← Акыда

Акыда · id 36165

كشف شبهات الصوفية

شحاتة صقر

Полный текст (203 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[كشف شبهات الصوفية]ـ المؤلف: شحاتة محمد صقر الناشر: مكتبة دار العلوم، البحيرة (مصر) عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة رقم الإيداع:١٦٤٣٣/ ٢٠٠٦ الناشر: مكتبة دار العلوم البحيرة ـ أبو حمص ـ حي الزهور ت ٠٤٥٢٥٦٩٨٢٦ـ٠١٢٩٧٣٢١٣١

стр. 3

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاالله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فهذا كشف لبعض الشبهات التي يثيرها الصوفية للاستدلال على البدع التي نسبوها للإسلام ـ دين التوحيد ـ والإسلام منها براء. وقد نُقِلَتْ الردود من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب، والشيخ الألباني ـ خاصةً كتابَيْه: (التوسل، أنواعه وأحكامه) و (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد)،ومن كتب الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين ﵏ جميعًا ـ ومن كتب ومقالات لآخرين. واللهَ نسأل أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 4

هل تعلم أيها الصوفي ؟! ١ - أنك تنسب إلى لبس الصوف، وليس إلى أهل الصفة، ولا الصف الأول، ولا الصفاء، لأن اللغة لا تجيز ذلك أبدًا؟ فهلا تسميت بالاسم الذي سماك به ربك؟ ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ﴾. (الحج:٧٨) ٢ - هل تعلم أنك تدين الله بشيء حادث في الدين؟ إذ الصوفية من الأمور المحدثة، حيث لم تظهر إلا في نهاية القرن الثاني أو بداية القرن الثالث الهجري، وقد حذر رسولك ﵌ من البدع المحدثات. ٣ - هل تعلم أن من حق الله عليك أن تعبده ولا تشرك معه غيره، ومن حقك عليه إن عبدته ولم تشرك معه غيره أن يدخلك الجنة؟ وهل علمت أن الدعاء والاستغاثة بذوات الأحياء أو الأموات، وطلبك للحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله، نحو طلب الولد، والمغفرة، ونحوهما، من باب الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار، والمبطل لجميع الأعمال، المانع من شفاعة سيد الأبرار ﵌؟ (١). ٤ - هل تعلم أن التوسل المشروع له ثلاث وسائل، وما سواها توسل ممنوع؟ والوسائل المشروعة هي: أ- التوسل إلى الله بأي اسم من أسمائه الحسنى، وبأي صفة من صفاته العلا، نحو: يا رب، يا حي، يا قيوم. ب- التوسل بالأعمال الصالحة، كتوسل الثلاثة الذين دخلوا الغار فانسد عليهم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، ففرَّج الله عنهم كما أخبر الصادق المصدوق ﵌.

стр. 5

جـ- طلب الدعاء من الحي الحاضر، نحو توسل الأعمى بدعاء رسول الله ﵌، كما جاء في حديث عثمان بن أبي حنيف، حيث طلب الرسول ﵌ من الأعمى أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله ﵌ فيه، فدعا له رسول الله ﵌، فرد الله بصره. وكاستسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ولا يظنن خاطئ أن عمر استسقى بذات العباس، إذ لو كان الاستسقاء بذاته لاستسقى عمر بذات النبي ﵌، وهو أفضل من العباس ومن جميع الخلق، بأبي هو وأمي ﵌. ٥ - هل تعلم أن رسولك ﵌ قال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»؟ (رواه البخاري). والإطراء هو المبالغة في المدح والكذب فيه، ومن ذلك اعتقاد معظم الصوفية: أ- أن الرسول ﵌ خُلق من نور، وجميع الأنبياء من لدن آدم خلقوا من نوره، وهذا منافٍ لما أخبر به الله أنه من بني آدم، وقد خلق الله آدم ﵇ من طين. ب- أن الرسول ﵌ حي في قبره كحياته قبل موته، يستقبل الزائرين ويصافحهم ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. مع يقيننا الصادق أن روحه ﵌ في أعلى الجنان، وأن الله حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن الحياة البرزخية تختلف عن الحياة الدنيا وعن الحياة الآخرة. جـ- اعتقاد كثير من الصوفية أن الرسول ﵌ يُرى يقظة بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، بل من الصوفية من يزعم أنه يكلم الله من غير واسطة، وأن بعض الطرق خرج مرسوم إنشائها بأمر الرسول ﵌، وأنهم أخذوا عنه بعض الصلوات والأذكار، وأنه يحضر الموالد، والبعض إذا جلسوا لذكر الجمعة فرشوا ملاءة، وزعموا أن الرسول ﵌ يجلس في وسطها، وخلفاؤه الراشدون في أركانه.

стр. 6

هذا الاعتقاد ـ مع ما فيه من المخالفة ـ مخالفٌ لما كان عليه السلف الصالح من لدن الصحابة ومن بعدهم، حيث لم يزعم أحد منهم أنه اجتمع برسول الله ﵌ مع حاجتهم الماسة لذلك، ومنزلتهم العالية عنده ﵌. ٦ - هل تعلم أن كل الأوراد، والأذكار، والصلوات، والاحتفالات، والموالد، والحوليات التي لم يتعبد بها رسول الله ﵌ وصحبه الكرام ربهم، والتي لم تكن معروفة لديهم ـ هل تعلم أنها مردودة عليك بحكم رسول الله ﵌؛ لأن العبادات توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان؟ قال ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (رواه البخاري ومسلم). وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (رواه مسلم). لماذا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ لماذا تترك الأذكار والصلوات التي خرجت من فم من لا ينطق عن الهوى ﵌، وتتمسك بأوراد وأذكار وضعها غيره من البشر؟ قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ذكر صيغ الصلاة على الرسول ﵌ وصِفَتَها في كتابه (الأذكار١/ ١٦٤): «وأما ما قاله أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة على ذلك (وارحم محمدًا وآل محمد)، فهذه بدعة لا أصل لها، وقد بالغ الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في كتابه (شرح الترمذي) في إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد، وتجهيل فاعله، قال: لأن النبي ﵌ علمنا كيفية الصلاة عليه ﵌، فالزيادة على ذلك استقصار لقوله، واستدراك عليه ﵌» ٧ - هل تعلم أيها الصوفي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف؟ كما أخبر صاحب الشريعة، وأن ما يشيعه بعض الصوفية: «لا تعترض فتطرد»، وزعم البعض أنه لو أمره شيخه بدخول النار لدخلها، ولو أمره بالكفر لكفر، لا أساس له في شرع المصطفى ﵌.

стр. 7

٨ - هل تعلم أن ما لم يكن في ذاك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا؟ كما قال الإمام مالك في تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة:٣)، فالدين تم وكمُل. ٩ - هل تعلم أن تقسيم الصوفية العلم إلى علم شريعة وحقيقة، أوعلم ظاهر وباطن، أوما يعرف بـ (العلم اللدني)، لا أساس له من الصحة؟ وأن هذا التقسيم ما أنزل الله به من سلطان، ولم يؤْثَر عن عَلَم من الأعلام، وإنما اخترعه الشيطان على أوليائه ليلبس عليهم، وليتمكن من إضلالهم؟ حيث زعموا أن العلم اللدني يلقن تلقينًا، ولا يحتاج إلى تعليم، ومعلوم من دين الله أن العلم بالتعلم، ولو كان العلم بالتلقين لناله سيد البرية ﵌، ولكن علَّمه جبريل ﵇ عندما قال له: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ .. »، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:١)، الحديث. عمدتهم في هذا التقسيم قصة الخضر مع موسى سدد خطاكم، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف:٦٥)، وليس في ذلك أدنى دليل. والقول الراجح أن الخضر نبي من الأنبياء، وأن الله أوحى إليه بأمور لم يوحها لكليمه موسى، ولهذا قال في نهاية القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف:٨٢). والحق كذلك أن الخضر مات، ولو كتب الله الخلود لأحد لكتبه لخاتم الأنبياء والرسل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء:٣٤). ١٠ - هل تعلم أن الولاية ليست بالتوارث، وإنما هي بالإيمان والتقوى؟ قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦٣).فكل مؤمن تقي فهو ولي لله ، وطالما أن الناس يتفاوتون في إيمانهم وتقواهم فإنهم لا شك متفاوتون في ولايتهم. ١١ - هل تعلم أنه ليس كل خارق كرامة؟ إذ الخوارق منها ما هو من باب الشيطان والاستدراج، ومن السحر، ولهذا فإن ضابط الكرامة الأساسي هو الاستقامة على دين الله، ولهذا ورد عن السلف أن أكبر كرامة هي الاستقامة.

стр. 8

ورحم الله الإمام الشافعي ﵀ عندما قال: «إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أويطير في الهواء، فلا تصدقوه ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب». ١٢ - هل تعلم كذلك أن العلماء هم الأولياء؟ ولهذا قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي: «إن لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله ولي». ولهذا فإن الاشتغال بالعلم الشرعي أفضل من التفرغ للعبادة، فقد جاء في الحديث: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (رواه الترمذي وصححه الألباني)؛ لأن العلم فضله متعدٍ، أما العابد ـ إن كان يعبد الله على بصيرة ـ فخيره قاصر عليه. ١٣ - هل تعلم أن هناك أمورًا خُصَّ بها نبينا وحبيبنا محمد ﵌، لا يشاركه فيها أحد من الأمة، مهما كانت مكانته وعلت منزلته؟ منها: التبرك بما انفصل منه ﵌، من شعر، ومن ماء وضوء، فلا يجوز لأحد أن يمارس هذا مع أحد من الخلق، ولو جاز هذا لأحد لجاز لخلفائه الراشدين والأئمة المهديين، حيث لم ينقل أن أحدًا صنع معهم شيئًا من ذلك. ١٤ - هل تعلم أن البناء على القبور، والتعلق بها، والتمسح والدعاء عندها، من سمات عُبَّاد الأوثان، وليس من سمات أتباع من نزل عليه القرآن؟ فقد لعن رسول الله ﵌ اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، ولعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. ١٥ - هل تعلم أنه لا يسع أحد من هذه الأمة مخالفة أمر الله ورسوله، أو الخروج عن شرع محمد ﵌، بأن ترفع عنه بعض التكاليف الشرعية، فمن ادعى ذلك أو صدق من ادعاه فقد كفر بما أنزل على محمد. وأخيرًا إياك أن تأخذك العزة بالإثم، وأن تستنكف وتستكبر عن قبول النصيحة، فالحكمة ضالة المؤمن. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

стр. 9

الأدلة على حرص رسول الله ﵌ على بقاء أصلي التوحيد: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، نقيتن صافيتن الدليل الأول: أنه رأى يومًا بيد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة، وكان عمر قد أعجبه ما فيها، فغضب رسول الله ﵌ غضبًا شديدًا، وقال لعمر: «أهذا وأنا بين أظهركم، لقد جئتكم بها بيضاء نقية. والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني» (رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني) وفي هذا الحديث من الفقه: أولا: أن الرسول ﵌ تعجب أن يبدأ الاهتداء بغير الكتاب والسنة وهو ما زال حيًا. ومن مقتضى الإيمان بالكتاب والسنة أن يعتقد أن الهدي فيهما وحدهما. ثانيًا: أن الرسول ﵌ قد جاء بالدين نقيًا خالصًا، لم تَشُبْهُ شائبة من تغيير أو تبديل أو تحريف، والصحابة يتلقونه غضًا طريًا خالصًا، فكيف ينصرفون عنه ويهتدون بما شابه التحريف والتبديل والزيادة والنقص. ثالثًا: أن موسى ﵇ نفسه الذي نزلت عليه التوراة لو أنه حي موجود لكان اللازم في حقه هو متابعة الرسول ﵌، وترك شريعته التي بلغها للناس. وهذا الحديث أصل في بيان منهج الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز لأحد أن يهتدي بعلم يقرب إلى الله، ويصلح النفس غير الذي بعث به رسول الله ﵌ حتى لو كان أصله من شريعة منزلة علي أحد الأنبياء السابقين. الدليل الثاني: أن رسول الله ﵌ سمع خطيبًا يخطب بين يديه فكان مما قاله: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله ﵌: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (رواه مسلم). فهذا الخطيب قد قاطعه رسول الله ﵌، وقبَّح قوله أمام الناس، والسبب أنه جمع بين الله ورسوله في ضمير واحد (ومن يعصهما) فأمره الرسول ﵌ بأن يعيد ذكر الاسم الظاهر لله ولرسوله، حتى لا يُظن ـ ولو من بعيد ـ أن منزلة الرسول كمنزلة الله .

стр. 10

وهذا الحرص من الرسول ﵌ دليل على وجوب صون جناب توحيد الله ﵎ صونًا كاملًا، ووجوب التفريق التام بين ما يجب لله ، وما يجب لرسوله ﵌. الدليل الثالث: أن عثمان بن مظعون ﵁، وكان من خيار الصحابة، لما توفي، وحضر عنده الرسول ﵌ سمع الصحابية الجليلة أم العلاء تقول: «شهادتي عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك». فرد الرسول ﵌ قائلًا: «وما يدريك أن الله قد أكرمه؟» (وكان هذا تنبيهًا عظيمًا من الرسول ﵌ لهذه الصحابية بأنها قد حكمت بحكم غيبي، وهذا لا يجوز، لأنه لا يطلع على الغيب إلا الله )،ولكنها ردت قائلة: «سبحان الله يا رسول الله!! ومن يكرم الله إذا لم يكرمه؟» (أي إذا لم يكن عثمان بن مظعون ﵁ ممن يكرمهم الله فمن بقي منا حتى يكرمه الله ؟ وهذا رد في غاية البلاغة والفهم. ولكن رسول الله ﵌ رد عليها بما هو أبلغ من ذلك حيث قال لها): «والله إني لرسول الله لا أدري ما يفعل بي غدًا» (وكان هذا نهاية الأمر وحسمه، وهنا وصلت أم العلاء إلى الحقيقة الشرعية العظيمة) فقالت: «والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا» (رواه البخاري). الدليل الرابع: أن رجلًا جاء إلى الرسول ﵌ فقال له: «ما شاء الله وشئت»، فقال له ﵌: «أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله وحده» [(رواه أحمد والبخاري في (الأدب المفرد) وغيرهما، وأورده الألباني في (السلسلة الصحيحةرقم١٣٨)] الدليل الخامس: أن بعض الصحابة ﵃ مروا في أثناء خروجهم إلى هوازن بعد فتح مكة على شجرة، كان المشركون يعلقون عليها سيوفهم، ظانين أنه من فعل ذلك حالفه النصر في معاركه مع العدو، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ـ أي شجرة ينوطون (أي يعلقون) بها أسلحتهم ـ فقال لهم الرسول ﵌: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهَاً كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ﴾». (رواه الترمذي وصححه الألباني)، فبين ﵌ أن هذا من عمل المشركين، وأن مشابهتهم في هذا شرك بالله ﵎، إذ طلب البركة والنصر من غير الله شرك به تعالى. الدليل السادس: سدَّ رسول الله ﵌ باب العرافة والكهانة وادعاء علم الغيب، وأخبر ﵌ أن مدعي ذلك كافر، وأن من صدَّق عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على

стр. 11

محمد ﵌، وقد سُئِل ﵌ عن العرافين فقال: «ليسوا بشيء» هكذا بنفي قيمتهم وتحقيرهم: قالت عائشة ﵂: سأل أناس رسول الله ﵌ عن الكهان، فقال لهم رسول الله ﵌: «ليسوا بشيء». قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقًا؟ قال رسول الله ﵌: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة (١)، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة»، (رواه البخاري ومسلم) وأما صعود الشياطين إلى السماء لاستراق السمع، وقذفهم بالشهب فقد ورد في حديث آخر رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه. * ولما شك الصحابة في (ابن صياد اليهودي) الذي كان يسكن المدينة، وظنوه الدجال الذي حدث عنه رسول الله ﵌، وأخذ الرسول معه جماعة وزاره في منزله قال له الرسول مختبرًا: «لقد خبأت لك خبيئًا». وكان الرسول ﵌ قد أضمر في نفسه (سورة الدخان) فسأله الرسول عما في نفسه، فقال عدو الله: «هو الدخ» ولم يستطع أن يكمل الكلمة، فقال له رسول الله ﵌: «اخسأ فلن تعدو قدرك». أي لن تتعدى كونك كاهنًا تتصل بالجن. ولذلك قال له رسول الله ﵌: «كيف ترى؟» قال: «يأتيني أحيانًا صادق وكاذب». أي تأتيه أخبار من الشيطان صادقة أحيانًا، وكاذبة أخرى، فقال رسول الله: «لقد لُبِّس عليه» (رواه البخاري ومسلم). وفي هذا الحديث دليل على أن الشيطان من الممكن أن يطلع على ما في نفس المؤمن، ويخبر وليَّه من الإنس، وأننا مأمورون ألا نصدق من الغيب إلا ما أتانا من طريق الله، ومن طريق رسوله ﵌ فقط.

стр. 12

دعوة إلي التمسك بالكتاب والسنة * قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩). * قال رسول الله ﵌: «. .. إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (رواه أبو داود وصححه الألباني، وروى مسلم لفظة: «كل بدعة ضلالة»). «عَضُّوا عليها بالنواجذ»: كناية عن شدة التمسك بها، و «النواجذ»: الأضراس. * قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتَّبِعوا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُم» (رواه الدارمي ١٧٥). * قال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا». (الاعتصام للشاطبي١/ ٥٤). * قال الإمام الزهري ﵀: «الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة ـ كما قال مالك ـ مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك». * ... العِلمُ قال اللهُ قال رسولُهُ ... قال الصحابةُ ليسَ بالتَمْويهِ ماالعلمُ نصْبُك للخلافِ سفاهةً ... بينَ الرسولِ وبينَ قولِ فَقيهِ * قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران: ٣١) فقد جعل علامة محبته اتباع الرسول ﵌ فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب في دعواه فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالى، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء: ٨٠) وعصيان الله تعالى ينافي محبته، فالخيرة في اتباع الرسول ﵌ والشر في مخالفة سنته، فإذًا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله والتأسي به في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ

стр. 13

عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣). * قال الحافظ ابن كثير: «﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﵌، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﵌ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (رواه البخاري ومسلم) أي: فليحذر ولْيَخْش من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا، بقتل أو حد أو حبس، أو نحو ذلك». * لا يُعرف الحق في مسألة ما بكثرة القائلين به، بل يُعرف الحق بالدليل من الكتاب والسنة. سنة النبي ﵌ فعلية وتركية * سنة النبي ﵌ كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكما كلفنا الله تعالى باتباع النبي ﵌ في فعله الذي يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة، وكما لا نتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل، لا نتقرب إليه بفعل ما ترك فلا فرق بين الفاعل لما ترك والتارك لما فعل. والكلام في ترك شيء لم يكن في زمنه ﵌ مانع منه وتوفرت الدواعي على فعله، كتركه الأذان للعيدين، والغسل لكل صلاة، وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح، والقراءة على الموتى، فهذه أمور تُرِكت في عهد النبي ﵌ السنين الطوال مع عدم المانع من فعلها ووجود مقتضيها؛ لأنها عبادات والمقتضي لها موجود وهو التقرب إلى الله تعالى، والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كانت دينًا وعبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى ما تركها السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان، فتركه ﵌ لها ومواظبته على الترك ـ مع عدم المانع ووجود المقتضي ومع أن الوقت وقت تشريع ـ دليل على أن المشروع فيها هو الترك، وأن الفعل خلاف المشروع، فلا يتقرب بها؛ لأن

стр. 14

القربة لابد أن تكون مشروعة. وأما ما فعله الخلفاء ولم يكن موجودًا من قبلُ فهو لا يخرج عن أمور لم يوجد لها المقتضي في عهد الرسول ﵌ بل في عهد الخلفاء كجمع المصحف، أو كان المقتضي موجودًا في عهد الرسول ولكن كان هناك مانع كصلاة التراويح في جماعة فإن المانع من إقامتها جماعة والمواظبة عليها خوف الفرضية، فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحي صح الرجوع فيها إلى ما رسمه النبي ﵌ في حال حياته. * ما تركه النبي ﵌ مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، لأن النبي ﵌ لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ (المائدة: ٣). * عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه؛ إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح. التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول ﵌ بفعله وتركه هو من اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه ، ولو عوّلنا على العمومات وصرَفْنا النظر عن البيان لانفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده. مثال: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٦) لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يُتقرب إلى الله بالصلاة والسلام على النبي في قيام الصلاة وركوعها واعتدالها وسجودها إلى غير ذلك من الأمكنة التي لم يضعها الرسول ﵌ فيها، ومَن الذي يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة؟ وكيف هذا مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلى» (رواه البخاري)، فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع.

стр. 15

* كان الصحابة ﵃ يرون في ترك الرسول ﵌ للفعل، مع وجود المقتضي له، الحظر وأنه منهي عنه، دليل ذلك أنه لما قُدِّم الضب إلى رسول الله ﵌ رفع يده عنه وترك أكْله فقال خالد بن الوليد: «أحرامٌ الضبّ يا رسول الله؟» قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، قال خالد: «فاجتززته فأكلته ورسول الله ﵌ ينظر إلى» (رواه البخاري، والضب: حيوان من الزواحف)، فلو لم يكن الرسول ﵌ مُتَّبَعًا في تركه كما هو متبع في فعله، لما كان لتوقف الصحابة وترْك الأكل من الضب وجه وقد فهموا، وهم أدرى الناس بالدين، أولًا أنه امتنع عنه فتركوه، وبعد أن أخبرهم بأن هناك سببًا أخر ـ وهو عدم الإلف ـ أكلوا منه ولم يروا بذلك بأسًا. * قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (الأحقاف: ١١)، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالًا وعمارًا وصهيبًا وخبابًا ﵃ وأشباهم من المستضعفين والعبيد والإماء. .. وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها». قال حذيفة ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدَعْ للآخِر مقالًا» (الأمر بالاتباع للسيوطي ص٦٢) * يستدل كثير من الناس بالنصوص العامة لتسويغ بدعهم، والتدليل على واقعهم! وهذا خطأ كبير. مثال: الأذان في العيدين، لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون؛ لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلًا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٤١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾ (فصلت:٣٣) أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع. بل يقال: تَرْك رسول الله ﵌ ـ مع وجود ما يُعتقَد

стр. 16

مقتضِيًا وزوال المانع ـ سنة، كما أن فِعْلَه سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترْك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فلو أن رجلًا أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك. وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة. ونحن نعلم أن هذه ضلالة قبل أن نعلم نهيًا خاصًا عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيرًا. فإن كل ما يبديه المُحْدِث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد كان ثابتًا على عهد رسول الله ﵌، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﵌، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس. مثال آخر: عن نافع أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر ﵄، فقال: «الحمد لله، والسلام على رسوله»، قال ابن عمر: «وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﵌، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حالٍ» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فقد أنكر ابن عمر ﵄ على هذا الرجل مع أن عموم قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٦) تدخل فيه تلك الصلاة، ولكن ما هكذا فهمها الصحابة فمَن بعدهم وما هكذا طبقها السلف الصالح ﵃، وفهمُهم أوْلى، ومرتبتهم أعلى. مثال آخر: رأى سعيد بن المسيب ﵀ رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة؟ قال: «لا ... ولكن يعذبك على خلاف السنة» (رواه عبد الرزاق وإسناده صحيح). مثال آخر: قال رجل للإمام مالك بن أنس ﵀: «يا أبا عبد الله، من أين أُحْرِم؟» فقال الإمام مالك: «من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﵌» فقال: «إني

стр. 17

أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر» قال: «لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة» فقال: «وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها!» قال: «وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقْتَ إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله ﵌؟! إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣)». (الاعتصام ١/ ١٣٢). ونلاحظ في هذه الأمثلة أن الدافع إلى البدعة ومخالفة السنة كان الحرص على الخير والزيادة في الطاعة ومع ذلك فقد أكد الأئمة على ضرورة الوقوف عند حدود السنن، وهم في ذلك على قاعدة عظيمة في تجريد الاتباع ذكرها التابعي الجليل سعيد بن جبير ﵀ وهي قوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع» (رواه الإمام مسلم). :* قال الإمام الشَّافِعِيّ ﵀: « ... وَلَكِنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلًا أَوْ تَرْكًا». (فتح الباري٣/ ٤٧٥). إلى من يتبعون زلات العلماء * قال الإمام الشاطبي ﵀: «. .. الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَد على عمله يعمل على خلاف السُنَّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأي فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا». (الاعتصام ٢/ ٥٠٨). * قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «. .. عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء، أو العبّاد، أو أكثرهم، ونحو ذلك ليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام الرسول ﵌ حتى يعارض به». (اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٤٥). * ما من عالم إلا وله زلة، أبى الله أن تكون العصمة لغير نبيه ﵌ ومن الخطير الولوع بالغرائب والزلات والتعلق بها، باعتبارها رأي فلان أو فلان ممن يشار إليهم بالبنان، وما فتيء العلماء يحذّرون من مسقطة يجريها الشيطان على لسان فاضل عليم،

стр. 18

فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قال: قلت: «لا»، قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين» (رواه الدارمي ١/ ٧١).، ولو أن إنسانًا أخذ بكل شواذ الأقوال وغرائبها لربما خرج من الدين وهو لم يخرج بعدُ من أقوال العلماء! ولذلك قيل: وَلَيْسَ كلُّ خِلافٍ جاءَ مُعتَبَرًا ... إِلا خِلافٌ لَه حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ» أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها (١) * الإمام أبو حنيفة ﵀: ١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي». ٢ - «إذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله وخبر الرسول ﵌ فاتركوا قولي». * الإمام مالك بن أنس ﵀: ١ - «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه». ٢ - «ليس أحد بعد النبي ﵌ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﵌». * الإمام الشافعي ﵀: ١ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌ فقولوا بسنة رسول الله ﵌ ودعوا ما قلت». ٢ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي». ٣ - «كل حديث عن النبي ﵌ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منى». * الإمام أحمد بن حنبل ﵀: ١ - «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». ٢ - «من رد حديث رسول الله ﵌ فهو على شفا هلكة».

стр. 19

المقصود بالكراهة في كلام السلف قال الإمام الشوكاني: «والمكروه يقال بالاشتراك على أمور ثلاثة: الأول: على ما نهي عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر فاعله أن تركه خير من فعله، الثاني: على ترك الأولى، الثالث: على المحظور وهو المحرم». (إرشاد الفحول، ص ٦). قال الإمام ابن القيم: «قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا ممن أقتدي به يقول في شيء: «هذا حلال، وهذا حرام» وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنًا، فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون حلال ولا حرام، أمَا سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩) الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ماحرمه الله ورسوله. قلت (القائل الإمام ابن القيم): وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أَطلق عليه الأئمة لفظ الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفّت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًا في تصرفاتهم». ثم ذكر الإمام ابن القيم أمثلة كثيرة منها قول الإمام أحمد: «لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة وكل شيء لغير الله، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾» (المائدة: ٣)،ثم قال الإمام ابن القيم: «فتأمل كيف قال: «لا يعجبني» فيما نَصّ الله ـ سبحانه ـ على تحريمه واحتج بتحريم الله له في كتابه» ا. هـ. (إعلام الموقعين ١/ ٤٠). قال الإمام الشاطبي ﵀: «وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح المتأخرين حين أرادوا

стр. 20

أن يفرقوا بين القبيلَين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك. وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون العبارة خوفًا مما في الآية من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: ١١٦)، وحكى مالك عمن تقدم هذا المعنى، فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزية؟» (الاعتصام (٢/ ٣٩٧، ٣٩٨). ومما يوضح كلام الإمام الشاطبي أن الإمام الترمذي قال في سننه: «باب كراهية إتيان الحائض»، وذكر فيه قول رسول الله ﵌: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أُنزِل على محمد ﵌» (رواه الترمذي وصححه الألباني). فهل يُعقل أن يستدل الإمام الترمذي بهذا الحديث على الكراهة التنزيهية؟!!

стр. 21

ما هو التصوف ؟ التصوف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كَرَدّ فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري. ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقًا مميزة معروفة باسم الصوفية. ولا شك أن ما يدعو إليه الصوفية من الزهد والورع والتوبة والرضا إنما هي أمور يحث الإسلام على التمسك بها والعمل من أجلها ولكن الصوفية في ذلك يخالفون ما دعا إليه الإسلام حيث ابتدعوا مفاهيم وسلوكيات مخالفة لما كان عليه الرسول ﵌ وصحابته فالمتصوفة يتوخون تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة لا عن طريق اتباع الوسائل الشرعية. * يخلط الكثيرون بين الزهد والتصوف ومن هنا كان تأثر الكثيرين بالتصوف فالزهد ليس معناه هجر المال والأولاد وتعذيب النفس والبدن بالسهر الطويل والجوع الشديد والاعتزال في البيوت المظلمة والصمت الطويل وعدم التزوج. * يعتقد كثير من الصوفية في الأولياء بأن لهم القدرة على إنزال المطر وشفاء الأمراض وإحياء الموتى وحفظ العالم من الدمار. ولا شك أن هناك آثارًا خطيرة تترتب على هذه العقيدة من أهمها الوقوع في شرك الربوبية والعياذ بالله. تلبيس الشيطان على الصوفية: كتب الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي البغدادي المتوفي سنة ٥٩٧هـ كتابًا فريدًا سماه (تلبيس إبليس) خص الصوفية بمعظم فصوله وبيَّن تلبيس الشيطان عليهم، وكان مما ذكره الآتي: * «وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات. فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم. وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع. وهؤلاء

стр. 22

كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة. وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري. * ثم جاء أقوام يتكلمون لهم في الجوع والفقر الوساوس والحظوات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي. وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. * ثم مازال الأمر ينمى والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم. ويتفق بُعدُهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. * ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه كأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة، ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء من قال بالحلول ومنهم من قال بالاتحاد. * فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف. * جاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب (الإحياء) على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه. وقال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ أنوار هي حجب الله ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه (المفصح بالأحوال): إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. * وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم. وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في

стр. 23

النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلامًا أرق من كلامهم. وفي سير السلف نوع خشونة، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها. وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء (أي بعد أن صار التصوف حرفة وتكسبًا صاحبوا الأمراء والسلاطين). * وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها وقد سموها بالعلم الباطن. * وعن سعيد بن عمرو البردعي، قال شهدت أبا زرعة، وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: «إياك وهذه الكتب. هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب». وقيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: «من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمة، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبدالرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع». (تلبيس إبليس ١٦٣ - ١٦٧). (بتصرف يسير). كيف تجادل صوفيًا ؟ كثير من المسلمين الغيورين على الدين والكارهين للتصوف وخزعبلاته يبدءون في جدال الصوفي بالأمور الهامشية الفرعية كبِدَعهم في الأذكار، وتسميتهم بالصوفية، وإقامتهم للحفلات والموالد، أو لبسهم للمرقعات أو نحو ذلك من المظاهر الشاذة التي يظهرون بها، والبدء بالنقاش حول هذه الأمور بداية خاطئة تمامًا، وبالرغم من أن هذه الأمور جميعها هي بدع تخالف الشريعة، ومفتريات في الدين، إلا أنها تُخفي ما هو أمَرّ وأعظم، ولذلك يجب على من يجادل الصوفي أن يبدأ بالأصول لا بالفروع.

стр. 24

أولًا: البداية في النقاش بمنهج التلقي وإثبات الدين . كيف نتلقى الدين؟ ونُثْبِت العقيدة والعبادة، وما هي مصادرنا لهذا التلقي؟ الإسلام يحصر مصدر التلقي في الكتاب والسنة الصحيحة فقط ولا يجوز إثبات عقيدة إلا بنص من القرآن وقول الرسول ﵌، ولا إثبات شريعة إلا بكتاب وسنة واجتهاد موافق لهما، والاجتهاد يصيب ويخطئ، ولا معصوم إلا كتاب الله وسنة رسوله ﵌ فقط. أما الصوفية فيزعمون أن شيوخهم يتلقونه عن الله رأسًا، وبلا واسطة، وعن الرسول ﵌ الذي يزعمون أنه يحضر مجالسهم وأماكن ذكرهم دائمًا، وعن الملائكة وعن الجن الذين يسمونهم بالروحانيين وبالكشف الذي يزعمون أن قلب الولي تنكشف له الغيوب فيرى ما في السموات والأرض، وما سبق وما يأتي من الحوادث، فالولي عندهم لا يعزب عن علمه ذرة في السموات ولا في الأرض. ثانيًا: تبيِّن للصوفي المفاهيم الآتية: ١ - ديننا هو الإسلام لا يقبل الله من أحد سواه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) ٢ - معنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. ٣ - معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ٤ - أمرَنا اللهُ بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: ٢٥٦) والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله. ٥ - أول ما فرض الله على الناس الإيمان بالله والكفر بالطاغوت. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، والطاغوت: كل ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ. ٦ - صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله تعالى وتتركها وتبغضها، وتكفِّر أهلها وتعاديهم.

стр. 25

٧ - خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) ٨ - العبادة ليست مقتصرة على الصلاة والصيام والزكاة والحج، بل العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. ٩ - أنواع العبادة كثيرة منها: الدعاء، والخوف، والتوكل، والصلاة، والذكر، وبر الوالدين وغيرها. ودليل الدعاء قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠)، ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥)، ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣)، ودليل الصلاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الروم: ٣١)، ودليل الذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤١)، ودليل بر الوالدين قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (الأحقاف: ١٥) ١٠ - تُصْرَفُ جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، وصرف شيءٍ منها لغير الله كفر وشرك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧) ١١ - الكفر والشرك منه الأصغر والأكبر على ما هو مفصل في كتب التوحيد. ١٢ - الشرك ضد التوحيد، فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والشرك هو صرف إحدى العبادات لغير الله تعالى، مثل أن يدعو غير الله، أو يسجد لغير الله. ١٣ - الشرك أكبر الذنوب وأعظمها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).والشرك الأكبر يبطل جميع الطاعات، ويوجب الخلود في النار وعدم دخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ

стр. 26

يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٨٨) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة: ٧٢) ١٤ - الكفر ينافي التوحيد، فالكفر أقوال وأعمال تخرج فاعلها عن التوحيد والإيمان. ومثال الكفر: الاستهزاء بالله تعالى، أو آيات القرآن، أو الرسول ﵌ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ... (التوبة:٦٥، ٦٦) ١٥ - النفاق ينافي التوحيد، فالنفاق: أن يظهر للناس التوحيد والإيمان ويبطن في قلبه الشرك والكفر. ومثال النفاق: أن يظهر بلسانه الإيمان بالله ويبطن الكفر كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨) أي يقولون بألسنتهم آمنا بالله وما هم بمؤمنين حقيقة في قلوبهم. ١٦ - أنواع التوحيد: أ- توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق وتدبير الأمور والإحياء والإماتة ونحو ذلك. فلا خالق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: ٦٢) ولا رازق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: ٦)، ولا مدبِّر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (السجدة: ٥)، ولا محيي ولا مميت إلا الله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يونس: ٥٦). وهذا النوع قد أقر به الكفار على زمن رسول الله ﵌، ولم يُدخِلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (لقمان: ٢٥) ب - توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد التي أمرهم بها. فتصرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، مثل الدعاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغير ذلك. وهذا النوع من التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ﵈، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) وهذا النوع من

стр. 27

التوحيد هو الذي أنكره الكفار قديمًا وحديثًا، كما قال تعالى على لسانهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) جـ - توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة من أسماء الله وصفاته التي وصف بها نفسه أو وَصفه بها رسوله على الحقيقة. وأسماء الله كثيرة، منها: الرحمن، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١). ١٧ - من أُصول عقيدة السلف الصالح ـ أَهل السنة والجماعة ـ حُب أَصحاب رسول الله ﵌. ١٨ - من أُصول عقيدة السلف الصالح ـ أَهل السنة والجماعة ـ حُب أَهلِ بيتِ النبي ﵌؛ عملًا بقوله ﵌: «أذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أذَكِّرُكُم اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي» رواه البخاري. ومن أَهل بيته أَزواجه ﵅ وهن أُمهات المؤمنين بنص القرآن. وحب آل البيت ﵃ ليس معناه عبادتهم من دون الله كدعائهم والاستغاثة بهم؛ فإن من الناس من يَدْعُ غير الله من الأنبياء والصالحين وهذا الدعاء عبادة وصرفها لغير الله شرك، قال ﵌: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠). (رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني). ثالثًا: التدرج في مناقشة أخطائه حسب خطورتها على العقيدة فتكون البداية بأخطائه في صرف العبادة ـ من الدعاء والنذر والذبح وغيرهم ـ لغير الله . رابعًا: الرد على الشبهات التي يستدل بها: واعلم أن الله سبحانه ـ من حكمته ـ لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢) وللصوفية كتب وشبهات كثيرة.

стр. 28

فالواجب علينا أن نتعلم من دين الله ما يصير لنا سلاحًا نقابلهم به فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على من يسلك الطريق إلى الله وليس معه سلاح. وقد مَنَّ الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:٨٩).فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان:٣٣). * أحيانًا يستدل الصوفي بشبهات عقلية، وعندئذ يجب أن يعلم أن العقل ليس مصدرًا من مصادر التشريع، وأنه يجب رد النزاع إلى الكتاب والسنة الصحيحة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:٥٩) خامسًا: عليك بالرفق والمجادلة بالتي هي أحسن ؛ لعل الله أن يهديه على يديك: قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ قال الحافظ ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا ﵌ أن يدعو الخلق إلى الله ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكِّرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى. وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: ٤٦) فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون سدد خطاكم، حين بعثهما إلى فرعون فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٤).

стр. 29

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: قدم عَلِمَ الشقيَّ منهم والسعيدَ، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادْعُهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: ٥٦)، و ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة: ٢٧٢). اهـ * ولك في رسول الله ﵌ الأسوة الحسنة حيث قال: «عليك بالرفق، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانَهُ، ولا ينزع من شيء إلا شانَهُ» (رواه مسلم).وقال ﵌ أيضًا: «إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

стр. 30

كشف شبهات الصوفية أولا: الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة بغير الله * النذر نوع من أنواع العبادة التي هي حق لله وحده، لا يجوز صرْفُ شيء منها لغيره، فمن نذر لغيره فقد صرف نوعًا من العبادة ـ التي هي حق الله تعالى ـ لمن نذر له، وصرف نوعٍ من أنواع العبادة نذرًا أو ذبحًا أو غير ذلك لغير الله يعتبر شركًا مع الله غيره داخلًا تحت عموم قول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢) وكل من اعتقد من المكلفين المسلمين جواز النذر والذبح للمقبورين؛ فاعتقاده هذا شرك أكبر مخرج عن الملة. * النذر لغير الله شرك، والذبح لغير الله شرك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ (البقرة:٢٧٠) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) الآية، وقوله ﵌: «لعنَ اللهُ مَن ذبحَ لغيرِ اللهِ» (رواه مسلم).والنذر داخل في قوله تعالى: ﴿وَنُسُكِي﴾. * إن الاستغاثة بالأموات أو الغائبين ودعاءهم من دون الله أو مع الله شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، سواء كان المستغاث به نبيًا أم غير نبي، قال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، وقوله : ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٣، ١٤). * أما من استغاث بالله وسأله سبحانه ـ وحده ـ متوسلًا بجاههم أو طاف حول قبورهم دون أن يعتقد فيهم تأثيرًا وإنما رجا أن تكون منزلتهم عند الله سببًا في استجابة

стр. 31

الله له فهو مبتدع آثم مرتكب لوسيلة من وسائل الشرك، ويخشى عليه أن يكون ذلك منه ذريعة إلى وقوعه في الشرك الأكبر. * التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وآخر الرسل محمد ﵌، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله. يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين. فبعث الله إليهم محمدًا ﵌ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لغير الله لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلًا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله ﵌ يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (يونس:٣١). فإذا تحققْتَ أنهم مُقِرُّون بهذا وأنه لم يُدْخِلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﵌، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة. ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات: أو نبيًا مثل عيسى وعرفت أن رسول الله ﵌، قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ (الجن:

стр. 32

١٨) وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ (الرعد:١٤) وتحققت أن رسول الله ﵌ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يُقصَد لأجل هذه الأمور، سواء ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرةً، أو قبرًا، أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده. فأتاهم النبي ﵌ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. الرد على الشبهات من طريقين: مجمل، ومفصل . أما المجمل فعن عائشة ﵄ قالت: تلا رسول الله ﵌ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧)، قالت: قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللهُ فاحذروهم». (رواه البخاري) فحذرنا نبينا ﵌ من الذي يتبع المتشابه من القرآن أو من السنة وصار يُلَبِّس به على باطله فهؤلاء الذين سماهم الله ووصفهم بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. وكان سبب تحذير النبي ﵌ هو الخشية من أن يضلونا عن سبيل الله باتباع هذا المتشابه، فحذرنا من سلوك طريقهم، وحذرنا منهم.

стр. 33

مثال ذلك: إذا قال لك: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس:٦٢) أو استدل بالشفاعة أنها حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلامًا للنبي ﵌ يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، والله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ (يونس:١٨) وهذا أمر مُحكَمٌ بَيِّنٌ، لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرتَه لي من القرآن أو كلام النبي ﵌ لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﵌ لا يخالف كلام الله . وأما الجواب المفصل: فإن لهم شبهات كثيرة، منها: الشبهة الأولى: قولهم: نحن لا نشرك بالله، ونشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﵌ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولكننا مذنبون، والصالحون لهم جاه عند الله، ونطلب من الله بهم . الجواب: اعلم أن الذين قاتلهم رسول الله ﵌ واستباح دماءهم ونساءهم مقرون بذلك، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، ولم يُغْنِهم هذا التوحيد شيئًا. وقد ذكر الله في محكم كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٢٥).وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦).وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:١٨).وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:١٦٣).وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦) إلى غيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب توحيد الله في عبادته، وأن لا يعبد أحد سواه.

стр. 34

الشبهة الثانية: قولهم: إن الآيات التي ذكرتها نزلت فيمن يعبد الأصنام، وهؤلاء الأولياء ليسوا بأصنام . الجواب: اعلم أن كل من عبد غير الله فقد جعل معبوده وثنًا فأي فرق بين من عبد الأصنام وعبد الأنبياء والأولياء؟! فالكفار منهم من يدعو الأصنام لطلب الشفاعة، ومنهم من يعبد الأولياء، والدليل على أنهم يدعون الأولياء قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (الإسراء: ٥٧) (أي أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم). وكذلك يعبدون الأنبياء كعبادة النصارى المسيح ابن مريم والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة:١١٦)، وكذلك يعبدون الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (سبأ:٤٠). فبهذا تبين تلبيسهم بكون المشركين يعبدون الأصنام وهم يدعون الأولياء والصالحين من وجهين: الوجه الأول: أنه لاصحة لتلبيسهم؛ لأن مِن أولئك المشركين مَن يعبد الأولياء والصالحين. الوجه الثاني: لو قدَّرنا أن أولئك المشركين لا يعبدون إلا الأصنام فلا فرق بينهم وبين المشركين لأن الكل عبَد من لا يغني عنه شيئًا. وبهذا عرفنا أن الله كفَّر مَن قصد الأصنام، وكفر أيضًا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﵌ على هذا الشرك ولم ينفعهم أن كان المعبودون من أولياء الله وأنبيائه. الشبهة الثالثة: قولهم: الكفار يريدون من الأصنام أن ينفعوهم أو يضروهم ، ونحن لا نريد إلا من الله والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ونحن لا نعتقد فيهم ولكن نتقرب بهم إلى الله ليكونوا شفعاء.

стр. 35

الجواب: اعلم أن هذا قول الكفار سواءً بسواء حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) وقوله تعالى: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ (يونس:١٨). الشبهة الرابعة: قولهم: نحن لا نعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة . الجواب: اعلم إن الله فرض عليك إخلاص العبادة له وهو حقه على الناس، حيث قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف:٥٥).والدعاء عبادة، وإذا كان عبادة فإن دعاء غير الله شركٌ بالله والذي يستحق أن يُدعى ويُعبد ويُرجى هو الله وحده لا شريك له. فإذا علمنا أن الدعاء عبادة، ودعونا الله ليلًا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم دعونا في تلك الحاجة نبينًا ﵌ أو غيره فقد أشركنا في عبادة الله غيره. وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ (الكوثر:٢) فإذا أطعنا الله ونحرنا له، فهذه عبادة لله، فإذا نحرنا لمخلوق ـ نبي، أو جني أو غيرهما ـ فقد أشركنا في العبادة غير الله. والمشركون الذين نزل فيهم القرآن، كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات، وما كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وهم مقرون أنهم عبيد لله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًا. الشبهة الخامسة: قولهم: أنتم تنكرون شفاعة الرسول ﵌ -. الجواب: نحن لا ننكر شفاعة الرسول ﵌ ولا نتبرأ منها، بل هو ﵌، الشافع المشفع ونرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر:٤٤).ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال : ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة:٢٥٥) ولا يشفع إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ

стр. 36

إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء:٢٨).والله لا يرضى إلا التوحيد كما قال : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران:٨٥). فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﵌ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، فاطلب الشفاعة من الله، فقل: اللهم لا تحرمني شفاعة النبي ﵌، اللهم شفِّعْهُ فِيَّ، وأمثال هذا. الشبهة السادسة: قولهم: إن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة، ونحن نطلبه مما أعطاه الله . الجواب: اعلم أن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة ونهانا عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن:١٨). واعلم أن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة ولكنه ﵌ لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع إلا لمن ارتضاه الله، ومن كان مشركًا فإن الله لا يرتضيه فلا يأذن أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء:٢٨). واعلم أن الله تعالى أعطى الشفاعة غير النبي ﵌، فالملائكة يشفعون، والأفراط (١) يشفعون، والأولياء يشفعون. فهل نطلب الشفاعة من هؤلاء؟ فإن كنت تريد من الرسول ﵌ الشفاعة فقل: «اللهم شفع فيَّ نبيك محمدًا رسول الله ﵌».وكيف تريد شفاعة رسول الله ﵌ وأنت تخالف أمره وتدعوه ﵌ مباشرة، ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة. الشبهة السابعة: قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فالشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام . الجواب: اعلم أن عُبَّاد الأصنام لا يعتقدون أنها تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، وإن القرآن يكذب من قال أنهم كانوا يعتقدون غير ذلك. وأن عُبَّاد الأصنام هم من قصد خشبة، أو حجرًا، أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون: إنه

стр. 37

يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا. وأن فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها هو نفس فعلهم، وبهذا يكون فعلكم هو عبادة الأصنام. وقولكم: الشرك عبادة الأصنام، هل هذا يعني أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين. الشبهة الثامنة: قولهم: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﵌ -، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ الجواب: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول ﵌ وكذَّب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميع الأنبياء لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ ِوَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء: ١٥٠ - ١٥١) وقوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة:٨٥). فمن أقر بالتوحيد وأنكر وجوب الصلاة فهو كافر، ومن أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة فإنه يكون كافرًا، ومن أقر بوجوب ما سبق وجحد وجوب الصوم فإنه يكون كافرًا، ومن أقر بذلك كله وجحد وجوب الحج فإنه كافر والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ (يعني من كفر بكون الحج واجبًا أوجبه الله على عباده) فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧).

стр. 38

ومن أقَرَّ بهذا كله، ولكنه كذب بالبعث فإنه كافر بالإجماع لقول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن:٧). فإذا أقررت بهذا فاعلم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﵌ وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذا الأمور كفَر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﵌؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! فمنكر التوحيد أشد كفرًا وأبين وأظهر. وها هم أصحاب رسول الله ﵌ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﵌ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﵌ ويؤذِّنون ويصلون وهم إنما رفعوا رجلًا، وهو مسيلمة الكذاب، إلى مرتبة النبي ﵌، فكيف بمن رفع مخلوقًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، يدعوه ويذبح له ويستغيث به ويعتقد فيه النفع والضر؟ أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقًا إلى منزلة مخلوق آخر؟! وقد أجمع العلماء على كفر بني عبيد القداح (الفاطميين) الذين الذين ملكوا المغرب ومصر وكانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدَّعون أنهم مسلمون، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم واستنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. وإذا كان الكفار الأولون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار فما معنى ذِكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد)؟ كل نوع منها يُكَفّر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزاح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه وإن كان الفاعل مستقيمًا في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة.

стр. 39

وقد حكم الله تعالى بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي ﵌ يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون، فقال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ (التوبة:٧٤). وحكم الله تعالى بكفر المنافقين الذين قالوا كلمةً ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فقال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٩٦). ومن الدليل على أن الإنسان قد يقول أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى ﵊: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول أصحاب النبي ﵌: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» فقال: «الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨) لتركبن سنة من كان قبلكم». (رواه الترمذي وصححه الألباني). وهذا يدل على أن موسى ومحمدًا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ قد أنكروا ذلك غاية الإنكار. الشبهة التاسعة: قولهم: في قول بني إسرائيل لموسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول بعض الصحابة للنبي ﵌: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» إن الصحابة وبني إسرائيل لم يكفروا . الجواب: أن الصحابة وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﵌ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا. الشبهة العاشرة: قولهم: إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى ، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﵌، فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.

стр. 40

الجواب: الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص:١٥). والناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء الكرام ليزيلوا عنهم الشدة، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله ليزيل هذه الشدة، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضرر والسوء، ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله ليزيل الله عنه ذلك، وهذا أمر جائز كما أن الصحابة ﵃ يسألون النبي ﵌ في حياته أن يدعو الله لهم، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟ ولا بأس أن تأتي لرجل صالح حي تعرفه وتعرف صلاحه فتسأله أن يدعو الله لك، وهذا حق إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ذلك ديدنًا له كلما رأى رجلًا صالحًا قال: ادع الله لي، فإن هذا ليس من عادة السلف ﵃، وفيه اتكال على دعاء الغير، ومن المعلوم أن الإنسان إذا دعا ربه بنفسه كان خيرًا له؛ لأنه يفعل عبادة يتقرب بها إلى الله . الشبهة الحادية عشرة: قولهم: أن في قصة إبراهيم ﵇ لما أُلقِي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، دليل على أنه لو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم ؟ الجواب: أولًا: قال العجلوني في (كشف الخفاء:١١٣٦): «(حسبي من سؤالي علمه بحالي) ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء بلفظ: رُوِي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: «لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك» ثم رموا به في المنجنيق إلى النار فاستقبله جبريل، فقال: «يا إبراهيم ألك حاجة؟» قال: «أما إليك فلا»، قال جبريل: «فسَلْ ربك»، فقال إبراهيم: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» انتهى، وذكر البغوي في تفسير ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء:٦٨) أن إبراهيم ﵇ قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» حين قال له خازن المياه لما أراد النمرود إلقاؤه في النار: إن أردتَ أخمدتُ النار، وأتاه خازن الرياح فقال له: إن
следующие страницы →