:أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة، وكذلك أوردها ابن إسحاق في (السيرة) عن الزهري مرسلًا كما في (مختصر السيرة) لابن هشام، ووصله أحمد من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة، فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة؛ لإعضالها وعدم رواية الثقات لها.
الوجه الثاني: أن ذلك ـ لو صح ـ لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة، في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين:
أولًا: أنه ليس في القصة أن النبي ﵌ اطلع على ذلك وأقره.
ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي ﵌ علم بذلك وأقره، فيجب أن يُحمل ذلك على أنه قبل التحريم، لأن الأحاديث صريحة في أن النبي ﵌ حرم ذلك في آخر حياته كما سبق، فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم ـ على فرض صحته ـ عند التعارض.
الشبهة السادسة: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبورمساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور، زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين، فزال المنع !
الجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش! أثبت أولا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت.
فإنه لا دليل مطلقًا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط، نعم من الممكن أن يقال: إنها بعض العلة، وأما حصولها بها فباطل؛ لأن من الممكن أيضًا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعًا، وغير ذلك.
وأما زعم أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين. فهو زعم باطل أيضًا وبيانه من وجوه: الأول: أن الزعم بني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأنه الله هو المنفرد بالخلق، والإيجاد كافٍ في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس
стр. 107
كذلك، فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﵌ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان:٢٥)، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي ﵌ أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥). ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك. فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية.
الوجه الثاني: أن النبي ﵌ حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته، فمتى زالت العلة التي ذكروها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته ﵌ فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه ﵌؛ لأن القول بذلك يستلزم ـ بناء على كلامهم ـ أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعدُ في نفوس الصحابة ﵃، وإنما رسخ بعد وفاته ﵌! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم، وهذا مما لا أتصور أحدًا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته ﵌، قلنا: وكيف ذلك وهو ﵌ إنما نهى عن ذلك في آخر نَفَسٍ من حياته؟!
الوجه الثالث: أن الصحابة ﵃ إنما دفنوه في حجرته ﵌ خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، كما تقدم عن عائشة ﵂، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة أنفسهم، أو على من بعدهم:
فإن قيل بالأول، قلنا فالخشية على من بعدهم أولى، وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا، فهو دليل قاطع على أن الصحابة ﵃ كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بَيِّن.
الوجه الرابع: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه، مما يستلزم بقاء العلة السابقة، وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال، فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها.
مثال على ما ذكرنا: عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشْرِفًا إلا سويته. (رواه مسلم).
الشبهة السابعة: روى ثابت البناني عن أنس ﵁ عنه قال: «كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب، فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر !».
قال الألباني: رواه أبو الحسن الدينوري في (جزء فيه مجالس من أمالي أبي الحسن القزويني) بإسناد صحيح، وعلقه البخاري، ووصله عبدالرزاق أيضًا في (مصنفه) وزاد: (إنما أقول القبر: لا تُصَلّ إليه).
الجواب: هذا الأثر دليل على إنكار الصحابة ﵃ الصلاة بالقبور. وأنس ﵁ لم يعلم أن هناك قبرًا. فلما علم أنه قبر تنحى عنه.
قال الحافظ ابن حجر:. .. الْأَثَر الْمَذْكُور عَنْ عُمَر رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي كِتَاب (الصَّلَاة) لِأَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَلَفْظه: «بَيْنَمَا أَنَس يُصَلِّي إِلَى قَبْر نَادَاهُ عُمَر: الْقَبْر الْقَبْر، فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَر، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي الْقَبْر جَازَ الْقَبْر وَصَلَّى» وَلَهُ طُرُق أُخْرَى بَيَّنْتهَا فِي (تَعْلِيق التَّعْلِيق) مِنْهَا مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس نَحْوه وَزَادَ فِيهِ: «فَقَالَ بَعْض مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْر، فَتَنَحَّيْت عَنْهُ».
وَقَوْله: «الْقَبْر الْقَبْر» بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِير».
الشبهة الثامنة: أين كانت عائشة ﵂ تصلي بعد أن دفن في بيتها رسول الله ﵌ وغيره، في داخل بيتها أم خارجه؟
الجواب: إن عائشة ﵂ ممن روى الأحاديث الثابتة عن الرسول ﵌ في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهذا من حكمة الله . وبهذا يعلم أنها ما كانت تصلي في الحجرة التي فيها القبور؛ لأنها لو كانت تصلي فيها لكانت مخالفة للأحاديث التي روتها عن رسول الله ﵌، وهذا لا يليق بها، وإنما تصلي في بقية بيتها. ومن ادعى خلاف ذلك فليأت بالدليل.
تنبيه: ليس في إقامة القبة على قبر النبي ﵌ حجة لمن يتعلل بذلك في بناء قباب على قبور الأولياء والصالحين؛ لأن إقامة القبة على قبره لم تكن بوصية منه ولا من عمل أصحابه ﵃ ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الهدى في القرون الأولى التي شهد لها النبي ﵌ بالخير، إنما كان ذلك من أهل البدع، وقد ثبت أن النبي ﵌ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وثبت عن علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (رواه مسلم)؛ فإذا لم يثبت عنه ﵌ بناء قبة على قبره، ولم يثبت ذلك عن أئمة الخير، بل ثبت عنه ﵌ ما يبطل ذلك ـ لم يكن لمسلم أن يتعلق بما أحدثه المبتدعة من بناء قبة على قبر النبي ﵌.
стр. 108
سادسًا: شد الرحال لزيارة القبور
لا يجوزالسفر لزيارة القبور؛ لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر السلف، ولأن في الصحيحين عن النبي ﵌ قال: «لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». (رواه البخاري ومسلم)
وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري، لما رأى أبا هريرة ﵁ راجعًا من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته؛ لأن النبي ﵌ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح) فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث، أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله ـ غير الثلاثة ـ لا يجوز، مع أنه قد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يُحْصى ـ فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أولى أن لا يجوز.
* نفس السفر لزيارة قبر من القبور ـ قبر نبى أو غيره ـ مَنهىٌّ عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا يجوّزون قصر الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية لقوله ﵌ الثابت فى الصحيحين: «لا تُشَدّ الرحال الا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا».وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة.
الرد على الشبهات:
الشبهة الأولى: احتج بعض المتأخرين على جواز السفر لزيارة القبور بأنه ﵌ كان يزور مسجد قباء .
الجواب: فى الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال:: «لا تُشَدّ الرحال الا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا» وهذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يشد الرحل ليصلى بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
стр. 109
ولو نذر أن يسافر ويأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من المساجد الثلاثة مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان فى المدينة؛ لأن ذلك ليس بشَدّ رحل كما فى الحديث الصحيح أن النبي ﵌ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). وقال رسول الله ﵌: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
قال بعض العلماء: قوله ﵌: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء» تنبيه على أنه لا يشرع قصْده بشد الرحال، بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها.
*السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ﵌ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ـ فيما نعلم ـ فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبدالله بن بطة فى الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة والإجماع.
وبهذا يظهر بطلان هذه الشبهة؛ لأن زيارة النبى ﵌ لمسجد قباء لم تكن بشد رحل.
الشبهة الثانية: أجابوا عن حديث «لا تشد الرحال» بأن ذلك محمول على نفى الاستحباب .
الجواب: قولهم يجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن هذا تسليم منهم أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات فإنّ مَن اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاد أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك.
الوجه الثانى: أن هذا الحديث يقتضى النهى والنهى يقتضى التحريم وما ذكروه من الأحاديث فى زيارة قبر النبى ﵌ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هى
стр. 110
موضوعة لم يرْوِ أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتجّ أحد من الأئمة بشىء منها.
وفى سنن أبى داود عن النبى ﵌ أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». (صححه الألباني).
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﵌ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قَرَن ذلك بقوله ﵌: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم.
ثم إنه ﵌ أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صَلُّوا عليَّ فإن صلاتَكم تبلغُني حيثما كنتم» يشير بذلك ﵌ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
والأحاديث عنه ﵌ بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة. مثل ما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرُدّ ﵇» ﵌. (حسنه الألباني) ومثل ما روى أبو داود أيضًا عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء». (صححه الألباني) (أرم أي صار رميمًا، أي عظمًا باليًا).وفي النسائي عنه ﵌ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي السلام» (صححه الألباني).
* الذى يقتضيه مطلق الخبر النبوى في قوله: «لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا» أنه لا يجوز شد الرحال إلى غير ما ذكر أو وجوبه أو ندبيته فإن فعله كان مخالفًا لصريح النهى ومخالفة النهى معصية إما كفر أو غيره على قدر المنهى عنه ووجوبه وتحريمه وصفة النهى.
стр. 111
الشبهة الثالثة: إن حديث (لا تُشَدّ الرحال الا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا) لم يتناول النهي عن السفر لزيارة المقابر، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان، والعلماء والمشايخ، والإخوان، أو بعض المقاصد، من الأمور الدنيوية المباحة.
الجواب: المسافر إلى طلب العلم أوالتجارة أو زيارة قريبه ليس مقصوده مكانًا معينًا إلا بالعرَض إذا عرف أن مقصوده فيه، (فهو لا يقصد المكان لذاته، بل يقصده لأن حاجته فيه، فلولا أن قريبه ـ مثلًا ـ في هذا المكان ما ذهب إلى هذا المكان أصلًا، ولولا أن العالم الفلاني يُدَرس العلم في المسجد الفلاني ـ مثلًا ـ ما سافر إلى هذا المسجد أصلًا، فهو لم يسافر لاعتقاده فضيلة للمسجد بل سافر لتلقي العلم)، ولو كان مقصوده فى غير هذا المكان لذهب إليه؛ فالسفر إلى مثل هذا لم يدخل فى الحديث باتفاق العلماء وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه.
زيارة المسجد النبوي والسلام على الرسول ﵌ وأصحابه
ليست زيارة مسجد الرسول ﵌ واجبة، ولكن إذا أراد المسلم السفر إلى المدينة المنورة من أجل الصلاة في مسجده ﵌ فذلك سنة، وإذا دخلت مسجده فابدأ بالصلاة ثم ائت قبر النبي ﵌، فقل: «السلام عليك أيها النبي ﵌ ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك»، وأكثر من الصلاة والسلام عليه؛ لما ثبت من قوله ﵌: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ثم سلِّم على أبي بكر وعمر، وترَضّ عنهما، ولا تتمسح بالقبر، ولا تدعُ عنده، بل انصرف وادعُ الله حيث شئت من المسجد وغيره، وقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» رواه البخاري ومسلم.
* فزيارة قبر الرسول ﵌ ليست واجبة، بل هي سنة بالنسبة لمن لم يتوقف ذلك منه على سفر كزيارة سائر قبور المسلمين، وذلك للعبرة والاتعاظ وتذكر الآخرة بزيارتها، وقد زار النبي ﵌ القبور وحث على زيارتها لذلك لا للتبرك بها ولا لسؤال من فيها من الموتى قضاء الحاجات وتفريج الكربات كما يفعل ذلك كثير من المبتدعة رجالًا ونساءً.
أما إذا توقفت زيارة قبر الرسول ﵌ أو غيره على سفر فلا يجوز ذلك من أجلها؛ لما ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» رواه البخاري ومسلم.
روى عبدالرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة أن علي بن الحُسين ﵁ رأى رجلاً يأتي فرجة كانت عند قبر النبي ﵌ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: «ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي ـ يعني علي بن أبي طالب ﵁ ـ عن رسول الله ﵌ قال: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وسلموا على فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» قال السخاوي: «وهو حديث حسن»
стр. 112
سابعًا: الحلف بغير الله
عن عبد الله ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﵌ أدرك عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (رواه البخاري ومسلم) وزاد مسلم قول عمر ﵁: «فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا».قال الإمام النووي ﵀:مَعْنَى ذَاكِرًا: قَائِلًا لَهَا مِنْ قِبَل نَفْسِي، وَلَا آثِرًا ـ بِالْمَدِّ ـ أَيْ: حَالِفًا عَنْ غَيْرِي.
وعند ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عكرمة قال: قال عمر: «حدثتُ قومًا حديثًا فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» فالتفَتّ فإذا رسول الله ﵌ يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم». قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوى بشواهده. وعند الترمذي من وجه آخر عن ابن عمر: «أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلِفْ بغير الله فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». (قال الترمذي: حسن، وصححه الحاكم والألباني).
وقال النووي: «قال ابن عباس ﵄: «لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر» وروى عبد الرزاق عن الثوري عن أبي سلمة عن وبرة قال: «قال عبد الله ـ لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر ـ: «لأَنْ أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا». قال الهيثمي: «ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح».
قال الشيخ ابن باز ﵀: «لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا بالنبي ﵌ ولا بالكعبة ولا بالأمانة ولا غير ذلك في قول جمهور أهل العلم. بل حكاه بعضهم إجماعًا. وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي ﵌ وهو قول لا وجه له بل هو باطل، وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، ومنها ما خرجه الشيخان عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ أن النبي ﵌ قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «من حلف فقال في حلفه باللات
стр. 113
والعزى فليقل لا إله إلا الله» ووجه ذلك أن الحالف بغير الله قد أتى بنوع من الشرك فكفارة ذلك أن يأتي بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ليكفر بها ما وقع منه من الشرك. وخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وخرج أبو داود من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﵌ قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (أخرجه أبو داود والنسائي)، وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀.وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملًا بالنصوص وإحسانًا للظن بأهل العلم.
وقال الشيخ ابن باز أيضًا: «الحلف بالنبي ﵌ أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده ... والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائنا من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك لقول النبي ﵌: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. (خرجه مسلم في صحيحه)».
والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركا أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية».اهـ كلامه ﵀.
* إذا كان الحالف معَظّمًا لما يحلف به من دون الله كتعظيم الله أو أشد كان الحلف شركًا أكبر كمن يقال له: «احلف بالله»، يحلف كاذبًا، فإذا قيل له: «احلف بالشيخ الفلاني»، أقر واعترف، وخاف أن يحلف به كذبًا.
стр. 114
* لا يجوز لمسلم أن يطلب من أحد أن يحلف بغير الله، ولو كان كافرًا، لا بالمسيح ولا غيره؛ لقول النبي ﵌: «من حُلِفَ له بالله فلْيَرض، ومن لم يَرْض فليس من الله في شيء». (رواه ابن ماجة وصححه الألباني)
شبهات وجوابها
الشبهة الأولى: قوله ﵌ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «أما وأبيك لتنبأنه»، وقوله ﵌: «أفلح وأبيه إن صدق» رواهما مسلم .
الجواب: أولًا: قال الإمام النووي ﵀:قَوْله ﵌: «أَمَا وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّهُ» قَدْ يُقَال: حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللهِ وَعَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ، وَالْجَوَاب: أَنَّ النَّهْي عَنْ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة الْوَاقِعَة فِي الْحَدِيث تَجْرِي عَلَى اللِّسَان مِنْ غَيْر تَعَمُّد فَلَا تَكُون يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا.
ثانيًا: قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى بالإجماع ولا اعتبار لقول بعض المتأخرين بأنه مكروه؛ لأنه مخالف لقول رسول الله ﵌ ونهيه عن ذلك.
قال ابن عباس ﵁: «لَأَنْ أحلف بالله صادقًا أو كذبا خير من أن أحلف بغيره صادقًا» فهذا يدل على أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات.
ثالثًا: هذه اللفظة «وأبيه» فيها أقوال:
(١) قال الإمام ابن عبد البر ﵀: هذه اللفظة منكرة وغير محفوظة وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر «أفلح والله إن صدق» وهي أولى من رواية «أفلح وأبيه»؛ لأن الآثار تدل على ردها ولم تقع برواية مالك أصلًا.
(٢) قال غيره: إنها مصحفة عن قوله: «أفلح والله» فحذف لفظ الجلالة وصحف بلفظ وأبيه.
(٣) إن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم بدون قصد القسم به. ذكره البيهقي وارتضاه سفيان الثوري رحمهما الله تعالى.
(٤) قال المارودي والسهيلي ـ وعليه أكثر الشراح وأيده ابن العربي المالكي ـ إن الحلف بالآباء كان في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك.
стр. 115
وهذا القول الأخير هو الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن الحلف بالآباء كان شائعًا في الجاهلية وصدر الإسلام كالعادات الأخرى مثل شرب الخمر، فنهى الإسلام عن هذه العادات بالتدرج ومنها الحلف بغير الله بدليل حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه حلف باللات والعزى فسأل النبي ﵌ عن ذلك فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد» (أخرجه النسائي بإسناد صحيح).
* قال الإمام محيى الدين النووي في شرحه لـ (صحيح مسلم): «قوله ﵌: «أفلح وأبيه» ليس حلفًا إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله فهذا هو الجواب المرضي وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم».
وقد نقل الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) كلام النووي هذا وزاد: «إن هذه كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرت على لسانهم (عقري وحلقي) وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب. وكأنه قال: ورب أبيه».
ثم قال الحافظ: «وأقوى الأجوبة. .. أن هذا كان قبل النهي، أو أنها كلمة جارية على اللسان كما تقدم في كلام النووي. وكونه منسوخًا أصح لحديث عمر وابنه».
الشبهة الثانية: إن الله أقسم ببعض المخلوقات! كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (الشمس: ١) وقوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ١) وقوله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (الليل: ١) وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها .
الجواب: أولًا: هذا من فعل الله والله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه.
ثانيًا: قسَمُ الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنًا للثناء على الله بما تقتضيه من الدلالة على عظمته. وأما نحن، فلا نقسم بغير الله أو صفاته، لأننا منهيون عن ذلك.
قال الشعبي ﵀: للخالق أن يقسم من خلقه ولا يقسم المخلوق إلا بالخالق، ولأن أقسم بالله فأحنث خير إلى من أقسم بغيره فأبر.
وقال مطرف بن عبد الله ﵀: إنما أقسم الله بهذه المخلوقات ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم ودلالتها عند الخالق.
الشبهة الثالثة: إن الملائكة حلفت بحياة لوط ﵇ فقالوا: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر:٧٢) فهو دليل على جواز حلف المخلوق بالمخلوق .
الجواب: هذا الكلام غير صحيح. قال ابن العربي وابن أبي الجوزاء والشوكاني ـ وأجمع عليه المفسرون ـ: بأن الله سبحانه حلف بحياة نبينا محمد ﵌ وليست الملائكة. واستدلوا أيضًا بأن الله حلف، والله يحلف بما شاء من مخلوقاته.
الشبهة الرابعة: عن خارجة بن الصلت عن عمه بن صحار التميمي أنه مر بقوم فأتوه فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فَارْقِ لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فَرَقَاهُ بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، وكلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال فأعطوه شيئًا فأتى النبي ﵌ فذكر له ذلك فقال النبي ﵌: «كُلْ فلَعَمْري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق (١)» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
الجواب: قياس هذه الكلمة (لعمري) على قول الإنسان (وحياتي) قياس مع فارق، وهو باطل كما هو معروف في الأصول؛ لأن الأخيرة معها واحد من حروف القسم التي أُجمِع على أنها صريحة في اليمين بخلاف تلك ـ أي (لعمري) ـ فإن اللام فيه ليست من أدوات القسم.
بل مثل هذه اللفظة تعتبر جريًا على رسم اللغة تُذكر لتأكيد مضمون الكلام فقط؛ لأنه أقوى من سائر المؤكدات وأسلم من التأكيد بالقسم بالله لوجوب البر به.
بل هذا يجري على ألسنتهم من غير قصد كقولهم: عقري وحلقي، وقولهم: ثكلتك أمك، بل هو غير معلوم وغير مفهوم من كلام أهل العلم والإيمان وأئمة هذا الشأن أنه يمين، بل صريح كلامهم نفي هذا وأنه ليس بقسم.
* في المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسم وغيره عن الإمام مالك ﵀، قال سحنون: قلت: أرأيتَ قولة (لعمري) أتكون هذه يمينًا» قال: قال مالك: «لا تكون يمينًا».
стр. 116
ثامنا: إلحاق الصلاة على النبي ﵌ بالأذان
قال الصوفية: أنتم لا تصلون على النبي ﵌ بعد الأذان وتنهون المؤذنين عن رفع الصلوات على المنائر وتقولون إن ما يفعله المؤذنين بدعة. مع أن النَّبِيَّ ﵌ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».رواه مسلم.
الجواب:
أولًا: هذا أمر من النبي ﵌ بالصلاة عليه بعد الأذان، وهذا عام يشمل المؤذن وغيره.
ثانيًا: قال النبي ﵌ «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ» وكلمة (ثم) فيها دليل على أن الصلاة على النبي ﵌ ليست من ألفاظ الأذان؛ لأن الصلاة على النبي ﵌ تكون بعد ترديد مايقوله المؤذن، فدل ذلك على أن المؤذن لا يَقُولها.
ثالثًا: إن أتباع النبي ﵌ هم أكثر الناس صلاة علىه ﵌ وأكثرهم التزامًا بأمره ونهيه وطاعته ﵌.فهل كان بلال أو ابن أم مكتوم وكل من أذن للرسول ﵌ و ﵃ يفعلون ما يفعله بعض المؤذنين في هذا الزمان من رفع الصوت بالصلاة على النبي ﵌ بعد الأذان؟ وهل فُعِل ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ الذين أُمِرْنا بالاقتداء بسنتهم وكذلك في عهد الأئمة الأربعة وأتباع التابعين أو أحد القرون الثلاثة المفضلة؟ اللهم لا.
ومن قال بخلاف هذا فقد افترى على الإسلام ودعاته الأوائل.
رابعًا: هل يوجد في صفة الأذان في أي كتاب من كتب الفقه والحديث المعتمدة ما أحدثه المؤذنون من الصلاة على النبي ﵌ على المنائر بعد الأذان؟ اللهم إنه لا يوجد حتى في كتب الفقهاء المتأخرين.
قال ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه). وكل بدعة في الدين ضلالة في النار. فكل ما لم يرد عن النبي ﵌ ولا خلفائه الراشدين فعله فهو مردود على صاحبه كائنًا من كان. ولا توجد بدعة حسنة وأخرى سيئة في الإسلام.
стр. 117
قال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة): «الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا أو ننقص شيئًا في ديننا. وفي الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» أي باطل.
ونحن نشير هنا إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير حتى خيل للبعض أنها من الدين وليست منه، من ذلك:
(١) قول المؤذن حين الأذان أو الإقامة: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. قال الحافظ ابن حجر: «إنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة».
(٢) قال العجلوني في (كشف الخفا): مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين بعد تقبيلها عند سماع قول المؤذن أشهد أن محمدًا رسول الله مع قوله: أشهد أن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﵌ نبيًا. (رواه الديلمي عن أبي بكر ﵁)،قال في (المقاصد): «لا يصح».
(٣) التغني في الأذان واللحن فيه بزيادة حرف أو حركة أو مد مكروه. فإن أدى إلى تغيير معنى أو إبهام محذور فهو محرم.
(٤) التسبيح قبل الفجر والنشيد ورفع الصوت، وقبل الجمعة والصلاة على النبي ﵌ ليس من الأذان لا لغةً ولا شرعًا، قاله الحافظ في (الفتح).
(٥) الجهر بالصلاة والسلام على رسول الله ﵌ عقب الأذان غير مشروع بل هو محدث مكروه. قال ابن حجر في (الفتاوى الكبرى): «الأصل سنة والكيفية بدعة».
أما الصلاة على النبي ﵌ فأتباع النبي ﵌ أعرف الناس بها وإليك بعض فضائلها من كتاب الله وسنة رسوله ﵌:
(١) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦)
(٢) عن أبي العالية: «صلاة الله تعالى على النبي ﵌ ثناؤه عليه عند الملائكة». رواه البخاري.
(٣) قال ابن كثير: جمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا.
стр. 118
(٤) عن عبد الله بن عمروا بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» رواه مسلم.
(٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود وصححه الألباني.
وهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة في فضل الصلاة على النبي ﵌.لهذا جمهور الفقهاء على وجوب الصلاة كلما ذكر اسمه الشريف واستحبوا كتابة الصلاة والسلام عليه كلما ذكر اسمه.
стр. 119
تاسعًا: ذم ما عليه الصوفية من الغناء والرقص وضرب الدف وسماع المزامير ورفع الأصوات المنكرة بما يسمونه ذكرًا وتهليلا
سُئل الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي ﵀:
ما تقول السادة الفقهاء ـ أحسن الله توفيقهم ـ فيمن يسمع الدف والشبانة والغناء ويتواجد (١)، حتى إنه يرقص، هل يحل ذلك أم لا؟ مع اعتقاده أنه محب لله وأن سماعه وتواجده ورقصه في الله؟ أفتونا مأجورين، رحمكم الله.
فقال: الجواب وبالله التوفيق: إن فاعل هذا مخطيء ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع، غير مقبول القول: ومقتضى هذا: أنه لا تُقبل روايته لحديث رسول الله ﵌، ولا شهادته برؤية هلال رمضان، ولا أخباره الدينية.
وأما اعتقاده محبة الله ، فإنه يمكن أن يكون محبًا لله سبحانه، مطيعًا له في غير هذا، ويجوز أن يكون له معاملة مع الله سبحانه، وأعمال صالحة في غير هذا المقام.
وأما هذا فمعصية ولعب، ذمه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم، وسموه: بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يُتقرب الى الله سبحانه بمعاصيه، ولا يُطاع بارتكاب مناهيه، ومن جعل وسيلته الى الله سبحانه معصيته، كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا، كان كمن سعى في الأرض الفساد، ومن طلب الوصول الى الله سبحانه من غير طريق رسول الله ﵌ وسنته فهو بعيد من الوصول الى المراد.
وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن حكم الإسلام فيمن يذكرون الله وهم يتمايلون يمينًا وشمالًا في حالة قفز وفي جماعة وفي صوت عال؟
стр. 120
فكان الجواب: لا يجوز، لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة، وقد قال النبي ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
شبهة: قول الله : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:١٩١)
الجواب: ليس في الآية دليل على ما زعموه. قال الإمام الطبري: «ومعنى الآية: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم يعني بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا».
وقال الحافظ ابن كثير: ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ كما ثبت في صحيح البخاري عن عِمْران بن حُصَين، ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لَم تستطع فَعَلَى جَنْبِكَ» أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم».
وانظر أيضًا تفسير البغوي والألوسي، وفتح القدير والدر المنثور وغيرهم.
شبهة: ما رُوِي عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ، فَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ مَوْلَايَ» فَحَجَلَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَنْتَ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، فَحَجَلَ وَرَاءَ زَيْدٍ ، وَقَالَ لِي: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» َ فَحَجَلْتُ وَرَاءَ جَعْفَرٍ.
الجواب: أولاً: هذا الحديث رواه البيهقي في (دلائل النبوة) من طريق الواقدي.
قال عنه الحافظ ابن حجر: «متروك».
وقال الإمام الذهبي: «قال البخارى وغيره: متروك».
ورواه الإمام أحمد في (المسند) والبزار في (مسنده) والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) والبيهقي في (السنن الكبرى) من طريق هانىء بن هانىء الهمدانى، الكوفى.
قال عنه الحافظ في تهذيب التهذيب (١١/ ٢٢): «ذكره ابن سعد فى الطبقة الأولى من أهل الكوفة، قال: وكان يتشيع. وقال ابن المدينى: مجهول.
стр. 121
وقال حرملة عن الشافعى: هانىء بن هانىء لا يُعرَف، وأهل العلم بالحديث لا ينسبون حديثه لجهالة حاله». اهـ.
وفي (الكامل) لابن عدي: «حدثنا أحمد بن علي، أخبرنا بحر بن نصر، قال: أملى علينا الشافعي، قال: هانئ بن هانئ لا يُعرَف».
وذكره البيهقي هذا الحديث في (شعب الإيمان) (١١/ ١١٦) بصيغة التمريض: (رُوِي)، وقال في (السنن الكبرى) بعد أن ذكره: «هانئ بن هانئ ليس بالمعروف جدًا وفى هذا ـ إن صح ـ دلالة على جواز الحجل وهو أن يرفع رجلا ويقفز على الأخرى من الفرح».
ثانياً: ليس للحديث ـ إن صح ـ علاقة بالتمايل عند الذكر لا من قريب ولا من بعيد، فليس في الحديث أنهم كانوا يذكرون الله ، بل غاية ما فيه جواز الحجل عند الفرح.
شبهة: يستدل الصوفية لجواز الرقص بالذكر بحديث رواه ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، أنا عمرو بن شمر، حدثني إسماعيل السدي، سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع علي صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين، ثم قلب يده، فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﵌ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صُفرًا شُعثًا غبرًا، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رُئي بعد ذلك مفتراً يضحك، حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق.
الرد: هذا الأثر أخرجه ابن عساكر والدينوري وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية وغيرهم، ومداره على عمرو بن شمر عن السدي عن أبي أراكة.
وهذا الأثر لا تصح روايته ولا يصح الاستدلال به لأنه شديد الضعف، لما ذكر في رجال إسناده:١ - في إسناده عمرو بن شمر قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٣٦٦): «عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي أبو عبد الله.
стр. 122
قال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: زائغ كذاب.
وقال ابن حبان: رافضي يشتم الصحابة ويروى الموضوعات عن الثقات.
وقال البخاري: منكر الحديث.
قال يحيى: لا يكتب حديثه. وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك الحديث. وقال السليماني: كان عمر يضع للروافض. وقال ابن أبي حاتم سألت أبى عنه فقال: «منكر الحديث جداً، ضعيف الحديث، لا يشتغل به، تركوه»، لم يزد على هذا شيئاً.
وقال أبو زرعة الرازي: ضعيف الحديث. وقال النسائي في التمييز: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال ابن سعد: كانت عنده أحاديث وكان ضعيفاً جداً متروك الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان كثير الموضوعات عن جابر الجعفي وليس يروى تلك الموضوعات الفاحشة عن جابر غيره. وذكره العقيلى والدولابي وابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء. وقال أبو نعيم: يروى عن جابر الجعفي الموضوعات المناكير».
٢ - في إسناده أبو أراكة. ذكره الدولابي في الكنى ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلاً، ومثله لا تقبل روايته لجهالة حاله.
٣ - أيضًا في إسناده السدي فيه تشيع ظاهر، وقد ضعفه بعض أهل الجرح والتعديل.
стр. 123
الذكر الجماعي
١ - الذكر عبادة والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها أو للاستحسان، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه. عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﵌: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلت»، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتهُا على النبي ﷺ فلما بلغتُ «آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلتُ: «ورسولك»! قال: «لا، ونبيّك الذي أرسلت» رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر: «ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب. (فتح الباري شرح حديث:٢٤٧)
قال الشيخ الألباني: «فيه ـ أي في هذا الحديث ـ تنبيه قوي على أن الأوراد والأذكار توقيفية وأنه لا يجوز التصرف فيها بزيادة أو نقص، ولو بتغيير لفظ لا يفسد المعنى، فإن لفظ «الرسول» أعم من لفظة «النبي» ومع ذلك رده النبي ﵌ مع أن البراء ﵁ قاله سهواً لم يتعمده! فأين منه أولئك المبتدعة الذين لا يتحرجون من أي زيادة في الذكر أو نقص منه؟» (صحيح الترغيب والترهيب، التعليق على حديث رقم (٦٠٢).
وقال الإمام النووي: « ... واختار المازري أن سبب الإنكار أن هذا ذكر ودعاء، فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه». (شرح صحيح مسلم: حديث ٢٧١٠)
٢ - الذكر من أفضل العبادات، وهو مأمور به شرعاً كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: ٤١، ٤٢).
فالمسلم مطالب بذكر الله تعالى في كل وقت بقلبه ولسانه وجوارحه، لكن ينبغي للمسلم أن يكون في ذكره لله تعالى ملتزماً بحدود الشريعة ونصوصها وهدي النبي ﵌، لأن الاتباع شرط لصحة العمل.
٣ - الذكر الجماعي: هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع في أدبار الصلوات
стр. 124
المكتوبة أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكاراً وأدعية وأوراداً وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية وبصوت واحد.
٤ - الذكر الجماعي لم يأمر به النبي ﵌ ولا حث عليه، ولو أمر به أو حث عليه لنُقل ذلك؛ وكذلك لم ينقل عنه الاجتماع للدعاء بعد الصلاة مع أصحابه.
٥ - إنكار الصحابة: روى الدارمي في سننه بسند صحيح (باب ٢٣، باب في كراهية أخذ الرأي): أخبرنا الحكم بن المبارك أخبرنا عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمة قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: «كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرا أنكرتُه ولم أر والحمد لله إلا خيرًا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشتَ فستراه. قال: رأيتُ في المسجد قوماً حِلَقا جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجُل وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﵌ متوافرون وهذه ثيابه لم تَبْلَ وآنيته لم تُكسر. والذي نفسي بيده إنكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة. قالوا: «والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير». قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﵌ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».
стр. 125
وأيضاً أنكر عمر ﵁، وأنكر أيضاً خباب بن الأرت ﵁. [(رواهما ابن وضاح في (البدع)، وابن أبى شيبة في (المصنف)]
٦ - مفاسد الذكر الجماعي: ١ - مخالفة هدي البني ﵌.٢ - التشويش على المصلين.٣ - في هذا الذكر بصوت واحد تَشَبُّه بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية بصوت واحد.
٧ - الاجتماع على الذكر غير الذكر الجماعي:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً». (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
قد يفهم البعض من هذا الحديث استحباب الذكر الجماعي، وليس هذا بصحيح، وإنما فيه استحباب الاجتماع على الذكر، بمعنى أن يُعِينَ بعضنا بعضاً عليه بالتواجد في مكان واحد، ويوضح ذلك أن النبي ﵌ لما طبّق ذلك عملياً لم يكن يذْكُر الله مع أصحابه ذكرا جماعياً، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (رواه مسلم). ورواه أبو داود بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ» (صححه الألباني) وفي رواية لمسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا. كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﵌».
فكان ﵌ يذكر الله ولم يكن الصحابة ﵃ يرددون خلفه أومعه ﵌.ويكون فائدة الاجتماع عندئذ أنه أنشط للنفس لكونها مجبولة على التأسي، كما قالت الخنساء:
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي ... عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
стр. 126
الرد على الشبهات
شبهة: استدلالهم بعموم الأحاديث الدالة على فضل الاجتماع على ذكر الله ومجالس الذكر مثل أحاديث: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة يبتغون مجالس الذكر ... » (متفق عليه)، «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ... » (رواه مسلم).
* الرد:١ - هذه الأحاديث لا تدل على الذكر الجماعي واستحبابه، وإنما هي دالة على استحباب الاجتماع على ذكر الله، وهناك فرق كبير بين هذا وذاك فالاجتماع على ذكر الله مستحب مندوب إليه بمقتضى الأحاديث الواردة في فضله، ولكن على الوجه المشروع الذي فهمه الصحابة وعملوا به، فقد كانوا يجتمعون على الذكر كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان أصحاب رسول الله ﵌ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والناس يستمعون، وكان عمر ﵁ يقول لأبى موسى ﵁: ذكِّرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون لقراءته» (مجموع الفتاوى) (١١/ ٥٣٣).
روى الإمام ابن أبي حاتم عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال: وكان أبي ممن صحب النبي ﵌: «أن النبي ﵌ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي ﵌ قارئاً فقرأ ... » (قال الشيخ أحمد شاكر: «إسناده صحيح»).
وليس في الأحاديث أن في مجالس الذكر هذه أن أحد الأشخاص يذكر الله وبقية المجلس يرددون وراءه، وليس فيه أنهم يرددون بصوت جماعي.
٢ - ذكر الإمام الشاطبي أن البدعة مضادة للطريقة الشرعية من عدة أوجه، وذكر منها: «التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد» (الاعتصام) (١/ ٤٤).
شبهة: عن ابن جريج قال أخبرني عمرو أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس ﵄ أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد
стр. 127
النبي ﵌ وقال ابن عباس: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته». [رواه البخاري (٨٠٥) ومسلم (٥٨٣)].وفي رواية: عن ابن عباس قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﵌ بالتكبير. [رواه البخاري (٨٠٦) ومسلم (٥٨٣)].
الجواب: أولًا: ليس في كلام ابن عباس ﵁ أنهم كلهم كانوا يذكرون الله بصوت واحد، وليس فيه أنه كان يقودهم إمامهم، وهو ما يقوله أهل البدع استدلالاً من أثر ابن عباس، وليس في استطاعتهم إثبات ذلك من الأثر.
ثانيًا: أخذ بعض الأئمة بظاهر الحديث، فقالوا: يستحب رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة (١)، ومنهم ابن حزم، فقال: «ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن» (المحلى ٤ (٢٦٠/.وخالف جمهور أهل العلم في هذا، وقد ردوا على أولئك الأئمة الذين قالوا بجواز أو استحباب الجهر بالذكر.
قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم): «هَذَا دَلِيل لِمَا قَالَهُ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ يُسْتَحَبّ رَفْع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْر عَقِب الْمَكْتُوبَة. وَمِمَّنْ اِسْتَحَبَّهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اِبْن حَزْم الظَّاهِرِيّ، وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَاب الْمَذَاهِب الْمَتْبُوعَة وَغَيْرهمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَم اِسْتِحْبَاب رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِير، وَحَمَلَ الشَّافِعِيّ ـ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى ـ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعْلِّمهُمْ صِفَة الذِّكْر، لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قَالَ: فَأَخْتَارَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم أَنْ يَذْكُرَا اللَّه تَعَالَى بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ
стр. 128
يَكُون إِمَامًا يُرِيد أَنْ يُتَعَلَّم مِنْهُ فَيَجْهَر حَتَّى يَعْلَم أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ، ثُمَّ يُسِرُّ، وَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَى هَذَا» اهـ كلام الإمام النووي.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): «وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الْجَهْر بِالذِّكْرِ عَقِب الصَّلَاة قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ الْإِبَانَة عَنْ صِحَّة مَا كَانَ يَفْعَلهُ بَعْض الْأُمَرَاء مِنْ التَّكْبِير عَقِبَ الصَّلَاة، وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن حَبِيب فِي (الْوَاضِحَة) أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّكْبِير فِي الْعَسَاكِر عَقِبَ الصُّبْح وَالْعِشَاء تَكْبِيرًا عَالِيًا ثَلَاثًا، قَالَ: وَهُوَ قَدِيم مِنْ شَأْن النَّاس.
قَالَ اِبْن بَطَّال: وَفِي (الْعُتْبِيَّة) عَنْ مَالِك أَنَّ ذَلِكَ مُحْدَث» اهـ كلام الحافظ ابن حجر.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في (فتح الباري): «وقد دل حديث ابن عباسٍ على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة، وقد ذهب الى ظاهره أهل الظاهر، وحُكِي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ (الأعراف:٢٠٥) وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ (الأعراف:٥٥)، ولقول النَّبيّ ﵌ لمن جهر بالذكر من أصحابه: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً» (١).
وحمل الشافعي حديث ابن عباسٍ هذا على أنه جهر به وقتاً يسيراً حتى يعلمهم صفة الذكر؛ لا أنهم جهروا دائماً ... وكذلك ذكر أصحابه. وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك أيضاً. ولهم وجهٌ آخر: أنه يكره الجهر به مطلقاً.
وقال القاضي أبو يعلى في (الجامع الكبير): «ظاهر كلام أحمد: أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم، ولا يزيد على ذلك».
وذكر عن أحمد نصوصًا تدل على أنه كان يجهر ببعص الذكر، ويُسِرّ الدعاء، وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين أيضًا.
стр. 129
ويدل عليه أيضاً: ما خَّرجه مسلمٌ في (صحيحه) من حديث ابن الزبير، أنه كان يقول في دبر كل صلاةٍ حين يسلم: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»، وقال: كان رسول الله ﵌ يهل بهن في دبر كل صلاةٍ.
ومعنى: (يهل). يرفع صوته، ومنه: إلاهلال في الحج، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا ولد.
وقد كان أصحاب رسول الله ﵌ يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من يليهم: فخَّرج النسائي في (عمل اليوم والليلة) من رواية عون بن عبد الله بن عتبة، قال صلى رجلٌ إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلَّم يقول: «أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والاكرام»، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر، فسمعه حين سلم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمروٍ، فسمعته يقول مثلما قلت: قال ابن عمر: كان رسول الله ﵌ يقول ذلك (١).
وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به: المبالغة في رفع الصوت؛ فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته: (لا إله إلا الله، والله اكبر) فقال لهم النبي ﵌: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا»، وأشار إليهم بيده يسكنهم ويخفضهم. وقد خرّجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ.
стр. 130
فأما الحديث الذي خَّرجه مسلمٌ وغيره، عن البراء بن عازبٍ، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﵌ أحببنا أن نكون عن يمينه؛ ليقبل علينا بوجهه. قال: فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك».
فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه ـ أحيانا ـ جليسه، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحياناً في صلاة النهار» اهـ كلام الحافظ ابن رجب (بتصرف).
فلعل هذا كان من أجل التعليم، وهو قول الإمام الشافعي ﵀، ووافقه عليه كثير من الأئمة. قال الإمام الشافعي ﵀ في (الأم١/ ١٥٧): «وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه ذلك؛ لأن عامة الروايات التى كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير. وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت ويذكر انصرافه بلا ذكر، وذكرت أم سلمة مكثه ولم يذكر جهرًا وأحسبه لم يمكث إلا ليذكر ذكرًا غير جهر.
فإن قال قائل: ومثل ماذا؟ قلت: مثل أنه صلى على المنبر يكون قيامه وركوعه عليه وتقهقر حتى يسجد على الارض وأكثر عمره لم يصل عليه، ولكنه فيما أرى أحَب أن يعلم من لم يكن يراه ممن بَعُد عنه كيف القيام والركوع والرفع يعلمهم أن في ذلك كله سعة» اهـ كلام الإمام الشافعي.
ومما قد يؤيد أن فعله ﵌ لم يكن دائماً، أنه لم يكن يجلس ﵌ إلا قليلاً.
قال الإمام الشاطبي ﵀: «إن الدعاء بهيئة الاجتماع دائماً لم يكن مِن فعل رسول الله ﵌، كما لم يكن قوله ولا إقراره. وروى البخاري من حديث أم سلمة أنه ﵌ كان يمكث إذا سلَّم يسيراً. قال ابن شهاب: حتى ينصرف النساء فيما نرى. وفي مسلم: عن عائشة ﵂: كان إذا سلَّم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (الاعتصام ١/ ٣٥).
* ومما قد يستدل به على رد القول بالجهر بالذكر في الصلاة: أن الشرع نهانا عن أن يجهر بعضنا على بعض لئلا يحصل تشويش على المصلي أو القارىء، ولا يخلو مسجد ـ الآن ـ ممن يتأخر عن الصلاة، وفي الجهر بالذكر: تشويش عليهم.
стр. 131
روى الطبراني في (الأوسط) عن أبي هريرة وعائشة عن النبي ﵌ أنه اطلع من بيته والناس يصلون يجهرون بالقراءة فقال لهم: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولايجهر بعضكم على بعض بالقرآن» (صححه الألباني)
وقال الشيخ علي محفوظ ـ وقد كان عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر ـ: «من البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة مِن رفع الصوت به، وفي المسجد، والاجتماع له، والمواظبة عليه، حتى اعتقد العامة أنه مِن تمام الصلاة، وأنه سنة لا بدَّ منها، مع أنه مستحب انفراداً سرًّا. فهذه الهيئة محدثة، لم تُعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ... ، ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعارًا للصلوات المفروضة عقب الجماعة ...
وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف:٥٥)، فالإسرار أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء ... » (١).
قال الشيخ عطية صقر: « ... والذى أختاره، بعد عرض هذا الكلام المبنى على النصوص العامة والخاصة بالذكر بعد الصلاة، هو الإسرار بالذكر؛ لأنه أعون على الإخلاص، وفيه عدم تشويش على المصلين الآخرين، وذلك فى الأوساط الإسلامية العارفة بختام الصلاة، أما فى المجتمعات الإسلامية الحديثة العهد بالإسلام فإن الجهر يكون أفضل للتعليم، وذلك بصفة مؤقتة ثم يكون الإسرار بعد ذلك هو الأفضل.
وليس المراد بالسر أن يكون همسا لا يسمع الإنسان نفسه، ولكن المراد ألا يشوش به على غيره. (فتاوى الأزهر٩/ ١٩)
стр. 132
عاشرًا: الخضر ﵇ في الفكر الصوفي
قصة الخضر ﵇ التي وردت في القرآن في سورة الكهف، ووردت في السنة في صحيح البخاري وغيره، حرّف المتصوفة معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، فقد جعلوا هذه القصة دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًا، وحقيقة صوفية تخالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة على علماء الحقيقة أمرًا مستغربًا، وجعل الصوفية الخضر مصدرًا للوحي والإلهام والعقائد والتشريع. ونسبوا طائفة كبيرة من علومهم التي ابتدعوها إلى الخضر، ومنهم من ادعى لقيا الخضر والأخذ عنه.
الخضر في القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿٦٠﴾ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿٦١﴾ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿٦٢﴾ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٦٣﴾ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿٦٤﴾ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴿٦٥﴾ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨﴾ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴿٧٤﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا
قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا»، قَالَ: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا»،قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا» فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؟»، قَالَ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟»، قَالَ: «إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا»، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلًا أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إِلَّا مَرَّةً، قَالَ: «قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا»، قَالَ: «هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا».
٣ - حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ»
فقه القصة كما وردت في الكتاب والسنة: من هذا العرض الكامل لنصوص القصة في القرآن وفي صحيح البخاري نستخلص الفوائد التالية:
١ - أن الله أراد أن يعلم نبيه موسى ﵇ الذي قال جوابًا عن سؤال (لا أعلم على الأرض أعلم مني)!! أنه كان يجب أن يرد علم ذلك إلى الله ، فأراه الله أن هناك عبدًا لا يعلمه موسى هو على علم من علم الله لا يعلمه موسى وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بين موسى والخضرسدد خطاكم.
٢ - أن الخضر ـ بعد أن تم لقاؤه بموسى سدد خطاكم ـ أخبره أن علم الخضر وعلم موسى بجوار علم الله سبحانه لا شيء، وأنهما لم ينقصا من علم الله إلا كما شرب العصفور من ماء البحر.
стр. 136
٣ - أن الشريعة التي كان عليها الخضر لم تكن في حقيقتها مخالفة للشريعة التي عليها موسى، وإنما كان يخفى على موسى فقط الخلفية التي من أجلها فعل الخضر ما فعله، ولذلك فإن الخضر ـ عندما بين لموسى الأسباب التي دفعته إلى خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار ـ لم يستنكر موسى شيئًا من ذلك لأن هذا كله سائغ في الشريعة:
أ- فإتلاف بعض المال لاستنقاذ بعضه جائز فلو وكلت مثلًا رجلًا على عمل لك ثم جاء لصوص أو ظلمه قطاع طريق ليستولوا على المال كله، ولم يجد هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إلا بأن يدفع لهم بعض المال ويتركوا بعضه لما كان ملومًا شرعًا، ولا يُلام ممن وكله بل يستحسن فعله، وما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة لا يعدو ذلك فهو إنما أفسد السفينة فسادًا جزئيًا لتظهر لأعوان ذلك الملك الظالم أنها غير صالحة فيتركوها وبذلك تسلم من الغصب، ولا شك أن ما فعله الخضر في حقيقته إحسان لأصحاب السفينة؛ لأن الله أطلعه على شيء من المستقبل في أن ذلك الملك الظالم سيصادر السفن لأمر ما، كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانًا إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة.
فما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة موافق للشرع الإلهي تمامًا وليس مخالفًا للتشريع، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ من أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان الله قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده.
ب- وأما قتل الغلام فهوكذلك سائغ في الشريعة إذا كان هذا الغلام سيكون ظالمًا لوالديه، مجبِرًا لهما على الكفر وكان هذا مما علمه الله مستقبلًا، وأطلع عليه الخضر، فكان قتله أيضًا سائغًا، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي. حقًا إن الشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان، والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر الله الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه رحمة بعبدين من عباده صالحين أراد الله أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين:
الألم الأول: أنه ولدهما وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء.
والثاني: أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان وهذا عذاب آخر، فجمع الله لهما عذابًا واحدًا فقط وهو فقد الولد، وفيه خير لهما ولا شك لأن صبرهما، أيضًا على فقده فيه خير لهما. فلما علم الله ذلك، وأطلع الخضر عليه، ونفذ هذا بأمر الله كان ذلك كله موافقًا للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد ﵌ وعليها سائر الأنبياء.
ولذلك لما قيل لابن عباس ﵁ على هذه الحادثة: أيجوز أن نقتل الأولاد؟ قال: «إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل». أي إن ذلك سائغ في الشريعة ولكن أين من يطلعه الله على الغيب كما أطلع الخضر ﵇.
جـ - وأما مسألة بناء جدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القِرَى (بكسر القاف) والضيافة الواجبة، فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة.
ثم إن إحسانه لهذين الغلامين لم يتأت منهما إساءة وكان أبوهما رجلًا صالحًا وهم في قرية ظالمة بخيلة، ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم.
* فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر؟ وأي حقيقة اطلع عليها الخضر تخالف ظاهر شريعة كان عليها موسى؟ بل ما فعله الخضر موافق تمامًا لشريعة موسى ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ولكل شرائع الله المنزلة، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئًا يخالف ما كان عليه الأنبياء ﵈، وإنما فقط أطلعه الله على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه الله عليها. وباختصار لم يفعل الخضر شيئًا مخالفًا لشريعة موسى فافهم هذا جيدًا وتمسك به.
٤ - وجود الخضر ﵇ على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمرًا سائغًا وسنة من سنن الله قبل بعثة محمد ﵌؛ لأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسولًا إلى بني إسرائيل فقط، ولم يكن رسولًا للعالمين، ولذلك لما سلم موسى على
стр. 137
الخضر سدد خطاكم قال الخضر: وأنّى بأرضك السلام. قال له موسى: أنا موسى. قال الخضر: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم». أي أنت مبعوث إلى بني إسرائيل ومنهم، ولذلك لم تكن شريعة موسى لازمة للخضر ولجميع الناس في زمانه، وأما بعد بعثة محمد ﵌ فإنه لا يجوز شرعًا أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته؛ لأن الرسول ﵌ رسول للعالمين، فلا يسع الخضر ولا غيره أن يتخلف عن الإيمان به واتباعه ولذلك فلا وجود بتاتًا للخضر وأمثاله بعد بعثة الرسول محمد ﵌.
٥ - لا شك أن ما فعله الخضر فعله عن وحي حقيقي من الله وليس عن مجرد خيال أو إلهام؛ لأن قتل النفس لا يجوز بمجرد الظن، ولذلك قال الخضر: «وما فعلته عن أمري». فلم يفعل إلا عن أمر الله الصادق ووحيه القطعي. ومثل هذا الأمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النبي ﵌ فلا وحي بعده، ومن ادعى شيئًا من ذلك فقد كفر؛ لأنه بذلك خالف القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب:٤٠).
وقال أيضًا رسول الله ﵌: «وختم بي النبيون فلا نبي بعدي» (رواه مسلم).
* من بيان الحقائق السالفة تتضح لنا الصورة الحقيقية لقصة الخضر ﵇، والاعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة.
ولكن المتصوفة جعلوا من هذه القصة شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد زعموا أن الخضر حيّ إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه وَلِيّ وليس بنبيّ، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول محمد ﵌ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها، فكما أن الخضرـ وهو وليّ فقط في زعمهم ـ كان أعلم من موسى فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﵌؛ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة.
وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية، ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة فما يكون معصية في الشريعة كشرب الخمر والزنا واللواط، قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني، وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل وليّ كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف عن الوحي النبوي.
وهكذا جعل المتصوفة من قصة الخضر بابًا عظيمًا لإدخال كل أنواع الخرافات والزندقة والجهل والإسفاف، بل منهم من زعم أن الخضر لا يصلي لأنه على شريعة خاصة!!.
* الصواب الذي عليه المحققون أن الخضر ميت وأنه لم يدرك الإسلام، والأدلة على ذلك:١ - لو كان موجودًا في زمان النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرفع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم.
٢ - ليس للمسلمين بالخضر حاجة في دينهم ودنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﵌ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم «لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» (رواه الإمام أحمد وإسناده حسن) وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم في المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﵌، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره.
٣ - إذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا خلفاؤه الراشدون؟!!
٤ - إن قال قائل: إن الخضر نقيب الأولياء، فيقال له: من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵌، وليس فيهم الخضر، وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال
стр. 138
إنه الخضر. وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال ـ وقد ذُكِر له الخضر ـ: «من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان».
٥ - ليس هناك دليل قط على أن الخضر حي أو موجود ـ كما يزعم الزاعمون ـ بل على العكس، هناك أدلة من القرآن والسنة والمعقول وإجماع المحققين من الأمة على أن الخضر ليس حيًا.
ذكر الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه (المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف) ضوابط للحديث الموضوع الذي لا يقبل في الدين، ومن هذه الضوابط: «الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد.
وسئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق، فقال: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان. وسئل البخاري عن الخضر والياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي ﵌: «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» [رواه الشيخان]. وسئل عن ذلك كثير غيرهما من الأئمة فقالوا ـ مستدلين بالقرآن ـ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤)
فالقرآن، والسنة، وكلام المحققين من علماء الأمة ينفي حياة الخضر.
القرآن يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤) فالخضر إن كان بشرًا فلن يكون خالدًا، حيث ينفي ذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فإنه لو كان موجودًا لجاء إلى النبي ﵌، فقد قال ﵌: «والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه الا أن يتبعني» (رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني) فإن كان الخضر نبيًا، فليس هو بأفضل من موسى، وإن كان وليًا فليس أفضل من أبي بكر.
وما الحكمة في أن يبقى طيلة هذه المدة ـ كما يزعم الزاعمون ـ في الفلوات والقفار والجبال؟ ما الفائدة من هذا؟ ليس هناك فائدة شرعية ولا عقلية من وراء هذا. إنما يميل الناس دائمًا إلى الغرائب والعجائب والقصص والأساطير، ويصورونها تصويرًا من عند أنفسهم ومن صنع خيالهم، ثم يُضْفون عليها ثوبًا دينيًا، ويروج هذا بين بعض
стр. 139
السذج، ويزعمون هذا من دينهم، ولكن ليس هذا من الدين في شيء ... والحكايات التي تحكي عن الخضر إنما هي مخترعات ما أنزل الله بها من سلطان
هل الخضر نبي أم ولي؟ قد اختلف العلماء في ذلك، والأظهر أنه نبي ـ كما يبدو من قول الله : ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف: ٨٢) أي ليس لي دخل في الذي فعلت فهي دليل على أنه فعل ذلك عن أمر الله، ومن وحيه لا من عند نفسه. فالأرجح أنه نبي وليس مجرد ولي.
وممايؤكد أنه نبي أن الله ﵎ قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ والله ﵎ لا يؤتي هذا العلم الا لنبي.
فالخضر ﵇ على قول أغلب العلماء نبي. وليس بعجيب أن يتعلم نبي من نبي.
قد يقول البعض: وهل ينبني على ذلك حكم؟ نقول نعم فقد قيل: «إن أول عقدة تحل من الزندقة أن يكون الخضر نبيًا»؛ لأن غلاة الصوفية يزعمون أن الولي أعظم من النبي مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي. فالولي عندهم أعظم من النبي. وهذا ضلال مبين وزندقة؛ لأن النبوة ليست مكتسبة. إن النبوة منحة من الله لا تكتسب فلذلك كان إثبات أن الخضر نبي أول عقدة تحل من هذا الحبل الطويل من الزندقة.
هل الخضر أعلم من موسى سدد خطاكم؟ الجواب: لا؛ لأن الخضر ﵇ كان أعلم منه بهذه الجزئية التي علمه الله تعالى اياها فقط، أما في بقية العلم فلا شك أن موسى ﵇ أعلم، ولا شك أن موسى أفضل من الخضرسدد خطاكم؛ لذلك قال له الخضر لما نقر العصفور من ماء البحر، قَالَ: «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ»، فهنا الخضر ﵇ إنما هو أعلم من موسى بهذه الجزئية فقط.
стр. 140
حادي عشر: الكشف الصوفي
الغيب في المعتقد الصوفي:
يقول ﵎: ﴿الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة:١ - ٣) فقد جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة، وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيبًا إلا من الله ومن أقامه للأخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط.
جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل فأقاموا شيئًا سموه (الكشف الصوفي) وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي. لا يقف أمامه حجاب، ولا يوصد أمامه باب، ولا يعجزه علم شيء في الأرض ولا في السماء. فهو يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح المحفوظ، وماذا في أم الكتاب، وماذا كان منذ الأزل وماذا سيكون إلى الأبد.
لقد ترقى المتصوفة في مسألة الكشف عندهم فزعموا أولًا أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى، وأما هم فيلتقون بالرسول ﵌ يقظة أحيانًا، ومنامًا أحيانًا ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم.
ثم ترقوا فقالوا: إن لنا علومًا ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن، وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى ومحمد والأنبياء على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحسانًا منه لمن
стр. 141
أساء إليهم. ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علومًا خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم.
والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخْذَه عن الخضر إتيان (الحمارة) والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء، والادعاء بأن كل مخلوق هو الله، وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعْل فرعون أعلم من موسى بالله، وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد ﵌ هو الله المستوي على العرش. هذه الأشياء قليلة جدًا من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ﵇ هو مبلغ كل هذا لهم.
وتارة يترقون في هذا الكذب، أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه، فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ﵌ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفًا من الله رأسًا وبلا وساطة، وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأسًا وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها.
ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم. فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيرًا ما هو موجود فعلًا في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائمًا رأي العين، بل هي ساقطة أصلًا من عيونهم؛ لأن النار لو بصق أحدهم عليها لأطفأها. وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط.
باختصار لقد اكتشف المتصوفة ـ بزعمهم ـ للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ﵌ وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني
стр. 142
أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علومًا كثيرة جدًا لا يعلمها غيرهم. وما هذه العلوم. إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس، كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم والحديث النبي الشريف.
ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثيرمما فيهما قال: «خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله». فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء. وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله.
هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها.
لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلًا أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلًا من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحيانًا تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات مما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات.
لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقًا أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقًا، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقًا وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقينًا وبذلك راجت يومًا بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة.
стр. 143
الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة:
من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده وأنه يُطْلِع ـ على ما شاء من الغيب ـ مَنْ شاء من أنبيائه ورسله فقط، وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه، كما قال لرسوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٨).
وقال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًًا* لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجن:٢٦ - ٢٨).
وأمر رسوله محمدًا ﵌ أن يخبر الناس أنه ليس ملكًا ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠)
وهذا الذي قاله الرسول ﵌ هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعالى على لسان نوح: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:٣١).
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال: «مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله». وهذا الحديث يقرر قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
стр. 144
وفي صحيح البخاري أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (الأنعام: ١٠٣) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل: ٦٥)
فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جدًا قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:٣١)، فيقولون: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:٣٢)، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلَّم كما جاء في الحديث الشريف.
وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فإبراهيم ﵇ لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة، ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلًا وقرّبه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط.
وأما لوط فإن الملائكة قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف مَن القوم.
وأما محمد ﵌ فقد حدث له مئات الوقائع التي تدل يقينًا أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه. فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار شيطان وقال لخديجة: «لقد خِفْتُ على نفسي»، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله. ولم يدر بخَلَد النبي ﵌ أنه سيؤذَى ويخرج من مكة أبدًا علمًا بأن النبي ﵌ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة،
стр. 145
وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقه وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله.
بل النبي محمد ﵌ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين، وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق. فغدر المشركون بأربعين رجلًا من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ﵌ ما يكون من أمر الله ـ بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه ـ لما أسلم لهم أصحابه.
وحُبس المسلمون ـ ومعهم رسول الله ﵌ ـ يومًا وليلة في مكان ليس فيه ماء؛ لأن عائشة ﵂ قد فقدت عقدًا لها، ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد عائشة ﵂ الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي ﵌.
ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا ـ شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبها ـ ومكث رسول الله ﵌ شهرًا كاملًا لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيئًا. ولم يستطع رسول الله ﵌ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء. هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله ﵌ ـ وأكرم خلق الله من البشر على الله ـ لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة.
شبهة: روى أبو بكر بن خلاد في " الفوائد " (١/ ٢١٥ / ٢): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أيوب بن خوط عن عبد الرحمن السراج عن نافع أن عمر بعث سرية فاستعمل عليهم رجلًا يقال له سارية، فبينما عمر يخطب يوم الجمعة فقال: «يا سارية الجبل، يا سارية الجبل». فوجدوا سارية قد أغار إلى الجبل في تلك الساعة يوم الجمعة وبينهما مسيرة شهر.