← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

يستجيب الملك لأوامر الغلام استجابة الضعيف المضطر فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ». استجاب الملك لأوامر الغلام لأنه وجد نفسه أمام ثلاثة أمور: ١ - إما أن يترك الغلام يدعو بدعوته كيفما شاء، وهذا الحال كان سينتهي بإيمان الناس. ٢ - وإما أن يستمر في تأكيد عجزه عن ذلك وتتأكد للناس قوة الله الذي يحمي الغلام، وكان هذا الحال أيضًا سينتهي بإيمان الناس. ٣ - والأمر الثالث وهو ما اختاره الملك، والذي انتهى بقتل الغلام وأيضًا آمن الناس، فقد أراد الله أن يؤمن الناس وأن تعلو كلمته وقضى بذلك سبحانه وحكم ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. حقيقة قدرية هائلة: «ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ». هذه العبارة تتضمن حقيقة قدرية هائلة. حقيقة الربط بين السبب والنتيجة وهي لحظة الفرق بين الضرب بالسهم وموت الغلام حيث يقول الرسول ﵌: «ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ». فلم يَمُتْ. لم يتحقق ربط السبب بالنتيجة. «فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ». وقد كانت هذه الحقيقة القدرية الأخيرة التي تتحدد بها العلاقة بين السبب والنتيجة. سبقها عدة حقائق. ففي القصة النتيجة التي تتحقق بعكس مقصود البشر من السبب فنفس الغلام الذي أراد البشر أن يكون داعية للضلال. يريد الله أن يكون داعية للحق، وفي نفس طريق الغلام إلى الساحر يلتقي بالراهب ويجلس إليه ويسمع منه ويعجبه كلامه.

стр. 947

وفي القصة النتيجة الهائلة بالسبب البسيط، مثلما قتل الغلام الدابة التي كانت تسد على الناس الطريق بحجر صغير. وهو المعنى المتحقق كذلك بهزيمة الملك ووقوع ما كان يحذره بسبب هذا الغلام الصغير. وفي القصة المختلفة النتيجة الهائلة بالسبب الواحد وذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك فوق الجبل فرجف بهم الجبل وجاء إلى الملك وكذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك في السفينة فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك.

стр. 948

٦١ - الثبات حتى الممات فتح باب الإيمان: «فَقَالَ النَّاسُ: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ». لقد كان آخر ما قاله الغلام هو أمره للملك بأن يقول: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ». وبهذه الكلمة فتح الغلام للناس باب الإيمان. فقد كانوا يعرفونه محبًا لهم وساعيًا لمنفعتهم ومداويًا لأدوائهم وما بقي إلا أن يعرف الناس أن للغلام ربًّا هداه إلى محبتهم وأذِنَ له بشفائهم. «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ» باسمه تحقق عجز الملك، وباسمه سيموت الغلام راغبًا من أجل إيمانهم، وهنا نشعر بمدى القهر الذي انتهى إليه الملك. فبعد أن كان يدَّعي الربوبية ويعذب ويقتل من لا يدَّعيها له، يقول في النهاية بنفسه: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ». ولذلك لم يكن الغلام خائفًا من أن تنعكس رؤية الناس له وهو يموت خوفًا من الملك بعد قهره بهذا الموقف. كما أن الغلام لم يكن خائفًا لأنه استطاع أن ينشئ تعاطفًا كاملًا له في نفوس هؤلاء الناس بسلوكه معهم قبل ذلك وبموقف الموت ذاته حيث تحدد الفارق بينه كغلام صغير مصلوب على جذع شجرة وبين الملك الظالم. وداعًا أيُّها البطلُ ... لفَقْدِك تَدمعُ المقلُ لئنْ ناءَتْ بنا الأجسادُ ... فالأرواحُ تتصلُ فنسألُ ربَّنا المولَى ... وفي الأسحارِ نبتهلُ بأنْ نلقاكَ في فَرَحٍ ... بِدارٍ مَا بها مَللُ بجنّاتٍ وروضاتٍ ... بها الأنهارُ والحُلَلُ بها الحورُ تُنادينَا ... بصوتٍ مَا له مَثَلُ

стр. 949

بها الأحبابُ قاطبةً ... كذا الأصحابُ والرسلُ بها أبطالُ أمَّتِنا ... بها شُهَدَاؤُنا الأوَلُ فيَا مَن قَدْ سَبَقْتَ ... إلى جِنَانِ الخُلْدِ ترتحِلُ هنيئًا ما ظفرْتَ به ... هَنيئًا أيُّها البطَلُ واستجاب الناس: وعندما انتهى الخوف من الملك المقهور وبدأ التعاطف مع الغلام الداعية بدأ الناس في الإحساس الصحيح بالموقف: غلام صغير يحب الناس ويقدم لهم المنافع والخير، يموت برغبته من أجلهم، بعد أن أثبت عجز الملك وضعفه، يموت من أجل أن يؤمنوا بالله رب الغلام. انظُرْ إلى الماءِ إنّ البذْلَ شيمَتُه ... يأتي الحقولَ فيرْوِيها ويحْمِيها واستجاب الناس، فاندفعوا من كل مكان بلا خوف يرددون نداءات الإيمان: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ». مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل: فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: «أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ» فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ»، فَفَعَلُوا. لم يتوقف اندفاع الناس من كل طريق وفي كل السكك وواصلوا الاندفاع حتى أخاديد النيران. وواصل الملك مواجهة الجماهير المندفعة فقال: «مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ»؛ ليقاوم كل إنسان بنفسه حب البقاء في نفسه فيكون أقل مقدار للضعف كافيًا وسببًا للارتداد. وقد كانت هذه الفكرة آخر ما أفرزته رأس هذا الملك المهزوم من سموم المكر. ولكن الإيمان أبطل أثرها، وعالجت قوة الاندفاع الأصيل إلى الموت أثر أي ضعف كان كامنًا في النفوس.

стр. 950

موقف لغلام آخر: ويذكر لنا رسول الله ﵌ مشهدًا لمعالجة الإيمان لإحساس التعلق بالحياة فيه: «حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: «يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ». جاءت الأم بولدها متمسكة به إلى النهاية لم تَفْصلها أهوال الأحداث عنه حتى جاءت إلى حافة الأخدود واشتعلت مشاعر الأمومة وكراهية الموت فيها فترددت أن تقع بابنها ولكن الطفل - مرة أخرى طفل - يُطْفئ في إحساس أمه لهيب النار ذات الوقود لتُلْقِي بنفسها وتنجو من الضعف والتقاعس، وكان حديث هذا الصبي هو آخر كلمات القصة عند حافة الأخدود، قصة الانتصار للحق. كمْ في خيامِ الذُلِّ مِن فتيانِنَا ... مَن نالَهُ ما نالني ودهاهُ لكنَّنِي عِفْتُ الحياةَ مشردًا ... ورضيتُ دربًا لا أريدُ سواهُ لاتمسحِي دمعي ولكن ودِّعي ... بطلًا يباركُ ربُّه مَسْعاهُ لاتجزعي فلَقَدْ يَطُول غيابُه ... عن مُقْلَتَيْكِ وتخْتَفِي رُؤْيَاهُ وإلى اللقاءِ لدَى الإلهِ وخُلْدِه ... في عالمِ الأرواحِ يا أمَّاهُ ومضَى الفِدائِيُّ الشهيدُ لربِّهِ ... عَجِلًا إليه كَيْ ينالَ رِضاهُ وتبقى مشاهد العذاب وأخاديد النيران بشررها المتطاير ولهيبها ترتفع ألسنته بأجساد المؤمنين الطاهرة. ويبقى أثر تلك النار في قلب كل مؤمن مستضعف في الأرض ترتفع ألسنتها كلما استشهد شهيد في سبيل تلك الدعوة من أجل التمكين لها في الأرض وهذه الحياة. لدى ذِكْرِكم تحْيَى المحامدُ والعُلَى ... وما ماتَ مَن في ذِكْرِه للْعُلَى ذِكْرُ فإنْ ستَرَتْ تلكَ القبورُ جُسومَكم ... فثَمَّ خصالٌ ليسَ يستُرُها قبرُ من المجدِ نِلْتُم غايةً بعدَ غايةٍ ... يقودُكم عزمٌ ويدفعُكم صَبْرُ

стр. 951

القرآن الكريم يذكر القصة: قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ تبدأ السورة قبل الإشارة إلى حادث الأخدود بهذا القسم: بالسماء ذات البروج، وهي إما أن تكون أجرام النجوم الهائلة وكأنها بروج السماء الضخمة أي قصورها المبنية، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ (الذاريات: ٤٧) وكما قال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (النازعات: ٢٧) وإما أن تكون هي المنازل التي تنتقل فيها تلك الأجرام في أثناء دورانها، وهي مجالاتها التي لا تتعداها في جريانها في السماء. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ وهو يوم الفصل في أحداث الدنيا، وتصفية حساب الأرض وما كان فيها. وهو الموعود الذي وعد الله بمجيئه، ووعد بالحساب والجزاء فيه؛ وأمهل المتخاصمين والمتقاضين إليه. وهو اليوم العظيم الذي تتطلع إليه الخلائق، وتترقبه لترى كيف تصير الأمور. ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ في ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال، وتعرض فيه الخلائق، فتصبح كلها مشهودة، ويصبح الجميع شاهدين، ويُعلَم كل شيء، ويظهر مكشوفًا لا يستره ساتر عن القلوب والعيون.

стр. 952

وتبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة على أصحاب الأخدود: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. وهي كلمة تدل على الغضب، غضب الله على الفعلة وفاعليها. كما تدل على شناعة الذنب الذي يثير غضب الحليم، ونقمته، ووعيده بالقتل لفاعليه. ثم يجيء تفسير الأخدود: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ والأخدود: الشق في الأرض. وكان أصحابه قد شقوه وأوقدوا فيه النار حتى ملأوه نارًا، فصارت النار بدلًا في التعبير من الأخدود للإيحاء بتلهب النار فيه كله وتوقدها. قتل أصحاب الأخدود، واستحقوا هذه النقمة وهذا الغضب، في الحالة التي كانوا عليها وهم يرتكبون ذلك الإثم، ويزاولون تلك الجريمة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾. وهو تعبير يصور موقفهم ومشهدهم، وهم يوقدون النار، ويلقون بالمؤمنين والمؤمنات فيها وهم قعود على النار، قريبون من عملية التعذيب البشعة، يشاهدون أطوار التعذيب، وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع! وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. العزيز القادر على ما يريد، الذي له العزة التي قهر بها كل شيء. وهو الحميد في أقواله وأوصافه وأفعاله، المستحق للحمد في كل حال، والمحمود بذاته ولو لم يحمده الجهال! وهو الحقيق بالإيمان وبالعبودية له. وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض وهو يشهد كل شيء. وهو الشهيد على ما كان من أمر المؤمنين وأصحاب الأخدود، وهذه لمسة تُطَمْئِنُ قلوب المؤمنين، وتهدد العتاة المتجبرين. فالله كان شهيدًا. وكفى بالله شهيدًا.

стр. 953

وتنتهي رواية الحادث في هذه الآيات القصار، التي تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها، كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة. فقد كان يمكن للمؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة. إنه معنى كريم جدًا ومعنى كبير جدًا هذا الذي ربحوه وهم بَعْدُ في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تُذْكِيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ علمًا وسمعًا وبصرًا، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله، أن يبطش بهم العزيز المقتدر، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله، ليس لأحد على أحد سلطة، من دون إذن المالك؟ أوَخفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على فعالهم؟ كلا إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل. ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي: العذاب الشديد المحرق. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف. فالبقية آتية هناك. والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه، ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آتٍ. وهو مقرر مؤكد، وواقع كما يقول عنه الله وينص على ﴿الْحَرِيقِ﴾ وهو مفهوم

стр. 954

من عذاب جهنم. ولكنه ينطق به وينص عليه ليكون مقابلًا للحريق في الأخدود. وبنفس اللفظ الذي يدل على الحدث. ولكن أين حريق من حريق؟ في شدته أو في مدته! وحريق الدنيا بنار يوقدها الخلق. وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق! قال ﵌: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِى يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ». قَالُوا: «وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ». قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا». (رواه البخاري ومسلم). وحريق الدنيا لحظات وتنتهي، وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله! ومع حريق الدنيا رِضَى الله عن المؤمنين وانتصار لذلك المعنى الإنساني الكريم. ومع حريق الآخرة غضب الله، والارتكاس الهابط الذميم! ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحهم ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ الذي حصل به الفوز برضا الله ودار كرامته. الدنيا الهينة: إن الدنيا هينةُ على الله فقد قال النَّبيُّ ﵌: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وفي صحيح مسلم عن النَّبيِّ ﵌ قال: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى ـ أحد رواة الحديث ـ بِالسَّبَّابَةِ - فِى الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ». وفي صحيح مسلم أيضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ». فَقَالُوا: «مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَىْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ»،

стр. 955

قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ». قَالُوا: «وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ»، فَقَالَ: «فَوَاللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ». (الكَنفَ: الجانِب والناحِية. أسكَّ: أي: صغير الأُذنين). إن الدنيا هينةُ على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفةُ التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. فقيمتها الشرائية صفر، ليس لها قيمة. وإذا كانتِ الدنيا هينةُ على اللهِ هذا الهوان، فإن اللهَ لم يَرْضَها جزاءً لأوليائِه. وأيضًا لم يجعلَ العذابُ فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه. كلا إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين. استمع إلى هذه الآيات: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (الزخرف: ٣٣ - ٣٥). أما الدنيا فأهون على الله من أن يجعلها للمتقين جزاء، أو يجعل العذاب فيها فقط جزاء الكافرين. كلا. لولا أن تفتن قلوب الناس لأعطى الدنيا للكافرين، كل ذلك قليلُ وحقير وتافه: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٣٥). ولكن قلةَ هذا المتاع وضآلته وتفاهته لا تظهرُ إلا إذا قورن بالعمرِ الأبديِ الخالدِ في الآخرة. هناك تظهرُ قلةَ هذا المتاع. ولذا لما ذكر اللهُ زهو الكافرين ومظاهر القوة التي يتمتعون بها، وتقلبَهم في البلاد واستيلاءهم عليها، ذكر ذلك وعبر عنه بقوله : ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧).

стр. 956

﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ (الزمر: ٨). نعم قليلًا، تمتع بكفرك قليلًا، قد يكون هذا القليل ستون سنة. قد يكون سبعون، قد يكون مائة، ولكن كم تساوي هذه الومضة في عمر الخلود الأبدي في الآخرة؟ كم تساوي هذه الومضة في عمر أبدي خالد في دار الجزاء. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٣). قالوا يومًا .. ثم تكاثروا اليوم، فرجعوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾، ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المؤمنون: ١١٤). كان هذا القليل عشرات السنين، ولكنها أصبحت في عمر الخلود الأبدي في الآخرة يومًا، كلا فاليوم كثير، بعض يوم، بعض يوم وهم مستيقنون أنه بعض يوم فاسأل العادين. ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ (المؤمنون: ١٤). هناك يأتي الجزاءُ الحقيقي. ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنزل على رسول الله ﵌ تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقي، والعقوبةَ الحقيقةَ والجزاء الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ (الغاشية: ٢٥ - ٢٦). ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ (يونس: ٤٦). قد ترى شيئًا من عقوبتهم، وقد يتوفاك قبل ذلك. ولكن العبرةُ بالمرجع إلينا، وهناك سيلقون ربًا كان شهيدًا على فعلهم كلِه، كلِ الذي فعلُوه لم يكن خافيًا على الله، كان مطلعًا عليه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ (الزخرف: ٨٣). حينها كيف سيكون حالهم؟ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (المعارج: ٤٣ - ٤٤). فاليوم أبصارهم خاشعة، وكبرياؤهم ذليل، لماذا؟ ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (المعارج: ٤٤). لأنهم في يوم الموعد، لقد وعدوا ذلك اليومَ.

стр. 957

وعدوا به في الدنيا ولكن استهانوا واستخفوا، فما بالوا وما اكترثوا ولا استعدوا فما أسرعَ ما لقوه. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ (إبراهيم: ٤٢ - ٤٣). ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: أي تنفتح فلا تغمض لشدة ما ترى من الأهوال. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: أي مسرعين الى الداعي الذي دعاهم الى الحشر، رافعي رؤوسهم. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: أي فارغة من العقل لشدة الخوف والفزع. هنا نعلم أنه ليس بالحتم أن تحلَ العقوبةُ بالظالمينَ في الدنيا. ليس بالحتم أن يعجلوا بالعقوبة. ولكن الذي نحن منه على يقين أن ظلمَهم واجتراءهم على الله، وانتهاكَهم لحرماتِ الله، لم يجرِ في غفلةٍ من الله. ثم ليست كلُ عقوبةٍ لابد أن تكون ماثلةً للعيان، فهناك عقوباتُ تدبُ وتسري إلى المعاقبينَ بخفية، تسري فيهم وتمضي منهم وتتمكن من هؤلاء وهم - لمكر الله بهم - لا يشعرون. قد يُمْلِي اللهُ لظالمِ ولكن ليزدادَ من الإثمِ وليحيطَ به الظلمُ، ثم يوافي اللهَ بآثامه كلِها وجرائمهِ كلِها، ليوافي حينئذٍ جزاءه عند ربٍ كان في الدنيا مطلعًا عليه، شهيدًا عليه، رقيبًا عليه. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ (آل عمران: ١٧٨). إنا إذا رأينا إملاء اللهِ للظالمين وتمكينه للمجرمين فينبغي أن نعلم باليقين وإلا فنحن نعلم بالإيمان أن الجزاءَ مدخرٌ هناك، ولذا فلا دعي للبحث عن كوارث دنيوية تحل بهم. إنك تشفق على بعض الطيبين عندما تراهم يجهدون أنفسهم في البحث عن عقوبة دنيوية حلت بهذا الظالم أو ذاك المجرم، حتى إذا لم يجدوا شيئًا قالوا الموت هو العقوبة. كلا. لقد مات الأطهار والأبرار والرسل الكرام، ولكن العبرة هناك في دار الجزاء. ويجب أن لا يغترَ أحدُ بأي مظهرٍ من مظاهر القوةِ أُتيها، فمظاهرُ القوةِ في الدنيا نسبية، ولكنها كلها على تفاوتها تتعطل حينما يوقفُ العبدُ بين يدي الله .

стр. 958

٦٢ - مفهوم الإفساد في الإسلام من أعظم الإفساد الصد عن سبيل الله وتعطيل شريعته: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ (النحل: ٨٨). حيث كفروا بأنفسهم، وكذبوا بآيات الله، وحاربوا رسله، وصدوا الناس عن سبيل الله ، وصاروا دعاة إلى الضلال فاستحقوا مضاعفة العذاب، كما تَضاعَف جرمُهم، وكما أفسدوا في أرض الله . تطبيق القوانين الوضعيّة والبعد عن شرع الله من أعظم الفساد في الأرض: قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ (المؤمنون: ٧١). فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة. وبالحق الواحد يُدَبَّر الكون كلّه، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة. ولو خضع الكون للأهواء العارضة، والرغبات الطارئة لَفَسَد كله، ولفسد الناسُ معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات، وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد، على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد. ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءًا من الناموس الكوني. والبشر جزء من هذا الكون خاضع لناموسه الكبير؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق عجيب.

стр. 959

بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون:٧١) إنما يخضع للحق الكلي، ولتدبير صاحب التدبير. وهذه الأمة التي جاء لها الإسلام كانت أوْلى الأمم باتباع الحق الذي يتمثل فيه. ففوق أنه الحق هو كذلك مجد لها وذكر. وما كان لها من ذكر لولاه في العالمين: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: ٧١). وقد ظلت أمة العرب لا ذكر لها في تاريخ العالم حتى جاءها الإسلام. وقد ظل ذكرها يُدَوّي في آذان القرون طالما كانت به مستمسكة. وقد تضاءل ذكرها عندما تخلت عنه، فلم تعد في العير ولا في النفير. ولن يقوم لها ذكر إلا يوم أن تفيء إلى عنوانها الكبير. قال تعالى: ﴿ ... لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠). وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ (الزخرف: ٤٣ - ٤٤). ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ فعلًا، واتّصافًا بما يأمر بالاتصاف به، ودعوةً إليه، وحرصًا على تنفيذه في نفسك وفي غيرك. ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٍ إلى الله وإلى دار كرامته، وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به والاهتداء إذا علمت أنه حق وعدل وصدق، تكون بانيًا على أصلٍ أصيل، إذا بَنَى غيرك على الشكوك والأوهام، والظلم والجور. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: هذا القرآن الكريم ﴿لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يُقَادر قدْرُها، ولا يُعرَف وصْفُها، ويذكركم أيضًا ما فيه الخير الدنيوي والأخروي، ويحثكم عليه، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عنه: هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرًا منكم

стр. 960

بهذه النعمة؟ فنَصّ هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين: أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة، فلا حجة بعد التذكير. أو أن هذا القرآن يرفع ذِكْرَك وذِكْرَ قومك. وهذا ما حدث فعلًا. فأما الرسول ﵌ فإن مئات الملايين من الشِفَاه تُصلي وتسلم عليه، وتذكره ذكر المحب المشتاق آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة ألف وأربع مئة عام. ومئات الملايين من القلوب تخفق بذِكْرِه وحُبِّه منذ ذلك التاريخ البعيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم، وإن أحست اعتبرتهم على هامش الحياة. وهو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية. وهو الذي واجهوا به الدنيا فعرفَتْهم ودانَتْ لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به. فلما أنْ تخلّوْا عنه أنكَرَتْهم الأرض، واستصغرَتْهم الدنيا؛ وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين!! وإنها لَتَبِعَةٌ ضخمة تُسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة، إذا هي تخلت عن الأمانة: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾. المسلم لا يطيع المفسدين من العَلَمانيين وغيرهم: قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥١ – ١٥٢). ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين تجاوزوا الحد ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ أي الذين وَصْفُهم ودأبُهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها إفسادا لا إصلاح فيه وهذا أضر ما يكون لأنه شر محض. ويجب فضح المناهج والاتجاهات والأوضاع والمبادئ والسبل المخالفة للإسلام ليحيى مَن حَيَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. ولقد كان من مهمة الأنبياء

стр. 961

والمرسلين ﵈ كشف طريق الضلال لئلا يلتبس بطريق الحق. فكان النبي يقول لقومه: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥١ – ١٥٢). واستبانة سبيل المجرمين هي من مقاصد القرآن: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:٥٥). فمن مهمات الدعوة الإسلامية على مدى الزمن أن تزيل أي التباس أو غموض قد يصيب الناس، فيلبسون المنافق ثوب المؤمن الصادق، أو يلبسون المبتدع الضال ثوب المتّبِع المهتدي. من الإفساد استضعاف المؤمنين وتعذيبهم: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ (القصص: ٤). ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره، وسطوته. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، استضعفهم بحيث إنه رأى أنهم لا مَنَعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ فلا يقتلهن، يفعل ذلك خوفًا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. ﴿ ... إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. من الإفساد التخريب والتدمير: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي

стр. 962

قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ (البقرة: ٢٠٤ – ٢٠٦). هذا المخلوق الذي يتحدث، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير، ومن الإخلاص، ومن التجرد، ومن الحب، ومن الترفع، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس. هذا الذي يعجبك حديثه. تعجبك ذلاقة لسانه، وتعجبك نبرة صوته، ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ زيادة في التأثير والإيحاء، وتوكيدًا للتجرد والإخلاص، وإظهارًا للتقوى وخشية الله. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ تزدحم نفسه باللدد والخصومة، فلا ظل فيها للود والسماحة، ولا موضع فيها للحب والخير، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار. هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره، هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان، حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء، وانكشف المستور، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وإذا انصرف إلى العمل، كانت وجهته الشر والفساد، في قسوة وجفوة ولدد، تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والإثمار، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال، وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد، مما كان يستره بذلاقة اللسان، ونعومة الدهان، والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ولا يحب المفسدين الذين يُنْشِئون في الأرض الفساد. والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس، ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي

стр. 963

قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا، فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض، وأهلك الحرث والنسل، ونشر الخراب والدمار، وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد. إذا فعل هذا كله ثم قيل له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ تذكيرًا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه، أنكر أن يقال له هذا القول، واستكبر أن يُوَجَّهَ إلى التقوى، وتعاظم أن يُؤْخَذ عليه خطأ وأنْ يُوَجَّه إلى صواب. وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن ﴿بِالْإِثْمِ﴾ فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يُذَكَّر به، وأمام الله بلا حياء منه، وهو الذي كان يُشْهِد الله على ما في قلبه، ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء! هذا الذي عناه القرآن تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن! وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم، واللدد في الخصومة، والقسوة في الفساد، والفجور في الإفساد. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ حسبه! ففيها الكفاية! جهنم التي وقودها الناس والحجارة. جهنم التي يُكَبْكَبُ فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون. جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة. جهنم التي لا تُبقِي ولا تذر. جهنم التي تكاد تميز من الغيظ! حسبه جهنم ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ويا للسخرية القاصمة في ذكر ﴿الْمِهَادُ﴾ هنا. ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء! الله لا يحب الفساد والمفسدين: قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص: ٧٧). قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة: ٢٠٥).

стр. 964

الله لا يصلح عمل المفسدين: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ (يونس: ٨١). ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، فـ ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا؟!! وهكذا كل مفسد عمل عملًا واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روَجَانٌ في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق. وأما المصلحون الذين قصْدُهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم. الله يعلم المفسد من المصلح: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (البقرة:٢٢٠). فيجازي كل إنسان بما يستحق، وهذا يقتضي أن يميز بينهما في الثواب والجزاء، ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي، والإصلاح الديني، والدنيوي، ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ (آل عمران:٦٢ - ٦٣). أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجج الواضحات التى أخبرناك بها وقصصناها عليك، فأنذرهم بسوء العاقبة، وأخبرهم أن

стр. 965

الله عليم بهم، وبما يقولونه ويفعلونه من فساد في الأرض، وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم. فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن الله عليم بإفسادهم ولن يتركهم بدون عقوبة. وهذه الجملة الكريمة تتضمن فى ذاتها تهديدًا شديدًا لكل من أعرض عن الحق الذى جاء به النبى ﵌؛ لأن الله ليس غافلًا عن إفساد المفسدين، وإنما يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. نتيجة الإفساد عذاب الله : قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (الفجر: ٦ – ١٤). يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بقلبك وبصيرتك كيف فعل الله بهذه الأمم الطاغية، وهي ﴿إِرَمَ﴾ القبيلة المعروفة في اليمن ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أي: القوة الشديدة، والعتو والتجَبُّر. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: مثل عاد ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ أي: في جميع البلدان في القوة والشدة، كما قال لهم نبيهم هود ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ٦٩). ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي: وادي القرى، نحتوا بقُوّتهم الصخور من الجبال يبنون به القصور بالوادى. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تُثَبِّت الأوتاد ما يراد إمساكه بها، والذين يشدون ملكه كما تشد الأوتاد الخيام، ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ هذا

стр. 966

الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومَن تَبِعَهُم، فإنهم طغوا في بلاد الله ، وآذَوْا عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ وهو العمل بالكفر وشُعَبِه من جميع أجناس المعاصي، وسَعَوْا في محاربة الرسل وصَدِّ الناس عن سبيل الله، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم، أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبًا وسوط عذاب، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ لمن عصاه يُمْهِلُه قليلًا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. المفسدون خاسرون: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ (البقرة: ٢٧). ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده، الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يُبَالون بتلك المواثيق، بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه، وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله ﵌ بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نَصِلَها. فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم، معتاضين عنها بالفسق والقطيعة، والعمل بالمعاصي، وهو: الإفساد في الأرض. فـ ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: من هذه صفته ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح؛

стр. 967

لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان؛ فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر. وأما الخسار الذي قد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، وقد يكون تفريطًا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر:٢)؛ فهذا عام لكل مخلوق، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وحقيقة فوات الخير الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه. المفسدون لهم اللعنة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ (الرعد: ٢٥). ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ أي: من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله ﵈، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ فلم يَصِلُوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وَصَلوا الأرحام ولا أدَّوْا الحقوق، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي، والصَدّ عن سبيل الله وابتغائها عوجًا، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ... أي: البعد والذم من الله وملائكته وعباده المؤمنين، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي: الجحيم بما فيها من العذاب الأليم. المفسدون يندمون حين لا ينفع الندم: قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ (يونس: ٩٠ - ٩٢).

стр. 968

قال المفسرون: إن بني إسرائيل لِمَا في قلوبهم من الرعب العظيم من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشَكُّوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها؛ لعدم إقبالهم عليها. وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرَتْ به الرسل. لولا أن الله يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومَنْعِهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه: قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ (البقرة: ٢٥١).

стр. 969

٦٣ - مفهوم الإصلاح في الإسلام الإصلاح هو منهج الرسل وأتباع الرسل: كانت دعوات الرسل جميعهم دعوة للإصلاح كما قال نبي الله شعيب ﵇ عندما دعا قومه إلى توحيد الله وعبادته والالتزام بما شرعه لهم من الأحكام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود:٨٨)، فالإصلاح هو منهج الرسل وأتباع الرسل، بعكس الإفساد الذي هو منهج المنافقين ومعارضي رسل الله رغم تبجحهم بزعم الصلاح. قال الله عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (البقرة: ١١ - ١٢). ومن هنا فإن الله ينهى عن طاعة المسرفين أصحاب الفساد في الأرض إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥١ – ١٥٢). ولا أحد أحسن في سلوك طريق السياسة النافعة أو الإصلاح من رسل الله الذين أرسلهم لقيادة العالمين في طريق الهداية والخير. والصلاح والإصلاح والعزة والكرامة واللحاق بركب التقدم، كل ذلك يتحقق بإسلام الوجه لله بعيدًا عن المتاجرة بالشعارات، نحن نريد إقامة حضارة على منهاج النبوة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الإصلاح والنجاة: قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (هود: ١١٦ - ١١٧). ذكر أنه لولا أنه جعل في القرون الماضية بقايا، من أهل الخير يدعون إلى

стр. 970

الهدى، وينهون عن الفساد والردى، فحصل من نفعهم ما بقيت به الأديان، ولكنهم قليلون جدًا. وغاية الأمر، أنهم نجوا، باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلِك مَن هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة. وَلكن ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: اتبعوا ما هم فيه من النعيم والترف، ولم يبغوا به بدلا. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي: ظالمين، باتباعهم ما أترفوا فيه، فلذلك حق عليهم العقاب، واستأصلهم العذاب. وفي هذا حَثّ لهذه الأمة، أن يكون فيهم بقايا مصلحون، لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يَدْعُون مَن ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى. وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون إماما في الدين، إذا جعل عمله خالصا لرب العالمين. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. أي: وما كان الله ليهلك أهل القرى بظلم منه لهم، والحال أنهم مصلحون، أي: مقيمون على الصلاح، مستمرون عليه، فما كان الله ليهلكهم، إلا إذا ظلموا، وقامت عليهم حجة الله. ويحتمل، أن المعنى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق، إذا رجعوا وأصلحوا عملهم، فإن الله يعفو عنهم، ويمحو ما تقدم من ظلمهم. وهاتان الآيتان تكشفان عن سُنة من سنن الله في الأمم. فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي

стр. 971

يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب؛ وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحُولُون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع. الإصلاح لا يكون إلا بطاعة الله ـ واتباع شرعه: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ (الأعراف: ١٧٠). ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنًا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم. وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن الله بعث رسله ﵈ بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل مَن كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم. إن الصيغة اللفظية: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ تصور مدلولًا يكاد يُحَسّ ويُرَى. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجِدّ وصرامة. الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه، في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت، فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمُّت شيءٌ آخر. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميُّع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون

стр. 972

«الواقع» هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكومًا بشريعة الله! والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونًا إلى الشعائر يعني مدلولًا معينًا. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه. والإشارة إلى الإصلاح في الآية: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ يشير إلى هذه الحقيقة، حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملًا، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين. وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني: ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس، وتَرْك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب، وكالذي يصنعه أهل كل كتاب، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله. إنه منهج متكامل يقيم الحكم على أساس الكتاب، ويقيم القلب على أساس العبادة، ومِن ثَمَّ تتوافى القلوب مع الكتاب؛ فتصلح القلوب، وتصلح الحياة. إنه منهج الله، لا يُعْدَل عنه ولا يُستَبْدَلُ به منهجٌ آخر، إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب! الإصلاح طريق الأنبياء: قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

стр. 973

وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (هود: ٨٤ - ٨٨). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا إِلَى ﴿مَدْيَنَ﴾ القبيلة المعروفة، الذين يسكنون مدين في أدنى فلسطين ﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسب ﴿شُعَيْبًا﴾ لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخْذِ عنه. فـ ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي: بنعمة كثيرة، وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله، فيزيلها عنكم. ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: عذابا يحيط بكم، ولا يُبْقِي منكم باقية. ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل الذي ترضون أن تُعْطَوْه، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخْذِها، بنقص المكيال والميزان. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فإن الاستمرار على المعاصي يُفْسِد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويُهْلك الحرث والنسل.

стр. 974

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غُنْيَة، وهو ضار لكم جدًا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاعملوا بمقتضى الإيمان، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لست بحافظ لأعمالكم، ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا، فأبلغكم ما أرْسِلْتُ به. ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: قالوا ذلك على وجه التَهَكّم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنَهْيِك لنا، إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك، ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ وكذلك لا يوجب قولك لنا: ما قلت لنا، من وفاء الكيل، والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا، لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف. ولهذا قالوا في تهكمهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أي: أئنك أنت الذي، الحلمُ والوقارُ لك خُلُق، والرشدُ لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رُشْد، ولا تأمر إلا برشد، ولا تنهى إلا عن غيٍّ، أي: ليس الأمر كذلك. وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!! وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن الأمر بعكسه، ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه: إن صلاته تأمره أن ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير الله، ومِن مَنْع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل

стр. 975

والموازين، وهو ﵊ الحليم الرشيد. ﴿قَالَ﴾ لهم شعيب: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: يقين وطمأنينة، في صحة ما جئتُ به، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: أعطاني الله من أصناف المال ما أعطاني. ﴿وَمَا﴾ أنا لا ﴿أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فلست أريد أن أنهاكم عن البخس، في المكيال، والميزان، وأفعله أنا، وحتى تتطرق إليَّ التهمة في ذلك. بل ما أنهاكم عن أمر إلا وأنا أول مُبْتَدِرٍ لتَرْكِه. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي. ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدتُ في أموري، ووثقْتُ في كفايته، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي هذا التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (هود: ١٢٣) وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥). المؤمن المصلح يستعين بالله على المفسدين: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ

стр. 976

كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ (العنكبوت: ٢٨ - ٣٠). أرسل الله لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبيَّن لهم قبائحها في نفسها، وما تئول إليه من العقوبة البليغة، فلم يَرْعَوُوا ولم يذّكّروا. ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأيس منهم نبيُّهم، وعَلِم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ فاستجاب اللهُ دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. طريق الإصلاح في البعد عن طريق المفسدين من الشيوعيين والعَلَمانيين وغيرهم والبعد عن نظرياتهم التي تخالف شرع الله : قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (الأنبياء: ٢٢ - ٢٣). وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ (الأعراف: ١٤٢). ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل: كن خليفتي على قومي. ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح، ومُرْهُم بالصلاح، وأصلح بينهم ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تتبع طريق الذين يعملون بالمعاصي، ولا ترضى به، واتّبع سبيل المطيعين. النهي عن الإفساد بعد الإصلاح: قال ابن القيّم ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾

стр. 977

(الأعراف: ٥٦): «قال أكثر المفسّرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والدّعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله لها ببعث الرّسل، وبيان الشّريعة، والدّعاء إلى طاعة الله؛ فإنّ عبادة غير الله والدّعوة إلى غيره والشّرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنّما هو بالشّرك به ومخالفة أمره. فالشّرك والدّعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، ومطاع متّبع غير رسول الله ﵌ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلّا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدّعوة له لا لغيره، والطّاعة والاتّباع لرسوله ليس إلّا، وغيره إنّما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرّسول ﵌، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومَن تدبّر أحوال العالم وجد كلّ صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﵌، وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدوّ وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله ﵌، والدّعوة إلى غير الله ورسوله ﵌» (١). أعداء الإسلام الذين يحاربون شرع الله يقلبون الموازين ويتهمون دعاة الشريعة بالإفساد: قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾ (غافر: ٢٦). هل هناك شيءٌ أطْرَفُ من أن يقول فرعون الضال الوثني، عن موسى رسول الله ﵇: ﴿ ... إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾؟!! أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟

стр. 978

إنه منطق واحد، يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان على توالي الزمان واختلاف المكان. والقصة قديمة مكررة تعرض بين الحين والحين. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧). فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده؛ حيث يترتب عليها تلقائيًّا بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض، بقَلْب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تمامًا لهذه الأوضاع، الربوبية فيه لله لا للبشر. ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بتَرْكِ موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه.

стр. 979

٦٤ - خصائص الشريعة الإسلامية أيا عجبًا لأمتنا عُجابَا ... فكم طرقَتْ من الأفكارِ بابَا تظنُّ به من الخيراتِ فيضًا ... وتنْشُدُ فيه أنهارًا عِذَابَا فَقَدْ جرَّبْتُمُوا شرقًا وغربًا ... مناهجَ للصلاحِ غدَتْ خرابَا فمنكم قائلٌ: “ رأسٌ لمالٍ “ (١) ... به تَحْلو الحياةُ لمن أجابَا ومنكم قائلٌ: بل “ لاشتراكٍ “ (٢) ... ومنكم قائلٌ نرجُو “ انقلابَا” فررْتُم من شِراكِ الظالمينَ ... وصافَحْتُم بأيديكُم ذئابَا فلَا فِي الشرقِ بُغْيَتُكم ولَا فِي ... بلادِ الغربِ تلقَوْن انتسابَا فنِسْبَتُكم إلى الإسلامِ فخرٌ ... “ أبي الإسلام “ أفدِيه احتسابَا خزايَا الغربِ شاهدةٌ عليهِمْ ... ضلالُ الشرقِ بالإلحادِ آبَا فما في النارِ للظمآنِ ماءٌ ... وهل يُمسِي اللهيبُ بها شرابَا ومَن يَرْجُ الحياةَ بغيرِ وَحْيٍ ... فهل يلقَى بها إلا السَّرابَا ومَن يركَنْ لغيرِ الله يومًا ... فقدْ ضلّتْ مساعيهِ وخابَا فطَاعةُ ربِّنا شرْط النجاةِ ... يقينًا ما عرفْتُ لَهُ ارْتِيابَا

стр. 980

سِئِمْنَا قَولَ أشباهِ الرجالِ ... رويبضةٍ (١) ... فما يدْرِي الخِطابَا مسيلمةٌ لنا في كُلِ عصرٍ ... يُنادينا ويَنْتَحِبُ انْتِحَابَا ويُقْسِمُ مثل إبليسٍ بخيرٍ ... ويُقْسمُ أنَّ في الدينِ اضطرابَا فيا عُقَلاءَ أمتِنَا أفيقوا ... سيُفلحُ مَن تَوكلَ واستجابا فدِينُ الله لم يمسَسْهُ شَكٌ ... وشَرُّ القومِ مَن أزرَى وعابَا فيَا ليْتَ الرشادَ لنَا دليلٌ ... فيهدينا الحقيقةَ والصوابَا فقدْ قال الإلهُ به شفاءٌ ... لأمّتِنَا إذا عانَتْ مُصَابَا به الرَّحَمَاتُ تشمَلُ كلَّ حَيٍّ ... به البركاتُ تنْسكِبُ انسكابَا أما علِمَتْ بأنَّ الشّرْعَ نورٌ ... ومَن يُعرضْ فقد ذاق العذابا؟ فدينُ اللهِ منصورٌ لزامًا ... كَنُورِ الشمسِ يخترقُ السحابَا ومَن في الناسِ يُطفِئُ نورَ ربّي ... ومَن يُرْخِي عَلَى الحقِّ الحجَابَا؟!

стр. 981

خصائص الشريعة الإسلامية (خصائص الإسلام): الخصيصة الأولى: أنه من عند الله: مصدر الإسلام، ومشرع أحكامه ومناهجه، هو الله فهو وحْيُه إلى رسوله الكريم ﵌ باللفظ والمعنى (القرآن الكريم) وبالمعنى دون اللفظ (السنة النبوية). فالإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافًا جوهريًا عن جميع الشرائع الوضعية لأن مصدرها الانسان، أما الإسلام فمصدره رب الانسان، إن هذا الفرق الهائل بين الإسلام وغيره لا يجوز إغفاله مطلقًا ولا التقليل من أهميته. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء:١٠٥). يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظًا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل، بل نزل بالحق، ومشتملًا أيضًا على الحق، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عَدْل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (الأنعام: ١١٥)، وأخْبَرَ أنه أنزلَه ليَحْكُمَ بين الناس. وفي الآية الأخرى: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤).فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد وفي جميع مسائل الأحكام. ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي: لا بِهَوَاك، بل بما علَّمك الله وألهمك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ – ٤). وفي هذا دليل على عصمته ﵌ فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في القاضي: العلم والعدل لقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضًا الحكم بين الناس

стр. 982

على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل فقال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: لا تخاصم عن مَن عرفت خيانته، مِن مُدَّعٍ ما ليس له، أو مُنكرٍ حقًّا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يُعرَف منه ظُلم. ما يترتب على كون الإسلام من عند الله: أولًا: كماله وخلوه من النقائص: يترتب على كون الإسلام من عند الله كماله وخلوه من معاني النقص والجهل والهوى والظلم، لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر في ما يصنعه. ولما كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ويستحيل في حقه خلاف ذلك، فان أثر هذا الكمال يظهر في ما يشرعه من أحكام ومناهج وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملا. وهذا بخلاف ما يصنعه الانسان ويشرعه فإنه لا ينفك عن معاني النقص والهوى والجهل والجَوْر؛ لأن هذه المعاني لاصقة بالبشر ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين والشرائع التي يصنعونها. ثانيًا: ويترتب أيضا على كون الإسلام من عند الله، أنه يظفر بقدر كبير جدًا من الهيبة والاحترام مِن قِبَل المؤمنين به، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وسلطاتهم الدنيوية؛ لأن هذه السلطات وتلك المراكز لا تُخْرِجُهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الإيمان ولا يقسر عليها المسلم قسرًا. وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي وعدم الخروج عليه ولو مع القدرة على هذا الخروج.

стр. 983

أما القوانين والمبادئ الوضعية التي شرعها الإنسان فإنها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام والهيبة، إذ ليس لها سلطان على النفوس ولا تقوم على أساس من العقيدة والايمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام ولهذا فان النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها وتحقيقًا لرغباتها. إن القانون لا يكفي أن يكون صالحًا بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات، إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس ويحملهم على الرضى به والانقياد له عن طواعية واختيار. ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام، لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد ﵌، وإن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الايمان. وللتدليل على صحة ما نقول نضرب مثلًا واحدًا بشأن واقعة معينة عالجها الإسلام بتشريعه ونجح في هذه المعالجة، وعالجت هذه الواقعة بالذات القوانين الوضعية وفشلت في هذه المعالجة. من المعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا مولعين بشرب الخمر لا يجدون فيه منقصة ولا منكرًا، وكانت زقاق الخمر ودنانه في البيوت كالماء المخزون في القِرَب. فلما أتى الإسلام بتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (المائدة:٩٠) كان لكلمة ... ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ قوة هائلة تفوق قوة الجيش والشرطة وما يمكن أن تستعمله أي دولة لتنفيذ أوامرها بالقوة والجبر.

стр. 984

لقد قام المسلمون الى زقاق الخمر فأراقوها، وإلى دنانه فكسروها، وفطموا نفوسهم من شرب الخمر حتى غدوا وكأنهم لا يعرفون الخمر ولم يتذوقوها من قبل؛ لأن أمر الله ورد ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وأوامر الله من شأنها الاحترام والطاعة. وفي القرن العشرين أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تخليص مواطنيها من الخمر، وقبل أن تُشَرِّعَ قانون تحريم الخمر، مهدت له بدعاية واسعة جدًا لتهيئة النفوس إلى قبول هذا القانون، وقد استعانت بجميع أجهزة الدولة وبذوي الكفاية في هذا الباب. استعانت بالسينما ومسارح التمثيل وبالاذاعة وبنشر الكتب والرسائل والنشرات والمحاضرات والإحصائيات من قبل العلماء والأطباء والمختصين بالشؤون الاجتماعية. وقد قُدِّر ما أُنفِق على هذه الدعاية بـ (٦٥) مليون من الدولارات وكُتبت تسعة آلاف صفحة في مضار الخمر ونتائجه وعواقبه. وأنفِقَ ما يقرب من عشرة ملايين دولار من أجل تنفيذ القانون. وبعد هذه الدعاية الواسعة والمبالغ المنفقة شرعت الحكومة قانون تحريم الخمر لسنة ١٩٣٠م وبموجبه حُرّم بيعُ الخمور وشراؤها وصنعها وتصديرها واستيرادها. فماذا كانت النتيجة؟ لقد دلت الاحصائيات للمدة الواقعة بين تشريعه وبين سنة ١٩٣٣م أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نفس، وحُبس نصف مليون شخص، وغُرّم المخالفون له غرامات بلغت ما يقرب من أربعة ملايين دولار، وصودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بألف مليون دولار. وكان آخر المطاف أن قامت الحكومة الأمريكية بإلغاء قانون تحريم الخمر في أواخر سنة ١٩٣٣م، ولم تستطِع تلك الدعايات الضخمة التي قامت بها الدولة أن توجد القاعدة التي يرتكز عليها القانون في نفوس المواطنين، وبالتالي قاموا بمخالفته مما

стр. 985

حمل الحكومة على إلغائه؛ لأن القانون لم يكن له سلطان على النفوس يحملها على احترامه وطاعته، ومن ثم فشل وأُلغِي. أما كلمة ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ التي جاء بها الإسلام في جزيرة العرب فقد أثرت أعظم التأثير وطُبِّقَت فعلًا، وأريقت الخمور مِن قِبَل أصحابها وامتنعوا عنها، لا بقوة شرطي ولا بقوة جندي ولا رقيب ولكن بقوة الإيمان وطاعة المسلمين لشرائع الإسلام واحترامهم لها. الخصيصة الثانية: الشمول: الإسلام نظام شامل لجميع شؤون الحياة وسلوك الانسان. وهذا الوصف للإسلام وصف حقيقي ثابت للإسلام لا يجوز تجريده منه إلا بالافتراء عليه أو بسبب الجهل به. وشمول الإسلام هذا لشؤون الحياة وسلوك الانسان لا يقبل الاستثناء ولا التخصيص، فهو شمول تام بكل معاني كلمة الشمول، وهذا بخلاف المبادئ والنظم البشرية فإن الواحد منها له دائرته الخاصة التي ينظم شؤونها، ولا شأن له فيما عدا ذلك. وعلى هذا فلا يمكن للمسلم أن يقول إن هذا المجال لي أنظم أموري كما أشاء بمعزل عن تنظيم الإسلام، لا يمكن أن يقول المسلم هذا لأن الإسلام يحكمه من يافوخه إلى أخمص قدميه، وللإسلام في كل ما يصدر الانسان حكم خاص، كما له حكمه في كل ما يضعه في رأسه من أفكار وفي قلبه من ميول. وعلى هذا لا يجوز للمسلم أبدًا أن يسمح لغير نظام الإسلام أن ينظم أي جانب من جوانب حياته لأنه إن فعل ذلك دخل في نطاق معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي
следующие страницы →