وفي التخوض في أموال إخوانهم العامة بغير حق، فكم من المصارف الربوية التي توقع الناس في الربا فيما يدعى بالفوائد البنكية. وكم من قنوات الشر والفساد والإفساد وجرائد الشر والفتنة ومحلات الجشع والطمع من يبتلون المسلمين بمسابقات الميسر والقمار، وكم من التجار من يتعامل بالربا الذي لا مِرْية فيه، وكم من الموظفين والعمال من يأخذ الأجر ولا يقوم بالعمل كما ينبغي، وكم من الناس من يتلاعب بأموال المسلمين ومقدراتهم، سواء بأخذ الرشوة جهارًا نهارًا، أو الاقتطاع من مستحقات المشروعات والمرافق العامة، أو بأخذ ما لا يستحقه من انتدابات أو زيادات.
أفلا يكون ذلك سببًا في نزع البركات وقلة الخيرات، وقد قال سبحانه في الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦). صرح الله في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به. وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
(أَكْثَر مِنْ الرِّبَا) أَيْ أَكْثَرَ مَاله وَجَمَعَهُ مِنْ الرِّبَا.
ولا يُنال ما عند الله إلا بطاعتِه، والسعادةُ في القربِ من الله، وبالإكثار من الطاعات تحُلّ البركات، وبالرجوع إليه تتفتّح لك أبوابُ الأرزاق؛ فقد قال ﵌: «شرح السنة للبغوي - (ج ٧ / ص ٢٤٣)
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِن رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَهَا، وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا؛ فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنّ أحَدَكُم َاسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيةِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (رواه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني).
(رُوح الْقُدُسِ) أي الروح المقدسة وهو جِبْرِيلَ ﵇، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠٢). (نَفَثَ فِي رُوعِي) - بضم الراء
стр. 912
- أي ألقى الوحي في خَلَدي وبالي أو في نفسي أو قلبي أو عقلي من غير أن أسمعه ولا أراه، أما الرَّوْع - بفتح الراء - فهو الفزع ولا دخل له هنا، (أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَهَا) الذي كتبه لها الملَك وهي في بطن أمها، (وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا) كذلك؛ فإنه قسم الرزق وقدَّره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه القديم الأزلي، (فَاتَّقُوا اللهَ) أي ثِقُوا بضمانه، لكنه أمرنا تعبدًا بطلبه مِن حِلّه؛ فلهذا قال (وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ) بأن تطلبوه بالطرق الجميلة المحَلّلَة بغير كَدّ ولا حِرْص، ولا تهافت على الحرام والشبهات، أجْمَلَ: أي طلب في قصدٍ واعتدال مع عدم انشغال القلب، (وَلَا يَحْمِلَنّ أحَدَكُم اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ) أي اسْتِبْطَاءُ حصول الرزق (أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيةِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ) من الرزق وغيرِه (إِلَّا بِطَاعَتِهِ) فإنّ ما عند الله لايُنال بالحرام.
١١ - عدم الحلف في البيع:
فعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
(الْحَلِف) أَيْ الْيَمِين الْكَاذِبَة. (مَنْفَقَة) مِنْ النَّفَاقِ - بِفَتْحِ النُّونِ - وَهُوَ الرَّوَاجُ ضِدُّ الْكَسَادِ، وَالسِّلْعَة: الْمَتَاعُ. (مَمْحَقَة) الْمَحْقُ النَّقْص وَالْإِبْطَال.
وأَوْضَحَ الْحَدِيث أَنَّ الْحَلِفَ الْكَاذِبَ - وَإِنْ زَادَ فِي الْمَال - فَإِنَّهُ يَمْحَقُ الْبَرَكَةَ كَقَوْله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٦) أَيْ يَمْحَق الْبَرَكَةَ مِنْ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ زَائِدًا، لَكِنَّ مَحْقَ الْبَرَكَةِ يُفْضِي إِلَى اضْمِحْلَالِ الْعَدَد فِي الدّنْيَا، وَإِلَى اِضْمِحْلَال الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ.
وهذا الحديث فِيهِ النَّهْي عَنْ كَثْرَة الْحَلِف فِي الْبَيْع، فَإِنَّ الْحَلِف مِنْ غَيْر حَاجَة مَكْرُوه، وَيَنْضَمّ إِلَيْهِ تَرْوِيج السِّلْعَة، وَرُبَّمَا اِغْتَرَّ الْمُشْتَرِي بِالْيَمِينِ.
стр. 913
إذًا لا تحلف ولا تغشّ ولا تكذب ـ أخي البائع ـ حتى يبارك لك في بيعك وشرائك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيعَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صلَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْجَلَ عِقَابًا مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، والْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ» (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
(لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيعَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صلَةِ الرَّحِمِ) أي الإحسان إلى الأقارب بقول أو فعل (وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْجَلَ عِقَابًا مِنَ الْبَغْيِ) أي التعدي على الناس (وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) بنحو إساءة أو هجر (والْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ) أي الكاذبة (تَدَعُ) أي تترك (الدِّيَارَ بَلَاقِعَ) أَي فارغة لذهاب المَال، جمع بَلْقَع، وهي الأرض القفراء التي لا شئ فيها، أي أن الحالف يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق.
١٢ - اتباع هدي النبي ﵌ سبب للبركة في المأكل والمشرب:
البركةُ يتحرّاها العبدُ في مأكلِه في يومه وليلتِه، والطّعام المبارَك ما أكلتَه ممّا يَلِيكَ، وتجنّبتَ الأكلَ من وسط الصحفَة، وذكرتَ اسمَ الله عليه، فعَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
(فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ) أَيْ جَانِبَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا خُصوص التَّثْنِيَةِ، فَعن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ أتِيَ بِقَصعَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَدَعُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
(ذُرْوَتهَا) الذُّرْوَة - بِالضَّمِّ وَالْكَسْر -: أَعْلَى الشَّيْء، وَالْمُرَاد الْوَسَط، وَالْبَرَكَة وَالنَّمَاء وَالزِّيَادَة مَحَلّهَا الْوَسَط، فَاللَّائِق إِبْقَاؤُهُ إِلَى آخِر الطَّعَام لِبَقَاءِ الْبَرَكَة وَاسْتِمْرَارهَا وَلَا يَحْسُن إِفْنَاؤُهُ وَإِزَالَته.
стр. 914
وقوله ﵌: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ» يدل على أن الإنسان إذا أكل من أعلاه، أي من الوسط، نُزِعَت البركة من الطعام (١).
وأمَر رسول الله ﵌ بلَعقِ الأصابعِ والصحفة بعد الفراغ من الطعام رجاءَ البركة، فعَنْ جَابِرٍ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصابِعِ وَالصحْفَةِ وَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ» (رواه مسلم).
إن من آداب الأكل أن الإنسان إذا فرغ من أكْله فإنه يلعق الصحفة ويلعق أصابعه، يعني: يلحسها حتى لا يبقى فيها أثر الطعام؛ فقد تكون البركة فيما علق بالأصابع من الطعام.
والنبي ﵌ لا يأمر أمته بشيء إلا وفيه الخير والبركة.
وَقَوْله ﵌: «لَا تَدْرُونَ فِي أَيّه الْبَرَكَة» مَعْنَاهُ - وَاللهُ أَعْلَم - أَنَّ الطَّعَام الَّذِي يَحْضُرهُ الْإِنْسَان فِيهِ بَرَكَة وَلَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَة فِيمَا أَكَلَهُ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصابِعه أَوْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَسْفَل الْقَصعَة أَوْ فِي اللُّقْمَة السَّاقِطَة، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظ عَلَى هَذَا كُلّه؛
стр. 915
لِتَحْصل الْبَرَكَة، وَأَصل الْبَرَكَة الزِّيَادَة وَثُبُوت الْخَيْر وَالْإِمْتَاع بِهِ، وَالْمُرَاد هُنَا - وَاللهُ أَعْلَم - مَا يَحْصل بِهِ التَّغْذِيَة وَتَسْلَم عَاقِبَته مِنْ أَذًى، وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَة اللهِ تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ.
وفي الاجتماعِ على الطعام بركة، وفي التفرّق نَزعٌ لها، فعن وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﵌ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؟»، قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ»؟ قَالُوا: «نَعَمْ». قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ؛ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ». (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
وَحْشِيّ بْن حَرْب شَامِيّ تَابِعِيّ. (تَفْتَرِقُونَ): أَيْ حَالَ الْأَكْل بِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ أَهْل الْبَيْت يَأْكُل وَحْده. (وَاذْكُرُوا اِسْم اللهِ عَلَيْهِ): أَيْ فِي اِبْتِدَاء أَكْلِكُمْ. (يُبَارَك لَكُمْ فِيهِ): أَيْ فِي الطَّعَام.
قال الشيخ ابن عثيمين في شرح هذا الحديث من (رياض الصالحين):
«والتفرق على الطعام من أسباب نزع البركة؛ لأن التفرق يستلزم أن كل واحد يجعل له إناء خاص، فيتفرق الطعام وتنزع بَرَكته، وذلك لأنك لو جعلْتَ لكل إنسان طعامًا في صحن واحد أو في إناء واحد لَتَفَرَّق الطعام، لكن إذا جعلته كله في إناء واحد اجتمعوا عليه وصار في القليل بركة، وهذا يدل على أنه ينبغي للجماعة أن يكون طعامهم في إناء واحد ولو كانوا عشرة أو خمسة يكون طعامهم في صحن واحد بحسبهم؛ فإن ذلك من أسباب نزول البركة والتفرق من أسباب نزع البركة».
١٣ - صلاة أربع ركعات من أول النهار:
إن مما يساعد الإنسان على تحصيل البركة في عمره وماله صلاة أربع ركعات من أول النهار، قال رَسُولُ اللهِ ﵌: «قَالَ اللهُ – : «يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ». وفي رواية: «قَالَ رَبُّكُمْ : «يَا ابْنَ آدَمَ صلِّ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوَّلَ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» (رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني).
стр. 916
(يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ) أي عن صلاتها. (مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ) يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهَا فَرْض الصبْح وَرَكْعَتَا الْفَجْر أَوْ أُرِيدَ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَة صلَاة الضُّحَى. (أَكْفِك آخِره): يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد كِفَايَته مِنْ الْآفَات وَالْحَوَادِث الضَّارَّة، وَأَنْ يُرَاد حِفْظه مِنْ الذُّنُوب وَالْعَفْو عَمَّا وَقَعَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ.
١٤ - شكر الله على نعمه:
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧).
وحقيقة الشكر: أن تُظهِر في قلبك الفرح بالله وبنعمته وفضله عليك، ثم تخوض في العمل بموجبه، وذلك بالجوارح والقلب واللسان. أما الجوارح فباستعمالها في طاعة الله، والقلب فشكره دوام المراقبة، واللسان فشكره ذكر الله .
стр. 917
٥٨ - التبرك المشروع والتبرك الممنوع (١)
التّبرُّك: هو طلب البركة، والتبرك بالشيء: طلب البركة بواسطته.
ولا شك أن الخير والبركة بيد الله ، وقد اختص الله بعض خلقه بما شاء من الفضل والبركة، وأصل البركة: الثبوت واللزوم، وتطلق على النماء والزيادة.
والتبريك: الدعاء، يقال: برَّك عليه: أي دعا له بالبركة، ويقال: بارك الله الشيءَ وبارك فيه أو بارك عليه: أي وضع فيه البركة.
وتبارك لا يوصف بها إلا الله ، ولا تسند إلا إليه،، فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن المعنى عَظُمَ وهذه صفة لا تنبغي إلا لله .
وتباركه : دوام جوده، وكثرة خيره، ومجده وعلوِّه، وعظمته وتقدسه، ومجيء الخيرات كلها من عنده، وتبريكه على من شاء من خلقه.
واليُمْنُ: هو البركة: فالبركة واليُمن لفظان مترادفان.
والتبرك المشروع يكون بأمور، منها ما يأتي:
أولًا: التبرك بأمرٍ شرعيٍّ معلومٍ مثل كذكر الله وتلاوة القرآن، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ (ص:٢٩).
والتبرك بذكر الله وتلاوة القرآن الكريم، يكون على الوجه المشروع، وهو طلب البركة من الله بذكر القلب، واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع؛ لأن من بركات ذلك اطمئنان القلب، وقوة القلب على الطاعة، والشفاء من
стр. 918
الآفات، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومغفرة الذنوب، ونزول السكينة، وأن القرآن يكون شفيعًا لأصحابه يوم القيامة.
ولا يُتَبَرّك بالمصحف كوضعه في البيت أو في السيارة وإنما التبرك يكون بالتلاوة والعمل به.
والتبرك باسم الله ، والاستعانة بالله في التسمية، فهذا مشروع، فيما شرعت فيه التسمية.
ثانيًا: التبرك بأمرٍ حسيٍّ معلومٍ، مثل العلم، والدعاء، ونحوهما، فالرجلُ يُتَبَرّك بعلمه، ودعوته إلى الخير، فيكون هذا بركة لأننا نِلْنا منه خيرًا كثيرًا.
ثالثًا: التبرك بهيئةٍ شرعيَّةٍ مثل الاجتماع على الطعام، والأكل مِن جوانب القصعة، ولعق الأصابع، وكيْل الطعام. قال ﵌: “ اجْتَمِعُوا عَلى طَعَامِكُم وَاذْكُروا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني). وقال ﵌: “ البرَكَةُ تَنْزِلُ في وَسَطِ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ، وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وأمر الرسول ﵌ بلعق الأصابع وقال: “ فإِنَّهُ لاَ يَدْرِي في أَيَّتِهِنَّ البَرَكَةُ “ (رواه مسلم). وقال ﵌: “كِيلُوا الطَّعامَ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ “ (رواه البخاري).
رابعًا: التبرك بالأمكنة، فهناك أمكنةٌ جعل الله فيها البركة إذا تحقق في العمل الإخلاص والمتابعة كالمساجد، وخاصة المسجد الحرام والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، وأحاديث فضل الصلاة فيها مشهورةٌ معلومةٌ.
خامسًا: التبرك بالأطعمة، وهناك أنواعٌ مِن الطعام جعل الله فيها بركة مثل:
١ - الزيت، قال ﵌: “ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ “ أي: الزيتون (رواه الترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني).
стр. 919
٢ - الحبَّةُ السوداء، قال ﵌: “ الحبَّةُ السَّوْداءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلاَّ السَّام “ (رواه البخاري ومسلم)، والسام: الموت.
٣ - التبرك بشرب ماء زمزم؛ لأنه أفضل مياه الأرض، ويُشبع من شربه ويكفيه عن الطعام، ويُستشفى بشربه مع النية الصالحة من الأسقام؛ لأنه لما شرب له؛ وزمزم قال عنها رسول الله ﵌: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ؛ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (رواه مسلم).
قَوْله ﵌ فِي زَمْزَم: «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» أَيْ تُشْبِعُ شَارِبهَا كَمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَام.
وفي قصة أبي ذر أنه لما دخل مكة أقام بها شهرًا لا يتناول غير مائها، وقال: «مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوع» (رواه مسلم).
(حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْنِي) يَعْنِي اِنْثَنَتْ لِكَثْرَةِ السِّمَن وَانْطَوَتْ.
(سُخْفَة جُوع) أي رِقَّةُ الْجُوعِ وَضَعْفه وَهُزَاله.
وأيضًا ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض قال ﵌: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأرْضِ مَاءُ زَمْزَم؛ فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ» (صحيح رواه الطبراني).
(فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ) أي طعام إشباع أو طعام شبع من إضافة الشيء إلى صفته، والطُعم: الطعام (وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ) أي شفاء من الأمراض إذا شرب بنية صالحة.
وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ سدد خطاكم قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَفْعَلُهُ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وَحَمَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِى الأَدَاوَى وَالْقِرَبِ وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ. (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
стр. 920
٤ - التبرك بماء المطر، فلا شك أن المطر مبارك لما جعل الله فيه من البركة: من شرب الناس منه، والأنعام، والدواب، وإنبات الأشجار، والثمار، وأحيى به الله كل شيء. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (ق: ٩ - ١٢).
وعَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَطَرٌ، فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟».
قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى». (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:
«مَعْنَى (حَسِرَ) كَشَفَ أَيْ كَشَفَ بَعْض بَدَنه. وَمَعْنَى (حَدِيث عَهْد بِرَبِّهِ) أَيْ بِتَكْوِينِ رَبّه إِيَّاهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لَهَا فَيَتَبَرَّك بِهَا».
سادسًا: التبرك بالأزمنة، وهناك أزمنةٌ خصّها الشرع بزيادة فضلٍ وبركةٍ؛ مثل: شهر رمضان، وليلة القدر، والعشر الأول من ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل.
سابعًا: التبرك المشروع بذات النبي ﵌ في حياته؛ لأن النبي ﵌ مُبَارَك في ذاته وما اتصل بذاته؛ ولهذا تبرك الصحابة ﵃ بذاته ﵌، ومن ذلك، ما ثبت عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ.
قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْ الْمِسْكِ» (رواه البخاري). الهَجِيرُ والهَجِيرَةُ والهَجْرُ والهاجِرَةُ: نصفُ النهارِ عندَ زوالِ
والتبرك بالنبي ﵌ في حياته لا يقاس عليه أحد من خلق الله ؛ لما جعل الله فيه من البركة. فلا يقاس عليه غيره ﵌؛ فإنه لم يُؤْثَرْ عنه ﵌ أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة ﵃ أو غيرهم، ولم يُنْقَل أن الصحابة ﵃ فعلوا ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد مماته، ولم يفعلوه مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا مع الخلفاء الراشدين المهديين، ولا مع العشرة المشهود لهم بالجنة.
قال الإمام الشاطبي ﵀: «الصحابة ﵃ بعد موته ﵊ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﵌ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق سدد خطاكم، فهو كان خليفته، ولم يُفْعَل به شيءٌ من ذلك، ولا عمر سدد خطاكم، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحدَ أفضلُ منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها» (١).
ولا شك أن الانتفاع بعلم العلماء الصالحين، والاستماع إلى وعظهم، ودعائهم، والحصول على فضل مجال الذكر معهم فيها من الخير والبركة والنفع الشيء العظيم، ولكن لا يُتَبَرَّكُ بذواتهم وإنما يُعمل بعلمهم الصحيح، ويقتدى بأهل السنة منهم.
والتبرك بمعنى أن يُقال: بركة فلان، وذلك بما استفيد منه من العلم والتعليم والدعوة إلى الله وما حصل بسببه من الخير والصدقات التي يقدمها للفقراء والمساكين والمحتاجين والأيتام فهذا جائز، كما قال أسيد بن الحضير ﵁: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري).
стр. 923
والتبرك الممنوع منه ما يأتي:
أولًا: التبرك بالنبي ﵌ بعد وفاته ممنوع إلا في أمرين:
الأمر الأول: الإيمان به وطاعته وإتباعه، فمَن فعل ذلك حصل له الخير الكثير والأجر العظيم والسعادة في الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني: التبرك بما بقي من أشياء منفصلة عنه ﵌: كثيابه، أو شعره، أو آنيته، فهذا جائز حتى لو تبرك أحد بشعر النبي ﵌ بعد وفاته، فهذا لا محذور فيه. وما عدا ذلك من التبرك فلا يشرع، فلا يتبرك بقبره، ولا تشد الرحال لزيارة قبره، وإنما تشد الرحال لزيارة أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي.
وإنما تستحب الزيارة لقبره لمن كان في المدينة، أو زار المسجد ثم زار قبره، وصفة الزيارة: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم يذهب إلى القبر ويقف بأدب مستقبلًا الحجرة فيقول بأدب وخفض صوت: «السلام عليك يا رسول الله».
ولا يدعو عند القبر؛ لظنه أن الدعاء عنده مستجاب، ولا يطلب منه الشفاعة، ولا يتمسح بالقبر ولا يُقَبّلُه ولا شيء من جدرانه، ولا يتبرك بالمواضع التي جلس فيها أو صلى فيها، ولا بالطرق التي سار عليها، ولا بالمكان الذي أنزل عليه فيه الوحي، ولا بمكان ولادته، ولا بليلة مولده، ولا بالليلة التي أسري به فيها، ولا بذكرى الهجرة، ولا غير ذلك مما لم يشرعه الله ولا رسوله ﵌.
تنبيهات:
١ - التبرك بآثاره ﵌ له شروط منها الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا.
٢ - يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره ﵌، ويستعمله؛ ونحن نعلم أن آثاره من ثياب أو شعر أو فضلات قد فُقِدَتْ وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين.
стр. 924
وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا ويكون أمرًا نظريًّا محضًا فلا ينبغي إطالة القول فيه.
٣ - إن النبي ﵌ وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره ﵌ والتمسح بها وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة - وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه - إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي ﵌ بعد تلك الغزوة رغَّبَ المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك وصرَفَهم عنه وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله وأجدى.
وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي: عن عبد الرحمن بن أبي قُرَاد سدد خطاكم أن النبي ﵌ تَوَضَّأَ يَوْمًا فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﵌: «مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟». قَالُوا: «حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ». فَقَالَ النَّبِي ﵌: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهَ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا اؤْتُمِنَ، وَلْيُحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ». (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).
«مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟» أي التمَسُّح، وكان هذا من المعلوم الواضح عنده أنه للتبرك الناشىء عن حسن الاعتقاد في الله ورسوله، فالسؤال لإظهار ما يترتب على الجواب. قَالُوا: «حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ» أي الحامل، أو حملنا. فَقَالَ النَّبِي ﵌: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ» أي على وجه الكمال. «أَوْ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» (أو) للتنويع، أو بمعنى بل، وهو الأظهر، ويحتمل شك الراوي. «فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهَ» أي في حديثه. «إِذَا حَدَّثَ» أي متى تكلم وتحدث. «وَلْيُحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ» أي مجاورة جيرانه ومعاشرة أصحابه وإخوانه؛ فإن هذه الأوصاف من أخلاق المؤمنين، وأضدادها من علامات المنافقين؛ فالمدار على الأفعال الباطنة دون الأحوال الظاهرة، فكأنه ﵌ نبههم على أن جملة همتهم يجب أن تكون على أمثال هذه الأخلاق دون الاكتفاء بظواهر الأمور المشترك فيها المؤمن والمنافق والمخالف والموافق.
стр. 925
وخلاصة معناه أن ادعاءكم محبة الله ومحبة رسوله لا يتم ولا يستتب بمسح الوضوء فقط، بل بالصدق في المقال وبأداء الأمانة وبالإحسان إلى الجار.
٤ - هناك قصة مفتراة على الصحابية أم أيمن مولاة رسول الله ﵌ بأنها شربت بول النبي ﵌. رُوي عن أم أيمن أنها قالت: قام النبي ﵌ من الليل إلى فخارة من جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشى فشربت ما في الفخارة وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي ﵌ قال: «يا أم أيمن قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها». قلت: «قد والله شربت ما فيها». قالت: فضحك رسول الله ﵌ حتى بدت نواجذه ثم قال: «أما أنك لا يفجع بطنك بعده أبدًا».
(الحديث الذي جاءت به هذه القصة أخرجه الحاكم في (المستدرك) ولا يصح، وهذه القصة مفتراة على أم أيمن ﵂).
ثانيًا: من التبرك الممنوع: التبرك بالصالحين:
فلا يُتَبَرّك بذواتهم، ولا آثارهم، ولا مواضع عباداتهم، ولا مكان إقامتهم، ولا بقبورهم، ولا تشد الرحال إلى زيارتها، ولا يُصَلَّى عندها، ولا تُطلَب الحوائج عند قبورهم، ولا يُتَمَسَّح بها، ولا يُعْكَفُ عندها، ولا يُتَبَّرك بمواليدهم، وغير ذلك ومن فعل شيئًا من ذلك تقربًا إليهم فقد أشرك بالله شركًا أكبر، إذا اعتقد أنهم يضرون أو ينفعون، أو يعطون أو يمنعون، أما من فعل ذلك يرجو البركة من الله بالتبرك بهم فقد ابتدع بدعة نكراء، وعمل عملًا قبيحًا.
ثالثًا: من التبرك الممنوع:
التبرك بالأشجار، والأحجار، والقبور، والحيطان، والغيران كغار ثور وغار حراء، أو بالعيون أو غير ذلك، معتقدًا أنه بتمسحه بها، أو أخذ ترابها أو العكوف عندها، أنها تشفع له عند الله وأنها تعطيه الخير الكثير، وتمنحه النفع بنفسها وتدفع عنه الضر، فهذا شركٌ أكبر مخرج من ملة الإسلام، وفي حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ
стр. 926
يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ , اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بنو إِسْرَائِيلَ: ﴿ ... اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١) لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (رواه أحمد والترمذي والطبراني، وصححه الألباني).
والتبرك بالأشجار، والأحجار، والقبور وغيرها معتقدًا أنها سبب لحصول البركة، ولا يعتقد أنها تقرب إلى الله، أو تنفعه وتضره من دون الله، فهذا شركٌ أصغر.
والتبرك بالجبال والمواضع، يخالف ما كان عليه النبي ﵌، والتبرك بذلك يسبب تعظيم هذه الجبال والمواضع، ولا يجوز القياس على تقبيل الحجر الأسود أو الطواف بالبيت، فإن ذلك عبادة لله توقيفية، ولا يمسح غير الحجر الأسود والركن اليماني من الكعبة، لأن النبي ﵌ لم يستلم من الأركان إلا الركنين، اليمانيين باتفاق العلماء.
ولا يجوز التمسح ولا تقبيل مقام إبراهيم ولا الحِجْر، ولا شيء من جدران المسجد، ولا يُتَبَرّك بجبل حراء، ويسمى جبل النور، ولا تشرع زيارته، ولا الصعود إليه ولا قصده للصلاة، ولا يُتَبَرّك بجبل ثور، ولا تشرع زيارته، ولا جبل عرفات، ولا جبل أبي قبيس، ولا جبل ثبير، ولا يتبرك بالدور: كدار الأرقم ولا غيرها، ولا تشرع زيارة جبل الطور، ولا تشد الرحال إليه، ولا يتبرك بالأشجار والأحجار ونحوها.
стр. 927
٥٩ - قصة أصحاب الأخدود (١)
شَرِّدُوا أخيارَنا بَرًّا وبحرًا ... واقْتُلوا أبناءَنا حُرًا فَحُرّا
إنما الصالحُ يبقَى صالحًا أبَدَ ... الدهْرِ ويبقى الشرُّ شَرّا
كَسِّرُوا الأقلامَ هل تَكسيرُها ... يمنعُ الأيدِي أن تنقُشَ صخْرَا
اقطَعُوا الأيدِي هل تقطيعُها ... يمنعُ الأعينَ أن تنظرَ شَذْرا
أطفِئُوا الأعينَ هل إطفاؤُها ... يَمنعُ الأنْفُسَ أنْ تَصْعَدَ زَفْرَا
أخْمِدُوا الأنْفُسَ هذَا جُهْدُكُم ... وبهِ مَنْجَاتُنا مِنكُم فَشُكْرَا
النَّظر الشَّذْر: هو نَظَر المُغْضَبِ، زفَرَ الشَّخصُ زَفْرًا وزَفِيرًا: أخرج نَفَسه من رئتيه بعد مَدِّه إيّاه.
مذابح:
إن ما يتعرض له المسلمون من مذابح وتحريق وتشريد على أيدي اليهود في فلسطين، وعلى أيدي الهندوس في الهند وكشمير، وعلى أيدي البوذيين في بورما والصين، وعلى أيدي الروس في الشيشان، وعلى أيدي النصارى الأمريكان في العراق وأفغانستان وعلى أيدي الإثيوبيين في الصومال، وعلى أيدي الشيعة في العراق، وفي غيرها من بلاد المسلمين لَيُذَكِّرُنا بواجبنا نحو هذا الدين ووجوب الثبات عليه ونصرته والدفاع عنه والتضحية بأنفسنا وبأنفَس ما لدينا في سبيل الله .
راوي القصة أحد الأبطال:
هذه القصة حديث عن رسول الله ﵌. وراوي هذا الحديث هو صهيب الرومي سدد خطاكم والذي كان مستضعفًا في مكة وحِينَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: «أَتَيْتَنَا صُعْلُوكًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ ما بَلَغْتَ، ثم تريد أن تَخْرُجَ بِنَفْسِكَ وَمَالِكَ، وَاللهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ»، فَقَالَ لَهُمْ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟» فَقَالُوا: «نَعَمْ»، فَقَالَ: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي»، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﵌، فقال: «رَبِحَ صُهَيْبُ، رَبِحَ صُهَيْبُ» (رواه ابن حبان وغيره، وصححه الألباني)، الصعلوك: الفقير.
وفي صهيب سدد خطاكم نزل قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: ٢٠٧). وقال له النبي ﵌: «أبَا يَحْيَى، رَبِحَ البَيْعُ»، وتلا عليه هذه الآية. (رواه الحاكم وقال: “ صحيح على شرط مسلم “، وسكت عنه الذهبي في التلخيص).
وعن صهيب سدد خطاكم قال: خرج رسول الله ﵌ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر سدد خطاكم وكنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم ولا أقعد، فقالوا: «قد شغله الله عنكم ببطنه»، ولم أكُنْ شاكيًا، فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بَرِيدًا ليَرُدُّوني فقلت لهم: «هل لكم ان أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي وتَفُون لي؟»، فَتَبِعْتُهم إلى مكة فقلت لهم: «احفروا تحت أسكفة الباب فإنّ تحتها الأواق واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين». وخرجْتُ حتى قدِمْتُ على رسول الله ﵌ قبل أن يتحول منها - يعني قباء - فلما رآني قال: «يَا أبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ» ثلاثًا. فقلت: «يا رسول الله، ما سبقني إليك أحدٌ، وما أخبرك إلا جبريل – ﵇». (رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في التلخيص)، الأسكفة: عتبة الباب، والبَرِيدُ: مسافة قدرها فرسخان وقيل غير ذلك.
стр. 933
بطانة السوء:
عن صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: «إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ».
من هذا القول نجد نموذجًا لبطانة السوء التى يهمها أن تبقى الأوضاع التي يستفيدون منها وينعمون فيها، ومثلهم الواضح سحرة فرعون الذين جاءوا إلى المدائن لمواجهة موسى فكان أول ما قالوا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الأعراف: ١١٣).
فلم يسألوا عمن سيواجهون وما هي قضيته، فهذا لا يهم ولكن الذي يهم هو الأجر، غير أننا نلحظ أن الساحر في طلبه للغلام لم يكن يريد منفعة شخصية لأن الطلب جاء لما أحس الساحر بِدُنُوِّ أجله. فلم يكن يريد بهذا الطلب شخصه.
وهنا يبرز معنى جديد وهو أن الساحر لما كبر وعاش عمره في تهيئة الواقع للملك مستفيدًا ومنعمًا لم يصبح الأمر بالنسبة له منفعة ذاتية بل أصبح ذاته نفسها التي أحب أن تستمر في شخص الغلام فقد قضى عمره ساحرًا ولابد من امتداد لهذا العمر بعمر جديد. فكان طلبه للغلام.
وهنا مثال آخر:
لما انتهت معركة بدر وجد عبد الله بن مسعود ﵁ أبا جهل وبه آخر رمق، فوضع رِجْله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال: «هل أخزاك الله يا عدو الله؟»، قال: «وبماذا أخزاني؟ هل فوق رجل قتلتموه؟»، وقال: «فلو غير أكَّار قتلنى»، ثم قال: «أخبرني لمن الدائرة اليوم؟» قال: «لله ورسوله»، ثم قال لابن مسعود - وكان قد وضع رِجْله على عنقه -: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِىَ الغنم»، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة. وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه.
стр. 934
فها هو أبو جهل في الرمق الأخير يريد أن يطمئن على الباطل الذي كان يحمله. فتأمل حرص أهل الباطل على نشر باطلهم، فكيف لا يحرص المسلم على نشر الحق الذي يحمله.
الهداية من الله :
(فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: «إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ»).
الغلام في لغة العرب: من كان بعد سن الفطام وقبل البلوغ.
وبِقَدَر الله يلتقى الغلام بالراهب في طريقه إلى الساحر بصورة عجيبة فقد قعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان يجلس إلى الراهب راغبًا وإلى الساحر كارهًا.
وتلمح من النص أن الغلام كان على إصرار في القعود إلى الراهب لأنه كان يقعد إليه كلما أتى الساحر، رغم أن الساحر كان يضربه كلما تأخر عنه. وهذا الضرب يمثل بالنسبة للغلام بلاءًا وامتحانًا إذا راعينا أنه غلام صغير.
ولكن الله يريد أن يتربى هذا الغلام - من البداية - تربية حقيقية كاملة ويريد أن يكون ارتباطه بالدعوة متفقًا مع طبيعتها لأن هذا الغلام سيكون منطلقًا أساسيًا لتلك الدعوة، وسيكون دليل الناس إليها.
ولكن الغلام يشتكي إلى الراهب هذا البلاء شكوى الذي يعاني من مشكلة تعوق انطلاقه واستمراره ولم تكن شكوى الذي يقدم المعاذير ليتخلى ويتراجع.
ومن قول الراهب تتبين لنا نظرته إلى الواقع فقد كان يعتبره “ دار حرب “ ولهذا أجاز لغلامه أن يكذب إذ أن الكذب لا يجوز إلا في ثلاث حالات كما أخبر الرسول ﵌: «لاَ يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلاَّ فِى ثَلاَثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَالْكَذِبُ فِى الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 935
وَكَذِبه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ الْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وانْظُرْ فِي حِكْمَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ كَيْفَ حَرَّمَ النَّمِيمَةَ وَهِيَ صِدْقٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إفْسَادِ الْقُلُوبِ وَتَوْلِيدِ الْعَدَاوَةِ وَالْوَحْشَةِ، وَأَبَاحَ الْكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، إذَا كَانَ لِجَمْعِ الْقُلُوبِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ وَإِذْهَابِ الْعَدَاوَةِ.
والحرب هي الحالة التي كان الراهب يعتبر نفسه عليها مع المجتمع الذي يعيش فيه. ولتوضيح فكرة جواز الكذب في هذه الحالات الثلاث التي جاءت في الحديث نجد أن الجواز جاء بتلك الصيغة: «لاَ يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلاَّ فِى ثَلاَثٍ»، فالجواز هنا ليس أساسه أمر أو إباحة مطلقة ولكنه إباحة مقيدة بحالات محددة.
وليحذر كل مسلم الخروج عن حدود النصوص التي حددها النبي ﵌ في جواز الكذب حتى لا تتسرب تلك الصفة إلى طبيعته فيكتب عند الله كذابًا.
آيات تعين على الصبر:
ومع شدة البلاء والأذى تظهر الآيات التى تعين على الصبر وتطمئن النفوس: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ»، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: «أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ».
وهنا نَكتَشف أن الغلام كان قلقًا لتَلَقِّيه من الراهب والساحر في وقت واحد، ولقد كان من الممكن أن يستمر الغلام في تَلَقِّيه للدين والسحر دون قلق إذا كان يسمع للراهب والساحر بدون شعور أو تفكير لأن السماع حينئذ سيكون مجردًا من التأثر
стр. 936
وسيصبح الدين والسحر عند الغلام مجرد فكر وكلام ولكن القلق الذي نشأ في نفس الغلام كان بسبب تأثره العميق بكلام الراهب وإدراكه السليم لمعنى الدين.
وكان الغلام يطمئن إلي صدق ما عليه الراهب بدليل أنه لما أراد الدعاء الذي سيتحقق به الاطمئنان فعلًا قال: «اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ»، فالبدء بذكر أمر الراهب قبل الساحر يعني أنه يريد أن يرتبط إيمانه بالراهب.
وكذلك نجد أن الغلام قال: (اللهُمَّ) وهذا بلا شك ما تعلمه من الراهب ويكون هذا معناه أن المقياس الذي أراد الغلام أن يفاضل به بين الراهب والساحر هو من عند الراهب وبتعاليمه مما يدل على أن حقيقة الدين استقرت في ضمير الغلام وملأت عقله وكيانه.
المعلم التقي النقي:
كان الراهب تقيًا نقيًا «فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: «أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ».
كلمات كلها إخلاص وتجرد. فهذا الراهب المعلم أخبر الغلام أنه قد أصبح أفضل منه بلا حرج، ومن أين سيأتيه الحرج وقد خلصَتْ نفسُه لله ﵎؟ فهو لم يكن يُعَلّم ليُقَال عنه عالم، ولم يكن يدعو ليكون على رأس أتباع، وإذا تذكرنا أن الغلام كان صغيرًا سنًا، وأنه ما التقى بالراهب إلا منذ وقت قريب فإننا ندرك مدى الفهم الصحيح عند الراهب للدعوة؛ فالدعوة ليست بالعمر الذي يعيشه الإنسان ولكن بالإيمان والكفاءة والأثر.
المعلم المربي:
إن الراهب لما ذكر للغلام ميزته أتبعها بالمسئولية التى تقع عليه باعتبار تلك الميزة، وهذا في الواقع حماية للإنسان من الغرور؛ لأن الإحساس بتكاليفها يجعل
стр. 937
الإنسان يعيش في شعور دائم بميزاته فينحرف به ذلك الشعور إلى الغرور ولهذا لما قال الراهب للغلام: «أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي»، قال له: «وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى».
السرية والكتمان:
«فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ». وهذه هي فكرة السرية في منهج الدعوة.
وقد كانت السرية مرحلة أساسية في تاريخ الدعوة منذ بدايتها؛ فهذا نوح ﵇ يقول ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ (نوح: ٨ - ٩).
وتكشف لنا آيات القرآن إيمانَ رَجُلً من آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: ٢٨). فقد كان الرجل من آل فرعون واستطاع أن يكتم إيمانه.
وأيضًا زوجة فرعون نفسه كانت تكتم إيمانها؛ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ (التحريم: ١١). وذلك دون أن يدري فرعون.
стр. 938
٦٠ - استضعاف وثبات
كرامة الغلام:
«وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: «مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي»، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ» فَآمَنَ بِاللهِ فَشَفَاهُ اللهُ.
يتجاهل الغلام الفكرة التي عرضها الجليس- فكرة الهدايا - والتي لم تَنَل من إحساسه شيئًا ويقول له: «إِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ» وهنا ترتفع قيمة الأمر بالإيمان الذي طلبه الغلام في تصور الجليس لأن شفاؤه سيكون بهذا الإيمان ولأن الأمر بالإيمان كان بديلًا للهدايا والمادة التي تنال من نفوس الناس تقديرًا واعتبارًا فانعكس هذا التقدير والاعتبار على الأمر الذي طلبه الغلام «فَآمَنَ (جليس الملك) بِاللهِ فَشَفَاهُ اللهُ».
والملاحظة الدقيقة في تحرك الغلام أنه لم يقل للجليس: «فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ». مثلما قال له الراهب وذلك لأن الغلام انتقل بالدعوة من مرحلة السرية إلى المرحلة العلنية بهذا التحرك العلني العام وبدليل أنه كان «يُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ»، كل الناس.
إن الجليس قد أتى إلى الملك فجلس إليه كما كان يجلس من قبل.
فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟» قَالَ: «رَبِّي» قَالَ: «وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟» قَالَ: «رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ» فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ.
وفظيع جدًا أن يدعى الإنسان الربوبية لنفسه ولكن كيف يكون هذا الادعاء؟ فمن خلال دراسة هذه الظاهرة البشعة نجد أن القرآن سجلها على فرعون وعلى الملك
стр. 939
الذي حاجّ إبراهيم في ربه وهذان يتفقان مع هذا الملك في أمرين هما: الكفر بالله، والملك على الناس.
ونجد في رد الجليس نفيًا لربوبية الملك المدعاة من خلال إثبات ربوبية الله وحده على الملك حيث إنه ليس هناك رب لرب وبذلك يكون الجليس قد سوى بين الملك والناس في عبوديتهم لله ولم يكن الجليس ليستطيع هذه المواجهة إلا إذا خالط قلبه بشاشة الإيمان لأنه حينما يكون ذلك، تكون الثقة والطلاقة والقوة، وهؤلاء هم سحرة فرعون يسجدون لله بعد أن علموا أن موسى رسول الله وليس ساحرًا فيهددهم فرعون قائلًا: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ (طه: ٧١). فيردون عليه قائلين: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ (طه: ٧٢).
وهكذا أيضًا تعامل الملك مع الجليس «فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ».
لم يقتله فورًا حتى يكشف بقية المؤمنين.
فَجِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ»، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ» فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: «ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ»، فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: «ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ» فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ.
الملك الكافر يقول: (أَيْ بُنَيَّ) كلمة كلها مكر وخبث وضغط على نفس الغلام، وإغراء له بالقرب منه بما يتضمن هذا القرب من مستقبل زاهر وحياة مترفة، ويقول الملك: «قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ»، وقد حاول الملك بهذه العبارة أن يسرق ما كسبه الغلام من تقدير في نفوس الناس بأن يعود
стр. 940
بتفسير أعمال الغلام إلى السحر الذي تعلمه من ساحر الملك الذي أتى الملك إليه بالغلام.
ويفشل الملك في إغراء الغلام «فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ». ليست خيانة ولا عمالة ولكنها الطاقة البشرية المحدودة.
ولكن حدوث هذه النتيجة التي انتهى إليها الغلام لا يكون إلا بعد بلوغ حد الاستطاعة في الصبر والتحمل والثبات وهذا هو الحد الفاصل بين أن يكون المتكلم في محنة التعذيب معذورًا أو مقصرًا.
استضعاف وثبات:
فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: «ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ»، فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: «ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ» فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ.
وهذا الذي حدث من الملك مع الراهب والجليس هو الذي أخبر به الرسول ﵌ عندما شكوا إليه الاستضعاف.
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ سدد خطاكم قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ: «أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟»، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري).
(حَتَّى يَسِير الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاء إِلَى حَضْرَمَوْت) صَنْعَاء الْيَمَن بَيْنهَا وَبَيْن حَضْرَمَوْت مِنْ الْيَمَن أَيْضًا مَسَافَة بَعِيدَة نَحْو خَمْسَة أَيَّام.
مفاوضات مع الغلام:
стр. 941
ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ» فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ: «اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ» فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ.
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟»، قَالَ: «كَفَانِيهِمُ اللهُ».
فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ» فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: «اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ»؛ فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟» قَالَ: «كَفَانِيهِمُ اللهُ».
إن الملك لا قضية عنده ولا مبدأ، ولهذا لم يجد وسيلة في مواجهة الموقف إلا التعذيب والتقتيل، ونلاحظ أن الملك كان حريصًا على أن يرتد الراهب والجليس قبل أن يقتلهما؛ لأن ارتدادَهما قَتْلٌ للدعوة، وقتلهما حياة لها؛ ولهذا لم يقتلهما إلا بعد أن عرض عليهما الدعوة ويئس من الاستجابة.
ونلحظ حرص الملك الشديد على ارتداد الغلام حتى لا يسبب قتله حرجًا للملك وبلبلة في عقول الناس؛ لأن الغلام كان معروفًا لهؤلاء الناس بأعماله الطيبة وبحبه للخير. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الملك أراد أن تخسر الدعوة هذا الداعية، ويتحدث الناس أن الغلام لم يكن على شيء، لأنه ارتد عن دعوته.
ومن ناحية ثالثة فإن الملك كان طامعًا في أن يستفيد من هذا الغلام في تثبيت موقفه بجَعْله ساحرًا له، وداعيًا إلى مُلْكه طالما أن عنده هذه القدرة العجيبة على أن يعالج الناس من أدوائهم.
والذي يؤكد لنا حرص الملك على ارتداد الغلام هو الأسلوب الذي تعامل به معه. فقد أخَّره عن الراهب والجليس حتى يشهد مصرعهما فيتأثر ويضعف، وكذلك فإن الملك اختار وسيلة غير الوسيلة التي قتل بها الراهب والجليس. وسيلة فيها فرصة
стр. 942
للتردد والتفكير أثناء المسافة بين القصر والجبل، ثم صعود الجبل، والذي يؤكد لنا أن الملك كان يفعل ذلك بقصد ردة الغلام هو أنه طلب من أصحابه أن يعرضوا عليه الارتداد في ذروة الجبل وقبل أن يقذفوه.
ولكن الغلام يدعو الله فوق الجبل: «اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ».
بأي كيفية يرضاها الله وبأي سبب يختاره فليس التوكل على الله عند المؤمن محدودًا بخبرة الواقع ودراسة الظروف لأنه لو كان الأمر كذلك لما استطاع الغلام أن يدعو بهذا الدعاء؛ لأن الواقع لم يكن يحتمل أي تفكير، ولكنه التوكل بكامل حقيقته وجوهر معناه انطلاقًا إيمانيًا لا يتقيد بضيق الواقع وارتفاعًا وجدانيًا لا يهبط بشدة الظروف.
وعندما يتحقق التوكل، تتحقق الاستجابة بإذن الله.
فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ.
وسبب عودته إلى الملك هو سبب طلبه للنجاة من أصحاب الملك فوق الجبل وهو أن الدعوة لم تتم، وليست الحياة هدفًا يحرص عليه الدعاة إلا من خلال كونها ضرورة من ضرورات الدعوة سواء أكان تحقيق هذه الضرورة يتطلب الحرص على الحياة أو الحرص على الموت.
والذين يفسرون مصلحة الدعوة بالحرص على حياة الدعاة فحسب هم أصحاب التصور الناقص الذي لا يعدو أن يكون فلسفة للجبن أو للارتداد عن سبيل الله. والذين يندفعون إلى الموت برغبتهم النفسية دون اعتبار لمصلحة الدعوة إنما يبددون بذلك الاندفاع والتهور طاقة الدعوة وإمكانياتها.
وكما أن مصلحة الدعوة هي الحد الفاصل بين الجبن والشجاعة، فهي أيضًا الحد الفاصل بين الشجاعة والتهور، فالجُبْن هو عدم الاستعداد للتضحية، والتهور هو التضحية بلا ضرورة أو منفعة، والشجاعة هي التضحية الضرورية النافعة، وعلى هذا
стр. 943
لم يكن طلب الغلام للنجاة جبنًا ولم تكن عودته إلى الملك تهورًا بل كان في كلا الموقفين شجاعًا حكيمًا.
جَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ.
لم تؤثر محنته على منهج، عاد إلى نفس النقطة التي كان عليها، نفس الموقف الذي كان فيه، موقف المواجهة مع الملك، فقد تحقق للغلام إمكانية تلك المواجهة فلا يجوز التراجع ولا حتى التأجيل.
ولما ذهب إلى الملك سأله: «مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟».
ولا يريد الملك أن ينسب الأصحاب إليه لأنهم منهزمون أمام الغلام، حتى لا يكون لهزيمته بأصحابه أمام الغلام حساسية تؤثر على ادعاء الربوبية لنفسه فقال: «مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟». ولم يقل ماذا فعل أصحابي رغم أنهم أصحابه كما قال الرسول ﵌: «فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ».
قال الغلام: «كَفَانِيهِمُ اللهُ». ولعلنا نلاحظ أن قول الغلام للملك بعد النجاة: «كَفَانِيهِمُ اللهُ»، كان مثل قوله قبل النجاة: «اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ». نفس الكلمة التي قالها عند الضر فوق الجبل، قالها بعد كشف الضر واهتزاز الجبل بلا زيادة ولا تغيير، فقد ينطلق لسان الإنسان عند الضر بكلمات اللجوء إلى الله والاستغاثة به فإذا ما انكشف الضر تتغير الكلمات والألفاظ ويدخل فيها إحساس الإنسان بنفسه وعمله ويفسر الكشف الإلهي لضره بمجهود بذله أو تصرف تصرفه.
محاولة أخرى فاشلة:
ويحاول الملك قتله مرة ثانية.
فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ» فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: «اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ»؛ فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟» قَالَ: «كَفَانِيهِمُ اللهُ».
стр. 944
إن اختيار الملك لأسلوب القذف بالغلام في وسط البحر بعد محاولة القذف به من فوق الجبل يعتبر نموذجًا للمادية البحتة في مواجهة دين الله ، تلك المادية البحتة التى أعمت أصحابها عن قَدَر الله فوق ذروة الجبل حيث اهتز الجبل فسقطوا هم وعاد هو سالمًا. وكما اهتز الجبل فسقطوا، انكفأت السفينة فغرقوا، وعاد هو سالمًا.
وكما اهتز الجبل فسقطوا، انكفأت السفينة فغرقوا، وعاد هو سالمًا، وجاء يمشي إلى الملك.
ويقين الغلام بعجز الملك عن قتله وإن كان موقفًا خاصًا إلا أنه تضمن حقيقة اعتقادية مطلقة قالها رسول ﵌ لابن عباس في حديثه: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (رواه الترمذيُّ، وصححه الألباني).
الغلام الضعيف يأمر الملك:
«فَقَالَ لِلْمَلِكِ: «إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ»، قَالَ: «وَمَا هُوَ؟» قَالَ: «تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ»، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي».
ونرى في كلمات الغلام شيئين: إثبات عجز الملك، والأمر الذي سيأمر الملك به، ولعل هذا أول أمر يتلقاه الملك في حياته ويجد نفسه مضطرًا إلى تنفيذه. وبذلك يُنهِي الغلام ادعاء الربوبية الذي يدعيه الملك بإثبات عجزه واضطراره إلى تنفيذ الأمر الذي يصدر إليه. ولقد حرص الغلام على إنهاء هذا الإدعاء في ذلك الموقف لأنه الموقف الأخير الذي يجب أن ينتهي معه هذا الإدعاء الفظيع.
ويكون الأمر هو: «تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ»، حتى يشهدوا الأحداث ويفهموا معناها، ولقد بدأ الغلام أوامره بهذا الأمر حتى لا يُخفي الملك الحقائق التي
стр. 945
تفيد الناس وتساعدهم على الإيمان ومعرفة الحق. وهذا هو ماقصده موسى ﵇ عندما طلب من فرعون أن يكون موعد المواجهة بينه وبين السحرة يوم اجتماع الناس ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (طه: ٥٩).
ويستمر الغلام في إصدار الأوامر إلى الملك العاجز: «وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ» حتى يكتمل ضعف الغلام في إحساس الناس فيكون غلامًا صغيرًا مصلوبًا في جذع شجرة، حتى يسهل على الناس الانطلاق بإحساسهم نحو الإيمان بالقوة التي قهرت الملك والتي تقف مع ذلك الغلام الصغير المصلوب، قوة الله رب الغلام.
«ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي». واشتراط أن يكون السهم من كنانته هو؛ فيكون سبب القتل من عنده وتتأكد رغبته في القتل.
«ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ».
ولقد كان من الطبيعي أن يوضع السهم في كبد القوس ولكن الغلام جعل التصرف الطبيعي تنفيذًا لأمر منه حتى لا يتحرك الملك أي حركة من تلقاء نفسه ليكون خضوعه كاملًا ونهائيًا لأوامر الغلام.
«ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي».
وبهذا يكون الغلام قد أعطى للناس تفسيرًا للموقف فيكون قتله رغبة منه وسببًا من عنده، يتحقق بقدَر الله بعد أن عجز الملك.
الملك ينفذ أوامر الغلام:
«فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ»، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ».
стр. 946
يستجيب الملك لأوامر الغلام استجابة الضعيف المضطر فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ».
استجاب الملك لأوامر الغلام لأنه وجد نفسه أمام ثلاثة أمور:
١ - إما أن يترك الغلام يدعو بدعوته كيفما شاء، وهذا الحال كان سينتهي بإيمان الناس.
٢ - وإما أن يستمر في تأكيد عجزه عن ذلك وتتأكد للناس قوة الله الذي يحمي الغلام، وكان هذا الحال أيضًا سينتهي بإيمان الناس.
٣ - والأمر الثالث وهو ما اختاره الملك، والذي انتهى بقتل الغلام وأيضًا آمن الناس، فقد أراد الله أن يؤمن الناس وأن تعلو كلمته وقضى بذلك سبحانه وحكم ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
حقيقة قدرية هائلة:
«ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ». هذه العبارة تتضمن حقيقة قدرية هائلة. حقيقة الربط بين السبب والنتيجة وهي لحظة الفرق بين الضرب بالسهم وموت الغلام حيث يقول الرسول ﵌: «ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ». فلم يَمُتْ. لم يتحقق ربط السبب بالنتيجة.
«فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ». وقد كانت هذه الحقيقة القدرية الأخيرة التي تتحدد بها العلاقة بين السبب والنتيجة. سبقها عدة حقائق.
ففي القصة النتيجة التي تتحقق بعكس مقصود البشر من السبب فنفس الغلام الذي أراد البشر أن يكون داعية للضلال. يريد الله أن يكون داعية للحق، وفي نفس طريق الغلام إلى الساحر يلتقي بالراهب ويجلس إليه ويسمع منه ويعجبه كلامه.
стр. 947
وفي القصة النتيجة الهائلة بالسبب البسيط، مثلما قتل الغلام الدابة التي كانت تسد على الناس الطريق بحجر صغير. وهو المعنى المتحقق كذلك بهزيمة الملك ووقوع ما كان يحذره بسبب هذا الغلام الصغير.
وفي القصة المختلفة النتيجة الهائلة بالسبب الواحد وذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك فوق الجبل فرجف بهم الجبل وجاء إلى الملك وكذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك في السفينة فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك.
стр. 948
٦١ - الثبات حتى الممات
فتح باب الإيمان:
«فَقَالَ النَّاسُ: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ».
لقد كان آخر ما قاله الغلام هو أمره للملك بأن يقول: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ». وبهذه الكلمة فتح الغلام للناس باب الإيمان. فقد كانوا يعرفونه محبًا لهم وساعيًا لمنفعتهم ومداويًا لأدوائهم وما بقي إلا أن يعرف الناس أن للغلام ربًّا هداه إلى محبتهم وأذِنَ له بشفائهم.
«بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ» باسمه تحقق عجز الملك، وباسمه سيموت الغلام راغبًا من أجل إيمانهم، وهنا نشعر بمدى القهر الذي انتهى إليه الملك. فبعد أن كان يدَّعي الربوبية ويعذب ويقتل من لا يدَّعيها له، يقول في النهاية بنفسه: «بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ». ولذلك لم يكن الغلام خائفًا من أن تنعكس رؤية الناس له وهو يموت خوفًا من الملك بعد قهره بهذا الموقف.
كما أن الغلام لم يكن خائفًا لأنه استطاع أن ينشئ تعاطفًا كاملًا له في نفوس هؤلاء الناس بسلوكه معهم قبل ذلك وبموقف الموت ذاته حيث تحدد الفارق بينه كغلام صغير مصلوب على جذع شجرة وبين الملك الظالم.
وداعًا أيُّها البطلُ ... لفَقْدِك تَدمعُ المقلُ
لئنْ ناءَتْ بنا الأجسادُ ... فالأرواحُ تتصلُ
فنسألُ ربَّنا المولَى ... وفي الأسحارِ نبتهلُ
بأنْ نلقاكَ في فَرَحٍ ... بِدارٍ مَا بها مَللُ
بجنّاتٍ وروضاتٍ ... بها الأنهارُ والحُلَلُ
بها الحورُ تُنادينَا ... بصوتٍ مَا له مَثَلُ
стр. 949
بها الأحبابُ قاطبةً ... كذا الأصحابُ والرسلُ
بها أبطالُ أمَّتِنا ... بها شُهَدَاؤُنا الأوَلُ
فيَا مَن قَدْ سَبَقْتَ ... إلى جِنَانِ الخُلْدِ ترتحِلُ
هنيئًا ما ظفرْتَ به ... هَنيئًا أيُّها البطَلُ
واستجاب الناس:
وعندما انتهى الخوف من الملك المقهور وبدأ التعاطف مع الغلام الداعية بدأ الناس في الإحساس الصحيح بالموقف: غلام صغير يحب الناس ويقدم لهم المنافع والخير، يموت برغبته من أجلهم، بعد أن أثبت عجز الملك وضعفه، يموت من أجل أن يؤمنوا بالله رب الغلام.
انظُرْ إلى الماءِ إنّ البذْلَ شيمَتُه ... يأتي الحقولَ فيرْوِيها ويحْمِيها
واستجاب الناس، فاندفعوا من كل مكان بلا خوف يرددون نداءات الإيمان: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ».
مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل:
فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: «أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ» فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ»، فَفَعَلُوا.
لم يتوقف اندفاع الناس من كل طريق وفي كل السكك وواصلوا الاندفاع حتى أخاديد النيران. وواصل الملك مواجهة الجماهير المندفعة فقال: «مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ»؛ ليقاوم كل إنسان بنفسه حب البقاء في نفسه فيكون أقل مقدار للضعف كافيًا وسببًا للارتداد. وقد كانت هذه الفكرة آخر ما أفرزته رأس هذا الملك المهزوم من سموم المكر. ولكن الإيمان أبطل أثرها، وعالجت قوة الاندفاع الأصيل إلى الموت أثر أي ضعف كان كامنًا في النفوس.
стр. 950
موقف لغلام آخر:
ويذكر لنا رسول الله ﵌ مشهدًا لمعالجة الإيمان لإحساس التعلق بالحياة فيه: «حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: «يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ».
جاءت الأم بولدها متمسكة به إلى النهاية لم تَفْصلها أهوال الأحداث عنه حتى جاءت إلى حافة الأخدود واشتعلت مشاعر الأمومة وكراهية الموت فيها فترددت أن تقع بابنها ولكن الطفل - مرة أخرى طفل - يُطْفئ في إحساس أمه لهيب النار ذات الوقود لتُلْقِي بنفسها وتنجو من الضعف والتقاعس، وكان حديث هذا الصبي هو آخر كلمات القصة عند حافة الأخدود، قصة الانتصار للحق.
كمْ في خيامِ الذُلِّ مِن فتيانِنَا ... مَن نالَهُ ما نالني ودهاهُ
لكنَّنِي عِفْتُ الحياةَ مشردًا ... ورضيتُ دربًا لا أريدُ سواهُ
لاتمسحِي دمعي ولكن ودِّعي ... بطلًا يباركُ ربُّه مَسْعاهُ
لاتجزعي فلَقَدْ يَطُول غيابُه ... عن مُقْلَتَيْكِ وتخْتَفِي رُؤْيَاهُ
وإلى اللقاءِ لدَى الإلهِ وخُلْدِه ... في عالمِ الأرواحِ يا أمَّاهُ
ومضَى الفِدائِيُّ الشهيدُ لربِّهِ ... عَجِلًا إليه كَيْ ينالَ رِضاهُ
وتبقى مشاهد العذاب وأخاديد النيران بشررها المتطاير ولهيبها ترتفع ألسنته بأجساد المؤمنين الطاهرة. ويبقى أثر تلك النار في قلب كل مؤمن مستضعف في الأرض ترتفع ألسنتها كلما استشهد شهيد في سبيل تلك الدعوة من أجل التمكين لها في الأرض وهذه الحياة.
لدى ذِكْرِكم تحْيَى المحامدُ والعُلَى ... وما ماتَ مَن في ذِكْرِه للْعُلَى ذِكْرُ
فإنْ ستَرَتْ تلكَ القبورُ جُسومَكم ... فثَمَّ خصالٌ ليسَ يستُرُها قبرُ
من المجدِ نِلْتُم غايةً بعدَ غايةٍ ... يقودُكم عزمٌ ويدفعُكم صَبْرُ