إليه، ولا تذم دينًا أو تهاجمه.
وهذه الحيادية التي يتكلمون عنها غير موجودة في واقع الأمر في الحقيقة في أي بلد من البلدان، وعندنا فرنسا التي تعد على رأس الدول المدنية كيف منعت النساء المسلمات في فرنسا من ارتداء الحجاب، وهذه دولة الدنمارك وهي دولة مدنية كيف سخر رسّاموها من خير البرية ﵌.
ثم هي من منظور آخر تناقض الإسلام مناقضة تامة، حيث سَوّتْ بينه وبين الأديان المحرفة كالنصرانية واليهودية وغيرها.
ومن أغرب الغرائب أن يعمد هؤلاء الكتاب إلى المطالبة بتهميش عقيدة الأغلبية حرصًا على عدم تهميش عقيدة الآخرين، أيُّ عقل منكوس هذا الذي يقرر مثل هذا الكلام.
ثم هذه الحيادية المزعومة ليست حيادية لأنها فقط أقصت الدين، وانحازت إلى العقل والخبرة والتجارب، والإسلام ـ وإن كان لا ينكر دور العقل الذي هو مناط التكليف، وكذلك دور الخيرة والتجارب ـ لكن ذلك لا يمكن أن يكون عوضًا عن الإسلام نفسه، أو يعارض به.
стр. 142
وأما أن الإسلام لا يُكْرِهُ أحدًا على الدخول فيه فهذا حق، لكن هذا لا يعني أبدًا حيادية الدولة الإسلامية تجاه الإسلام، فإن من أهم واجبات ولي الأمر المسلم التي نص عليها أهل العلم باتفاق هي إقامة دين الله تعالى وتحكيم الشريعة، وسياسة الدنيا بالدين.
الشبهة التاسعة:
العقوبات الشرعية قديمة وجامدة قد عفّى عليها الزمان ، وتجاوزتها الحضارة، ولم تعد ملائمة لهذا العصر، عصر التقدم والمدنية، والتحضر التقني والصناعي. فالأخذ بها تقهقر الإنسانية الراقية، ورجعة بها إلى عهود الظلام الدامس، والقرون الوسطى. ولئن كانت هذه العقوبات صالحة للبيئة البدوية التي نزل فيها القرآن، ومناسبة لأولئك الحفاة الجفاة
من الأعراب قبل ألف وأربعمائة عام؛ فإنها لا تصلح للعالم المتحضر الحديث، ولا تناسب المتحضرين المتمدينين في القرن العشرين، وكيف يليق بهم أن يخضعوا لقانون نشأ بين جبال مكة والمدينة، وجلاميد الصحراء، وأحراش الجزيرة.
الجواب:
هذا قول متهافت ساقط من وجوه:
стр. 143
١ - أن العاقل المنصف لا يزن الأحكام والتشريعات بالزمان الذي صدرت فيه أو نُقلت منه، ولا بالبقعة التي جاءت منها أو كانت فيها، ولكن الميزان الذي تُقَوّم به هو مدى صلاحيتها، وتحقيقها للغاية المبتغاة منها.
فالعاقل نصير الحق، وناشد الحكمة أنَّى وجدها، ومن أي شخص جاء بها، وفي أي زمان أو مكان وقعت فيه. وهو عدو الباطل، بصرف النظر عن مصدره وعن زمانه ومكانه، ومن دعا إليه وعمل به.
وعليه؛ فليس كل قديم مردودًا، ولا كل جديد مقبولًا، ولا كل ما نشأ في البادية فاسدًا، ولا كل ما نشأ في الحضر صالحًا.
٢ - أن مصدر هذا التشريع ليس بقعة من بقاع الأرض، ولا اجتهادًا بشريًا قاصرًا، وإنما هو شريعة الله التي أنزلها هدى ورحمة للعالمين.
فهو لم ينبع من أرض عربية أو أعجمية، ولا اخترعته أدمغة بشرية، وإنما هو حكم الله الذي أوحى به إلى عبده ورسوله محمد ﵌ ليبلغه للناس، وليحملهم تبعة تطبيقه والعمل به.
٣ - أن تعلق هؤلاء بالجديد ونبذهم للقديم؛ ليس مبنيًا على منطق عقلي سليم، وإنما هو استجابة لوهم من الأوهام النفسية التي تتعلق بالجديد أيًا كان نوعه، ظنًا منها بأنه لا يزال يحتفظ بذخره ومكنون خيراته، وتعاف القديم مهما كان نوعه
أيضًا لتبرمها به وتوهمها بأن الزمن قد استحلب خيراته، وقضى على فوائده، وأن العقل البشري لا بد أن يكون قد تجاوزه إلى ما هو أجدى وأنفع.
ولا يجوز لعاقل يحترم عقله أن يستجيب لهذه الإيحاءات النفسية الخاطئة، ويلغي ما يقتضيه العقل السليم، والمنطق الصحيح.
ولئن كانت النفس البشرية تخيل لصاحبها أن القديم قد زال نفعه، وجنيت ثماره، فإن العقل السديد يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه وآثاره، وتحقيقه للثمرة المرجوة منه. ورُبّ جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان، ورب قديم
شهد له العقلاء، والتاريخ الغابر، والواقع المعاصر، على أنه كان ولا يزال مصدر خير وسعادة لكل من ظفر به.
стр. 144
ولقد علم كل إنسان أن مقومات الحياة في هذه الدنيا، من شمس وهواء، وأرض وماء، وزرع وضرع؛ لم يُخْلِقْها تعاقب الزمان، وكَرُّ الليالي والأيام!
فهل قاطع أصحاب النفوس التي تشمئز من القديم هذه المقومات الأساسية لقِدَمِها؟ وهل تحولوا ساعة عن التعامل معها؟
والعقوبات المقدرة في الشريعة؛ إنما هي عقوبات على جرائم ثابتة لا يتبدل وجه المفسدة فيها مهما اختلفت الأزمان والأماكن، وتطورت الحياة والنظم. ولهذا فإنها لا تزال صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.
٤ - أن هذه الشبهة جاءت من قياس العقوبات الشرعية على العقوبات الوضعية التي تتطور مع الزمن، ويحصل فيها التغيير والتبديل بين الحين والحين، تلافيًا لما فيها من الأخطاء، وتحقيقًا لما هو أجدى وأكمل.
وما دامت القوانين تُلغى أو تُعدل؛ فلم لا نفعل مثل ذلك في العقوبات الشرعية؟
стр. 145
وهذه نظرة خاطئة إلى الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطأ فيها قياس شريعة الله ـ العادلة المحكمة، على الاجتهادات البشرية القاصرة التي تتأثر بما حولها من مؤثرات شخصية أو اجتماعية أو بيئية، أو غيرها.
ولو سلمنا جدلًا: أنه ينبغي مسايرة التشريع للعصر؛ فما مقياس ذلك؟
إنْ كان يرجع إلى انتشار الفساد، وكثرة الإجرام، وتفشي الظلم والعدوان؛ فإن العقوبات في هذا الزمن يجب أن تزيد قسوة وشدة.
وما كان يصلح لأولئك الأعراب البسطاء ذوي الإمكانات المحدودة؛ فإنه لا يصلح لمجرمي العصر، حيث
الإجرام المنظم، وتوظيف التقنية الحديثة لخدمة محترفي الإجرام، والساعين في الأرض بالفساد والظلم.
وإنْ كان المقياس هو التقدم العلمي والتقني، والتطور الصناعي والمدني؛ فإن الذي سنّ هذه العقوبات الشرعية هو الذي منح البشرية ما وصلت إليه من العلم والتقدم، فلا يمكن
стр. 146
أن تكون هذه العقول المخلوقة أعلم ممن خلقها، وأكثر منه إدراكًا لمصالح البشرية وأسباب سعادتها وأمنها.
وإنْ كان المقياس ضَعْفَ النفوس ورخاوتها، والرغبة في إطلاق العنان لها للتمادي في الظلم والإجرام، من غير رادع ولا زاجر؛ فليس هذا بمقياس.
٥ - أن تحقيق هذه العقوبات الشرعية للأمن، وحمايتها لمصالح الناس، ومكافحتها للجرائم، على مدى القرون الماضية التي طبقت فيها، مع اختلاف البيئات والثقافات والأجناس؛ دليل على أنها تشريع من حكيم خبير، وأنه لا يمكن أن يقوم غيرُها مقامها، ولا أن يحقق الثمرة التي تتحقق من خلالها.
الشبهة العاشرة:
أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على الاشمئزاز ولا تتناسب وروح هذا العصر، وإنسانيته، وحمايته لحقوق الإنسان وكرامته .
الجواب:
هذه شبهة داحضة من وجوه:
стр. 147
أولًا: أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة، يقصد به الإيلام والردع، وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع. حتى تأديب الرجل ولده؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة، ليتأتى تأديبه وإصلاحه.
وقديمًا قال الشاعر الحكيم:
стр. 148
فقسا ليزدجروا، ومَنْ يَكُ حازمًا
فليَقْسُ أحيانًا على مَنْ يرحمُ
ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبدًا، حتى لا توجد عقوبات أصلًا؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار. ولكن هذا حُلم لا يمكن أن يتحقق، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع
المعاش. فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم.
والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا بالالتزام، واحترام حقوق الآخرين، وعدم المضارة بهم. فمن خرج عن هذا الالتزام، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره، كان ردعه واجبًا عقلًا وشرعًا، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام. واسم العقوبة مشتق من
العقاب، ولا يكون العقاب عقابًا إذا كان موسومًا بالرخاوة والضعف.
فعنصر القسوة ـ إذًا ـ يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة، فلو فُقدت القسوة فُقدت معها العقوبة بدون شك.
стр. 149
ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما؟
إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها؛ أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها، وتنقص بنقص ذلك.
وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين، مهما اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب. وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد على ذلك.
فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى هذه القاعدة التي لا خلاف فيها؛ فسبب ذلك أنهم يخطئون في تقويم خطورة الجرائم التي رتبت عليها هذه العقوبات، دون أن يعتبروا في ذلك نظرة المشرِّع لها،
وتقويمه لخطورتها.
والعجيب أن خصوم الشريعة الإسلامية يدركون هذه الحقيقة، ويفقهون هذا المعنى، عندما يكون البحث متعلقًا بقانون من القوانين الوضعية.
стр. 150
فرُبَّ كلمة لا نرى بها بأسًا، يتفوه بها فرد من رعايا دولة تطبق قانونًا وضعيًا؛ تواجهه بسببها عقوبة الإعدام.
ورُبَّ فاحشة عظمى يجب مكافحتها، تشيع بين رعايا تلك الدولة؛ فلا يُؤْبَهُ بها، ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار! وليس أيسر على خصوم الشريعة الإسلامية من أن يدافعوا عن كلا المذهبين؛ بأن كل أمة إنما تسن قوانينها حسب مبادئها وفلسفتها التي تنظر بها إلى الإنسان والكون والحياة.
أفيحق لكل أمة أن تسن ما تشاء من قوانين الردع والزجر، حسب نظرتها إلى الكون والإنسان والحياة ـ خطًا كانت النظرة أم صوابًا ـ، ثم لا يحق لخالق الكون والإنسان والحياة أن يشرع هو الآخر قوانين الردع والزجر بما يتفق مع مقاصد شريعته، ويتسق مع نظام كونه، ويحقق مصالح عباده؟!!
والحكمة في تغليظ العقوبات الشرعية التي توصف بالوحشية والهمجية، من قتل القاتل، ورجم الزاني، وقطع السارق، وغيرها من العقوبات المقدرة؛ ظاهرة جلية، فإن هذه الجرائم هي أمهات المفاسد، وكل واحدة منها تتضمن اعتداء على واحدة أو أكثر من المصالح الخمس الكبرى، والتي أجمعت
стр. 151
الشرائع والعقلاء في كل زمان على وجوب حفظها وصيانتها؛ لأنها لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها.
ولأجل هذا كان المرتكب لشيء منها جديرًا بأن تغلّظ عليه العقوبة، حتى تكون زاجرة له، ورادعة لغيره.
وها هي ذي الجرائم الكبرى تعصف بكثير من الدول التي لا تطبق الشريعة الإسلامية، مع كل ما توفر لها من إمكانيات وقدرات، وتقدم مادي وتقني، وأجهزة أمنية وإدارية واستخبارية.
ثانيًا: أن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم، ونسوا مصلحة المجتمع، وأشفقوا على الجاني، وأهملوا الضحية، واستكثروا العقوبة، وغفلوا عن قسوة الجريمة.
ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة، ولاحظوا الاثنتين معًا، لخرجوا موقنين بالعدالة في العقوبات الشرعية، ومساواتها لجرائمها.
فإذا استحضرنا مثلًا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفيًا، ينقب الجدار، ويكسر القفل، ويُشهر السلاح،
стр. 152
ويروّع الآمنين، هاتكًا حرمة البيوت، وعازمًا على قَتْلِ مَن يقاومه، وكثيرًا ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق
إلى إتمام سرقته، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز.
وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم على وجه السارق المرعب الشرس، وهو شاهر سلاحه يهدد من يواجهه.
وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعًا، وتعطيل لحركتهم، وبث للرعب في نفوسهم، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم، وتأمينها بالمغاليق والأقفال؛ لأن السارق يبغي المال، وهو موجود عندهم جميعًا، فهم معَرّضون لإجرامه دون تمييز.
لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق، ثم قارناه بقطع يده الآثمة الظالمة؛ لَمَا قلنا عن عقوبته: إنها قاسية ظالمة.
وهكذا الشأن في بقية العقوبات، علينا أن نستحضر جرائمها، وما فيها من أخطار وأضرار، وظلم واعتداء، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة ما يناسبها، وجعل الجزاء من جنس العمل، (وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 153
ثالثًا: أن الله تعالى أراد للناس أن يعيشوا آمنين مطمئنين، ولن يتيسر لهم ذلك إلا ببتر الفاسدين وقطع دابرهم. وهذه سنة الله في خلقه: فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه، فلا مناص من الإقدام على ذلك. وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا العضو الفاسد من جسم أخيه؛ أليس ضربه المبضع في لحمه، وقطعه الجزء الفاسد
من جسمه مظهرًا من مظاهر القسوة؟!
ولكنها قسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة، بخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها من هلاك وتلف، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة بقائها.
والمجتمع هو الجسم كله، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه. فهي تحفظ للمجتمع حقه، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه.
والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة؛ إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معًا؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن، وانحلال المجتمع، وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع، فقل على الأفراد وعلى المجتمع العفاء.
стр. 154
قال عز الدين بن عبد السلام: «وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها أو تباح؛ لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة، حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد. وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعها، كقطع السارق، وقطّاع الطريق، وقتل الجناة، ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية» (١).
رابعًا: أن الإسلام قبل أن يستأصل هؤلاء المجرمين، ويقرر عليهم العقوبات الرادعة؛ قد أعذر إليهم: حيث قدم لهم من وسائل التربية والوقاية ما كان يكفي لإبعادهم عن الجريمة
التي اقترفوها؛ لو كانت لهم قلوب تعقل، أو نفوس ترحم.
ثم إنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مسوّغ ولا شبهة اضطرار. فوقوعه فيها
стр. 155
بعد كل هذا دليل على فساده وشذوذه، واستحقاقه للعقوبات الرادعة المؤلمة.
فهو مثلًا لا يقطع يد السارق إلا بعد توفير الوسائل التي تمنع من السرقة، فقد عمل على توزيع الثروة توزيعًا عادلًا، وجعل في أموال الأغنياء حقًا معلومًا للفقراء، وأوجب النفقة على الزوج والأقارب، وأمر بإكرام الضيف والإحسان إلى الجار، وجعل الدولة مسؤولة عن كفالة أفرادها بتوفير تمام الكفاية لهم في الحاجات الضرورية من مطعم وملبس ومسكن وغيرها، بحيث يعيشون حياة لائقة كريمة.
كما أنها تكفل أفرادها بفتح أبواب العمل الكريم لمن يستطيعه، وتمكين كل قادر من أن يعمل بمقدار طاقته، وتهيئة الفرص المتساوية للجميع.
وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة، فإن وقعت بعد ذلك؛ فإنه يتحقق من ثبوتها، وانتفاء موانعها، وعدم وجود شبهة تسقطها، كأن يرتكبها بدافع الحاجة والاضطرار.
وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي، وعنف إلحاحه على البشر، ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع: طريق
стр. 156
الزواج، فيدعو إلى الزواج المبكر، ويعين العاجز عن تكاليفه المادية بوسائل كثيرة، من الزكاة والصدقات، والنفقة، وبيت المال.
كما أنه يحرص على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء والإثارة التي تؤجج الغريزة، وتحرك كوامن الشهوة.
كما أنه يأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، والاستعفاف، ومجاهدة النفس والتسامي بها.
ويحرص كذلك على شغل أوقات الفراغ، واستنفاد الطاقة الحيوية الفائضة بالتقرب إلى الله، والمسارعة إلى الخير، وفعل كل ما من شأنه أن يحقق لصاحبه النفع في الدنيا والآخرة.
وبذلك كله يمنع الدوافع التي تسوِّغ الجريمة.
ثم إذا وقعت فإنه يحتاط احتياطًا شديدًا في إثباتها، فلا يقيمها إلا على مَنْ أقَرّ بها إقرارًا صريحًا أربع مرات، وطلب تطهيره بالحد، ولم يتراجع عن إقراره حتى تنفيذ الحد عليه، أو يكون قد تبجح بارتكابها، حتى ليراه أربعة شهود وهو على هذه الحال.
стр. 157
وهكذا شأن الإسلام في بقية العقوبات، يعمل على وقاية المجتمع أولًا من دوافع الجريمة، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط.
فليست العقوبة هي الوسيلة الأولى أو الوحيدة للإصلاح والتقويم، ولكن حين يأتي دورها في التطبيق، فإنها تمثل مواجهة حاسمة للظاهرة الإجرامية.
فهل يبقى بعد ذلك مجال للطعن في عدالة هذه العقوبات ومناسبتها؟!!
خامسًا: أن الغاية الكبرى من هذه العقوبات هو التخويف والردع الذي يمنع وقوعها ابتداء، ولا يُحوِج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود؛ فإن هؤلاء الذين يشنعون بهذه العقوبات يتصورون خطًا أنها كالعقوبات الوضعية، ستطبق كل يوم، وعلى أعداد غفيرة من الناس، فيتصورون في المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة: هذا يُجلد، وهذا يُقطع، وهذا يُرجم.
ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة؛ لا تكاد تنفذ إلا في نطاق محدود، وعلى أعداد يسيرة غارقة في الفساد، ومتأصلة في الشر والإفساد، وفي إيذاء الأمة، وزعزعة أمنها واستقرارها.
стр. 158
الشبهة الحادية عشرة:
شبهة في قالب شعري:
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة:٣٨).
هناك قصة تناقلها أهل التاريخ والأدب، والله أعلم بصحتها حتى لا نتهم أحدًا بما هو منه بريء، فلم ترد بسندٍ صحيح، ولكن نذْكُرُها لنأخذ منها العبرة بغض النظر عن أشخاصها، فقد رُوِيَ أن أبا العلاء المعري، (أو آخر يحمل نفس اللقب، الله أعلم) سأل: كم دية اليد؟ فقالوا: ديتها خمسمائة دينار من الذهب، فقال: في كم تقطع؟ فقالوا: إذا سرقت ربع دينار قطعت. فقال:
يَدٌ بخمْسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ (١)
ما بالُهَا قُطعَتْ في رُبْعِ دينارِ
تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له
ونستعيذُ بمولانا من النارِ
стр. 159
وهو بكلامه هذا يعترض على الله وكتابه، وقد رد عليه عبد الوهاب المالكي ﵀ فقال:
قُل للمعري عارٌ أيُّما عارِ
جهْلُ الفتَى وهو عن ثوبِ التُقَى عاري
لا تَقْدَحَنَّ بنودَ الشرعِ عنْ شُبَهٍ
شعائرُ الدينِ لم تُقْدَح بأشعارِ
يَدٌ بخمسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
ما بالُهَا قُطعَتْ في رُبْعِ دينارِ
عِزُّ الأمانةِ أغْلاها، وأرخَصَها
ذُلُّ الخيانةِ فافْهَمْ حكمةَ البارِي
الشبهة الثانية عشرة:
المقاصد والمصالح وكلمات حق يراد بها باطل:
يتداول العلمانيون في خطابهم مفاهيم متعددة مثل: المقاصد والمصالح والمغزى والجوهر والروح والضمير الحديث والضمير الإسلامي والوجدان الحديث والمنهج والرحمة.
وهي كلمات حق يراد بها باطل لأن بينها مفاهيم إسلامية يراد بها استئناس الضمير الإسلامي، مثلها مثل الكلمات
стр. 160
التبجيلية التي يتداولها العلمانيون أثناء الحديث عن القرآن الكريم تمهيدًا لإقصائه عن الحياة والتشريع وذلك كقولهم:
«القرآن كتاب هداية وإقحامه في كل أمورنا الحياتية ليست من تخصصه». «والخطاب القرآني خطاب تثقيفي تربوي من أوله إلى آخره». «القرآن كتاب هداية وبشرى ورحمة، وليس كتاب قانون تعليمي». «القرآن ليس كتاب علم، وإنما خطاب ديني روحي أخلاقي كوني». «القرآن كتاب دين وإيمان وليس كتاب تقنين وتشريع».
وعلى هذا السبيل تُستخدم المقاصد والمصالح فيقولون بتقديم المصلحة على النص في حال تعارضهما، وأنه يتصور إمكانية التعارض بين النص والمصلحة فيقترحون تقديم المصلحة المقطوعة أو المتوهمة على النص القطعي إن تعذر التوفيق، لأنهم يعتبرون المصلحة أصلًا مستقرًا يحكم على الأصول الأخرى برمتها بما فيها الكتاب والسنة.
وخلاصة رأيهم أنهم يقولون بنسخ النصوص وتخصيصها بالمصلحة، لأن المصلحة عندهم أقوى وأخص أدلة الشرع؛ فالمصلحة ـ عندهم ـ أساس التشريع والنص تابع لها لأن النص
стр. 161
ثابت والمصلحة متغيرة، وهذا ـ عندهم ـ هو عين الصواب وأقرب الكلام من حقيقة الأحكام القرآنية ومن روح الإسلام.
ومن هنا نتبين ـ بنظر الخطاب العلماني ـ نسبية التشريع المنزل تبعًا للحالات التاريخية والأوضاع الاجتماعية المختلفة، فيزعمون أن عقوبات مثل القطع والرجم كانت سارية المفعول في ذلك العصر التاريخي بسبب ملاءمتها للأحوال الاجتماعية آنذاك، حيث المجتمعات بدوية بدائية متنقلة فلا توجد سجون ولا جدران وإنما خيام، فكيف يسجن السارق؟ وكيف تحفظ الأموال؟ لا بد من عقوبة تميز السارق وتجعل الناس يحذرون منه أما اليوم فقد تغير الحال، مع أن كلامهم هذا فيه من التليس والكذب ما فيه؛ فمثلًا لم تكن كل المجتمعات بدوية متنقلة.
وزعم العَلمانيون أن المنهج هو الشريعة، والشريعة هي المنهج، فقالوا إن معنى الشريعة في القرآن هو المنهج والمدخل والسبيل، وليست الشريعة القواعد والأحكام التفصيلة، ذلك لأن المنهج قادر على الحركة الدائمة مع الواقع أما الأحكام التفصيلية فهي نسبية مرتبطة بظروفها.
стр. 162
ولذلك ادعى العلمانيون أن الكثيرين يخطؤون عندما يظنون أن تطبيق الشريعة يعني تطبيق أحكامها وتفاصيلها، وقالوا إن الحق أنه تطبيق روحها، وروحها هو المنهج الذي يتقدم باستمرار، أما تفاصيل المعاملات وغيرها فليست هي الشريعة، وإنما هي أحكام الشريعة.
وزعموا أن تطبيق الشريعة يعني إعمال الرحمة في كل شيء؛ لأن القرآن يقوم على منهج الرحمة أو التجديد والمعاصرة، ومن هنا ما دامت الرحمة هي المنهج، والمنهج هو الرحمة، فإن القانون المصري ـ بزعمهم ـ بكل فروعه المدنية والتجارية الآن موافق لشريعة الإيمان وروح القرآن.
ونظام الربا في الإسلام ـ بزعمهم ـ يؤكد ذلك فقد تغير الحال ولم يعد الأمر كما كان استغلالًا لحاجة المدين يؤدي إلى إعساره وإفلاسه، ولم يعد ثمة نظام للربا وإنما نظام لحساب الفوائد على الديون في مجتمع يقوم فيه المشرع بدور الرقابة على المعاملات، ويحدد الفائدة بحيث لا تغني الدائن ولا تستغل المدين.
стр. 163
الجواب:
التعميم، التلفيق، المغالطة، المجازفة والارتجال ممارسات تغلب على الخطاب العلماني، ولا يكف عن تعاطيها في أكثر الأحوال.
إن العقل تابع للنقل بعكس ما يريد العلمانيون، أو بعكس ما يتجاهلون، قال الإمام الشاطبي: «إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، والعقل إنما ينظر من وراء الشرع، فالعقل غير مستقلٍ ألبتة، ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق ... ولا أصل مسلم إلا من طريق الوحي؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وإذا ثبت هذا وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد فكأن ليس للعقل في هذا الميدان مجال إلا من تحت نظر الهوى فهو إذًا اتباع للهوى بعينه في تشريع الاحكام» (١).
стр. 164
ولكن هل المقاصد هي بهذا الشكل العبثي الذي يطرحه الخطاب العلماني؟ هل هي مرنة بغير حدود وبغير ضوابط؟ وما هي المعايير التي تحدد المقاصد؟ وكيف يمكن الوصول إليها؟ وما المرجعية في ذلك؟
إن الفارق الأساسي بين العلماء المسلمين وأقطاب الخطاب العلماني في البحث عن المقاصد أن الأولين يبحثون عن مقاصد الشارع ـ ومراده من النص، أما الآخرون فيبحثون ـ فيما يبدو ـ عن مقاصد أنفسهم، ومرادات عقولهم، ومطالب أيديولوجياتهم، هذا فارق أساسي.
إن المقاصد ليست كلمة تقال أو شعارًا يرفع وإنما هي مبدأ أصولي له ضوابطه ومعاييره التي تحكمه حتى لا تصبح ذريعة يُتوسَّل بها إلى إلغائه وتمييعه، فإن تحديد مقاصد الشارع لا ينبني على ظنون وتخمينات غير مطردة، إن الإمام الشاطبي يحدد هذه الضوابط ومن أبرز ها:
١ - الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في أحكام العادات الالتفات إلى المعاني.
стр. 165
٢ - المقاصد العامة للتعبد هي: الانقياد لأوامر الله وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه.
٣ - المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو: إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا.
٤ - وُضعت الشريعة على أن تكون أهواء العباد تابعة لمقصود الشارع فيها، وقد وسع الله على العباد في شهواتهم وتنعماتهم بما يكفيهم ولا يُفضي إلى مفسدة ولا إلى مشقة.
٥ - مشقة مخالفة الهوى ليست من المشاق المعتبرة ولا رخصة فيها ألبتة.
٦ - العزيمة أصل والرخصة استثناء، ولهذا فالعزيمة مقصودة للشارع قصدًا أصليًا، أما الرخصة فمقصودة قصدًا تبعيًا.
٧ - لم يقصد الشارع إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه ولا نزاع في أن الشارع كلف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكنه لا يقصد نفس المشقة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف.
стр. 166
٨ - إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد بحيث يحصل للمكلف فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة.
٩ - من سلك إلى مصلحة غير طريقها المشروع فهو ساعٍ في ضد تلك المصلحة (١).
تلك بعض القوانين والقواعد التي تضبط المقاصد ولكن كيف يتم الوصول إلى المقاصد أو معرفتها؟ هذه أيضًا بعض القوانين لذلك:
١ - الاحتكام إلى لغة النص وقوانين خطابه، وأصول المواضعة التي تعاهد عليها الذين نزل هذا النص بلغتهم وهم العرب.
٢ - أن يوافقك القرآن كله على تفسير بعضه فإن القرآن كله كالآية الواحدة فلا يحكم ببعضه دون بعض.
٣ - الأمر بالفعل يستلزم قصد الشارع إلى وقوع ذلك الفعل، والنهي يستلزم القصد إلى منع وقوع المنهي عنه.
стр. 167
٤ - الدلالة الصريحة الواضحة التي لا تحتمل وجهًا آخر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ (البقرة: ١٨٣). وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) (البقرة: ٢٠٥) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: ١٨٨).
٥ - السنة المتواترة ويظهر ذلك جليًا في حالتين:
- التواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة لعمل النبي ﵌ فحصل لهم بذلك علم بتشريع ذلك وإليه يرجع قسم المعلوم من الدين بالضرورة.
- تواتر عملي يحصل لآحاد الصحابة من تكرار مشاهدة أعمال رسول الله ﵌.
٦ - عِلَل الأحكام تدل على قصد الشارع فيها فحيثما وجدت اتُّبعت.
٧ - كل أصلٍ ملائم لتصرفات الشارع، وكان معناه مأخوذًا من مجموعة أدلة حتى بلغ درجة القطع يبنى عليه ويُرجع إليه ولو لم يشهد له نص معين.
стр. 168
٨ - إذا سكت الشارع عن أمر مع وجود داعي الكلام فيه دل سكوته على قصده إلى الوقوف عند حَدّ ما شرع.
٩ - الاستقراء من خلال مجموع أدلة الشريعة كتابًا وسنة، وهو يفيد القطع؛ لأن كليات الشريعة لا تستند إلى دليل واحد بل إلى مجموعة أدلة تواردت على معنى واحد فأعطته صفة القطع، وتخلُّفُ بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليًا (١).
وهذا طريق مهم لمعرفة المقصد ولضبطه أيضًا، فإن الكتاب يجب أن يشهد لبعضه، ويجب أن يوافقك القرآن كله على بعضه، وبعضه على كله.
وفي ذلك أبلغ رد على الخطاب العلماني الذي يريد منا أن نتخلى عن جزئيات الشريعة وتفاصيلها ودقائقها حفاظًا على روحها أو مغزاها أو مقاصدها أو جوهرها كما يقولون فإن الأجزاء مرتبطة بالكل والكل يشهد للأجزاء.
стр. 169
ومن هنا فإن الخطاب العلماني حين يتجاهل هذه القوانين والضوابط التي وضعها أهل المقاصد فإنه ليس من حقه أن يتكلم باسم المقاصد، لأن هذا لون من الهزلية أو المراوغة، إذ أن الذي ينضوي تحت شعار ليس من اختراعه عليه أن يلتزم بقوانين ذلك الشعار حتى يُعد من أهله، كما أن من انضم في معمعة من المعامع إلى أهل راية عليه أن يعرف إشاراتهم ومواضعاتهم وقوانينهم ونظامهم حتى لا يقتلونه.
لو راعى العلمانيون نظام المقاصد وقواعدها وقوانينها لما خرجوا بارتجالات عبثية ينسبونها إلى دين الله وكمثال على ذلك: لو أن نصر حامد أبو زيد تعلم ضوابط المقاصد لما قال بتساوي المرأة مع الرجل في الميراث في هذا العصر انطلاقًا من المغزى فالمرأة على حد قوله كانت لا تعطى شيئًا في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فأعطاها نصف الذكر وهو ما يفهم من ظاهر الآيات وهذا هو المعنى، أما المغزى فهو تعليم لنا وإشارة أن نعطيها في المستقبل مثل حظ الذكر (١).
стр. 170
لو قرأ ما قاله الشاطبي من «أن سكوت الشارع عن أمر مع وجود داعي الكلام يدل على قصده إلى الوقوف عند حد ما شرع» (١) لما قال ما قال، ولَوَقَف عند حدود الله ـ؛ لأن الشارع لم يترك أي قرينة أو إشارة أو دلالة تفيد المغزى الذي يزعمه.
ولو علم المدعو محمد شحرور أن من مقاصد الشارع الأصلية حفظ الأعراض، وصيانة الأبضاع، ومن مقاصده التبعية التي تخدم تلك تَصوُّن المرأة وتسترها لما قال بأنه يجوز للمرأة أن تخرج عارية إلا من شريط يستر سوأتها (٢).
وكثير مثل هذا لدى إخوانهم.
ولذلك فإن توظيف المقاصد دون ضوابط أو معايير ما هو إلا وسيلة لهدم الشريعة، وإقصاء القرآن الكريم عن القيادة والمرجعية، وتبرير للحلول التي تمليها المناهج الحديثة، وتمرير للقيم التي تتطلبها المعقولية الحديثة.
стр. 171
المصالح:
الكل متفق على أن المصلحة هي مناط التشريع، ولكن المشكلة أي مصلحة نعني؟ ومتى نعد الشيء مصلحة، ومتى نعده مفسدة؟ ومتى نعده نفعًا، ومتى نعده ضررًا؟ ومتى نعده مصلحة راجحة، ومتى نعده مصلحة مرجوحة، ومتى نعده مصلحة حقيقية معتبرة، ومتى نعده مصلحة وهمية متروكة.
وما هو المعيار الذي يحكم المصالح؟ لأن ما يكون مصلحة لشخص قد يكون ضررًا لشخص آخر، وما يكون مصلحة لشخص في زمن قد يكون ضررًا له في زمن آخر؟
ثم المصالح منها ما هو ضروري ومنها ما هو تحسيني ومنها ما هو حاجي، وقد تتعارض أو تتداخل وقد يدق الفرق فتختلف التقديرات، فلا بد من وضع هذه الاعتبارات جميعًا في مراعاة المصلحة، حتى يمكن أن نحقق هذه المصلحة.
ثم هل النص معيار المصلحة والحاكم عليها؟ أم المصلحة هي معيار النص والحاكمة عليه؟ وهل تتعارض المصلحة مع النص؟ وإذا تعارضت فما الحل؟
стр. 172
ثلاثة أمثلة لدعوى بعض أصحاب الخطاب العلماني بتعارض النص مع المصلحة، وبيان زيفها:
المثال الأول:
ذهب الرئيس التونسي السابق بورقيبة إلى أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال وضعف الإنتاج ودعا العمال سنة ١٩٦١م إلى الإفطار حفاظًا على الإنتاج الذي يدخل ضمن الجهاد الأكبر.
ثم خرج فيما بعد من يُنظِّر لدعوة الرئيس ويبحث لها عن منافذ مشروعة لكي تتمكن من التسلل إلى ضعاف العقول وضعاف الإيمان فقال بعدم فرضية الصيام.
فهل الصيام حقًا يتعارض مع مصلحة الإنتاج، ومصلحة النهوض الاقتصادي؟
إن الصوم يلغي وجبتين غذائيتين تقعان في وقت العمل هما وجبة الإفطار والغَدَاء، والصوم يوفر على الموظفين وقت هاتين الوجبتين، وهو وقت يمكن الاستفادة منه لصالح العمل والإنتاج، ثم إن الصوم يمنع الموظفين عن التدخين ومعلوم أن التدخين يأخذ من صاحبه دقائق متكررة على مدى اليوم كله قد تستغرق ساعة من ساعات العمل.
стр. 173
هذا بالإضافة إلى ما يسببه التدخين عمومًا من هدر كبير في القدرات والأوقات في غير رمضان بسبب أضراره المادية والصحية والنفسية فلماذا لا يُنظر إلى هذه الآفات التي يخفف منها شهر الصيام.
ولماذا لا ينظر إلى الفوائد الروحية والتربوية والسلوكية والصحية التي تعود على المواطنين من الصيام وبالتالي على المصلحة العامة.
المثال الثاني:
يرى عدد من المعاصرين أن الحجاب لم يعد ملائمًا للعصر، ولا لمكانة المرأة وتحررها واقتحامها لكافة مجالات الحياة العامة من مدراس وجامعات ومعامل وإدارات وأسفار وتجارات، لأن هذا الحجاب يعوق حركة المرأة ويعرقل مصالحها.
فهل هذه الدعوى صحيحة من جهة تحقق المصلحة أو عدمها؟
ليست هناك أي مصلحة حقيقية راجحة يعوقها الحجاب ويفوتها، والواقع المعيش والمشاهد في العالم كله الإسلامي والغربي أصبح اليوم يشكل أبلغ رد على كل ما يقال عن السلبيات
стр. 174
المدّعاة للحجاب، فلم يعد الحجاب قرينًا للجهل والأمية والخنوع والتخلف، بل أصبح في حد ذاته رمزًا للتحرر والتمسك بالحقوق والمبادئ، ورمزًا للصمود والمعاناة في سبيلها، وهي رمزية لم تكن له فيما سلف يوم كان شيئًا عاديًا يقبله الجميع ويسلم به الجميع.
وهذا فضلًا عن كون ذوات الحجاب يوجدن اليوم بجدارة وكفاءة في كل موقع من مواقع العلم والعمل الراقية المتقدمة، ولا يختفين إلا من المواقع التي يُمنعن منها أو لا تليق بكرامتهن وخلقهن.
إن الحجاب تظهر قيمته ومصلحته اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبيان ذلك أن المرأة اليوم تنجرف مع تيار كاسح يكاد يختزل المرأة وقيمتها ودورها في الجسد المزوّق المنمق المعروض في كل مكان، والمرأة ـ على نطاق واسع وَعَتْ أو لم تَعِ قصدت أم لم تقصد ـ واقعة هي أيضًا في فتنة الجسد وفي فتنة اللباس، أو بعبارة القرآن الجامعة في فتنة التبرج، وجميع المتبرجات ـ من حيث يدرين أو لا يدرين ـ هن عارضات أزياء وعارضات أجسام، وكثيرات منهم يعشن يوميًا ـ وكلما خرجن إلى العموم ـ في منافسة
стр. 175
استعراضية لا تنتهي في الشوارع والإدارات، في الشواطئ والمنتزهات، وفي المدارس والجامعات في المناسبات والحفلات.
وكمن يصب الزيت على النار يقوم عدد لا يحصى من الرجال بالإغراء والتشجيع، وتقوم مؤسسات تجارية وإعلامية وسياحية بتغذية هذا التوجه وتأطيره والمتاجرة به بشكل مباشر أو غير مباشر، وهكذا تدخل المرأة ـ الضحية الأولى في هذا المنزلَق ـ في دوامة تنحط فيها كرامتها وقيمتها، وتنحط فيها اهتماماتها وانشغالاتها، حيث تستهلك قدرًا كبيرًا من وقتها ومالها لتدبير شؤون جسدها ولباسها ومظهرها.
والحقيقة أن الذي أصبح يعوق المرأة عن رقيها وتحررها وعن دراستها وعملها ليس هو الحجاب، بل الانغماس في التبرج والتزين، والهواجس الاستعراضية، هذا هو الواقع الرديء الذي تنجرف إليه المرأة انجرافًا يخرج بها ـ أو يهبط بها ـ من التكريم إلى التجسيم هو الذي يقف اليوم في وجهه اللباس الإسلامي الذي يمنع المرأة من الانزلاق في المنحدر المذكور، ويمنعها من أن تصبح مفتونة أو فاتنة بجسمها وأعضائها أو بلباسها وحليها، أو بأصباغها وعطورها، أو بمعاملاتها وعلاقاتها.
стр. 176
إن اللباس الجدي الساتر المتعفف المعتدل المتواضع أصبح اليوم ضرورة لوقف انحدار المرأة، ومساعدتها على الرفع من قيمتها وهمتها، وعلى استعادة كرامتها وتوازنها، وتلك هي المصلحة حقًا.
المثال الثالث:
يرى بعض العلمانيين المتطرفين أن قطع يد السارق من العقوبات المتخلفة البدائية الهمجية التي لا تليق بهذا العصر المتحضر، بينما يختار فريق آخر أن القطع عقوبة مرتبطة بظروفها التاريخية، وأنه كان يحقق المصلحة في الظروف العربية البدوية حين نزل النص بسبب عدم وجود السجون، وعدم إمكانية وجودها في بيئة يعيش أهلها على الحل والترحال، أما اليوم فلم يبق له ما يسوغه بسبب تغير الحال والظروف، وتوفر السجون فلم يعد الحد (القطع) يحقق المصلحة المرجوّة.
وهم مجمعون على أن العقوبة فيها قسوة وعنف من منظورنا المعاصر، وأن هذه القسوة وهذا العنف إذا كان ملائمًا لذلك المجتمع البدوي القاسي، فإنه لا يليق بالمجتمعات المتحضرة اليوم.
стр. 177
والجواب أن العقوبات المنصوصة في الإسلام تتسم بقوة الزجر، وسهولة التنفيذ، فهي زاجرة إلى أقصى الحدود للجناة ولغيرهم، ومن حيث التنفيذ لا تكلف ميزانية ضخمة ولا جهازًا بشريًا واسعًا ولا وقتًا طويلًا كما هو الشأن في عقوبة السجن.
فإذا جئنا إلى حد السرقة وهو القطع وجدناه محققًا مقصوده ومصلحته بدرجة عالية، والحق أن مجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع يؤدي إلى زجر عدد واسع من السراق، وإراحة المجتمع من سرقاتهم ومحاكمتهم وحراستهم وإطعامهم في سجونهم، ويتحقق هذا بدرجة أوسع وأبلغ حين يُشرَع فعلًا في تنفيذ العقوبة ولو على أفراد معدودين، فإقرار عقوبة القطع والشروع في العمل بها قد يخفض جرائم السرقة إلى العشر أو أقل، وهذا هو عين المصلحة وأقصى درجاتها في موضوعنا الذي هو صيانة الأموال وأصحاب الأموال من العدوان والخوف.
ومعنى هذا أننا سنكون أمام مصالح عظمى سيجنيها الأفراد والمجتمع والدولة ومؤسساتها وميزانيتها، مقابل أفراد قلائل سيتضررون بما كسبوه ظلمًا وعدوانًا. وإذا كان قطع بعض الأيدي يسبب تعطيلًا جزئيًا لأصحابها في عملهم وإنتاجهم، فإن
стр. 178
في سجن الألوف من السراق لشهور وسنوات تعطيلًا لهم، يضاف إلى ذلك أن السجن يشكل ـ في كثير من الحالات ـ مدرسة ممتازة لتعليم الإجرام، وربط العلاقات بين المجرمين، فهاتان مفسدتان لا بد من وضعهما في الميزان.
فهل إذا نظرنا إلى المسألة من مختلف وجوهها المصلحية يبقى مجال للظن بأن حد السرقة لم يعد ملائمًا للمصلحة ولظروفنا الحالية؟
والرحمة تختلف من فهم إلى فهم، والعلمانيون الذين يرفضون الحد بدعوى الرحمة يقدمون مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع، وينظرون إلى حال شخص ويغفلون عن حال أمة.
إن الطبيب قد يلجأ إلى قطع بعض الأعضاء المريضة في الجسم حتى يسلم الجسم كله من المرض، والقطع فيه قسوة، ولكنه يُفعل رحمة بالجسم، والأب يضرب ولده تأديبًا وفي ضربه نوع قسوة، ولكنه يضربه رحمة به لكي يُقوِّم اعوجاجه، وفي الحياة أمثلة كثيرة لذلك كلها يستفاد منها أن الضرر الأشد والأعم يزال بالضرر الأخف والأخص، ويُختار دائمًا أهون الشرين، ومثل ذلك حد السرقة يتضرر الفرد ـ بما جنت يداه ـ رحمة بالمجموع.
стр. 179
ولكن الإشكال ليس في انعدام الرحمة وإنما في أمر آخر وهو أن هذه العقوبة وما شابهها من العقوبات البدنية المعمول بها في الشريعة الإسلامية ليست مُعتمَدة لدى الدول الغربية المتقدمة، بل أصبحت في نظر أهلها عقوبات مستهجنة ومستنكرة، إلى درجة أصبح معها عسيرًا على كثيرٍ من المسلمين ـ ومن مثقفيهم خاصة ـ استساغة هذه العقوبات والنظر إليها بتجرد وعقلانية.
ترى لو كانت الدول الأوربية أو بعضها أخذت بعقوبة قطع يد السارق هل كان السياسيون والمفكرون والقانونيون في العالم الإسلامي سيجدون غضاضة أو حرجًا في تبني هذا الحكم وتفهم مصالحه وفوائده؟
إن الضغط الجاثم على النفوس والعقول له دور حاسم في تكييف النظرة وتوجيهها إلى كثير من القضايا التي استقرت عند العالم الغربي على نحو مخالف لما في شريعتنا.
بقي أن نشير إلى أن أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذكر للمصلحة خمسة ضوابط:
الأول: اندراجها ضمن مقاصد الشرع.
الثاني: عدم معارضتها للكتاب.
стр. 180
الثالث: عدم معارضتها للسنة.
الرابع: عدم معارضتها للقياس.
الخامس: عدم تفويتها مصلحة أهم منها.
وكل واحد من هذه الضوابط يحتاج إلى شرح وتفصيل ليس هنا محله (١).
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)