إن اللباس الجدي الساتر المتعفف المعتدل المتواضع أصبح اليوم ضرورة لوقف انحدار المرأة، ومساعدتها على الرفع من قيمتها وهمتها، وعلى استعادة كرامتها وتوازنها، وتلك هي المصلحة حقًا.
المثال الثالث:
يرى بعض العلمانيين المتطرفين أن قطع يد السارق من العقوبات المتخلفة البدائية الهمجية التي لا تليق بهذا العصر المتحضر، بينما يختار فريق آخر أن القطع عقوبة مرتبطة بظروفها التاريخية، وأنه كان يحقق المصلحة في الظروف العربية البدوية حين نزل النص بسبب عدم وجود السجون، وعدم إمكانية وجودها في بيئة يعيش أهلها على الحل والترحال، أما اليوم فلم يبق له ما يسوغه بسبب تغير الحال والظروف، وتوفر السجون فلم يعد الحد (القطع) يحقق المصلحة المرجوّة.
وهم مجمعون على أن العقوبة فيها قسوة وعنف من منظورنا المعاصر، وأن هذه القسوة وهذا العنف إذا كان ملائمًا لذلك المجتمع البدوي القاسي، فإنه لا يليق بالمجتمعات المتحضرة اليوم.
стр. 177
والجواب أن العقوبات المنصوصة في الإسلام تتسم بقوة الزجر، وسهولة التنفيذ، فهي زاجرة إلى أقصى الحدود للجناة ولغيرهم، ومن حيث التنفيذ لا تكلف ميزانية ضخمة ولا جهازًا بشريًا واسعًا ولا وقتًا طويلًا كما هو الشأن في عقوبة السجن.
فإذا جئنا إلى حد السرقة وهو القطع وجدناه محققًا مقصوده ومصلحته بدرجة عالية، والحق أن مجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع يؤدي إلى زجر عدد واسع من السراق، وإراحة المجتمع من سرقاتهم ومحاكمتهم وحراستهم وإطعامهم في سجونهم، ويتحقق هذا بدرجة أوسع وأبلغ حين يُشرَع فعلًا في تنفيذ العقوبة ولو على أفراد معدودين، فإقرار عقوبة القطع والشروع في العمل بها قد يخفض جرائم السرقة إلى العشر أو أقل، وهذا هو عين المصلحة وأقصى درجاتها في موضوعنا الذي هو صيانة الأموال وأصحاب الأموال من العدوان والخوف.
ومعنى هذا أننا سنكون أمام مصالح عظمى سيجنيها الأفراد والمجتمع والدولة ومؤسساتها وميزانيتها، مقابل أفراد قلائل سيتضررون بما كسبوه ظلمًا وعدوانًا. وإذا كان قطع بعض الأيدي يسبب تعطيلًا جزئيًا لأصحابها في عملهم وإنتاجهم، فإن
стр. 178
في سجن الألوف من السراق لشهور وسنوات تعطيلًا لهم، يضاف إلى ذلك أن السجن يشكل ـ في كثير من الحالات ـ مدرسة ممتازة لتعليم الإجرام، وربط العلاقات بين المجرمين، فهاتان مفسدتان لا بد من وضعهما في الميزان.
فهل إذا نظرنا إلى المسألة من مختلف وجوهها المصلحية يبقى مجال للظن بأن حد السرقة لم يعد ملائمًا للمصلحة ولظروفنا الحالية؟
والرحمة تختلف من فهم إلى فهم، والعلمانيون الذين يرفضون الحد بدعوى الرحمة يقدمون مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع، وينظرون إلى حال شخص ويغفلون عن حال أمة.
إن الطبيب قد يلجأ إلى قطع بعض الأعضاء المريضة في الجسم حتى يسلم الجسم كله من المرض، والقطع فيه قسوة، ولكنه يُفعل رحمة بالجسم، والأب يضرب ولده تأديبًا وفي ضربه نوع قسوة، ولكنه يضربه رحمة به لكي يُقوِّم اعوجاجه، وفي الحياة أمثلة كثيرة لذلك كلها يستفاد منها أن الضرر الأشد والأعم يزال بالضرر الأخف والأخص، ويُختار دائمًا أهون الشرين، ومثل ذلك حد السرقة يتضرر الفرد ـ بما جنت يداه ـ رحمة بالمجموع.
стр. 179
ولكن الإشكال ليس في انعدام الرحمة وإنما في أمر آخر وهو أن هذه العقوبة وما شابهها من العقوبات البدنية المعمول بها في الشريعة الإسلامية ليست مُعتمَدة لدى الدول الغربية المتقدمة، بل أصبحت في نظر أهلها عقوبات مستهجنة ومستنكرة، إلى درجة أصبح معها عسيرًا على كثيرٍ من المسلمين ـ ومن مثقفيهم خاصة ـ استساغة هذه العقوبات والنظر إليها بتجرد وعقلانية.
ترى لو كانت الدول الأوربية أو بعضها أخذت بعقوبة قطع يد السارق هل كان السياسيون والمفكرون والقانونيون في العالم الإسلامي سيجدون غضاضة أو حرجًا في تبني هذا الحكم وتفهم مصالحه وفوائده؟
إن الضغط الجاثم على النفوس والعقول له دور حاسم في تكييف النظرة وتوجيهها إلى كثير من القضايا التي استقرت عند العالم الغربي على نحو مخالف لما في شريعتنا.
بقي أن نشير إلى أن أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذكر للمصلحة خمسة ضوابط:
الأول: اندراجها ضمن مقاصد الشرع.
الثاني: عدم معارضتها للكتاب.
стр. 180
الثالث: عدم معارضتها للسنة.
الرابع: عدم معارضتها للقياس.
الخامس: عدم تفويتها مصلحة أهم منها.
وكل واحد من هذه الضوابط يحتاج إلى شرح وتفصيل ليس هنا محله (١).
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 181
الشريعة
خيرٌ كلها
إن الشريعة الإسلامية ما شرعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والاضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إن بعض الفقهاء، قال ـ وقوله حق ـ: «إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح».
ودرء المفسدة لا شك في أنه وجه من وجوه المصلحة؛ لأن المصلحة لها وجه إيجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبي وهو دفع ضرر أو مفسدة. وجميع الأحكام بلا استثناء مصالح لا يخرج منها أي حكم كان سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك.
نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الاحكام، ولكن هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإن الانسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء ولكن جهله به لا يمنع من
стр. 182
تحقيق المصحلة فيه، فإذا كان هذا واقعيًا فيما يضعه إنسان فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الانسان؟ هذه واحدة.
والثانية أن المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا وإنما تتجاوزها الى مصالح الآخرة أي إلى إعداد الانسان للظفر بالسعادة الدائمة بالجنة.
ونكتفي هنا بذكر بعض الأدلة الجزئية على هذه الحقيقة:
١ - قال تعالى في تعليل رسالة محمد ﵌ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧)، والرحمة تتضمن قطعًا رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمة إذا أغفلت هذه المصالح.
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٩ (، فالقصاص شرع لتحقيق هذه المصلحة وهي الحياة للناس، أي الأمن والاستقرار والاطمئنان وحقن الدماء بزجر من تسول له نفسه الاعتداء على أرواح الناس.
стр. 183
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩١).
فتحريم الخمر يمنع عن الناس مفسدة الصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
٤ - تشريع الرخص عند وجود المشقات في تطبيق الأحكام اذا كانت هذه المشقات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك اباحة النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها بالتهديد بالقتل ونحوه، وإباحة المحرم عند الضرورة مثل أكل الميتة ولحم الخنزير عند التعرض للهلاك جوعًا، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر. ولا شك أن دفع المشقة ضَرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة عن الناس.
٥ - من محاسن الشريعة الإسلامية ملاءمتها لفطرة الإنسان وتلبيتها لحاجاته البدنية والعقلية والروحية، فمن محاسن الشريعة أنها حرمت كل ما يضر ببدن الإنسان وعقله، ومن ذلك تحريم المسكر لضرره، وتحريم قليله الذي لا يسكر لأنه سبيل إلى تناول
стр. 184
كثيره، ولا يمكن لكل الناس التحكم في الكمية، والتشريع يكون للجميع، إلى غير ذلك من الحكم المعلومة والمجهولة.
٦ - بر الوالدين من محاسن الشريعة الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل.
٧ - ويُعَدّ الوقف من محاسن الشريعة الإسلامية الغرّاء، حيث أثبتت الدراسات الاقتصادية أنه أنجح وسيلة لاستمرار المؤسسات العلمية والاجتماعية في أداء وظيفتها ورسالتها.
٨ - من محاسن الشريعة الإسلامية، أنها لم تُحرم شيئًا إلا عوضت خيرًا منه، مما يسد مسده، ويغني عنه، فالله ـ، لم يضيق على عباده من جانب، إلا وسَّع عليهم من جانب آخر، من جنسه، فإنه ـ لا يُريد بعباده عنتًا، ولا إرهاقًا، بل يُريد بهم اليُسرَ والخير والهداية والرحمة، فقد حرم الله عباده، الاستقسام بالأزلام، وعوضهم عنه دعاء الاستخارة، حرم عليهم الزنا، وأعاضهم عنه الزواج الحلال، حرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنها بالأشربة اللذيذة.
ليس في الدين حرمان، كما يتوهم الجهلة، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان، جعل لها قناةً نظيفةً تتحرك من خلالها،
стр. 185
وكل حاجة، ألجأ الله إليها عباده، جعل لهم، أكثر من سبب لتحقيقها، فالحلال يُغني عن الحرام، أيما غناء.
وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية حيث أن البيوت المسلمة التي بُنيت على أساس الرضا والرغبة غالبا ما تكون أكثر استقرارا وطمأنينة.
٩ - والإسلام بتشريعه للطلاق يكون منسجمًا مع نهج التوسط بين الإفراط والتفريط، بخلاف غيره من الشرائع، والتي منها ما تبيح الطلاق على إطلاقه بلا محاذير ولو بغير سبب، ومنها ما يجعل الزواج مؤبدًا ولا تبيح الطلاق مطلقًا كما هو الحال في الغرب حيث عمت الفوضى في الحياة الاجتماعية وشاع اتخاذ الأخدان والعشيقات، فجاء الإسلام وجعل الطلاق حاجة من حاجات البشر لا يتم اللجوء إليها إلا عند الضرورة ووجود المبرر القوي لها.
١٠ - ومن محاسن الشريعة الإسلامية أن جعلت الطلاق بيد الرجل، وذلك لأن المرأة سريعة الغضب شديدة التأثر وغالبًا تدفعها طبيعتها إلى الجري وراء عواطفها بلا تَرَوٍّ، ذلك لأنها خلقت على رقة في الطبع، وبها من الغرائز ما يصلح أن تكون
стр. 186
مصدرًا للحنان والأمومة، إذ لو جعل الطلاق بيدها ـ وهي على ما أسلفنا من رقة العاطفة وسرعة الانفعال ـ لانهارت كثير من العلاقات الأسرية والزوجية في لحظة طائشة وبمجرد خصام عارض وهذا لا يمنع أن تكون هنالك نساء يتصفن بالحكمة والتروي ولكن أحكام الشرع تبنى على غالب الأحوال.
١١ - من محاسن الشريعة الإسلامية تحريم الكذب لما فيه من مضار ومفاسد على الفرد والمجتمع.
١٢ - مِنْ أَعْظَمِ مَحَاسِنَ الشَّرِيعَةِ إيجَابُ الْغُسْلَ مِنْ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ: فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ الله ـ: «سُلَالَةً»؛ لِأَنَّهُ يَسِيلُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فَإِنَّمَا هُوَ فَضْلَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي الْمَعِدَةِ وَالْمَثَانَةِ؛ فَتَأَثُّرُ الْبَدَنِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ أَعْظَمُ مِنْ تَأَثُّرِهِ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاغْتِسَالَ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ، بَلْ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ الْقَائِمَةِ بِالْبَدَنِ فَإِنَّهَا تَقْوَى بِالِاغْتِسَالِ، وَالْغُسْلُ يَخْلُفُ عَلَيْهِ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَهَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِالْحِسِّ.
стр. 187
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَنَابَةَ تُوجِبُ ثِقَلًا وَكَسَلًا وَالْغُسْلُ يُحْدِثُ لَهُ نَشَاطًا وَخِفَّةً.
ولَوْ شُرِعَ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْبَوْلِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْأُمَّةِ تَمْنَعُهُ حِكْمَةُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى خَلْقِهِ.
١٣ - إن إباحة السَّلَم وتحريم الربا من محاسن الشريعة الكاملة, وقد أباح الله ـ السَّلَمَ لحاجة العباد إليه, وشرط فيه شروطا تخرجه عن المعاملات المحرمة, فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجلس, يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المترتبة على ذلك.
فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجاته الحاضرة والمشتري ينتفع بالمسلم فيه عند حلوله؛ لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول وذلك في الغالب, فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا.
أما المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقدا أو نسيئة, وجعله من أكبر الكبائر لما له ـ في ذلك من الحكمة البالغة, ولما للعباد
стр. 188
في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم, ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتمادًا على فوائد الربا.
١٤ - تعدد الزوجات من محاسن الشريعة الإسلامية، ومن رعايتها لمصالح المجتمع وعلاج مشكلاته، وقد تنبه بعض أعداء الإسلام لهذا الأمر، واعترفوا بحسن ما جاءت به الشريعة في هذه المسألة، رغم عداوتهم لها، إقرارا بالحق واضطرارًا للاعتراف به، فمن ذلك ما نقله صاحب المنار في الجزء الرابع من تفسيره صفحة (٣٦٠) عن جريدة (لندن ثروت) بقلم بعض الكاتبات ما ترجمته ملخصًا: «لقد كثرت الشاردات من بناتنا، رغم البلاء، وقَلّ الباحثون عن أسباب ذلك، وإذ كنت امرأة، تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنا، وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعا، إذ لا فائدة إلا في العمل بما ينفع هذه الحالة الرجسة.
ولله در العالم توس فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكافل للشفاء، وهو الإباحة للرجل التزويج بأكثر من واحدة، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة، وتصبح بناتنا ربات بيوت،
стр. 189
فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجل، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة، أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين، أصبحوا كَلًّا وعالة على المجتمع الإنساني.
فلو كان تعدد الزوجات مباحًا لما حاق بأولئك الأولاد وأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن، فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار، ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل، وعليه ما ليس عليها، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين».
وقال غوستاف لوبون: «إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه، ويزيد الأسر ارتباطا, وتمنح المرأة احتراما وسعادة لا تجدهما في أوروبا».
١٥ - ومن محاسن الشريعة أن الأصل الشرعي هو: الحل في المعاملات والشروط.
ثُمَّ يَفْسَخُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَصْفُوَ لِلْآخَرِ أَبَدًا؛ فَهَذَا أَحْسَنُ حُكْمٍ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَهُمَا فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ بَعْدَهُ أَعْدَلُ مِنْهُ، وَلَا أَحْكَمُ، وَلَا أَصْلَحُ، وَلَوْ جُمِعَتْ عُقُولُ الْعَالَمِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، فَتَبَارَكَ مَنْ أَبَانَ رُبُوبِيَّتَهُ وَوَحْدَانِيَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَعِلْمَهُ فِي شَرْعِهِ وَخَلْقِهِ.
من محاسن الشريعة فَرْض الحجاب على المراة المسلمة ومَنْع الاختلاط بين النساء والرجال غير المحارم:
بل إنَّها نَهَتْ أَنْ تَصِفَ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وَحِمَايَةٌ عَنْ مُفْسِدَةِ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِهِ وَمَيْلِهِ إلَيْهَا بِحُضُورِ صُورَتِهَا فِي نَفْسِهِ، وَكَمْ مِمَّنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ بِالْوَصْفِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ.
قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان: «كنت في زيارة لأحد المراكز الإسلامية في ألمانيا فرأيت فتاة متحجبة حجابًا شرعيًا ساترًا قلَّ أن يوجد مثله في ديار الغرب؛ فحمدتُ الله على ذلك، فأشار عليَّ أحد الإخوة أن أسمع قصة إسلامها مباشرة من زوجها، فلما جلستُ مع زوجها قال:
стр. 194
«زوجتي ألمانية أبًا لجدٍّ، وهي طبيبة متخصصة في أمراض النساء والولادة، وكان لها عناية خاصة بالأمراض الجنسية التي تصيب النساء، فأجْرَت عددًا من الأبحاث على كثير من المريضات اللاتي كُنَّ يأتين إلى عيادتها، ثم أشار عليها أحد الأطباء المتخصصين أن تذهب إلى دولة أخرى لإتمام أبحاثها في بيئة مختلفة نسبيًا، فذهَبَتْ إلى النرويج، ومكثت فيها ثلاثة أشهر، فلم تجد شيئًا يختلف عمَّا رأته في ألمانيا، فقررت السفر للعمل لمدة سنة في السعودية.
تقول الطبيبة: «فلما عزمتُ على ذلك أخَذْتُ أقرأ عن المنطقة وتاريخها وحضارتها، فشعَرْتُ بازدراء شديد للمرأة المسلمة، وعجبتُ منها كيف ترضى بذُلِّ الحجاب وقيوده، وكيف تصبر وهي تُمتهَن كل هذا الامتهان .. ؟!
ولمَّا وصلتُ إلى السعودية علِمْتُ أنني ملزمة بوضع عباءة سوداء على كتفيَّ، فأحسست بضيق شديد وكأنني أضع إسارًا من حديد يقيدني ويشلُّ من حريتي وكرامتي (!!)، ولكني آثرت الاحتمال رغبة في إتمام أبحاثي العلمية.
стр. 195
لبِثْتُ أعمل في العيادة أربعة أشهر متواصلة، ورأيت عددًا كبيرًا من النسوة، ولكني لم أقف على مرض جنسي واحد على الإطلاق؛ فبدأتُ أشعر بالملل والقلق، ثم مضت الأيام حتى أتمَمْتُ الشهر السابع، وأنا على هذه الحالة، حتى خرجت ذات يوم من العيادة مغضَبة ومتوترة.
فسألتني إحدى الممرضات المسلمات عن سبب ذلك، فأخبرتها الخبر، فابتسمت وتمتمت بكلام عربي لم أفهمْه، فسألْتُها: «ماذا تقولين؟!»، فقالت: إن ذلك ثمرة الفضيلة، وثمرة الالتزام بقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥).
هزتني هذه الآية وعرّفتني بحقيقة غائبة عندي، وكانت تلك بداية الطريق للتعرف الصحيح على الإسلام، فأخذت أقرأ القرآن العظيم والسنة النبوية، حتى شرح الله صدري للإسلام، وأيقنت أنَّ كرامة المرأة وشرفها إنما هو في حجابها وعفتها، وأدركت أن أكثر ما كُتب في الغرب عن الحجاب والمرأة المسلمة إنما كتب بروح غربية مستعلية لم تعرف طعم الشرف والحياء!».
стр. 196
إن الفضيلة لا يعدلها شيء، ولا طريق لها إلا الالتزام الجاد بهدي الكتاب والسنة، وما ضاعت الفضيلة إلا عندما استُخدمت المرأة ألعوبة بأيدي المستغربين وأباطرة الإعلام (١).
دعوات غربية لتطبيق الشريعة الإسلامية كحلٍ للأزمة المالية:
نشر موقع الإسلام اليوم أن كبرى الصحف الاقتصادية الغربية دعت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كحل مؤكد للخروج من الأزمة المالية العالمية التي تهدد بانهيار أسواق المال العالمية، بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي هزت أمريكا وأوروبا.
فقد كتب (بوفيس فانسون) رئيس تحرير مجلة تشالينجز موضوعا بعنوان (البابا أو القرآن) تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور (المسيحية) كديانة، والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية.
وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة قائلًا: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة
стр. 197
القرآن بدلًا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا (١) لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود».
بدوره، طالب (رولان لاسكين) ـ رئيس تحرير صحيفة (لوجُورنال دِ فَيْنَانْس) ـ بوضوح أكثر بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وعرض لاسكين في مقاله بافتتاحية الصحيفة التي يرأس تحريرها والذي جاء بعنوان: «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟»، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
стр. 198
ومن ناحيتها, أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية ـ وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك ـ في وقت سابق قرارًا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.
كما أصدرت نفس الهيئة قرارًا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.
والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.
كما أكد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ويمكن تطبيقه في جميع البلاد فضلًا عن كونه يلبي رغبات كونية.
وكانت لجنة المالية ومراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بمجلس الشيوخ الفرنسي قد نظمت طاولتين مستديرتين في منتصف مايو ٢٠٠٨ حول النظام المصرفي الإسلامي لتقييم
стр. 199
الفرص والوسائل التي تسمح لفرنسا بولوج هذا النظام الذي يعيش ازدهارًا واضحًا وجمعت أعمال الطاولتين في تقرير واحد.
وأعطت الطاولة المستديرة الأولى صورة عن أنشطة الصناعة المالية الفرنسية في سوق ما زال متركزًا في المنطقة العربية وجنوب شرق آسيا، والأهمية المتزايدة بالنسبة لفرنسا في أن تعتني بهذا المجال المالي المعتمد على الشريعة الإسلامية.
كما ركزت الطاولة المستديرة الثانية على العوائق التشريعية والضريبية المحتمل أن تحول دون تطوير هذا النظام في فرنسا ومن ذلك مثلًا فتح مصارف إسلامية بفرنسا أو إقامة نظم تشريعية وضريبية على التراب الفرنسي تراعي قواعد الشريعة الإسلامية في المجال المالي أو إصدار صكوك.
وإطلاق صفة (الإسلامي) على منتج مالي أو معاملة مالية يعني احترام خمسة مبادئ حددها النظام الإسلامي المالي، وهي تحريم الربا، وتحريم بيع الغرر والميسر، وتحريم التعامل في الأمور المحرمة شرعًا (كالخمر والزنا)، وتقاسُم الربح والخسارة، وتحريم التورق إلا بشروط.
стр. 200
كما سنحت للطاولة بحسب موقع الجزيرة نت الإطلاع على التجربة البريطانية في هذا المجال وما يمكن استخلاصه منها والإطلاع كذلك على الأفكار التي تتداول الآن في فرنسا حول هذا الموضوع من طرف المتخصصين والسلطات العمومية.
وأكد التقرير تناقض الموقف الفرنسي من النظام المصرفي الإسلامي، فهناك اهتمام بهذا النظام وفي نفس الوقت يوجد جمود في التعاطي معه، فأغلب المجموعات المصرفية الفرنسية فتحت لها فروعًا في البلاد العربية والإسلامية تتعاطى مع النظام الإسلامي المالي، في حين ما زال موقف الفروع الرئيسية بفرنسا محجمًا في التعاطي معه.
كما أنه لا توجد معوقات تشريعية أو ضريبية من شأنها أن تفسخ بيوعًا ذات صبغة إسلامية، بل إن بعض النصوص التشريعية الفرنسية في مجال الضرائب غير بعيدة عن النصوص الإسلامية.
ودعا التقرير إلى توسيع دائرة النقاش حول هذا الموضوع ليشمل إلى جانب لجنة مجلس الشيوخ الجالية المسلمة الموجودة في فرنسا والمكونة من خمسة ملايين ونصف مليون شخص. وتعد
стр. 201
فرنسا متأخرة جدًا في مجال احتضان هذا النظام مقارنة مع الدول الأوروبية حيث كانت بريطانيا الرائدة في القبول به على أراضيها وقد أصدرت نصوصًا تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام ٢٠٠٤.
وتظهر منافسة النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي الغربي في كون معدل النمو السنوي للأنشطة الإسلامية يتراوح ما بين ١٠ إلى ١٥%. كما بلغ مجموع الأنشطة المسيرة من قبل المصارف ومؤسسات التأمين الإسلامية ٥٠٠ مليار دولار نهاية عام ٢٠٠٧، وتبلغ قيمة الأصول المتداولة التي تراعي أحكام الشريعة والمعلن عنها وغير المعلن حدود ٧٠٠ مليار دولار في الوقت الراهن.
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 202
المادة الثانية
من الدستور المصري
بين التفعيل والتعطيل
مناقشة المادة الثانية مِن الدستور المصري، وخطورة التعرض لها بإلغاء أو تعديل إلى صيغة أضعف مما هي عليه الآن (١):
إن الجانب التشريعي قد حرص الاحتلال على تكريس العالمانية فيه عن طريق: وضع دستور مكتوب، ثم قانون مدني مكتوب يُكرِّس لمبادئ العالَمانية، والتي استطاعت الصحوة الاسلامية أن تنتزع تحسينات جوهرية عليه لا يجوز بحال التفريط فيها، وتمثلت في شلِّ التوجه العالماني في النظام التشريعي عن طريق ذكر مرجعية الشريعة في الدستور.
стр. 203
وفي ظل التحرش بالمادة الثانية مِن الدستور الآن: نريد أن نعرف بعض الخلفيات القانونية، والتاريخية، التي يأتي بيانها في النقاط التالية:
ما هو الدستور ؟
* السلطة التشريعية هي: إحدى السلطات الثلاث التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة المدنية، وهو أخطرها على الإطلاق.
والنظام الديمقراطي يجعل الشعب هو مصدر هذه السلطات؛ ومن ثَمَّ فقد جرى العمل على أن تصاغ تطلعات الأمة وتوجهاتها العامة في شكل قواعد محددة تمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطات الثلاث، وتبين كيفية إفراز هذه السلطات، ويصطلح على تسميتها بالدستور، وهو أشبه ما يكون في علومنا الشرعية بعلم: «القواعد الفقهية».
إذن فالدستور هو: «أبو القوانين» المهيمن عليها، بل هو الموجه الرئيسي لأداء السلطة التنفيذية، ويُعرِّفه القانونيون بأنه هو: «القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة «بسيطة أم مركبة»، ونظام الحكم «ملكي أم جمهوري»، وشكل
стр. 204
الحكومة «رئاسية أم برلمانية»، وينظم السلطات العامة فيها مِن حيث التكوين والاختصاص، والعلاقات التي بين السلطات، وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
* وُضِعَ أول دستور مصري عام ١٨٨٢، وكان عالمانيًا قُحًّا، ولم يكن فيه أدنى إشارة إلى هوية الأمة وتميزها عن أمة الاحتلال.
* وكردِّ فعل للمد الثوري في مصر تم وضع دستور ١٩٢٣، والذي لم يختلف كثيرًا عن سابقه في احتقار هوية الأمة، وهو شيء طبيعي لدستور كُتب في ظل الاحتلال.
وتمثل هذا في:
- خلو الدستور من أي ذكر للشريعة الاسلامية.
- وضع المادة الخاصة بدين الدولة ولغتها في ترتيب متأخر جدًا في الباب السادس مِن الدستور.
فهل يمكن بعد ذلك لمسلم أن يعطي صوته لمرشح لمنصب الرئاسة ينادي بالعودة إلى دستور ١٩٢٣؟!
стр. 205
* ظهرت الشريعة على استحياء في القانون المدني المصري لعام ١٩٤٩، والذي تضمن خطابين: أحدهما: للسلطة التشريعية، والثاني: للسلطة القضائية، ووضع الشريعة في المرتبة الثالثة لكل منهما.
فأما السلطة التشريعية: فقد خاطبها باستمداد الأحكام مِن:
١ - أحكام القانون المدني السابق، والذي صدر عام ١٨٨٣ في ظل دستور ١٨٨٢.
٢ - القوانين اللاتينية لا سيما الفرنسي.
٣ - ثم جاءت الشريعة الإسلامية في المرتبة الثالثة.
وأما القاضي فخاطبه أن يحكم:
١ - بالمنصوص عليه في القانون.
٢ - فإن لم يجد فبالعرف.
٣ - فإن لم يجد حكم بالشريعة الإسلامية.
* قامت ثورة يوليو ٥٢، وألغت العمل بدستور ١٩٢٣، وأصدرت بعده عدة بيانات دستورية لا ترقى إلى أن تكون دستورًا.
стр. 206
* بعد نكسة يونيو ٦٧ ظهرت الروح الإسلامية قوية، وعرفت الأمة أنها لا عز لها إلا في الاسلام.
* ظهر هذا جليًا في الدستور الدائم لمصر عام ١٩٧١، والذي اعتنى بهوية الأمة؛ فكان نص المادة الثانية منه، والتي تقع في الباب الأول الذي يتكلم عن شكل الدولة: «دين الدولة الرسمي الإسلام، ولغتها العربية، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيها».
* كان مِن نتاج ذلك أن وافقت الأمة على الدستور، وانطلقت عجلة الإصلاح التي كان مِن نتاجها صور البطولة النادرة التي أظهرها الجنود في حرب العاشر مِن رمضان، والتي استعمل الجيش فيها العمليات الاستشهادية لتفجير حقول الألغام، وسد فوهات الدبابات برؤوسهم وأجسادهم.
* بعد الحرب بدأت عجلة القوانين المخالفة للشريعة تدور، وبالطعن عليها أمام المحكمة الدستورية العليا كان التفسير: «إن وجود مصدر رئيسي لا يعني عدم وجود مصادر فرعية»؛ مما يعني أن المادة عديمة الفائدة.
стр. 207
* وفي عام ١٩٨٠، وعندما أراد أنور السادات ـ الرئيس المصري آنذاك ـ أن يفتح مدد إعادة الترشيح للرئاسة، وحتى يقبل الناس ذلك في الاستفتاء أدخل معها تعديلًا على المادة الثانية باضافة «ال» إلى كلمة مصدر؛ لتصبح: «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي مِن مصادر التشريع».
* عند الطعن بعدم دستورية بعض الأحكام المخالفة للشريعة قررت المحكمة الدستورية العليا ثلاث نقاط في غاية الأهمية:
١ - أن المادة بهذه الصياغة تمنع مِن سن قوانين جديدة مخالفة للشريعة.
٢ - أن المادة تخاطب السلطة التشريعية لا القضائية، ومِن ثمَّ فلا يجوز للقاضي أن يترك القانون الصادر عن السلطة التشريعية بحال، ومهما كان مخالفًا للشريعة.
٣ - أن القوانين التي سبق سنها قبل هذا التعديل الدستوري اكتسبت حصانة دستورية، ولا يمكن إسقاطها إلا بنص صريح مِن السلطة التشريعية.
стр. 208
وبناء عليه: فإننا نطالب بتفعيل المادة الثانية مِن الدستور على كل القوانين السابقة على هذا التعديل؛ لتكون كل القوانين موافقة للشريعة.
هل حَمَتْ المادة الثانية مصر مِن فساد الجهات التنفيذية؟ وهل أفادتها تشريعيًا ؟
الجواب:
إن التشريع حتى إن كان شرعيًا مائة بالمائة لا يمكن أن يمنع فساد التنفيذ، وإنما مَنْع فساد التنفيذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم ترك الظلم ينمو حتى يصير أمرًا واقعًا، وأما تشريعيًا فنحن بحاجة إلى تفعيل المادة حول القوانين القديمة.
وأما الحديث منها: فقد وقفَتْ هذه المادة أمام القوانين الكارثية التي طالبت مؤتمرات السكان بها ـ على سبيل المثال ـ من إباحة الشذوذ، والاجهاض، وغيرها مِن القوانين.
ولم يمر إلا ما وجد له بعض العلماء ـ أصلحهم الله ـ مخرجًا كرفع سن الرشد إلى ثمانية عشر عامًا استنادًا لمذهب منسوب إلى أبي حنيفة ﵀، ولكنهم طبقوه على غير وجهه، ويكفي أن تعرف أن ثمانية عشر عامًا قمرية تعادل نحو ستة عشر عامًا ونصف العام
стр. 209
شمسية، ومع هذا فهذا العور كاف في الطعن بعدم دستورية ذلك القانون.
* مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المادة لها أثر كبير في شكل العلاقة بين المواطنين ونظام الحكم، وفي حذفها توهين شديد لها.
* الحاصل: يجب على جميع الأمة:
١ - الرفض القاطع لأي استفتاء يجرى على حذف هذه المادة، مهما وضع في هذا الاستفتاء مِن محفزات أخرى تغري بالموافقة.
٢ - الرفض القاطع لأي تعديل لنصها، لا سيما التعديل الخبيث المتوقع بحذف «ال».
٣ - رفض إلغاء الدستور الحالي، بل تعديل كل المواد المطلوب تعديلها منه مع بقائه؛ ضمانًا لبقاء هذه المادة.
٤ - وفي حالة إلغاء الدستور وعمل أي دستور جديد لا يتضمن هذه المادة لا يصوَّت عليه بالموافقة، مهما كان مدغدغًا للعواطف بدون هذه المادة، نحن ورثنا وضعًا ما، إما أن نصلحه، أو على الأقل نحافظ عليه، وأما أن نزيده سوءًا؛ فلا .. وألف لا ..
стр. 210
ما هو دورنا
في ظل هذه الأوضاع بالغة السوء التي يعيشها المسلمون بسبب تغييب شريعة الله ـ، فإن على المسلمين واجبًا كبيرًا وعظيمًا ألا وهو العمل على تغيير هذا الواقع الأليم الذي يكاد يُحرِّف الأمة كلها بعيدًا عن الإسلام.
والمسلمون جميعهم اليوم مطالبون ببذل كل الجهد: من الوقت والمال والنفس والولد لتحقيق ذلك، وإن كان العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله وأصحاب القوة والشوكة عليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، لأنهم في الحقيقة هم القادة وغيرهم من الناس تبع لهم.
ولا خروج للمسلمين من هذا الواقع الأليم إلا بالعلم والعمل، فالعلم الذي لا يتبعه عمل لا يغير من الواقع شيئًا، والعمل على غير علم وبصيرة يُفسد أكثر مما يُصلح.
وليس المقصود بالعلم العلم ببعض القضايا الفقهية الفرعية ولا ببعض الآداب ومحاسن العادات، كما يحرص كثير من الناس على مثل هذه الأمور، ويضعونها في مرتبة أكبر من مرتبتها في ميزان الإسلام، ولكني المقصود بالعلم، العلم الذي يورث إيمانًا
стр. 211
صحيحًا صادقًا في القلب، مؤثرًا حب الله ـ ورسوله ﵌ ودينه على كل ما سوى ذلك، وباعثًا على العمل لدين الله والتمكين له في الأرض وإن كلفه ذلك ما كلفه من بذل النفس والنفيس.
ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم الصحيح بحقيقة دين الإسلام، واليقين الكامل التام الشامل بحقيقة التوحيد أساس البنيان في دين الإسلام، ثم لابد مع ذلك من العلم بالمخاطر التي تتهدد الأمة الإسلامية، والأعداء الذين يتربصون بها والدعوات الباطلة والهدامة التي يُروَّج لها، وما يتبع ذلك من تحقيق البراءة من أعداء الدين، وتحقيق الولاية للمؤمنين الصادقين.
وفي إطار الحديث عن العلم ونشره فإن فئة المعلمين من المدرسين والأساتذة من أدنى مراحل التعليم إلى أعلاها عليهم واجب من أهم الواجبات العامة في حقهم وآكدها وهذا الواجب يتمثل في:
١ - العمل على أسلمة المناهج بحيث تصب كل المناهج العلمية في إطار خدمة الإسلام، وبحيث لا يكون الهدف العلمي البحت، هو الهدف الوحيد من تدريس هذا العلم، ونظرًا لأن
стр. 212
ديننا من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن المكتشفات العلمية هي من خلق الله فلا تعارض إذن ولا تناقض بين العلم والدين.
وبالتالي فإن كثيرًا من الحقائق العلمية يمكن استخدامها كأدلة في مجال الإيمان، وكثير من القوانين العلمية يمكن استخدامها كردود أو إبطال لنظريات إلحادية من وجهة نظر العلم التجريبي الذي يؤمن به الملحدون ولا يعولون على غيره.
٢ - تنقية المواد العلمية من الكفريات والضلالات المدسوسة بها، فقد يحدث أن يضع هذه المواد ومناهجها أناس غرباء على الدين، فالواجب على المدرس المسلم ألا يقوم بتدريس المادة العلمية كما هي، بل لا يحق له ذلك، وينبغي عليه كشف هذه الضلالات للطلاب وتحذيرهم منها، وبيان الصواب فيها.
فلا يكتفي المعلم بدوره كمعلم للمادة فقط، بل يربط هذه العلوم بالإسلام وينقيها مما فيها من الشوائب ويكون في الوقت نفسه داعية وواعظًا ومرشدًا إلى جانب كونه معلمًا ومثقفًا.
стр. 213
٣ - أن ينتهز المعلم الفرصة كلما سنحت له لتوضيح مفهوم من مفاهيم الإسلام، أو لتثبيت عقيدة من العقائد أو لبيان قضية من قضايا المسلمين أو لتعليم أدب من آداب الإسلام، وهكذا.
وكل هذه الأمور يستتبع بالضرورة تحقيقها أن يرتفع المعلمون بمستواهم العلمي والشرعي في كثير من الأمور حتى يكونوا أكفاء لهذه المهمة النبيلة التي شرفهم الله بحملها.
حملة تطبيق الشريعة (١):
نحن بحاجة إلى استخدام كل الوسائل المتاحة لشن حملة ضخمة للمحافظة على هوية مصر الإسلامية، وإنقاذ المادة الثانية مِن الدستور في مواجهة هذه الحملة الشرسة التي يشنها العلمانيون وغيرهم لطمس هذه الهوية الإسلامية، وبغرض إقامة الدولة المدنية؛ ولذلك كان التحالف المشبوه لمنع تطبيق الشريعة.
стр. 214
وسائل مقترحة:
١ - تكثيف الخطب والدروس في المساجد، والمراكز والمحافظات في هذا الموضوع.
٢ - استخدام النت، وعمل مجاميع على الفيس بوك لبيان خطورة هذا الأمر.
٣ - حشد علماء الأزهر والدعاة، وأصحاب النخوة والغيرة في الداخل والخارج للتركيز على هذا الأمر.
٤ - رصد ما تتطلب هذه الحملة مِن قدرات وإمكانيات حتى لا تترك للعواصف التي سرعان ما تخبو.
٥ - عمل ملصقات وكتابة لافتات مختصرة للتذكير بهذه القضية، بحيث توزع على الأفراد، ولوضعها في الشوارع.
ويكون التركيز أولًا على الآيات والأحاديث التي توجب تحكيم الشريعة على الحاكم والمحكوم.
стр. 215
حملة الدفاع عن هوية مصر الإسلامية (١):
هدف الحملة:
المحافظة على هوية مصر الإسلامية في وجه الدعوات المشبوهة لتعديل الدستور، وخاصة المادة الثانية منه لتحويل مصر المسلمة إلى دولة علمانية لا دين لها.
نصائح لنشر الحملة ونشرها بين القطاعات المختلفة للمجتمع المصري المسلم الغيور على دينه وأمته:
١ - قم بإرسال دعوات الانضمام للحملة لأصدقائك ومعارفك على صفحة الفيسبوك ومن خلال قائمتك البريدية.
٢ - التسجيل في الحملة يكون من خلال موقع الحملة في النموذج الخاص بذلك، أو عن طريق جمع التوقيعات في الجداول الورقية المرفقة بالموضوع.
٣ - اطبع نموذج التوقيعات المرفق في صفحة الحملة، وانشره بين إخوانك وأهل منطقتك ومحيط عملك وأصدقائك.