق لفتح أذهان جمهورك والدخول إليها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلم. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَه، وَإِنْ لم يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (رواه مسلم). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المفْلِسُ؟». قَالُوا: المفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ المفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَن يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار» (رواه مسلم). جـ- ضرب الأمثال: يصعب على المستمع العادي أن يتتبع العبارات المجردة طويلًا، لكن من السهل عليه الاستماع إلى الأمثلة، لماذا إذن لا تبدأ بواحد منها؟ افتتح بمَثَل، أَثِر الاهتمام، ثم تابع تقديم ملاحظاتك العامة.

стр. 73

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَال: َ «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (رواه البخاري). وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَحَامِلِ المسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ المسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة» (رواه البخاري). د-الاستعراض: من الطرق السهلة لجذب الانتباه استعراض شيء يتطلع إليه المخاطبون. فعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَرِيرًا بِشِمَالِهِ وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» (صحيح رواه ابن ماجه). هـ- موجز الخطبة (الإجمال قبل التفصيل): من المقدمات الناجحة أن يقدم الخطيب لمستمعيه عرضًا مجملًا لعناصر الخطبة، ثم يشرع في تفاصيل الخطبة. إن هذه المقدمة ستكون مفتاحًا لأذهان المستمعين، ومعينًا لهم على فهم الخطبة ومتابعة أجزائها. ١٩ - كيف تختم خطبتك: بعد أن يفرغ الخطيب من عرض موضوعه، وسَوْق أدلته، وضرب أمثلته، وبيان دروسه، وعبره، وترهيبه، يحسن أن يُنهي خطبته بخاتمة مناسبة تكون قوية في تعبيرها وتأثيرها، لأنها آخر ما يطرق سمع السامع ويبقى في ذهنه. وليس كل كلام يصلح أن يكون خاتمة للخطبة، ولا كل عبارة تصلح أن تكون نهاية للكلام، بل ينبغي

стр. 74

أن تكون الخاتمة بأقوى العبارات وأجزلها، وأعظمها أثرًا فهي آخر ما يطرق آذان المخاطبين، ويعلق بأذهانهم. فيحسن في الخاتمة أن تجمع الصفات التالية: • قوة العبارة وقصرها. • الاختلاف في ألفاظها عما سبق في الخطبة، فلا تكون تكرارًا لما تقدم. • خلوها من أي خطأ علمي، أو لُغوي، فإنها تعطي الانطباع الأخير عن الخطبة. • وقوعها في قمة حماسة الناس وتأثرهم. مقترحات للخاتمة: أ- آيات كريمة أو حديث نبوي: يمكن أن يختم الخطيب بآيات قرآنية لم يسُقها من قبل تجمع موضوعه في الترغيب والترهيب أو التدليل والإثبات، وقد تكون حديثًا نبويًا مناسبًا. ب- دعاء: بين يدي الخطيب طائفة من الأدعية القرآنية أو النبوية المأثورة، يمكن أن يختار منها ما يناسب الموضوع، ويجعله خاتمة لخطبته. كما يمكن أن ينشئ من دعائه الخاص ما يدعم الهدف المراد من الخطبة ويقويه في نفوس المستمعين. ولقد اختلف الفقهاء في حكم دعاء الخطيب للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، وذلك على قولين: القول الأول: أنه سنة. القول الثاني: أنه ركن من أركان الخطبة الثانية. والأرجح هو سنية الدعاء في خطبة الجمعة فعَنْ حُصَيْن بن عبد الرحمن أن عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى المنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ المسَبِّحَةِ». (رواه مسلم).

стр. 75

فهذا الصحابي عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ سدد خطاكم لم ينكر على بشر بن مروان الدعاء، وإنما أنكر عليه رفع اليدين وذكر أن النبي ﵌ لم يكن يرفع يديه في الدعاء. فهذا إقرار من هذا الصحابي سدد خطاكم على هذا الأمر (١). جـ- تلخيص الأفكار: وتغطية أفكار كثيرة في خطاب قصير تتراوح مدته بين ثلاث أو خمس دقائق. وقد قيل: أخبرهم أولًا بما تنوي إخبارهم به، ثم أخبرهم، ثم أخبرهم بما أخبرتهم. د- مقتطفات شعرية: وإذا استطعت الحصول على قطعة شعرية ملائمة لنهايتك، يكون الأمر طيبًا. ٢٠ - فصاحة اللسان: إن فصاحة اللسان وسلامة مخارج الحروف أمر مهم للخطيب وكذلك مراعاة حسن الإلقاء، قوةً ولينًا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع، أو يعتمد أسلوب السجع الممقوت، فإن من شأن ذلك إضاعة المعنى، والتركيز على اللفظ. مع ضرورة مراعاة قواعد اللغة العربية، لأن عدم مراعاتها يحدِث خللًا في المعنى. ٢١ - المقارنة بين الواقع والمأمول: في نقد الأخطاء، وتقويم السلوكيات قد يسأم الناس إذا اقتصر الناقد على الأفكار النظرية فقط. لكن قَلّما يفشل في جذب انتباههم والتأثير في نفوسهم إذا عرض بعض المشاهد من أحوالهم الملموسة، وقارن بين هذه المشاهد ومشاهد من الأحوال الصحيحة المأمولة. وإن أكثر الأشياء إثارة لاهتمامنا هي أحوالنا التي نقع فيها. إذ كل واحد منا يشعر في هذه الحالة بأنه معني بهذا الكلام دون سواه.
следующие страницы →