أساء إليهم. ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علومًا خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم.
والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخْذَه عن الخضر إتيان (الحمارة) والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء، والادعاء بأن كل مخلوق هو الله، وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعْل فرعون أعلم من موسى بالله، وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد ﵌ هو الله المستوي على العرش. هذه الأشياء قليلة جدًا من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ﵇ هو مبلغ كل هذا لهم.
وتارة يترقون في هذا الكذب، أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه، فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ﵌ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفًا من الله رأسًا وبلا وساطة، وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأسًا وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها.
ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم. فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيرًا ما هو موجود فعلًا في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائمًا رأي العين، بل هي ساقطة أصلًا من عيونهم؛ لأن النار لو بصق أحدهم عليها لأطفأها. وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط.
باختصار لقد اكتشف المتصوفة ـ بزعمهم ـ للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ﵌ وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني
стр. 142
أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علومًا كثيرة جدًا لا يعلمها غيرهم. وما هذه العلوم. إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس، كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم والحديث النبي الشريف.
ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثيرمما فيهما قال: «خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله». فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء. وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله.
هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها.
لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلًا أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلًا من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحيانًا تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات مما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات.
لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقًا أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقًا، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقًا وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقينًا وبذلك راجت يومًا بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة.
стр. 143
الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة:
من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده وأنه يُطْلِع ـ على ما شاء من الغيب ـ مَنْ شاء من أنبيائه ورسله فقط، وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه، كما قال لرسوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٨).
وقال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًًا* لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجن:٢٦ - ٢٨).
وأمر رسوله محمدًا ﵌ أن يخبر الناس أنه ليس ملكًا ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠)
وهذا الذي قاله الرسول ﵌ هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعالى على لسان نوح: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:٣١).
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال: «مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله». وهذا الحديث يقرر قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
стр. 144
وفي صحيح البخاري أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (الأنعام: ١٠٣) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل: ٦٥)
فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جدًا قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:٣١)، فيقولون: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:٣٢)، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلَّم كما جاء في الحديث الشريف.
وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فإبراهيم ﵇ لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة، ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلًا وقرّبه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط.
وأما لوط فإن الملائكة قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف مَن القوم.
وأما محمد ﵌ فقد حدث له مئات الوقائع التي تدل يقينًا أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه. فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار شيطان وقال لخديجة: «لقد خِفْتُ على نفسي»، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله. ولم يدر بخَلَد النبي ﵌ أنه سيؤذَى ويخرج من مكة أبدًا علمًا بأن النبي ﵌ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة،
стр. 145
وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقه وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله.
بل النبي محمد ﵌ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين، وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق. فغدر المشركون بأربعين رجلًا من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ﵌ ما يكون من أمر الله ـ بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه ـ لما أسلم لهم أصحابه.
وحُبس المسلمون ـ ومعهم رسول الله ﵌ ـ يومًا وليلة في مكان ليس فيه ماء؛ لأن عائشة ﵂ قد فقدت عقدًا لها، ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد عائشة ﵂ الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي ﵌.
ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا ـ شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبها ـ ومكث رسول الله ﵌ شهرًا كاملًا لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيئًا. ولم يستطع رسول الله ﵌ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء. هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله ﵌ ـ وأكرم خلق الله من البشر على الله ـ لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة.
شبهة: روى أبو بكر بن خلاد في " الفوائد " (١/ ٢١٥ / ٢): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أيوب بن خوط عن عبد الرحمن السراج عن نافع أن عمر بعث سرية فاستعمل عليهم رجلًا يقال له سارية، فبينما عمر يخطب يوم الجمعة فقال: «يا سارية الجبل، يا سارية الجبل». فوجدوا سارية قد أغار إلى الجبل في تلك الساعة يوم الجمعة وبينهما مسيرة شهر.
стр. 146
وذكره الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (٧/ ١٣١) ولفظه: فجعل ينادي: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل ثلاثًا. ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هُزِمنا، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديًا: يا سارية الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك».ثم قال الحافظ ابن كثير: «وهذا إسناد جيد حسن».
قال الشيخ الألباني: «هو كما قال. ومما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهامًا من الله تعالى لعمر وليس ذلك بغريب عنه، فإنه (محدَّث) كما ثبت عن النبي ﵌ ولكن ليس فيه أن عمر كُشِف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين.
فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور. وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله يقول في كتابه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن:٢٦ - ٢٧). فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر ﵁ كشفًا، فهو من الأمور الخارقة للعادة التي قد تقع من الكافر أيضًا، فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان الذي صدر منه فضلًا على أنه يدل على ولايته ولذلك يقول العلماء: «إن الخارق للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة وإلا فهو استدراج»، ويضربون على هذا مثل الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء: أمطري، فتمطر وللأرض: أنبتي نباتك فتنبت، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد (أغسطس) من السنة السادسة من مجلة (المختار) تحت عنوان: (هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس)
стр. 147
(ص ٢٣) قصة «فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: «أواه يا أماه. .. ماذا أفعل؟» ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: «ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: «أواه يا أماه. .. ماذا أفعل؟».وكان تاريخ الرسالة متفقًا مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها». وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ (التخاطر) و (الاستشفاف) ويعرف باسم (البصيرة الثانية) اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر ﵁، التي طالما سمعتُ من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على الغيب، والكل مخطئ؛ فالقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما، فقد يصيب كما في هذه الحادثة وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦٢ - ٦٣) ولقد أحسن من قال:
إذا رأيت شخصا قد يطيرُ ... وفوق ماء البحر قد يسيرُ
ولم يقِفْ على حدود الشرعِ ... فإنه مستدرج وبدعِي».
انتهى كلام الألباني ﵀.
ثالث عشر: زعم الصوفية أنه لولا الرسول ﵌ ما خلق الله الخلق
* إن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) ولم يثبت حديث عن النبي ﵌ يدل على أن الخلق خلقوا من أجله ﵌، لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)
شبهة: حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك».
الجواب: حديث (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) ذكره العجلوني في (كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) وقال: قال الصغاني: إنه موضوع، وذكره محمد بن علي الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) وقال: قال الصغاني: موضوع.
* قال الألباني ﵀ في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (١/ ٤٥٠):موضوع كما قاله الصغاني في (الأحاديث الموضوعة) (ص ٧)، وأما قول الشيخ القاري (٦٧ - ٦٨): لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: «أتاني جبريل فقال: يا محمد لولاك لما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار»
وفي رواية ابن عساكر: «لولاك ما خلقت الدنيا».
فأقول (الألباني): الجزم بصحة معناه لا يليق إلا بعد ثبوت ما نقله عن الديلمي، وهذا مما لم أر أحدًا تعرض لبيانه، وأنا وإن كنت لم أقف على سنده، فإنى لا أتردد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تفرد الديلمي به، ثم تأكدت من ضعفه، بل وهائه، حين وقفت على إسناده في (مسنده) (١/ ٤١ / ٢) من طريق عبيد الله بن موسى القرشي حدثنا الفضيل بن جعفر بن سليمان عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه عن ابن عباس به.
стр. 154
قلت: وآفته عبد الصمد هذا، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به.
ثم ساق له حديثًا آخر في إكرام الشهود سيأتي برقم (٢٨٩٨)، ومن دونه لم أعرفهما، وأما رواية ابن عساكر فقد أخرجها ابن الجوزي أيضا في (الموضوعات) (١/ ٢٨٨ ـ ٢٨٩) في حديث طويل عن سلمان مرفوعا وقال: إنه موضوع، وأقره السيوطي في (اللآليء) (١/ ٢٧٢).
شبهة: عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك».
الجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) وقال عنه الإمام الذهبي: «موضوع».وقد تقدم الرد عليه بالتفصيل عند الرد على شبهات من زعم جواز التوسل بالمخلوقين فى الدعاء، وطلب الشفاعة منهم بعد وفاتهم تحت عنوان الشبهة السادسة: الأحاديث الضعيفة في التوسل: الحديث السادس.
* مخالفة هذا الحديث للقرآن: قال الشيخ الألباني: «ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به ﵌، والله يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:٣٧). وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵁ مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم (٣/ ٥٤٥) عنه: «﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قالت: أرأيت إن تبتُ وأصلحتُ،
стр. 155
أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾» وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:
الأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.
الثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس ﵁ الذي دعا له رسول الله ﵌ بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل».
الموضع الثاني: قوله في آخره: «ولولا محمد ما خلقتك» فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص صحيح، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩). والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﵌ كمخالفة هذا الحديث الباطل.
شبهة: قال أحد دعاة الصوفية المعاصرين: معنى قولنا: «لولا سيدنا محمد ﵌ ما خلق الله الخلق» تلك عبارة لا تتناقض مع الإسلام وأصول العقيدة وأساسيات التوحيد، بل تؤكده وتدعمه خاصة إذا فُهِمت بالشكل الصحيح الذي سنبينه إن شاء الله.
فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد ﵌ ما خلق الله الخلق، هو أن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦)، فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد ﵌، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد، كما أن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين. أما باقي ما في السموات
стр. 156
والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:١٣) وسيدنا محمد ﵌ هو عنوان الإنسانية بل هو الإنسان الكامل ... »
الجواب: أولًا: ماذا لو فُهِمَتْ هذه العبارة بغير هذا الفهم الذي يقول إنه هو الفهم الصحيح، وخاصة أن الناس لا يفهمون ذلك من هذه الكلمة، بل المتبادر إلى أذهانهم أن الله خلق الخلق من أجل النبي ﵌.وهذا الاعتقاد مخالف لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦).
فإذا اختلفت اعتقاداتنا ـ التي ليس عليها دليل لا من كتاب الله ولا من سنة سيدنا رسول الله ﵌ ـ مع آية من كتاب الله الذي أنزِلَ على رسوله ﵌، فالأولى اتباع كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله ﵌.
ثانيًا: قوله: «فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد ﵌ ما خلق الله الخلق، هو أن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦)، فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد ﵌، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد»
الرد: إذا كان الأمر كذلك فهل يجوز أن يقال: خلق الله الخلق من أجل الأنبياء ﵈ ومن أجل الصحابة ﵃ ومن أجل الصالحين؛ لأنهم عنوان العبادة وعنوان التوحيد؟
ثالثًا: قوله: «إن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين. أما باقي ما في السموات والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:١٣) وسيدنا محمد ﵌ هو عنوان الإنسانية بل هو الإنسان الكامل ... »
стр. 157
الرد: أولًا: ماهذا التناقض؟ فهل معنى كلامه هذا أن الإنس والجن قد خلقوا لعبادة الله ، أما باقي ما في السموات والأرض فقد خلقوا من أجل سيدنا محمد ﵌؟
ثانيًا: إذا كان باقي ما في السموات والأرض مخلوق لخدمة الإنسان ـ المؤمن والكافر ـ فهل يصح ـ حسب كلامه ـ أن نقول: إن باقي ما في السموات والأرض مخلوق لأجل فرعون وأبي جهل وبوش وشارون؟
ثالثًا: ما أنعم الله به من تسخير ما في السماوات والأرض لخدمة الإنسان ليس معناه أنه لولا الإنسان ما خلقهما الله .
قال الإمام الطبري: «قول تعالى ذكره: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من شمس وقمر ونجوم ﴿وَمَا فِي الأرْضِ﴾ من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن لمنافعكم ومصالحكم ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾. يقول تعالى ذكره: جميع ما ذكرت لكم أيها الناس من هذه النعم، نِعم عليكم من الله أنعم بها عليكم، وفضل منه تفضّل به عليكم، فإياه فاحمدوا لا غيره، لأنه لم يشركه في إنعام هذه النعم عليكم شريك، بل تفرّد بإنعامها عليكم وجميعها منه، ومن نعمه، فلا تجعلوا له في شكركم له شريكًا بل أفردوه بالشكر والعبادة، وأخلصوا له الألوهة، فإنه لا إله لكم سواه».اهـ كلام الإمام الطبري.
قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف:٣).
قال الإمام الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ما أحدثنا السموات والأرض فأوجدناهما خلقًا مصنوعًا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحقّ، يعني: إلا لإقامة الحقّ والعدل في الخلق.»
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: «وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض، وما بينهما لا يصح أن يكون باطلًا، ولا عبثًا بل ما خلقهما إلا بالحق، لأنه لو كان خلقهما عبثًا لكان ذلك العبث باطلًا ولعبًا، عن ذلك علوًا كبيرًا، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، حتى إذا انتهى الأجل المسمى
стр. 158
لذلك بعث الخلائق، وجازاهم فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، وتظهر في الكافرين صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله، وشدة عدله، وإنصافه، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الدخان: ٣٨ - ٤٠) فقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ يبين ما ذكرنا».ا. هـ بتصرف يسير
стр. 159
رابع عشر: أبوا النبي ﵌ -
في صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ» فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
قال الإمام النووي ﵀: «فِيهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار، وَلَا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار، وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ. وَقَوْله ﵌: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار) هُوَ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَة وَمَعْنَى (قَفَى) وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا.
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: زعموا أن المقصود بأبيه في الحديث عمه كما في قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: ٧٤).
الجواب: إرادة العم من الأب عدول عن الظاهر بلا مقتضِ.
قال الحافظ ابن كثير: قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر. ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبًا، وهذا الذي قاله جيد قوي، والله أعلم. ا. هـ.
وآزر أبو إبراهيم ﵇ مات كافرًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِله تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٤)
وكونه مات كافرًا ردٌّ على من قال: إن شرف مقام النبوة يقتضي ألا يكون أحد آباء الأنبياء كافرًا، مستندًا فى ذلك إلى قول الله للنبى ﵌: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين﴾ (الشعراء: ٢١٩) فكيف يكون تقلب النبي ﵌ فى الساجدين وآزر ليس منهم؟
فقد فُسِّرت الآية بغير ذلك، فقد جاء أن المعنى: يراك قائمًا وراكعًا وساجدًا، لأن قبل ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم﴾.
قال الإمام الطبري ﵀: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ) فى نقمته من أعدائه (الرَّحِيمِ) بمن أناب إليه وتاب من معاصيه.
(الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) يقول: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.
وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ... : (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) قال: أينما كنت.
(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك في صلاتك حين تقوم، ثم تركع، وحين تسجد ...
ثم ذكر الإمام الطبري بإسناده عن ابن عباس قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) يقول: قيامك وركوعك وسجودك ... وذكر بإسناده عن عكرمة في قوله: (يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: قيامه وركوعه وسجوده ...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تقلبك في المصلين، وإبصارك منهم من هو خلفك، كما تبصر من هو بين يديك منهم ...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتقلبك مع الساجدين: أي تصرفك معهم في الجلوس والقيام والقعود ...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تصرّفك في الناس.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله، والساجدون في قول قائل هذا القول: الأنبياء ...
وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال تأويله: ويرى تقلبك مع الساجدين في صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد، لأن ذلك هو الظاهر من معناه.
قال الشيخ عطية صقر: «ولا يضير أن يكون فى أنساب الأنبياء كافرون، فكل امرىء بما كسب رهين» (فتاوى دار الإفتاء ٨/ ١٠٠).
الشبهة الثانية: ذكر الإمام القرطبي في (التذكِرة) عن عائشة ﵂ قالت: حج بنا رسول الله ﵌ حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باكٍ حزين، مغتم فبكيت
стр. 160
لبكائه ﵌، ثم إنه طفر ـ أي وثب ـ فنزل فقال: «يا حميراء استمسكي»، فاستندت إلى جنب البعير. فمكث عني طويلًا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. نزلْتَ من عندي وأنت باكٍ حزين مغتم فبكيتُ لبكائك يا رسول الله، ثم إنك عدت إليَّ وأنت فرح مبتسم فعن ماذا يا رسول الله؟ فقال: مررت بقبر أمي آمنة فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي ـ أو قال ـ فآمنت وردها الله .
الجواب: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) ثم قال: «هذا حديث موضوع بلا شك والذى وضعه قليل الفهم عديم العلم؛ إذ لو كان له علم لَعلِم أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفى في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (١) (البقرة:٢١٧) وقوله ﵌ في الصحيح: «استأذنت ربى أن أستغفر لأمي فلم يأذن لى»، ومحمد بن زياد هو النقاش وليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان، وقد كان أقوام يضعون أحاديث ويدسونها في كتب المغفلين فيرويها أولئك.
قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوع وأم رسول الله ﵌ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودفنت هناك وليست بالحجون».
الشبهة الثالثة ليست بحاجة إلى رد: قال الإمام القرطبى في (التذكِرة):قد ذكر السهيلي في (الروض الأنُف) بإسناد فيه مجهولون «أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به».
الشبهة الرابعة: عن على بن أبى طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «هبط على جبريل فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول: إنى حرمت النار على صُلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك. فقال: يا جبريل، بيِّن لى، فقال: أما الصُلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة بنت وهب، وأما الحِجْر فعبد يعنى عبدالمطلب وفاطمة بنت أسد».
стр. 161
الجواب: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) ثم قال: «هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده كما ترى.
قال بعض حفاظ خراسان: كان أبو الحسين يحيى بن الحسين العلوى رافضيًا غاليًا، وكان يدعى الخلافة بحيلان، واجتمع عليه خلق كثير، ولا يختلف المسلمون أن عبدالمطلب مات كافرًا، وكان لرسول الله ﵌ يومئذ ثمان سنين.
وأما عبدالله فإنه مات ورسول الله ﵌ حمل ولا خلاف أنه مات كافرًا، وكذلك آمنة ماتت ولرسول الله ﵌ ست سنين.
فأما فاطمة بنت أسد فإنها أسلمت وبايعت ولا تختلط بهؤلاء» اهـ.
الشبهة الخامسة: عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﵌ يقول: «شفعت في هؤلاء النفر: في أبى وعمى أبى طالب وأخى من الرضاعة يعنى ابن السعدية ليكونوا من بعد البعث هباء».
الجواب: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) ثم قال: «هذا حديث موضوع بلا شك. قال أبو الحسن بن الفرات: ومحمد بن فارس ليس بثقة ولا محمود المذهب. قال أبو نعيم: كان رافضيًا غاليًا في الرفص ضعيفًا في الحديث. وفى الصحيحين أن أبا طالب ذُكِر لرسول الله ﵌ فقال: «هو في ضحضاح من النار».
الشبهة السادسة: القول بأن أبوي النبي ﵌ في النار إيذاء له ﵌.
الجواب: هذا القول تصديق لقوله ﵌، وليس إيذاءً له ﵌.
وهل هؤلاء العلماء كانوا يقصدون إيذاء النبي ﵌:
١ - الإمام مسلم: حيث روى في صحيحه حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
٢ - الإمام أبو داود صاحب السنن: حيث روى نفس الحديث مع أحاديث أخرى وعنون عليها: باب في ذراري ـ أي أبناء ـ المشركين.
٣ - الإمام النسائي: حيث روى حديث أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﵌ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته
стр. 162
في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» وعنون عليه الإمام النسائي: باب زيارة قبر المشرك.
٤ - الإمام ابن ماجة: حيث روى هو أيضا نفس الحديث وعنون عليه: باب ما جاء في زيارة قبور المشركين.
٥ - الإمام النووي ﵀:وقد بوب في شرحه لصحيح مسلم عند حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» بقوله: «باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعته، ولا تنفعه قرابة المقربين».وقال في شرحه ما نقلناه قبل قليل.
وقال ﵀ عند شرحه لحديث: «استأذنت ربي أن أستنغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»:قال: «فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها؛ ويؤيده قوله ﵌ في آخر الحديث: «فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم بالآخرة» انتهى.
وقال الإمام النووي أيضاً: «قوله: فبكى وأبكى من حوله، قال القاضي: بكاؤه ﵌ على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به» انتهى.
٦ - الإمام البيهقي: قال في كتابه دلائل النبوة (١/ ١٩٢، ١٩٣) بعد تخريجه لحديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»: «وكيف لا يكون أبواه وجدُّه بهذه الصفة في الآخرة، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا، ولم يدينوا دين عيسى ابن مريم ﵇» انتهى.
وقال أيضا في (سننه٧: ١٩٠): «وأبواه كانا مشركَيْن بدليل ما أخبرنا ... ثم ساق حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».وقال في (الدلائل ١/ ١٩٢ ١٩٣): «وكفرُهم لا يقدح في نسب رسول الله ﵌؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يُسْلِمون مع زوجاتهم، فلا يلزمهم تجديد العقد، ولا مفارقتهن؛ إذ كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق» انتهى.
стр. 163
٧ - الحافظ ابن كثير: قال في (سيرة الرسول): «وإخباره ﵌ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة. لأنه سيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء ـ أي الذين أخبر عنهم النبي ـ من جملة من لا يجيب، فلا منافاة، ولله الحمد والمنة» انتهى. وقدر ردّ ﵀ على حديث «أن الله أحياهم ثم آمنوا» بأنه «حديث منكر».وللاستزادة انظر (تفسيره وكتابه البداية والنهاية).
٨ - الإمام ابن الجوزي: وقد ذكرنا كلامه قبل قليل.
٩ - الإمام القرافي: قال في (شرح تنقيح الفصول ص٢٩٧): «إن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعًا. ولذلك انعقد الإجماع على أن موتاهم في النار يعذبون على كفرهم، ولولا التكليف لما عذبوا».
١٠ - وقد بسط الكلام في عدم نجاة والدَي النبي ﵌ العلامة الحنفي الملاّ علي بن سلطان القارئ في (شرح الفقه الأكبر)، وفي رسالة مستقلة أسماها: (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊. وقد أثبت بذلك الكتاب تواتر الأدلة والأحاديث على صِحّة معنى هذا الحديث وعدم نجاة والدي الرسول ﵌ وقد نقل الإجماع على تلك القضية فقال في (ص٨٤): «وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك. والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق».
وأخيرًا لا بد أن يُعلم أن المقصود من الموضوع هو بيان أن اتهام الصوفية لمن يقول بموت أبوي الرسول ﵌ على الكفر بأن «بينهم وبين رسول الله ﵌ شيء» أو «أنهم يريدون نزع محبة محمد ﵌ من قلوب العامة» ـ ما هو إلا تدليس وتلبيس على العامة، وأن هذا الاتهام في الحقيقة متوجه لمن ذكرنا من العلماء لو التزم بذلك الصوفية.
стр. 164
خامس عشر: الاحتفال بالمولد النبوي
١ - لا يجوز الاحتفال بمولد النبي ﵌ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، ويرجع ذلك ـ كما يقول الشيخ رشيد رضا ـ إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص شرعي بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنة أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعًا، وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تُعَد مِن شرْع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم. (١)
٢ - بدعة المولد النبوي حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة، كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي.
٥ - الاحتفال بالمولد فيه مشابهة للنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح ﵇.
٦ - المولد النبوي نفسه، بمعنى وقت ولادته، اختلف في تحديد يومه وشهره بين علماء المسلمين ممن كتب في السير والملاحم والتاريخ، مع اتفاقهم على أنه يوم الاثنين كما ورد بذلك الخبر الصادق عن النبي ﵌.
٧ - ومن دوَّن فيه وكتب من أهل العلم، فلكونه من أحداث السيرة النبوية، فيذكرون الإرهاصات السابقة لمولده ﵌ ثم مولده ونشأته وحياته قبل البعثة وبعدها إلى يوم وفاته.
٨ - وأما الاحتفال بمولده ﵌ فهو ممكن عقلًا لمن حضر ذلك اليوم الذي ولد فيه، وأما بعده فلم يبق إلا حدثًا وسيرة كسائر الأحداث والسير التي مرت في حياته ﵌.
٩ - ومعلوم أن حياة النبي ﵌ امتدت ثلاثة وستين عامًا، منها أربعون قبل البعثة وثلاثة وعشرون بعدها، فكل يوم فيها هو يوم من حياته الشريفة المباركة ولا يقل شرفًا ولا أهمية عن يوم ولادته بل قد يفضل عليه، كيوم بعثته مثلًا.
١٠ - والاحتفال بمولده بمعنى إحياء ذكرى ذلك اليوم واتخاذه عيدًا يتكرر على الدوام، لم يفعله صاحب الشأن نفسه ﵌ ولم يرغب فيه حتى مات ﵌، ولم يفعله صحابته الكرام ولا أزواجه ولا أهل بيته ولا التابعون ولا أتباعهم ولا الأئمة الأعلام.
١١ - ومضت تلك القرون الفاضلة والأمر على ما هو عليه من ترك الأمة كلها من شرقها إلى غربها الاحتفال بذكرى المولد أو غيره من الأيام، التي لا تقل عنه أهمية، فهي جزء من حياة خير الأنام ﵌.
١٢ - هذا وقد كثرت مجالسهم في فنون العلم، في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والشعر، وسائر العلوم والفنون، ولم يخصوا مجلسًا واحدًا ولا محفلًا واحدًا من تلك المحافل على تنوعها، باحتفال بذكرى أي يوم من تلك الحياة الشريفة الحافلة.
١٣ - حتى إذا حدث النقص في الأمة في القرون التالية للقرون الفاضلة وتقلد زمام الأمر فيها فرقة باطنية ضالة، أبطنت الكفر والزندقة وأظهرت الإسلام والتشيع، وصارت لها دولة، هي الدولة العُبيدية، وهي المسماة بالدولة الفاطمية، فأحدثت الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكان ذلك في سنة ٣٦١هـ.
فتأمل ـ رحمك الله ـ كيف يمكن أن يهمل خير هذه الأمة وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قربة من أعظم القرب، ويغفلون عنها، ويتتابعون على هذا الإهمال وذلك الإغفال كابرًا بعد كابر، وجيلًا بعد جيل، ثم يهتدي إليه ويسبقهم إليه أصحاب تلك النحلة الخبيثة الباطنية!!!
١٤ - وإن تعجب، فعجب قول بعض الناس (إن لنا على ذلك الاحتفال أدلة)، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين دليلًا، بعضها من القرآن وبعضها من السنة وبعضها أدلة عقلية!! وكيف فات النبي ﵌ استنباطها من القرآن وهو ينزل عليه، ومن السنة وهو الناطق بها؟
ثم كيف فات أكابر الصحابة وعلماءهم وفضلاءهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء:٨٣)؟
وقل مثل ذلك في التابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة، كيف عميت عليهم معاني تلك النصوص وغبي عليهم فهمها، وهم أساطين العلم والفهم والعقل؟
* ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﵌، وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ــ لا على البدع ــ من اتخاذ مولد النبي ﵌ عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵌ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها.
الرد على الشبهات:
الشبهة الأولى: قول بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة.
* الرد:١ - من المعلوم أن رسول الله ﵌ قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
٢ - الاحتفال نفسه من المنكرات شرعًا لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة.
الشبهة الثانية: ما نُقل عن الحافظ ابن حجر العسقلانى من تخريج الاحتفال بالمولد على صيام الرسول ﵌ يوم عاشوراء حيث إن الرسول ﵌ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: «هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى
стр. 165
فنحن نصومُه شكرًا لله تعالى»، فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم فَصامَه وأمَرَ بصيامِه» فيستفاد من فعل ذلك شكرًا لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم.
* الرد:
١ - تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة ـ كما نُقِل ذلك عنه ـ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي ـ ما دام الأمر كذلك ـ من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى، وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه.
٢ - حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى ﵇ فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي ﵌ صامه وأمر بصيامه.
٣ - الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵇ لا سبيل إليه، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول ﵌ فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
٤ - النبي ﵌ لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، فهل نحن أعلم
стр. 166
وأحرص على الدين من رسول الله ﵌ وأصحابه؟ وخير الهدي هدي محمد ﵌.
الشبهة الثالثة: قول بعضهم إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي ﵌ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
* الرد:
١ - ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيمًا لقدر النبي ﵌ منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
٢ - تعظيم قدر النبي ﵌ يكون باتباع هديه وليس باختراع عبادات لم يشرعها؛ فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي ﵌؟!!
٣ - قال ابن الحاج: توفي النبي ﵌ يوم الاثنين ١٢ربيع الأول سنة ١١هجرية في نفس الشهر الذي ولد فيه فكيف يحتفلون ويأكلون ويشربون، ولا يبكون ولا يحزنون من أجل فَقْد النبي ﵌ في ذلك اليوم، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان بدعة أيضًا، وإن كان الحزن عليه ﵌ واجبًا على كل مسلم دائمًا لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك. (المدخل لابن الحاج) (ج٢ ص ١٦ - ١٧) بتصرف.
الشبهة الرابعة: ما قيل من أن النبي ﵌ أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: «ذاك يوم وُلِدتُ فيه» (رواه مسلم)، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه ﵌ ولد فيه؟
* الرد: صوم النبي ﵌ يوم الاثنين ليس دليلًا على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (رواه مسلم)، فقد كان ﵌ يصوم ذلك اليوم من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟ ولو كان احتفالًا كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع
стр. 167
رسول الله ﵌، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
الشبهة الخامسة: ما رُوي أن النبي ﵌ عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فزعموا أن أن هذا فعله ﵌ إظهارًا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده ﵌ بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات.
* الرد:
١ - ما روى أن النبي ﵌ عق عن نفسه غير صحيح ولم يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر.
٢ - لو ثبت هذا عن النبي ﵌ لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعق عن نفسه شكرًا لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبيًا.
٣ - على فرض صحة الحديث ـ رغم وضوح ضعفه ـ فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه.
الشبهة السادسة: قالوا إن وجود الرسول ﵌ سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته ﵌، فمن المناسب إظهار السرور، فقد رُوى عن عروة ابن الزبير أنه قال: « ... وثويبة مولاة لأبى لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﵌، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرّ حِيبَة (أي سوء حال)، قال له: «ماذا لقيتَ؟» قال أبو لهب: «لم ألق بعدكم غير أني سُقِيَتْ فيَّ هذه بعتاقتى ثويبة».
الرد: *هذا الخبر رواه البخاري (٥١٠١)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ... «الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به» (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي ﵌ والذي لم نذكره فلا).
* ذلك الخبر لو كان موصولًا لا حجة فيه لأنه رؤيا منام فلا حجة فيه كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
*ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي ﵌ -
стр. 168
يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
الشبهة السابعة: ما نُقل (ص١٦) عن الحافظ ابن كثير من أن أول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل، وكان شهمًا شجاعًا عاقلًا عادلًا.
* الرد: البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان، وعدالته لا توجب عصمته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك ليس يصلح أن يكون معارضًا لكلام رسول الله ﵌ حتى يعارض به» (اقتضاء الصراط المستقيم) (ص٢٤٥).
وأبو بكر ومَن بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ سنتهم أولى بالاتباع من صاحب إربل.
الشبهة الثامنة: من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقًا سلفيًا ولا عمل القرون المشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين.
الرد: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله ﵌ فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره ﵌ مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهرًا وسرًا، جهرًا يملأ الأفق، وسرًا يملأ القلب والحس.
ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النَّبي ﵌، وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (رواه البخاري) فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه.
* وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور.
стр. 169
ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية.
الشبهة التاسعة: استدلال بعضهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم:٥) على اعتبار أن مولد النبي ﵌ من أيام الله. فيكون الاحتفال تطبيقًا لأمر الله.
الرد: أولًا: قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: «يقول : وعِظْهُم بما سلف من نعمي عليهم في الأيام التي خلت، فاجتُزِئ بذكر (الأيام) من ذكر النعم التي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً، أنقذهم فيها من آل فرعون بعدَ ما كانوا فيما كانوا فيه من العذاب المُهِين، وغرَّق عدوَّهم فرعونَ وقومَه، وأوْرَثهم أرضهم وديارَهم وأموالَهم».
ثانيًا: كيف فات النبي ﵌ استنباط هذا الحكم من هذه الآية وقد أنزِلَتْ عليه، وكيف فات الصحابة والتابعون ﵃ ذلك؟
فلماذا لم يحتفل الرسول ﵌ والصحابة والتابعون ﵃ من بعده بيوم ميلاده ﵌؟ ولماذا لم يحتفلوا بيوم ميلاد آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈؟ ولماذا لم يحتفلوا بيوم بناء إبراهيم ﵇ للكعبة مثلًا؟
ثالثًا: إذا كان التذكير بكل نعمة من نعم الله يكون بالاحتفال فستكون السنة كلها احتفالات؛ لأنه لا يخلو يوم من نعم لله على عباده.
رابعًا: قال الإمام الطبري إنها «أيام كانت معلومة عندهم» اهـ.
أما يوم ميلاد الرسول ﵌ فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
стр. 170
سادس عشر: الموالد
قد جاء عن النبي ﵌، والسلف، النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين عيدًا، عموما وخصوصًا.
فأما العموم: فقال رسول الله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». (رواه أبو داود وصححه الألباني)
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﵌ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قَرَن ذلك بقوله ﵌: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. ثم إنه ﵌ أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صَلُّوا علي فإن صلاتَكم تبلغُني حيثما كنتم» يشير بذلك ﵌ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قرْبِكم من قبري وبُعْدِكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه ﵌ كثيرة: مثل ما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» ﵌. (وهذا الحديث على شرط مسلم وحسنه الألباني) ومثل ما روى أبو داود أيضًا عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علَيَّ»، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء». (صححه الألباني) (أرم أي صار رميمًا، أي عظمًا باليًا)
وفي النسائي وغيرِه عنه ﵌ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي السلام» (صححه الألباني).
والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وإتيانه مرة بعد مرة للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة، جعلها
стр. 171
الله عيدًا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها. فلما جاء الإسلام محى الله ذلك كله.
وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم، بتقدير كونها قبورًا لهم. بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يُوطُأ ولا يُداس، ولا يُتَّكَأ عليه عند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات، من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد.
قال بريدة بن الحصيب ﵁: «كان رسول الله ﵌ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: السلام على أهل الديار وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» (رواه مسلم)
وروى أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وروى مسلم أيضًا عن عائشة ﵄ في حديث طويل عن النبي ﵌ قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﵌ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأل» (رواه أبو داود وصححه الألباني)
فهذا ونحوه مما كان النبي ﵌ يفعله، ويأمر به أمته عند قبور المسلمين، عقب الدفن، وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو تحية للميت، كما يُحَيَّى الحيُّ، ودعاء له كما يُدعَى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء الحي لنفسه، ولسائر المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر
стр. 172
المسلمين، وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله ﵌، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك. وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي ﵌ وغيره.
وروى ابن بطة في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، قال: سأل رجل نافعًا فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيتُه مائة أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: «السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبِي» وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجًا بها: «ثم ينصرف».
وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت».
وفي صحيح مسلم عن بريدة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».فقد أذن النبي ﵌ في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت، وأذن إذنًا عامًا، في زيارة قبر المسلم والكافر.
أسئلة تنتظر الإجابة
* حرم الله الدعاء لغير الله والنذر لغير الله والذبح لغير الله، وعَدَّ كل هذا من الشرك الذي هو أكبر الكبائر. وفي الموالد يُفعل كل هذا وأكثر، فهل هذا من الإسلام؟!!
قال الله : ﴿إِن تَدْعُوَهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:١٤)
* الطواف عبادة جعلها الله مقتصرة على مكان واحد فقط هو البيت الحرام، ولكن في الموالد هناك من يطوفون حول قبور الأولياء، فهل هذا من الإسلام؟!!
стр. 173
* نهى رسول الله ﵌ عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى. . ولكن في الموالد تُشد الرحال إلى قبور الأولياء، فهل هذا من الإسلام؟!!
* نهى رسول الله ﵌ عن الاختلاط بين الرجال والنساء. . وفي الموالد يحدث الاختلاط المحرم في الشوارع وفي الخيام وفي المساجد!!! وفي دورات المياه!!!، فهل هذا من الإسلام؟!!
* حرم الله القمار. وفي الموالد تنصب موائد القمار، فهل هذا من الإسلام؟!!
* حرم الله السحر. وفي الموالد تنصب السروك وفيها فقرات السحر، فهل هذا من الإسلام؟!!
* حرم الله التبرج والعري. وفي الموالد تقام الحفلات الراقصة، وتصعد الراقصات الساقطات على شرفات المسرح ليرى الناس أجسادهن، فهل هذا من الإسلام؟!!
* يدخن الزوار في الموالد الشيشة والحشيش ويجلسون في الخيام وقت الصلاة يتطوحون ويتمايلون ويرقصون، فهل هذا من الإسلام؟!!
* أعياد المسلمين هي عيد الفطر وعيد الأضحى كما أخبرنا الصادق المصدوق. فمن أين أتى أصحاب الموالد بهذه الأعياد الجديدة؛ ليحتفلوا بكل ما هو حرام ومخالف لشرع الله؟!!
* وإذا كان هذا الفعل صحيحًا، فأين مولد سيدنا عمر بن الخطاب وأين مولد عثمان وأين مولد عمر بن عبدالعزيز، وأين مولد الإمام البخاري والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل؟!!
стр. 174
سابع عشر: هل النبي ﵌ خلق من نور وهل هو أول مخلوقات الله ؟
من المعلوم أن الإيمان بالرسل من أركان الإيمان الستة، كما جاء في حديث جبريل لما سأل النبي ﵌ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى» (متفق عليه)، وقد وصف الله الرسل في القرآن بأنهم بشر اختارهم لدعوة الناس إليه وأنهم كانوا يأكلون الطعام وكانوا يعالجون المعاش والسعي في الأرض كبقية البشر، ولم يكن أحد منهم يعلم الغيب، أو يتصرف في الأكوان كما يشاء.
لقد كانت سيرة الرسل وعلى رأسهم محمد ﵌ مبينة أنهم بشر قاسوا ما قاساه البشر من الآلام والأسقام والأوجاع والفتن والبلايا وتضرعوا إلى ربهم ودعوه، وخافوه، وأحبوه كذلك وطلبوا نصرته وعونه ، وكان خاتمهم وخيرهم محمد ﵌ أكمل الرسل في تحقيق عبودية الله على نفسه؛ فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وأوذي بالله أشد الأذى.
ومن قرأ القرآن، وعلم شيئًا من الإسلام، ودرس سيرة الرسول ﵌ حصل العلم الضروري الذي لا يدافع بأن محمدًا ﵌ هو عبدالله ورسوله، وأنه وُجد يوم وُجد على الأرض بشرًا كالبشر لا علم له بشيء مما كان في الملأ الأعلى كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص:٦٧ - ٧٢)، فالرسول ﵌ أمره الله أن يقول هنا: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ والملأ الأعلى هم الملائكة عندما أمرهم الله بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فكان بينه وبين الرب ما كان مما
стр. 175
قصّه على رسوله محمد ﵌ ومما لم يكن عن الرسول قبل بعثته وقبل نزول هذا الوحي أو في علم منه.
بل إن رسول الله ﵌ عندما جاءه جبريل بالوحي ظنه شيطانًا وجاء أهله ترتعد فرائصه، وهو يقول: زملوني، وقال لزوجته خديجة ﵂: «لقد خشيت على نفسي». (متفق عليه)، فلو كان جبريل مخلوقًا من نور الرسول ـ كما زعمت المتصوفة ـ لقال الرسول ﵌ لجبريل عندما نزل إليه: أهلًا بمن خلقه الله من نوري.
قال الله : «وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾
معنى الآيات:
قال تعالى مخبرًا عن قيلهم لرسول الله ﵌ وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أي عينًا يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ أي بستان من نخيل وعنب، ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾ أي خلال الأشجار تفجيرًا، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ أي قطعًا، ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أي مقابلة نراهم معاينة، ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ أي من ذهب تسكنه بيننا ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ إن أنت رقيت ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ من عند الله ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ يأمرنا فيه بالإيمان بك واتباعك!
هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم، وقال لرسوله: قل يا محمد لهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ متعجبًا من طلباتهم ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، إن ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن ... فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائمًا بأني عبدالله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعلموا به بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى على يد رسولهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي إلا لقولهم ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾؟ منكرين على الله أن يبعث رسولًا من البشر!
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول بشرًا، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا؛ لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولًا من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذًا تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لا بد منه؟!
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف:١١٠)
قال الإمام الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ما علمني الله، وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم ـ الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ـ معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك.
стр. 176
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
الجواب: قد اختلف العلماء في المقصود بالنور في هذه الآية، هل هو الإسلام أم القرآن أم رسول الله ﵌؟ والمقصود بالنور في هذه الآية النور المعنوي، وهو نور الهداية.
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا أهل التوراة والإنجيل ﴿مِنَ اللهِ نُورٌ﴾، يعني بالنور، محمدًا ﵌ الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.
وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﵌، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله».
وقال الحافظ ابن كثير: « ... أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ * وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة».
قال الإمام القرطبي: «﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ أي ضياء، قيل: الإسلام. وقيل: محمد ﵌. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. أي القرآن، فإنه يبين الأحكام. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ
стр. 177
رِضْوَانَهُ﴾ أي ما رضيه الله. ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة».
وقال أيضًا: «وقد سمى الله تعالى كتابه نورًا فقال: ﴿وأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًَا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤) وسمى نبيه نورًا فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. (المائدة: ١٥).وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول ﵌».ا. هـ بتصرف يسير».
* وكونه ﵌ نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا؛ قال الله : ﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: فصدّقوا بالله ورسوله أيها المشركون المكذّبون بالبعث، وبإخباره إياكم أنكم مبعوثون من بعد مماتكم، وأنكم من بعد بلائكم تنشرون من قبوركم، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ يقول: وآمنوا بالنور الذي أنزلنا، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﵌».
الشبهة الثانية: ما رواه ابن إسحاق وعنه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد): « ... ورؤيا أمي الذي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت لها قصور الشام». وفي رواية: «رأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»
الجواب: هذه رؤيا منام وليس فيها أن النبي ﵌ كان نورًا حسيًا.
ويؤيد ذلك قوله ﵌: «أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، وبشر بي عيسى ابن مريم، ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام». [عزاه السيوطي في (الجامع الصغير) إلى ابن مردويه والطبراني في (الكبير) وأبي نعيم في (الدلائل)، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع الصغير)].
الشبهة الثالثة: ماورد عن بعض الصحابة من أن وجه النبي ﵌ كان مثل القمر.
كما في البخاري عن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أنه قال « ... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ»
стр. 178
الجواب: هذا تشبيه ويدل عليه كلمة (كأنه). راجع شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني لهذا الحديث في (فتح الباري).
* وسُئِلَ الْبَرَاءُ ﵁: «أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﵌ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَر» ِ (رواه البخاري)
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): «كَأَنَّ السَّائِل أَرَادَ أَنَّهُ مِثْل السَّيْف فِي الطُّول، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاء فَقَالَ: «بَلْ مِثْل الْقَمَر» أَيْ فِي التَّدْوِير، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مِثْل السَّيْف فِي اللَّمَعَان وَالصِّقَال؟ فَقَالَ: بَلْ فَوْق ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَر لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّدْوِير وَاللَّمَعَان: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة: «أَكَانَ وَجْه رَسُول اللَّه ﵌ حَدِيدًا مِثْل السَّيْف؟» وَهُوَ يُؤَيِّد الْأَوَّل.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْه رَسُول الله ﵌ مِثْل السَّيْف؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْل الشَّمْس وَالْقَمَر مُسْتَدِيرًا».وَإِنَّمَا قَالَ: «مُسْتَدِيرًا» لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْله: «مِثْل السَّيْف» يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الطُّول أَوْ اللَّمَعَان، فَرَدَّهُ الْمَسْئُول رَدَّا بَلِيغًا. وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُف فِي أَنَّ التَّشْبِيه بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاق، وَالتَّشْبِيه بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَلَاحَة دُون غَيْرهمَا، أَتَى بِقَوْلِهِ: «وَكَانَ مُسْتَدِيرًا» إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيه بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا: الْحُسْن وَالِاسْتِدَارَة.
الشبهة الرابعة: حديث: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»
الجواب: هذا حديث موضوع ذكره الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة، ص٣٢٦).
الشبهة الخامسة: حديث (كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد).
الجواب: هذا الحديث ذكره الحاكم وقال الصنعاني: هو موضوع، وكذا قال ابن تيمية. وهذا الحديث ـ وإن كان قد صححه غيرهما ـ فعلى فرض صحته، فإنه لا شاهد فيه على عقائد الصوفية، وإنما يعني أن الرسول ﵌ قد قدَّر اللهُ كونَه نبيًا عندما خلق آدم، ولا شك أن الأنبياء جميعًا نبوتهم ثابتة في تقدير الله وقضائه. والله قد قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث.
стр. 179
قال البيهقي: قوله ﵌: «إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين وان ءادم لمنجدل في طينته» يريد أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأوّل الأنبياء صلوات الله عليهم» اهـ. (دلائل النبوّة ١/ ٨١). (يكون: يعني يوجَد ويُخلَق)
الشبهة السادسة: حديث (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
الجواب: هذا الحديث أورده العجلوني في (كشف الخفاء) وقال: رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله - الحديث، كذا في (المواهب). اهـ. المقصود من كلامه.
والواضح أن العجلوني لم يطلع على الحديث في (مصنف عبد الرزاق) وإنما نقله من كتاب (المواهب).وقد بحثت في (مصنف عبد الرزاق) فلم أجد هذا الحديث.
ويرد هذا الحديث ما رواه مسلم عن رسول الله ﵌ أنه قال: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
قال الألباني في (السلسلة الصحيحة) (١/ ٧٤١): « ... وفيه (أي حديث: «خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف
стр. 180
لكم» إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر».ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه ﵌ خُلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه».
* ونحيل القارئ إلى الرسالة المسمّاة (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر) تأليف أحد كبار دعاة الصوفية: عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (١) ١) المتوفى سنة ١٤١٣هـ الذي يصفه الصوفية بمحدث الديار المغربية والبلاد الأفريقيّة، وفيها الردّ الوافي على القائلين بأن أوّل ما خلق الله نور النبيّ محمّد ﵌.
* ونقتبس منها الآتي (بتصرف):
* «فهذا جزء سمّيتُه: (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر)، أردت به تنزيه النبيّ ﵌ عمّا نُسب إليه مما لم يصح عنه ويُعدّ من قبيل الغلو المذموم، ومع ذلك صار عند العامة وكثير من الخاصة معدودًا من الفضائل النبويّة التي يكون إنكارها طعنًا في الجناب النبويّ عندهم، ولا يدركون ما في رأيهم وقولهم من الإثم العظيم الثابت في قول النبيّ ﵌: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه البخاري ومسلم وليس في حديث البخاري (متعمدًا)).
والذي يصفه بما لم يثبت عنه كاذب عليه واقع في المحذور إلاّ أن يتوب، ولا يكون مدحه ﵊ شافعًا له في الكذب عليه. فإن فضائل النبي ﵌ إنما تكون بالثابت المعروف حذرًا من الكذب المتوعَّد عليه بالنار.
* وقد وردت أحاديث في هذا الموضوع باطلة، وجاءت آراء شاذة عن التحقيق عاطلة، أُبينها في هذا الجزء بحول الله.
* روى عبد الرزاق ـ فيما قيل ـ عن جابر ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.