← Акыда

Акыда · id 36163

عيد الأم هل نحتفل

شحاتة صقر

Полный текст (62 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عيد الأم ... هل نحتفل؟

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة دار الخلفاء الراشدين // الإسكندرية - ٣ ش عمر - أبو سليمان - أمام مسجد الخلفاء الراشدين أبو سليمان // ت ٠١٢٠١٥٢٩٠٨/ ٠١٠٥٠١٣١٥١ دار الفتح الإسلامي // الإسكندرية - مصطفي كامل - بجوار مسجد الفتح الإسلامي // ت ٠١٠٢٧٧١٠٦٠/ ٠١٠٦٧١٤٧٦٨

стр. 3

مقدمة فضيلة الشيخ ياسر برهامي حفظه الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠).

стр. 4

أما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن من أخطر مظاهرِ فَقْدِ الهويَّة في أمتنا الإسلامية استبدال أعياد بدعية بأعيادنا الإسلامية، ومن هذه الأعياد المبتدعة التي انتشرت في الناس انتشار النار في الهشيم ـ ظنًّا منهم أن ذلك من البِرِّ المأمور به شرعًا ـ ما يُسَمَّى بعيد الأم، وهو في حقيقة الأمر تقصيرٌ في حق الأم لأنه يقصر برها على يومٍ واحدٍ في السنة مع أن المأمور به شرعًا هو بِرُّها على دوام العمر. وكانت هذه الدراسة المختصرة لأخينا الفاضل/شحاتة صقر، جامعةً لكثير من الفوائد المهمة في هذا المقام نسأل الله أن ينفع بها كاتبها وناشرها وقارئها. أملاه عفا الله عنه

стр. 5

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠). أما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يلحظ المسلم كثرة الأعياد في هذه الأزمنة، مثل عيد (شم

стр. 6

النسيم) المسمى بعيد الربيع، و (عيد الحب)، واحتفال الشخص بعيد ميلاده ... الخ، وكل هذا من اتباع اليهود والنصارى والمشركين، ولا أصل لهذا في الدين، وليس في الإسلام إلا عيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة. وقد تابع بعض هذه الأمة الأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس في عقائدهم ومناهجهم وأخلاقهم وهيئاتهم، ومن ذلك اتباعهم في ابتداع (عيد الأم) أو (عيد الأسرة)، وهو اليوم الذي ابتدعه النصارى تكريمًا ـ في زعمهم ـ للأم، فصار يومًا معظَّما تُعَطَّل فيه الدوائر، ويَصِلُ فيه الناسُ أمهاتِهم ويبعثون لهن الهدايا والرسائل الرقيقة، فإذا انتهى اليوم عادت الأمور إلى ما كانت عليه من القطيعة والعقوق. والعجيب من المسلمين أن يحتاجوا لمثل هذه المشابهة وقد أوجب الله تعالى عليهم بر الأم وحرَّم عليهم عقوقها وجعل الجزاء على برها أرفع الدرجات. إن ما يُعرَف بعيد الأم ـ والذي يحتفل به كثير من الناس في الحادي والعشرين من مارس كل عام ـ هو من جملة البدع والمحدثات التي دخلت ديار المسلمين، لغفلتهم عن أحكام دينهم وهدي شريعة ربهم، وتقليدهم واتباعهم للغرب في كل ما يصدره

стр. 7

إليهم. وقد قال ﵌: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). ولم تأتِ بدعة محدثة من البدع إلا وهجرت أو أميتت سنة من السنن، وقد قال التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي ﵀: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سُنَّتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» (رواه الدارمي، وقال الألباني: إسناده صحيح). مصداقُ ذلك أنك ترى الرجل غير بَارٍّ بأمه، لا يَصِلُها إلا قليلًا، فإذا كان هذا اليوم، جاءها بهدية، أو قدم لها وردة، ويظن في نفسه أنه بذلك قد عمل الذي عليه تجاهها. وقد استفاض العلم بأنه لا يجوز إحداث عيد يحتفل به المسلمون غير عيدي الأضحى والفطر، لأن الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ (الحج:٦٧). وأتقدم بالشكر لفضيلة الشيخ / ياسر برهامي ـ حفظه الله ـ لما قام به من مراجعة لهذه الرسالة والإجابة على ما طرحته عليه من

стр. 8

أسئلة، وأسأل الله أن يبارك في عمره وعلمه وأن ينفع به الإسلام والمسلمين (١). وأسأل الله أن ينفع المسلمين بهذه الرسالة وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 9

دُرَر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن تحريم مشابهة أهل الكتاب في الأعياد وغيرها (١) بعض الأدلة من القرآن والسنة على النهي عن التشبه بالكافرين: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (الجاثية: ١٦ - ١٩).

стр. 10

أخبر سبحانه، أنه أنعم على بني إسرائيل بِنِعَم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدًا ﵌ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن إتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويُسَرُّون به، ويَوَدُّون أن لو بذلوا مالًا عظيمًا ليحصل ذلك. ٢ - قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ (يونس:٨٩)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ (الأعراف:١٤٢)، وَقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (النساء:١١٥)، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 11

وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون. ٣ - قال رسول الله ﵌: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح)، وهذا الحديث أقل أحواله: أن يقتضى تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة:٥١)، فقد يُحمَل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم، في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا، أو معصية، أو شعارًا لها كان حكمه كذلك. وبكل حال: يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تَشَبُّهًا، والتَّشَبُّه: يعم مَنْ فَعَل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عن هذا، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ

стр. 12

اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﵌: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» (رواه الترمذي وصححه الألباني)، دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل بمجرد ترْك تغيير ما خُلِق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية، وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زيّ غير المسلمين. وقد أخبر الرسول ﵌ أن أمته ستتبع سنن الأمم قبلها، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟». قَالَ «فَمَنْ» (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِى بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟». فَقَالَ «وَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ؟» (رواه البخاري). فأخبر ﵌ أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. وقد كان ﵌ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه ﵌ أنه قال: «لاَ تَزَالُ

стр. 13

طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (رواه البخاري ومسلم). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ «إِنَّ اللهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِى ـ أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﵌ ـ عَلَى ضَلاَلَةٍ» (رواه الترمذي وصححه الألباني). وقال ﵌: «لاَ يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِى هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِى طَاعَتِهِ» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني). فعُلِم بخبره الصِّدق أنه في أمته ﵌ قومٌ مستمسكون بهَدْيه، الذي هو دين الإسلام محضًا، وقوم منحرفون إلى شُعبة من شُعَب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضًا، بل قد يكون الانحراف كفرًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ، وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أُمِر العبدُ بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلًا. موافقتهم في أعيادهم: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين: الطريق الأول:

стр. 14

أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي تركه مصلحة مخالفتهم، حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمرًا اتفاقيًا، ليس مأخوذًا عنهم لَكَانَ المشروع لنا مخالفتهم، لما في مخالفتهم من المصلحة، فمن وافقهم فوّت على نفسه هذه المصلحة، وإن لم يكن قد أتى بمفسده، فكيف إذا جمعهما؟ وأما الطريق الثاني ـ الخاص ـ في نفس أعياد الكفار: فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ الْمَدِينَةَ قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمْ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى» (رواه النسائي وصححه الألباني). فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرُّهما رسول الله ﵌ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «وَقَدْ أَبْدَلَكُمْ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى»، والإبدال من الشيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما. حريم العيد: العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع،

стр. 15

وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك. وكذلك حريم العيد: وهو ما قبله وما بعده من الأيام التي يُحْدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم، كيوم الخميس والميلاد ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع، أو الشهر الآخر، وإنما المحرك على إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك. فهذا أيضًا من مقتضيات المشابهة. لكن يُحَالُ الأهلُ على عيد الله ورسوله ﵌ ويُقْضَي لهم فيه من الحقوق ما يقطعُ استشرافَهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب أهله لله، أرضاه الله وأرضاهم. وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». (رواه البخاري ومسلم).

стр. 16

هل يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار ؟ أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذًا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع. ونحن ننبه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه، فمن ذلك: الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون، ويسمونه عيد العشاء، وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد ـ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات. فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسمًا لبيع البخور وشرائه وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت، إذ اتخذ وقتًا للبيع، ورقى البخور مطلقًا في ذلك الوقت، أو في غيره أو قصد شراء البخور المرقي، فإن رقى البخور واتخاذه قربانًا هو دين

стр. 17

النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب سائر الطيب من المسك وغيره، مما له أجزاء بخارية، وإن لطفت، أو له رائحة محضة، ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب. وكذلك اختصاصه بطبخ رُزّ بلبن، أو بسيسة، أو عدس، أو صبغ، أو بيض، ونحو ذلك. ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة: من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها، على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلًا، بل يجعل يومًا كسائر الأيام، فإن النبي ﵌ نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية، ونهى ﵌ عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يُعَيِّدون فيه. (رواه أبو داود وصححه الألباني)، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم مَنْهِيًّا عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟ وأعياد الفرس مثل النيروز والمهرجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل.

стр. 18

حكم إعانة المسلمين المتشبهين بالكفار في أعيادهم: وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يُعَان المسلم المتشبه بهم في ذلك. بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَبْ دعوتُه، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تُقْبل هديته (١)، خصوصًا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه، في الميلاد، أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير، الذي في آخر صومهم. وكذلك أيضًا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه. ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك، لأن في ذلك إعانة على المنكر.

стр. 19

بيع المسلمين للكفار في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم: فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس، والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم. وهو مبني على أصل، وهو: أن بيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا لا يجوز، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا.

стр. 20

الاحتفال بعيد الأم إن بِرَّ الوالدين عبادةٌ مأمور بها العبد في كل يوم بقدر استطاعته، وأكمل المسلمين من أتمها في كل يوم وأداها كما ينبغي، والاحتفال بعيد الأم بتحديد يوم معين وكيفية معينة لبر الوالدين هو تخصيص لهذه العبادة بما لم يأت به الشرع، وأقصى ما يقدمه المرء في هذا اليوم لأمه هو مطالب به طوال أيام العام بقدر استطاعته لإدخال السعادة والرضا على نفسها وأيضًا يفعل ذلك مع أبيه. ولو كان في الاحتفال بعيد الأم خيرٌ يُقَرب إلى الله ، لَفَعَلَه رسول الله ﵌ ولَفَعَلَه سلفنا الصالح ﵃، ولَحَثُّوا عليه. وإضافة عيد في حياة الأمة لا يكون إلا بدليل من الشرع، فالأعياد من العبادات والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بما لم يشرعه الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع» (١). قال ابن عابدين ﵀: «سُمِّيَ الْعِيدُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ لِلهِ ـ تَعَالَى ـ فِيهِ عَوَائِدَ الْإِحْسَانِ أَيْ أَنْوَاعَ الْإِحْسَانِ الْعَائِدَةَ عَلَى عِبَادِهِ فِي كُلِّ

стр. 21

عَامٍ: مِنْهَا الْفِطْرُ بَعْدَ الْمَنْعِ عَنْ الطَّعَامِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَإِتْمَامُ الْحَجِّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَالنَّشَاطُ وَالْحُبُورُ غَالِبًا بِسَبَبِ ذَلِكَ» (١). وعيد الأم نوع من العبادات المحدثة في دين الله وهذا الاحتفال ليس من باب العادات، لأنه يتكرر، ولهذا كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ الْمَدِينَةَ قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمْ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى» (رواه النسائي وصححه الألباني)، مع أن هذا من الأمور العادية عندهم» (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «عيد: اسم لما يعتاد فعله أو التردد إليه، فإذا اعتاد الإنسان أن يعمل عملًا كما لو كان كلما حال عليه الحول صنع طعامًا ودعا الناس فهذا يسمى عيدًا، ولأنه جعله يعود ويتكرر» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «العيد اسم لما يُعادُ من

стр. 22

الاجتماع العام على وجه معتاد عائد: إما بِعَوْد السنة، أو بعود الأسبوع أو الشهر، أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورًا منها: يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة، ومنها: اجتماع فيه، ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا. فالزمان كقوله ﵌ ليوم الجمعة: «إنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ» (١)، والاجتماع والأعمال: كقول ابن عباس: «شَهِدتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌» (٢)، والمكان كقوله ﵌: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا» (٣)، وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب، كقول النبي ﵌: «دَعْهُمَا يَا أبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لِكُلّ قَوْمٍ عِيدًا وَإِنَّ هَذَا عِيدُنَا» (٤). * فالعيد يطلق على: - زمان العيد. - مكان العيد.

стр. 23

- الاجتماع والأعمال من العبادات أو العادات. - مجموع اليوم والعمل فيه. * وعندما نطبق كلام شيخ الإسلام على الاحتفال بعيد الأم نجده عيدًا وليس عادة فقط فهو: ١ - يوم عائد بِعَوْدِ السنة (يتكرر كل سنة في ٢١ مارس). ٢ - يحدث فيه اجتماع للأهل والأقارب. ٣ - يحدث فيه أعمال مثل إهداء الهدايا. فالاحتفال بهذا الشكل يجعله عيدًا يتكرر كل سنة على وجه مخصوص وهو بهذه الكيفية عيد مبتدع لم يكن عليه عمل السلف الصالح ﵃. وفي الاحتفال بعيد الأم مخالفة أخرى وهي التشبه بالكفار، قال ﵌: «مًنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح)، وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟» (١) (رواه البخاري ومسلم).

стр. 24

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِى بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟»، فَقَالَ «وَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ؟» (رواه البخاري). فبدعة الاحتفال بعيد الأم لم يكن المسلمون يعرفونها، وإنما انتقلت إليهم عن الكفار، وهذه ليست كالأمور العادية من الاختراعات والمأكولات التي لا تخالف شرع الله، فتكرارها كل عام في نفس اليوم يجعلها عيدًا من أعياد الكفار، وليس للمسلمين التشبه بهم في أعيادهم وإن لم تكن أعيادًا دينية.

стр. 25

تكريم الإسلام للوالدين من أحدث هذه البدعة إنما أحدثها تعويضًا عن تقصير مجتمعه في حق الأم، وانقطاع روابط الود والصلة، فأحب أن يكرمها، ويرُدَّ إليها شيئًا من حقها، فعمد إلى إحداث هذا اليوم لتحتفل به الأسر تكريمًا لها، فكانوا كمن سكت دهرًا ونطق نُكْرًا. وماذا يُغْنِي عن الأم يوم في السنة، وبقية العام تكون نزيلة ملجأ، أو تعيش مع كلب أو هرة، هما أوفى لها ممن رضع من ألبانها وتربى في حجرها. والاحتفال بالأم وتكريمها على هذه الطريقة المحْدَثة لن يعطيها عشر معشار ما كفلت لها الشريعة المطهرة من الحقوق، وكيف يمكن ذلك، وقد أمر الله ببرها والإحسان إليها الدهر كله، وجعله حقًّا لها وهي على قيد الحياة. وعندما تكون في عالم الأموات، فإن من برها الدعاء لها، والتصدق عنها، والحج والاعتمار عنها، ولم يجعل لهذا الإحسان يومًا أو وقتًا واحدًا يُحْتَفَل فيه بها، ولم تأت شريعة من الشرائع بمثل ما جاءت به شريعة الإسلام.

стр. 26

يقول الشاعر: لأمِّكَ حَقٌّ لو علِمْتَ كبيرُ كَثيرُكَ يا هذا لدَيهِ يسيرُ فكمْ ليلةٍ باتَتْ بثِقْلِكَ تشتكِي لَها مِن جَوَاها (١) أنَّةٌ وزفيرُ وفِي الوَضعِ لو تدرِي عليْكَ مشقةٌ فكمْ غُصَصٍ منها الفؤادُ يطيرُ وكمْ غسلَتْ عنكَ الأذَى بيمينِهَا ومِن ثَدْيِها شُربٌ لدَيْك نَمِيرُ وكم مَرّة جاعَتْ وأعطَتْكَ قُوتَها حُنُوًّا وإشفاقًا وأنتَ صغيرُ فَضَيَّعْتَهَا لَما أسَنّتْ جَهَالةً وطالَ عليكَ الأمرُ وهو قصيرُ فَدُونَكَ فارغبْ فِي عَمِيمِ دُعائِهَا فأنت لِما تَدْعو إليه فقيرُ

стр. 27

وذِكْرُ حقوق الأم في الشريعة باب يطول، ويكفي التنبيه إلى أن الله تعالى أمر ووصى في مواضع من كتابه بالإحسان إلى الوالدين، وقرنه بالأمر بعبادته والنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلًا بالشكر له، وخص الأم بالذكر في بعض هذه الوصايا للتذكير بزيادة حقها على الأب. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ (لقمان: ١٤). وَقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: ٣٦).وَقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (الإسراء:٢٣ - ٢٤). قال ابن عباس ﵄: «يزيد البر بهما مع اللطف، ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد، تذللًا لهما».

стр. 28

وقال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: «هو: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ». ولا يمنع من برهما والإحسان إليهما كونهما غير مسلمين أو عاصيين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥). فأمر تعالى بمصاحبتهما بالمعروف مع كفرهما، بل ومع أمْرِهِما ولَدَهُما بالكفر بالله تعالى، وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟»، قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» (رواه البخاري ومسلم) (١). وحق الأم مقدم على حق الأب ويزيد عليه بأضعاف ثلاثة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ

стр. 29

: «ثُمَّ مَنْ؟»، قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: «ثُمَّ مَنْ؟»، قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: «ثُمَّ مَنْ؟»، قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة، وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه، وَغَيْر ذَلِكَ». وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «قَالَ اِبْن بَطَّال: مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون لِلْأُمِّ ثَلَاثَة أَمْثَال مَا لِلْأَبِ مِنْ الْبِرّ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل ثُمَّ الْوَضْع ثُمَّ الرَّضَاع، فَهَذِهِ تَنْفَرِد بِهَا الْأُمّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِك الْأَب فِي التَّرْبِيَة. وَقَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (لقمان: ١٤)، فَسَوَّى بَيْنهمَا فِي الْوِصَايَة، وَخَصَّ الْأُمّ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمُرَاد أَنَّ الْأُمّ تَسْتَحِقّ عَلَى الْوَلَد الْحَظّ الْأَوْفَر مِنْ الْبِرّ، وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقّ الْأَب عِنْد الْمُزَاحَمَة» اهـ.

стр. 30

وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ ـ ثَلَاثًا ـ إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وقد حرَّم الإسلام عقوق الوالدين وجعله من الكبائر فقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ» (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «أَمَّا (عُقُوق الْأُمَّهَات) فَحَرَام، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى عَدِّهِ مِنْ الْكَبَائِر، وَكَذَلِكَ عُقُوق الْآبَاء مِنْ الْكَبَائِر، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْأُمَّهَات لِأَنَّ حُرْمَتهنَّ آكَد مِنْ حُرْمَة الْآبَاء، وَلِأَنَّ أَكْثَر الْعُقُوق يَقَع لِلْأُمَّهَاتِ، وَيَطْمَع الْأَوْلَاد فِيهِنَّ». اهـ باختصار. وقال ﵌: «بَابَانِ مُعَجَّلَانِ عُقُوبَتُهُمَا فِي الدُّنْيَا: الْبَغْيُ وَالْعُقُوقُ» (رواه الحاكم في (المستدرك) وصححه الألباني). قال المناوي في (فيض القدير): (بَابَانِ مُعَجَّلَانِ عُقُوبَتُهُمَا فِي الدُّنْيَا) أي قبل موت فاعليهما: (الْبَغْيُ) أي مجاوزة الحد والظلم، (وَالْعُقُوقُ) للوالدين وإنْ عَلَيَا، أو أحدِهما، أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع.

стр. 31

وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ أحَدَ وَالِدَيْهِ فَماَتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأدْخِلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَّلّ عَلَيْكَ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأبْعَدَهُ اللهُ قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (صحيح رواه الطبراني). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا» (وحسنه الألباني). وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ: جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ»، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: «الْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا»، ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فِي مَقَاعِدَ شَتَّى كَمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ» (رواه الإمام أحمد والنسائي وحسنه الألباني) (١).

стр. 32

والمقصود بالغزو هنا جهاد طلب الكفار في عقر دارهم، وليس جهاد دفع الكفار عن بلاد المسلمين، (فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا) أَيْ نَصِيبُك مِنْهَا لَا يَصِل إِلَيْك إِلَّا بِرِضَاهَا، بِحَيْثُ كَأَنَّهُ لَهَا وَهِيَ قَاعِدَة عَلَيْهِ، فَلَا يَصِل إِلَيْك إِلَّا مِنْ جِهَتهَا، فَإِنَّ الشَّيْء إِذَا صَارَ تَحْت رِجْل أَحَد، فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَصِل إِلَى آخَر إِلَّا مِنْ جِهَته. وعن ابن عباس ﵄ قال: «إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من بر الوالدة» (رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني). فهذا البر هو الاحتفال بالوالدين ـ لا سيما الأم ـ الذي دعا إليه الإسلام وحث عليه ورغب فيه، والناس بعد ذلك أحد شخصين: - بارٌّ بأمه كما أمرته الشريعة المطهرة، فهذا لا يجوز له الاحتفال بهذا اليوم، لأنه بدعة، ولأن هدي الإسلام في هذا الباب أتم وأحكم.

стр. 33

- وشخص لم يكن بأمه بارًّا، وهذا لن يكون بهذا الاحتفال وهذا اليوم بارًّا، بل هو ممن جمع بين العقوق والابتداع. ولعل للغرب ما يسوغ اختراع هذا اليوم وأمثاله، إذ لا قيمة ـ في ظل فلسفتهم المادية ـ للروابط الأسرية عندهم، ولا أهمية للقرابة، ولا حق للأم التي حملت ثم ولدت ثم أرضعت وسهرت، فتحتاج أمهاتهم ولو يومًا من السنة يتذكرن فيه أولادهن، ويرسلون إليهن الهدايا وبطاقات معايدة، ولكن الذي لا يمكن فهمه وتفسيره إلا على وجه التبعية البغيضة تقليد بعض أبناء المسلمين لأساتذتهم في الغرب وإحياء (يوم الأمومة) في ديار أهل الإسلام، مع أن المسلمين ليسوا محتاجين يومًا ولا أسبوعًا ولا شهرًا يكرمون فيه أمهاتهم، إذ إن دينهم يحتم عليهم بر والديهم العمر كله، ويجعل جزاء ذلك الجنة، فما الداعي إلى نقل يوم الأمومة إلى ديار المسلمين؟ عيد الأم عندنا في كل يوم، وليس يوم واحد ونرميها بعدها في أقرب دار المسنيين!!

стр. 34

لماذا احتفل الغربيون بعيد الأم ؟ إن المتتبع لأحوال الأسرة عموما وللأم خاصة في المجتمعات غير الإسلامية ليسمع ويقرأ عجبًا، فلا تكاد تجد أسرة متكاملة يصل أفرادها بعضهم بعضًا فضلا عن لقاءات تحدث بينهم وفضلا عن اجتماع دائم. ومن النادر أن تجد أسرة كاملة تتسوق أو تمشي في الطرقات. وعندما يصير الأب أو الأم في حالة الكِبَر يسارع البَارُّ بهما!! إلى وضعهما في دور العجزة والمسنِّين، وقد ذهب بعض المسلمين إلى بعض تلك الدور وسأل عشرة من المسنِّين عن أمنيته، فكلهم قالوا: «الموت!!»، بسبب ما يعيشه الواحد منهم من قهر وحزن وأسى على الحال التي وصل إليها وتخلى عنهم فلذات أكبادهم في وقت أحوج ما يكون إليهم.

стр. 35

يقول الدكتور عبد الله عزام ﵀: «أحد إخواننا تزوج امرأة أمريكية وزارونا , فأبي وأمي في البيت, وأبي يأمر الولد: «هات يا ولد كذا , اذهب وأحضر الشاي» , ينهره وما إلى ذلك , فتعجبَتْ هذه المرأة الأمريكية , قالت: «كيف هؤلاء يستطيعون أن يحكموا على ابنهم , هؤلاء كبار في السن عندنا يرمونهم في ملاجئ في بيوت العجزة , كيف هؤلاء يحترمونهم بهذا الشكل , ويطيعونهم؟». قالوا لها: «هذا هو الإسلام , لا جَنَّةَ إلا عن طريق هؤلاء» , هي ذهلت , أبي عمره سبعة وثمانون سنة , وأمي عمرها خمسة وثمانون سنة , كيف هؤلاء يُطَاعُون في البيت , وهؤلاء شباب كبار يطيعونهم , وزوجتي تطيع أمي وتطيع أبي؟ كيف هذا؟ هي تعجبَتْ، لأنها وجدت أن جدتها وأمها وغير ذلك يغيب عنها أبناؤها سنة كاملة لا يزورونها, لا يزورونها, ويمر في السيارة ويرى والده في الطريق في السيارة فلا يقف حتى ليسلم على أبيه. وذات يوم اجتمعت على الإشارة سيارتان , سيارة الأب وسيارة الابن, فالوالد أوقف سيارته جانبًا ووقف حتى ينزل ابنه يسلم عليه, فإبنه قال: «هاي هاي باي» واستمر ماشيًا , مشى , فنزلت الدمعة من عينه.

стр. 36

هذا قال له آخر: «ما بالك؟». قال: «منذ خمس سنوات لم أر هذا الولد الذي يقول لي: هاي هاي». ولذلك اتفقوا على يوم اسمه يوم ماذا؟ عيد الأم في بداية الربيع, قالوا: هذا عيد الأم يعني يوم في السنة نزور الأم , نأخذ لها باقة زهور أو قطعة كاتوه ونقول لها: اسكتي من السنة إلى السنة, نعم! وتجد عيد الأم أين؟ في قرية من قرانا طول الليل والنهار أمه وأبوه في وجهه, والصبح فاصولياء مسلوقه , والظهر الرز , والمغرب الحليب , طول النهار في وجهها، وبالتالى يعملون لها عيد أم , نعم مساكين! التقليد, هنا التقليد المذموم , هذا تقليد القرود, لأن القرود يحاكون, يمثلون كل شيء يرونه. ولذلك البنت الأوروبية عندما تسلم ويحسن إسلامها وتتزوج لا تطيق فراق زوجها أبدا , لأنها تراه الدنيا بأسرها , كانت ضائعة تائهة , لا أحد يتكلم معها. يحدثني أحد إخواننا كان في أمريكا يدرس الدكتوراه , فقال: سكنتُ عند عجوز , ففي الصباح وأنا نازل الجامعة أقول لها:

стр. 37

( Good morning ) , والمساء وأنا طالع إلى غرفتي أقول لها Good evening) (١) ، عمرها سبعون , فالمهم كبيرة , قال: بعد يومين أو ثلاثة نادَتْنِي , قالت: «كم تريد راتبك؟».قلت لها: «لماذا؟» قالت: «لأنك تُسَلِّمُ عَلَيَّ , أريد أن أدفع لك راتبًا لأني أسمع صوت إنسان». ولذلك هناك كان تمسُّكُهم بالكلاب , يقول لك: الناس كلهم غدورا بي وتركوني, فلم يبق لي إلا هذا الكلب الوفي, نعم, ما بقي إلا هذا الكلب, قال: هذا أفضل من أولادي, لأنه لم يبق مَن يُسَلّيني إلا هذا الكلب, ولذلك كثير من كبيرات السن أو كبار السن يموتون في غرفهم ولا يدري أحد عن موتهم حتى تخرج رائحتهم وتشمئز منها النفوس, وتزكم رائحته الأنوف, فيتصلون بالبلدية, تعالوا هنالك في الحارة واحد ميت أو واحدة ميتة, تعالوا خذوها وارموها. نعم والد جونسون رئيس الولايات الأمريكية مات في المزرعة, لا أحد عرف, ما دَلَّهُم عليه إلا كلبه, جونسون!! رئيس الولايات الأمريكية.

стр. 38

ولذلك مجتمع منهار نهائيًا , بنت تبكي ووالدها يدفعها , فيسأل شاب عربي ما بالها؟ قال: «هي تريد أن تستأجر كأنه بمائة دولار, وشاب آخر يدفع لي ـ غريب ـ مائة وخمسين دولارا في الغرفة, فأنا أؤجر الغرفة لهذا الشاب». أخ قادم من أمريكا قال لي: نحن أهم صفتين عندنا الحياء والكرم, اجتثت هاتان الصفتان من الأوروبيين, دعا عربي ـ العربي كريم ـ دعا أمريكيًّا إلى بيته, عمل له غداء من اللحوم ومن غيره, فهو مكث عنده ساعتين، فواكه وحديث، وبعدها ودعه وخرج الأمريكي, فوضع له بطاقة , فقرأ البطاقة: «مكثْتُ عندك ساعتين وأجْرَتي في الساعة عشرون دولارًا , أرجو دَفْع أربعين دولارًا لي». مجتمع مُنْتَه , لكن حنحنة الحديد وطنطنة الفولاذ وأزير الطائرات لا زالت تغطي على هذا المجتمع المنهار , تغطي على أكوام القمامة التي تحول إليها المجتمع, مزبلة وموضوع فوقها كم قطعة ذهب ـ أجَلَّكُم الله ـ , فاحمدوا الله على دين الله , احمدوا الله على دين الإسلام (١).

стр. 39

عيد الأم ... نبذة تاريخية بدأ عيد الأم عند الإغريق في احتفالات عيد الربيع، وكانت هذه الاحتفالات مهداة إلى الإلهة الأم (ديميتر)، حسب أساطيرهم، فرحًا بعودة ابنتها (برسيفوني)، من عالم الآخرة، بعد أن كان اختطفها هاديس، إله العالم السفلي لنفسه. وفي روما القديمة كان هناك احتفال مشابه لهذه الاحتفالات كان لعبادة أو تبجيل (سيبل) ـ أم أخرى للآلهة. وقد بدأت الأخيرة حوالي ٢٥٠ سنة قبل ميلاد السيد المسيح ﵇، وهذه الاحتفالات الدينية عند الرومان كانت تسمى (هيلاريا) وتستمر لثلاثة أيام من ١٥ إلى ١٨ مارس. تاريخ الاحتفال بعيد الأم: يختلف تاريخ الاحتفال بعيد الأم، وأسلوب الاحتفال به، من دولة لأخرى، فالنرويج تقيمه في الأحد الثاني من فبراير، أما في الأرجنتين فهو يوم الأحد الثاني من أكتوبر، وفي لبنان يكون اليوم الأول من فصل الربيع، وجنوب أفريقيا تحتفل به يوم الأحد الأول من مايو.

стр. 40

أما في فرنسا والسويد فيكون الاحتفال في يوم الأحد الأخير من مايو حيث يجتمع أفراد الأسرة للعشاء معًا ثم تقدم كيكة للأم. وقبلها بأيام يقوم الصليب الأحمر السويدي ببيع وردات صغيرة من البلاستيك تقدم حصيلتها للأمهات اللاتي يَكُنَّ في عطلة لرعاية أطفالهن. وفي اليابان يكون الاحتفال في يوم الأحد الثاني من مايو مثل أمريكا الشمالية وفيه يتم عرض صور رسمها أطفال بين السادسة والرابعة عشرة من عمرهم وتدخل ضمن معرض متجول يحمل اسم (أمي) ويتم نقله كل ٤ سنوات يتجول المعرض في عديد من الدول. الأحد في إنجلترا: وهو يوم شبيه باحتفالات عيد الأم الحالية، ولكنه كان يسمى أحد الأمهات أو أحد نصف الصوم، لأنه كان يُقام في فترة الصوم الكبير عندهم، والبعض يقول إن الاحتفالات التي كانت تقام لعبادة وتكريم (سيبل) الرومانية بُدِّلت من قبل الكنيسة باحتفالات لتوقير وتبجيل مريم ﵍، وهذه العادة بدأت بحَثِّ الأفراد على زيارة الكنيسة التابعين لها والكنيسة الأم محمَّلين بالقرابين.
следующие страницы →