← Акыда

Акыда · id 36158

رأس السنة هل نحتفل

شحاتة صقر

Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولهذا كان الأصل الذي بَنَى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى: ١ - عبادات يتخذونها دينًا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة. ٢ - وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات: أن لا يُحْظر منها إلا ما حظره الله. وهذه المواسم المحدثة: إنما نهى عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به المتقربون (١).

стр. 37

أصل بدعة الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية (١) عيد رأس السنة هو أول يوم في السنة الميلادية. يحتفل الناس في بعض أنحاء المعمورة بهذا اليوم باعتباره عيدًا. وكانت العديد من الشعوب القديمة تبدأ السنة في وقت الحصاد، كما كانوا يقومون بأداء بعض الطقوس للتخلص من الماضي وتطهير أنفسهم للسنة الجديدة. وعلى سبيل المثال، كان بعض الناس يقومون بإطفاء النيران التي يستخدمونها ويشعلون نيرانًا جديدة. وكان قدماء المصريين يحتفلون برأس السنة عندما تظهر سوثيز ـ الشعرى اليمانية ـ أثناء النهار، في وقت يتزامن مع بدء فيضان النيل.

стр. 38

وكانت احتفالاتهم تتخذ طابع المهرجانات الدينية لأن حياتهم الاقتصادية تعتمد على الفيضان السنوي للنيل. وكان سكان ما بين النهرين يقيمون احتفالاتهم بالسنة الجديدة في وقت هطول الأمطار الربيعية. واعتبر البابليون رأس السنة وقتًا حاسمًا لاعتقادهم بأن الإله مردوك يقرر في ذلك الوقت مصير البلد للسنة القادمة. أما قدماء الرومان، فكان يقدم بعضهم لبعض في هذه المناسبة هدايا من أغصان أشجار مقدسة ـ بزعمهم ـ وأصبحوا في السنوات المتأخرة يقدمون ثمار الجوز المغلفة بالذهب أو العملات المعدنية المختومة عليها صورة يانوس ـ إله الأبواب والبدايات ـ كما كانوا يعتقدون. وقد سمي شهر يناير على اسم الإله يانوس، الذي كان له وجهان، أحدهما ينظر للأمام والآخر للخلف. كما اعتاد الرومان أيضًا تقديم هدايا للإمبراطور، وفي نهاية الأمر بدأ الأباطرة يطالبون بهذه الهدايا، ولكن

стр. 39

الكنيسة النصرانية أبطلت هذه العادة وبعض الممارسات الوثنية الأخرى المرتبطة برأس السنة، في عام ٥٦٧م. وبحلول القرن الثالث عشر الميلادي كان الحكام الإنجليز قد أحيوا العادة الرومانية التي تقضي بمطالبة رعاياهم بتقديم هدايا رأس السنة. وكانت الهدايا السائدة تشمل المجوهرات والذهب. واختفت هذه العادة في القرن التاسع عشر الميلادي، والعادات الحديثة في رأس السنة لدى الغربيين وبعض الشعوب الأخرى تشمل زيارة الأصدقاء والأقارب، وتبادل الهدايا، وحضور الشعائر الدينية، وإثارة الضجيج باستخدام المسدسات والأبواق والأجراس والأدوات الأخرى.

стр. 40

تاريخ رأس السنة: استخدمت معظم الدول الأوروبية خلال العصور الوسطى يوم ٢٥ مارس، وهو يوم عطلة نصرانية تسمى عيد البشارة كبداية للسنة الجديدة. وبحلول القرن السابع عشر الميلادي تبَنَّتْ كثير من الدول الغربية تقويمًا معدلًا يسمى التقويم الجريجوري. وقد أعاد هذا التقويم ـ وهو التقويم المستخدم اليوم ـ العمل بيوم ١ يناير بوصفه عيدًا لرأس السنة. ويحتفل كثير من الناس برأس السنة في التواريخ التي تحددها أديانهم. فعلى سبيل المثال، فإن رأس السنة اليهودية يتم الاحتفال به في سبتمبر أو وقت مبكر من أكتوبر. ويحتفل الهندوس الموجودون في مناطق مختلفة من الهند برأس السنة في تواريخ مختلفة. وعيد رأس السنة عند المجوس الفرس يسمى (النيروز) ويبدأ عيد النّيروز في اليوم الأول من الربيع.

стр. 41

والعجيب أن الشيعة أوجبوا تعظيم يوم النيروز مع أنه عيد جاهلي مجوسي من أعياد الفرس أبطله الإسلام، وبوب النوري بابًا في كتابه مستدرك الوسائل (٦/ ٣٥٢) بعنوان: «استحباب صلاة يوم النيروز والغسل فيه والصوم ولبس أنظف الثياب والطيب وتعظيمه وصب الماء فيه». وثوار الخميني كانوا يهاجمون الشاه محمد رضا بهلوي لأنه عمل على إحياء العادات والتقاليد المجوسية الفارسية التي أبطلها الإسلام فكيف تناسى الخميني وتلاميذه تعاليم الإسلام وعادوا إلى جُحْر الضب الذي دخل فيه الشاه؟؟

стр. 42

غرائب الغرب وأذنابهم في احتفالهم برأس السنة الميلادية (١): عيد رأس السنة الميلادية أكبر مناسبة في الغرب النصراني، والاحتفالات بهذا العيد تقام في يوم وليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) في المجتمعات النصرانية الغربية، وبعد ذلك بحوالي أسبوعين عند النصارى الشرقيين، حيث تغلق جميع الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها، وكذلك المستشفيات والمحلات التجارية وتتوقف كثير من وسائل المواصلات كالحافلات والقطارات عن العمل، وفي العموم فإن حركة الحياة تتوقف في ذلك اليوم كما لو كان الناس قد نزلوا إلى ملاجئهم إثر غارة جوية معادية! لكن لعل المقيم في تلك البلاد أو الزائر في ذلك اليوم والليلة يرى أن نوعين من المحلات لا تغلق أبوابها، بل

стр. 43

يزدهر سوقها ويكثر روادها، وهما: حانات الخمور والبارات التي يُشرب فيها الخمر والمسكرات؛ حيث يفرط الناس بشربها إلى حد فقدان العقل وفقدان السيطرة على السلوك مما حدا بالشرطة البريطانية إلى إصدار قرار بتخفيض النسبة المسموح بها من الشراب لمن يقود السيارة إلى خمسين بالمائة. ومن عجائب المفارقات أن أحد رجال الشرطة المكلفين بحفظ الأمن قاد سيارته وهو في حالة سُكْر، بعد أن خرج من حفلة شراب للشرطة بمناسبة عيد الميلاد!؛ مما تسبب في اصطدامه بسيارة أخرى، وذلك بعد ساعات من إصدار قرار التخفيض السابق!!؛ مما جعل مدير الشرطة يصدر أمرًا لجميع أفراد الشرطة يحرم فيه عليهم الشرب قبل قيادة السيارة! ومن الحوادث الطريفة أن شابًّا سقط من ارتفاع أربعين قدمًا على شابة تبلغ العشرين من العمر؛ مما أدى إلى إصابتها بالشلل المزمن، الشاب المخمور قال لأصدقائه:

стр. 44

«لقد كنت في غيبوبة تامة ولا أستطيع أن أتذكر كيف سقطتُّ كل هذه المسافة»!! وإذا كان المعنى اللغوي للعيد أنه الذي يعود بالفرح والمرح والسرور فإن العقلية البناءة (!!) للحضارة المعاصرة أبَتْ إلا أن تجعل منه شيئًا آخر، ونحن وإن كان بين أيدينا عدد من حالات الخطف والقتل والاغتصاب التى حدثت في ليلة العيد السعيد! إلا أننا لسنا بحاجة إلى سردها ـ وليس هذا موضعها ـ ويكفي القارئ العزيز أن يعلم أن الخمر أم الخبائث، وأن يعرف أنه كما أغلقت الدوائر والمحال التجارية أبوابها في ذلك اليوم والليلة فإن من تربَّوْا منذ نعومة أظفارهم على أفلام العنف والجريمة وأفلام المجون والخلاعة قد استنفروا طاقاتهم القصوى في سبيل تحقيق تلك الشهوات وإشباع تلك الغرائز. ولك أن تتصور أي سعادة وسرور يعيشها طفلان لم يتجاوزا الخامسة من عمرهما، وأي معانٍ من معاني ميلاد المسيح تبقى في ذهنيهما بعد أن شاهدا وحشًا كاسرًا يهجم

стр. 45

على أمهما وجدتهما ويحيلهما إلى جثتين هامدتين تسبحان في بركة من الدماء؟! ويولي هاربًا، بقي أن تعرف، أخي القارئ، أن هذا الوحش هو والدهما الحنون!! خرافة سانتاكلوز أو ما يسمى بابا نويل: ويتمثل في رجل عجوز سمين مرح ذي لحية بيضاء طويلة وملابس حمراء زاهية، يقولون إن أصله يرجع إلى القديس (نيكولاس) الذي عاش في أوربا في القرن الرابع الميلادي وكان يعطف على الأطفال ويوزع عليهم الهدايا. وقد تحول الآن إلى أسطورة كبيرة يصدقها كثير من الأطفال، بل في استفتاء أجرته إحدى شبكات التلفاز الأمريكية قال ٩٠% من الكبار أيضًا إنهم يؤمنون بوجوده. وتقول الأسطورة الحالية: «إن سانتا كلوز يعيش في القطب الشمالي مع زوجته وأعوانه يديرون مصنعًا كبيرًا للُعب الأطفال، وفي ليلة الميلاد يسافران معًا على زحافة ثلجية يجرها ثمانية غزلان، وتمر الزحافة على سطح كل منزل لينزل منها سانتا كلوز من خلال المدخنة إلى غرفة

стр. 46

الطعام ليضع الهدايا في جوارب خاصة يتركها للأطفال معلقة بجوار المدفأة. وعادة ما يضع الأهل تلك الهدايا بدلًا من سانتا كلوز وقت نوم الأطفال، فإذا ما استيقظوا تيقنوا أن سانتا كلوز حقيقةٌ لا مراءَ فيها». هكذا يتربى أطفال الحضارة المعاصرة على الخرافة والكذب!! والأعجب من ذلك أن تظل هذه الخرافة في عقول مَن تجاوزوا سن الطفولة!!.

стр. 47

الجذور الوثنية لعيد الميلاد هل حقًا يحتفل النصارى بعيد ميلاد المسيح ﵇ -؟! يقول المؤرخون: «إن المسيح ﵇ لم يُولَد في هذا الموعد الذي يُحْتَفَل به اليوم في البلاد النصرانية؛ حيث يؤكد آباء الكنيسة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين أن ما يسمى بعيد ميلاد المسيح ما هو إلا صورة طبق الأصل لما كان يحتفل به الوثنيون في أوربا قبل ميلاد المسيح بوقت طويل». وتقويم الأعياد المسيحية مأخوذ من (تقويم يوليوس الشمسي) وهو التقويم الذي أدخله يوليوس قيصر إلى روما عام ٤٦ قبل الميلاد، والذي جعل أيام السنة ٣٦٥ يومًا حيث كان الوثنيون يحتفلون (يوم ٢٥ من ديسمبر) بما يسمونه (عيد ميلاد الشمس التي لا تقهر) أو ما يسمى (بيوم الانقلاب الشتوي الصيفي الروماني)، ولقد أقيم

стр. 48

أول احتفال بعيد ميلاد المسيح ـ كما يزعمون ـ سنة ٣٣٦ ميلادية في روما وذلك في اليوم السابع من شهر يناير. ثم ثبَّتت الكنائس الغربية في نهاية القرن الرابع الميلادي الاحتفال بميلاد المسيح في يوم (٢٥ من ديسمبر)، إلا أن الكنيسة في أرمينيا لم تعترف بهذا التغيير واستمر الاحتفال به في السادس من شهر يناير، كما هو الحال الآن في معظم الدول الشرقية، إلا أن المؤرخين يؤكدون أن المسيح ﵇ لم يولد في أي من هذين الموعدين!! (١). أصل شجرة الميلاد: أول من استخدم الشجرة هم الفراعنة والصينيون والعبرانيون كرمز للحياة السرمدية، ثم إن عبادتها قد شاعت بين الوثنيين الأوربيين وظلوا على تقديسها حتى بعد دخولهم في المسيحية فأصبحوا يضعونها في البيوت ويزينونها كي تطرد الشيطان أثناء عيد الميلاد.

стр. 49

ولم يطلق عليها شجرة الميلاد إلا في القرن السادس عشر الميلادي ـ في ألمانيا الغربية ـ حيث تحولت مما يسمى (بشجرة الجنة) ـ في الاحتفال الديني بذكرى آدم وحواء في ٢٤ من ديسمبر ـ إلى شجرة الميلاد، حيث أصبح الناس يعلقون عليها الشموع التي ترمز إلى المسيح ـ بزعمهم ـ ولم تدخل فكرة الشجرة إلى انجلترا إلا في القرن التاسع عشر (١). هذه هي الجذور الوثنية لهذه الأعياد التي يحتفل بها النصارى اليوم ويعتبرونها أكبر مظاهر دينهم، وينفقون فيها ملايين الدولارات .. وما مثلهم إلا كمثل من وصفهم القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ (الصافات:٦٩ - ٧٠). وإنه لَمِمَّا يؤسف له أن ينخدع بعض من أبناء المسلمين بمظاهر هذه الأعياد الزائفة، فصاروا يحتفلون بها في بلدانهم الإسلامية.

стр. 50

كلامٌ قيِّم للإمام ابن القيم في تهنئة الكفار بعيدهم قال ﵀: «أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: «عيد مبارك عليك»، أو: «تهنأ بهذا العيد»، ونحوه، فهذا إن سَلِمَ قائلُه مِن الكُفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يُهَنِّئَه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشُرْب الخمر وقَتْل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.

стр. 51

وكثيرٌ ممَن لا قَدْرَ للدِّين عندَه يقع في ذلك، ولا يدري قُبحَ ما فعَل، فمَن هنَّأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كُفْر فقد تعرض لمقْت الله وسخطه» (١).

стр. 52

حكم إهداء الكافر وقبول هديته في يوم عيده أولا: الإهداء للكافر: يجوز للمسلم أن يُهدي للكافر والمشرك، بقصد تأليفه، وترغيبه في الإسلام، لاسيما إذا كان قريبًا أو جارًا، وقد أهدى عمر ﵁ لأخيه المشرك في مكة حُلَّة (ثوبًا). (رواه البخاري). لكن لا يجوز أن يُهْدِي للكافر في يوم عيد من أعياده، لأن ذلك يُعَدُّ إقرارًا ومشاركة في الاحتفال بالعيد الباطل. وإذا كانت الهدية مما يُستعان به على الاحتفال كالطعام والشموع ونحو ذلك، كان الأمر أعظم تحريمًا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك كفر.

стр. 53

قال الإمام الزيلعي الحنفي: «(والإعطاء باسم النيروز والمهرجان لا يجوز) أي الهدايا باسم هذين اليومين حرام، بل كفر , وقال أبو حفص الكبير ﵀: «لو أن رجلا عَبَدَ الله خمسين سنة ثم جاء يوم النيروز , وأهدى لبعض المشركين بيضة، يريد به تعظيم ذلك اليوم، فقد كفر , وحبط عمله» (١). بل ولا يجوز للمسلم أن يهدي للمسلم هدية لأجل هذا العيد (٢). وقد سبق نَقْل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكفار في أعيادهم، ولا أن يُعين المسلم المتشبه بهم في ذلك، ولا أن يُجيب في أعيادهم دعوة مخالفة للعادة صنعها مُسلم، ولا أن يقبل من المسلمين في

стр. 54

هذه الأعياد هدية مخالفة للعادة في سائر الأوقات، خصوصًا إن كانت الهدية مما يُستعان بها على التشبه بهم، ولا أن يُهدِى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم. وكذلك لا يجوز أن يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك، لأن في ذلك إعانة على المنكر. وكذلك لا يجوز أن يبيع المسلم لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس، والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم. ثانيًا: قبول الهدية من الكافر: وقع الخلاف بين العلماء في هدية المشرك هل تقبل أم لا؟ وسبب اختلافهم في ذلك وجود أحاديث تدل على جواز أخذ الهدية منهم، ووجود أخرى تمنع من ذلك.

стр. 55

فمنهم من أجازها تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام، واستدل بقبول النبي ﵌ هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وغيره، وبوَّب البخاري في صحيحه: «باب قبول الهدية من المشركين»، وذكر قصة اليهودية وإهداءها الشاة المسمومة للنبي ﵌، وروى مسلم عن العَبَّاس بن عبد المطلب أن فَرْوَةَ بْنَ نُفَاثَةَ الْجُذَامِىُّ أهدى رَسُولُ اللهِ ﵌ بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ. ومِن العلماء مَن منعها واستدل بحديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِىِّ ﵌ هَدِيَّةً لَهُ أَوْ نَاقَةً، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵌: «أَسْلَمْتَ؟». قَالَ: «لَا». قَالَ: «فَإِنِّى نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ». (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني والأرنؤوط). قَالَ الإمام أَبُو عِيسَى الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنِّى نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ». يَعْنِى هَدَايَاهُمْ».

стр. 56

وفي الجمع بين هذه الأحاديث أقوال منها: ١ - اَلِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّة وَالْقَبُول فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ اَلْجَوَازِ مَا وَقَعَتْ اَلْهَدِيَّة فِيهِ لَهُ خَاصَّة. ٢ - يُحْمَلُ اَلْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ اَلْأَوْثَان. لكِنْ قَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثًا اسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَازَ قَبُولِ هَدِيَّةَ الْوَثَنِيِّ، وَفِيهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ حَمَلَ رَدَّ الْهَدِيَّةِ عَلَى الْوَثَنِيِّ دُونَ الْكِتَابِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاهِبَ الْمَذْكُورَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَثَنِيٌّ. ٣ - نَسْخَ اَلْمَنْع بِأَحَادِيثِ اَلْقَبُول. ٤ - نَسْخَ اَلْقَبُول بِأَحَادِيثِ اَلْمَنْع. لكن النَّسْخ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. ٥ - الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ اَلتَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ، وَالْقَبُولَ فِي حَقّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى

стр. 57

اَلْإِسْلَامِ، فَقَبِلَ ممن طمع في إسلامه ويرجو منه مصلحة للمسلمين، ورَدَّ ممن على خلاف ذلك. فيُمنَع قبول هداياهم إذا خشي المسلم على نفسه ـ إنْ هو قَبِلَها ـ أن يحصل في قلبه ميل لهم. فالأصل هو عدم جواز قبول هدايا المشركين، لكن إذا كانت في قبول هداياهم مصلحة عامة أو خاصة فيجوز قبولها كتأليفهم إلى الإسلام والرغبة في هدايتهم، أما إذا لم تكن هناك مصلحة فلا تُقْبل. ٦ - يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَير النَّبِيّ ﵌ مِنْ اَلْأُمَرَاءِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، ولعل هذا أقوى الأقوال. قَالَ الْجُمْهُور: سَبَب الْقَبُول أَنَّ النَّبِيّ ﵌ مَخْصُوص بِالْفَيْءِ الْحَاصِل بِلَا قِتَال، بِخِلَافِ غَيْره، فَقَبِلَ النَّبِيّ ﵌ مِمَّنْ طَمِعَ فِي إِسْلَامه وَتَأْلِيفه لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَافَأَ بَعْضهمْ، وَرَدَّ هَدِيَّة مَنْ لَمْ يَطْمَع فِي إِسْلَامه وَلَمْ يَكُنْ فِي قَبُولهَا مَصْلَحَة؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّة تُوجِب الْمَحَبَّة وَالْمَوَدَّة.

стр. 58

فترَكَ النبيُّ ﵌ قبول هدية عياض بن حمار ﵁ ونهى عن هدايا المشركين لِما في التهادي من إيجاب تليين القلوب، ومَن حَادَّ اللهَ وشانَه فقد حرمت على المسلمين موالاته وكان رسول الله ﵌ في ذلك بخلاف غيره لأنه مأمون مِنه ما لا يؤمن مِن أكثر الأمراء بعدَه. ولا شك أن الهدية سبب لاستجلاب المودة وسلّ سخيمة الصدر ووجْده وحِقْده وغِلّه؛ لتعود العداوة محبة والبغضة مودة، ولذلك حث عليها النبي ﵌ بين المسلمين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وحسنه الحافظ ابن حجر والألباني). وعن أنس ﵁ قال: «يا بَنِيَّ، تبادلوا بينكم؛ فإنه أوَدُّ لما بينكم». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وصحح إسناده الألباني).

стр. 59

تنبيه: إذا كانت هدية المشرك يريد بها فتنة المسلم أو تنازله عن شيء من دينه فلا يجوز قبولها بلا خلاف (١). ثالثًا: قبول الهدية من الكافر في عيده: مسألة قبول الهدية من الكافر في عيده قد اختلف فيها العلماء، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «قال أهل العلم: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشاركوا غير المسلمين في أعيادهم لأن ذلك إقرار ورضًا بما هم عليه من الدين الباطل ثم إنه معاونة على الإثم والعدوان.

стр. 60

واختلف العلماء فيما إذا أهدى إليك أحد من غير المسلمين هدية بمناسبة أعيادهم هل يجوز لك قبولها أو لا يجوز؟ - فمن العلماء من قال: لا يجوز أن تقبل هديتهم في أعيادهم لأن ذلك عنوان الرضاء بها (١). - ومنهم من يقول: لا بأس به. - وعلى كل حال إذا لم يكن في ذلك محظور شرعي وهو أن يعتقد المهدِي إليك أنك راضٍ بما هم عليه فإنه لا بأس بالقبول، وإلا فعدم القبول أولى» (٢).

стр. 61

القول بالمنع: أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية بعدم جواز قبول هدايا الكفار في أيام أعيادهم، وذكرت كثيرًا من المفاسد المترتبة على ذلك. فقد سُئلت اللجنة: «هل يجوز للمسلم أن يأكل من الأطعمة التي أعدها أهل الكتاب أو المشركون في أيام عيدهم أو يَقْبَل عَطِيَّةً منهم لأجل عيدهم؟». فأجابت: «لا يجوز للمسلم أن يأكل مما يصنعه اليهود أو النصارى أو المشركون من الأطعمة لأعيادهم، ولا يجوز أيضًا للمسلم أن يَقبلَ منهم هدية من أجل عيدهم؛ لما في ذلك مِن تكريمهم والتعاون معهم في إظهار شعائرهم وترويج بدعهم ومشاركتهم السرور أيام أعيادهم. وقد يجُرُّ ذلك إلى اتخاذ أعيادهم أعيادًا لنا، أو إلى تبادل الدعوات إلى تناول الأطعمة أو الهدايا في أعيادنا وأعيادهم على الأقل، وهذا من الفتن والابتداع في الدين، وقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا

стр. 62

مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١)، كما لا يجوز أن يهدى إليهم شيء من أجل عيدهم» (٢) اهـ. وقد صدرت الفتوى عن اللجنة برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وعضوية الشيخ عبد الرزاق عفيفي، نائبًا للرئيس، وعضوية الشيخ عبد الله بن قعود O. القول بالجواز: أما من قال بجواز قبول الهدية من الكافر في يوم عيده فلا يعتبر ذلك مشاركة ولا إقرارًا للاحتفال، بل تؤخذ الهدية على سبيل البر، وقصد التأليف والدعوة إلى الإسلام. واستدل بأن الله قد أباح البر والقسط مع الكافر الذي لم يقاتل المسلمين، فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ

стр. 63

اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (الممتحنة:٨)» (١). واستند إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم فقد قدَّمْنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بهدية النيروز فقبِلَها (٢). وروى ابن أبي شيبة أن امرأة سألت عائشة ﵁ قالت: «إن لنا أظآرًا (٣) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيُهْدُون لنا»، فقالت: «أمَّا ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم» (٤). وعن أبي برزة أنه كان له سكان مجوس فكانوا يهدون

стр. 64

له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: «ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فرُدُّوه» (١). فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم ... » (٢).اهـ. وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد بنى قوله بجواز قبول هدايا الكفار في أعيادهم على هذه الآثار التي ضعفها الشيخ العدوي، فلعل القول بالمنع هو الأصح. وقد نَبَّه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن ذبيحة الكتابي وإن كانت حلالًا إلا أن ما ذبحه لأجل عيده: لا يجوز أكله (٣).

стр. 65

ضوابط وشروط من قال بالجواز: مَن قال بجواز قبول الهدية من الكفار في يوم عيدهم وضع لذلك شروطًا منها: ١ - أن البر والقسط لا يعني المودة والمحبة؛ إذ لا تجوز محبة الكافر ولا مودته، ولا اتخاذه صديقًا أو صاحبًا، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (المجادلة:٢٢). وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة:١).وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ

стр. 66

بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (آل عمران:١١٨). وقال : ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ (هود:١١٣). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة:٥١)، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على تحريم مصادقة الكافر أو مودته. ٢ - ألا تكون هذه الهدية من ذبيحةٍ ذُبِحَتْ لأجل العيد. ٣ - ألا تكون مما يستعان به على التشبه بهم في يوم عيدهم، كالشمع، والبيض، والجريد، ونحو ذلك. ٤ - أن يصحب ذلك شرح وتوضيح لعقيدة الولاء والبراء للأبناء، حتى لا ينغرس في قلوبهم حب هذا العيد، أو التعلق بالمُهدِي.

стр. 67

٥ - أن يكون قبول الهدية بقصد تأليف الكفار ودعوتهم للإسلام، لا مجاملة أو محبة ومودة. وفي حال كون الهدية مما لا يجوز قبولها، فإنه ينبغي أن يصحب رفضها توضيح وبيان لسبب الرفض، كأن يقال: إنما رفضنا هديتك لأنها ذبيحة ذُبحت لأجل العيد، وهذا لا يحل لنا أكله، أو أن هذه الأمور إنما يقبلها من يشارك في الاحتفال، ونحن لا نحتفل بهذا العيد؛ لأنه غير مشروع في ديننا، ويتضمن اعتقادًا لا يصح عندنا، ونحو ذلك، مما هو مدخل لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان خطر الكفر الذي هم عليه. والمسلم يجب أن يكون معتزا بدينه، مطبقا لأحكامه، لا يتنازل عنها حياء أو مجاملة لأحد، فإن الله أحق أن يُستحيى منه (١).

стр. 68

استخدام التاريخ الميلادي (١) قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: «التأريخ اليومي يبدأ بغروب الشمس، والشهري يبدأ من الهلال، والسنوي يبدأ من الهجرة، هذا ما جرى عليه المسلمون وعلموا به واعتبره الفقهاء في كتبهم» (٢). استخدام التأريخ الهجري والميلادي يكون على حالات: الحالة الأولى: استخدام التأريخ الهجري دون الميلادي، وحكم هذه الحالة أن التوجيه الشرعي جاء للعمل بالتقويم القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وأن احتساب المواقيت والأحوال

стр. 69

يكون عليه دون غيره، وهو شعار ورمز الأمة الإسلامية التي يؤرخ لها وله دلالاته وأبعاده. الحالة الثانية: حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي جميعًا: الأصل هو العمل بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري وهذا الحكم يشمل جميع الأفراد والدول الإسلامية ولكن لا مانع من الاستفادة بالتقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي بصفته تقويمًا مساعدًا للتقويم القمري تابعًا له متى وجد مقتضى لذلك تتحقق فيه مصلحة راجحة، ولا عيب أن نأخذ ـ لا أن نستبدل ـ من مواقيت الأمم ما يفيدنا في بعض الحالات فيما لا يتعارض مع أمر من أمور الدنيا. وأما ما يتعلق بالفصول الأربعة واستخدامها لتنظيم الاكتساب والمهنة والدراسة والعمل دون ربط ذلك بالسنين فليس من التأريخ، مثل أن يقال يبدأ العام الدراسي

стр. 70

كل عام ببرج الميزان أو يبدأ موعد الحصاد في برج الحمل كل عام، فهذا من الاستفادة العامة للمواسم ولا صلة له ببحث التأريخ الهجري أو الميلادي. الحالة الثالثة: حكم استخدام التأريخ الميلادي فقط: التأريخ الميلادي مرتبط بالدين النصراني وحضاراته وهذا واضح في أسماء الأشهر في التأريخ الميلادي فغالبها إما وثنية مرتبطة ببعض آلهة النصارى المزعومة أو بأسماء القياصرة وكبار الرهبان. ولذا فإن وضع التقويم الشمسي ـ المتمثل بالتأريخ الميلادي ـ شعارًا للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال هو تشبُّه صريح بالنصارى وجاءت النصوص الشرعية التي تحرم ذلك، ويدل على هذا قوله ﵌: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح).

стр. 71

ويتضمن الحديث التشبه بسمات الكفار وعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم وكل ما هو من خصائصهم، ولا شك أن اعتبار الأصل هو استخدام التأريخ الميلادي يدخل في سمات الكفار. وأما بالنسبة لمن كان يعيش في دولة نظامها يأخذ بالتأريخ الميلادي فإن كان النظام يسمح بوضع التأريخ الهجري مع التأريخ الميلادي فيجب على الأفراد الإشارة إلى التأريخ الهجري في المكاتبات والإجراءات متى استطاعوا ذلك؛ لأن هذا يحافظ على بقاء التأريخ الهجري شعارًا للأمة الإسلامية ويخفف من المفسدة الواقعة بالأخذ بالتأريخ الميلادي. والقاعدة الشرعية تنص على أنه إذا لم يمكن قطع المفسدة جملةً بأسبابها ودواعيها فإن التقليل من آثارها والحد من استشرائها وانتشارها مطلوب وهو من مقاصد الشرع المطهر.

стр. 72

وأما إذا كان النظام الرسمي للدولة يمنع الإشارة للتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري أبدًا ويحارب ذلك فيجب على الأفراد في هذه الحالة بذل ما يستطيعون من الإنكار والنصح ومراعاة الأمور والموازنة بين المفاسد المتوقعة وقطع أسبابها والمفاسد الواقعة والسعي إلى تقليل آثارها إذا لم يمكن تلافيها. ويبقى الجزاء مرتبطًا بالاستطاعة والقدرة على التغيير. ويدخل في هذا التعامل مع الدولة أو الشركات العالمية التي تعتمد التأريخ الميلادي، فيجوز مع الحاجة استخدام التأريخ الميلادي مع بعض الاعتبارات المرتبطة في ذلك مثل حساب الزكاة بالتأريخ الميلادي مع معادلته بالتقويم القمري لإخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من التقويم الشمسي علما بأن المعتبر في إخراج الزكاة هو التأريخ الهجري لا الميلادي.

стр. 73

أصل بدعة الاحتفال بعيد رأس السنة الهجرية (١) في بداية كل سنة هجرية تحتفل بعض الدول الإسلامية بعيد رأس السنة فتعطل فيه الأعمال في بعض البلاد، وفي بعضها تعطل في اليوم السابق له، واليوم اللاحق له أيضًا، وليس لاحتفالهم هذا أي مستند شرعي، وإنّما هو حب التقليد والمشابهة لليهود والنصارى في احتفالاتهم.

стр. 74

وأول من احتفل برأس السنة الهجرية هم ناصرو البدعة، حكام الدولة العبيدية ـ الفاطمية ـ في مصر، ذكر ذلك المقريزي في خططه ضمن الأيام التي كان العبيديون يتخذونها أعيادًا ومواسمًا. قال: «موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول المحرم في كل عام؛ لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ... » ا. هـ. ثم ذكر الرسوم المتبقية في هذا الموسم، وذكر بعده موسم أول العام وعنايتهم به (١). وعيد رأس السنة من أعياد اليهود التي نطقت بها التوراة، فجاء النصارى فقلدوا اليهود، وصاروا يحتفلون بليلة رأس السنة الميلادية. ولم يتوقف الاحتفال بها على النصارى فقط، بل صارت كثير من البلدان الإسلامية، والتي ربما يوجد بها نسبة من النصارى ولو قليلة، يحتفل العامة فيها بعيد رأس

стр. 75

السنة الميلادية. وسَرَى التقليد إلى أن احتفلوا أيضًا برأس السنة الهجرية، ولكن المراسم تختلف. ولا شك أن في هذا الاحتفال ـ الاحتفال برأس السنة الهجرية ـ أمر مُحدث مُبتدع، لم يُؤْثَرْ عن النبي ﵌ ولا عن أحد من أصحابه ﵃، ولا عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم وأعلام الأمة وعلمائها من الأئمة الأربعة وغيرهم ـ رحمة الله عليهم. ولكن حدث ذلك بعد القرون المفضلة، بعدما اختلط المسلمون بغيرهم من اليهود والنصارى، ودخل في الإسلام من يريد بذلك أن يفسد على المسلمين دينهم، فصاروا يحتفلون بأعياد اليهود والنصارى، وهذا مصداق قوله ﵌: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِى جُحْرِ ضَبٍّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ». وقد اخترع بعض المبتدعة دعاء لليلتي أول يوم من السنة وآخرها، وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية
следующие страницы →