الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
الجواب: قد اختلف العلماء في المقصود بالنور في هذه الآية، هل هو الإسلام أم القرآن أم رسول الله ﵌؟ والمقصود بالنور في هذه الآية النور المعنوي، وهو نور الهداية.
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا أهل التوراة والإنجيل ﴿مِنَ اللهِ نُورٌ﴾، يعني بالنور، محمدًا ﵌ الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.
وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﵌، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله».
وقال الحافظ ابن كثير: « ... أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ * وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة».
قال الإمام القرطبي: «﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ أي ضياء، قيل: الإسلام. وقيل: محمد ﵌. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. أي القرآن، فإنه يبين الأحكام. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ
стр. 177
رِضْوَانَهُ﴾ أي ما رضيه الله. ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة».
وقال أيضًا: «وقد سمى الله تعالى كتابه نورًا فقال: ﴿وأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًَا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤) وسمى نبيه نورًا فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. (المائدة: ١٥).وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول ﵌».ا. هـ بتصرف يسير».
* وكونه ﵌ نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا؛ قال الله : ﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: فصدّقوا بالله ورسوله أيها المشركون المكذّبون بالبعث، وبإخباره إياكم أنكم مبعوثون من بعد مماتكم، وأنكم من بعد بلائكم تنشرون من قبوركم، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ يقول: وآمنوا بالنور الذي أنزلنا، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﵌».
الشبهة الثانية: ما رواه ابن إسحاق وعنه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد): « ... ورؤيا أمي الذي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت لها قصور الشام». وفي رواية: «رأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»
الجواب: هذه رؤيا منام وليس فيها أن النبي ﵌ كان نورًا حسيًا.
ويؤيد ذلك قوله ﵌: «أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، وبشر بي عيسى ابن مريم، ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام». [عزاه السيوطي في (الجامع الصغير) إلى ابن مردويه والطبراني في (الكبير) وأبي نعيم في (الدلائل)، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع الصغير)].
الشبهة الثالثة: ماورد عن بعض الصحابة من أن وجه النبي ﵌ كان مثل القمر.
كما في البخاري عن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أنه قال « ... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ»
стр. 178
الجواب: هذا تشبيه ويدل عليه كلمة (كأنه). راجع شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني لهذا الحديث في (فتح الباري).
* وسُئِلَ الْبَرَاءُ ﵁: «أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﵌ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَر» ِ (رواه البخاري)
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): «كَأَنَّ السَّائِل أَرَادَ أَنَّهُ مِثْل السَّيْف فِي الطُّول، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاء فَقَالَ: «بَلْ مِثْل الْقَمَر» أَيْ فِي التَّدْوِير، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مِثْل السَّيْف فِي اللَّمَعَان وَالصِّقَال؟ فَقَالَ: بَلْ فَوْق ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَر لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّدْوِير وَاللَّمَعَان: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة: «أَكَانَ وَجْه رَسُول اللَّه ﵌ حَدِيدًا مِثْل السَّيْف؟» وَهُوَ يُؤَيِّد الْأَوَّل.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْه رَسُول الله ﵌ مِثْل السَّيْف؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْل الشَّمْس وَالْقَمَر مُسْتَدِيرًا».وَإِنَّمَا قَالَ: «مُسْتَدِيرًا» لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْله: «مِثْل السَّيْف» يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الطُّول أَوْ اللَّمَعَان، فَرَدَّهُ الْمَسْئُول رَدَّا بَلِيغًا. وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُف فِي أَنَّ التَّشْبِيه بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاق، وَالتَّشْبِيه بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَلَاحَة دُون غَيْرهمَا، أَتَى بِقَوْلِهِ: «وَكَانَ مُسْتَدِيرًا» إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيه بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا: الْحُسْن وَالِاسْتِدَارَة.
الشبهة الرابعة: حديث: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»
الجواب: هذا حديث موضوع ذكره الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة، ص٣٢٦).
الشبهة الخامسة: حديث (كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد).
الجواب: هذا الحديث ذكره الحاكم وقال الصنعاني: هو موضوع، وكذا قال ابن تيمية. وهذا الحديث ـ وإن كان قد صححه غيرهما ـ فعلى فرض صحته، فإنه لا شاهد فيه على عقائد الصوفية، وإنما يعني أن الرسول ﵌ قد قدَّر اللهُ كونَه نبيًا عندما خلق آدم، ولا شك أن الأنبياء جميعًا نبوتهم ثابتة في تقدير الله وقضائه. والله قد قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث.
стр. 179
قال البيهقي: قوله ﵌: «إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين وان ءادم لمنجدل في طينته» يريد أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأوّل الأنبياء صلوات الله عليهم» اهـ. (دلائل النبوّة ١/ ٨١). (يكون: يعني يوجَد ويُخلَق)
الشبهة السادسة: حديث (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
الجواب: هذا الحديث أورده العجلوني في (كشف الخفاء) وقال: رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله - الحديث، كذا في (المواهب). اهـ. المقصود من كلامه.
والواضح أن العجلوني لم يطلع على الحديث في (مصنف عبد الرزاق) وإنما نقله من كتاب (المواهب).وقد بحثت في (مصنف عبد الرزاق) فلم أجد هذا الحديث.
ويرد هذا الحديث ما رواه مسلم عن رسول الله ﵌ أنه قال: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
قال الألباني في (السلسلة الصحيحة) (١/ ٧٤١): « ... وفيه (أي حديث: «خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف
стр. 180
لكم» إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر».ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه ﵌ خُلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه».
* ونحيل القارئ إلى الرسالة المسمّاة (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر) تأليف أحد كبار دعاة الصوفية: عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (١) ١) المتوفى سنة ١٤١٣هـ الذي يصفه الصوفية بمحدث الديار المغربية والبلاد الأفريقيّة، وفيها الردّ الوافي على القائلين بأن أوّل ما خلق الله نور النبيّ محمّد ﵌.
* ونقتبس منها الآتي (بتصرف):
* «فهذا جزء سمّيتُه: (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر)، أردت به تنزيه النبيّ ﵌ عمّا نُسب إليه مما لم يصح عنه ويُعدّ من قبيل الغلو المذموم، ومع ذلك صار عند العامة وكثير من الخاصة معدودًا من الفضائل النبويّة التي يكون إنكارها طعنًا في الجناب النبويّ عندهم، ولا يدركون ما في رأيهم وقولهم من الإثم العظيم الثابت في قول النبيّ ﵌: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه البخاري ومسلم وليس في حديث البخاري (متعمدًا)).
والذي يصفه بما لم يثبت عنه كاذب عليه واقع في المحذور إلاّ أن يتوب، ولا يكون مدحه ﵊ شافعًا له في الكذب عليه. فإن فضائل النبي ﵌ إنما تكون بالثابت المعروف حذرًا من الكذب المتوعَّد عليه بالنار.
* وقد وردت أحاديث في هذا الموضوع باطلة، وجاءت آراء شاذة عن التحقيق عاطلة، أُبينها في هذا الجزء بحول الله.
* روى عبد الرزاق ـ فيما قيل ـ عن جابر ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
стр. 181
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله» الحديث، وله بقية طويلة وقد ذكره بتمامه ابن العربي الحاتمي في كتاب (تلقيح الأذهان ومفتاح معرفة الإنسان)، والديار بكري في كتاب (الخميس في تاريخ أنفس نفيس).
* وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ؛ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره. بل المذكور في تفسيره خلاف ذلك، فقد ذكر أن أول الأشياء وجودًا الماء.
* وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ (انظر الحاوي في الفتاوى ١/ ٣٢٥ في تفسير سورة المدثر، وقد ذكر السيوطي في (قوت المغتذي شرح الترمذي) بعد أن ذكر الحديث: «أوّل ما خلق الله تعالى القلم» فقال: «أما حديث أولية العقل فليس له أصل، وأمّا حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت» اهـ.
* وهو حديث موضوع جزمًا، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وبعض الشناقطة المعاصرين ركّب له إسنادًا فذكر أن عبد الرزاق رواه من طريق ابن المنكدر عن جابر وهذا كذب يأثم عليه.
* وقد ادعى بعضهم أيضًا أن هذا الحديث ـ أي حديث جابر المفتعل ـ صحّ كشفًا. فهذا كلام لا معنى له؛ لأن الكشف الذي يخالف حديث رسول الله ﵌ لا عبرة به.
* أقول (أي الغماري): هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ومخالف للحديث الذي رواه البخاري وغيره أن أهل اليمن أتوا رسول الله ﵌ فقالوا:
стр. 182
يا رسول الله جئناك لنتفقّه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض». وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة.
* ومثله في النكارة ما رُوي عن علي بن الحسين، عن أبيه ﵄، عن جدّه أن النبيّ ﵌ قال: «كنت نورًا بين يدي ربي قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام» وهو كذب أيضًا.
* ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارًا على جسد النبيّ ﵌ فسقط الإزار أي لأنه نور، وهذا لا أصل له. وقد كان النبيّ ﵌ يستعمل الإزار ولم يسقط عنه.
* وكونه ﵌ نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا ونحو ذلك، لأنه نوَّر العقول والقلوب.
* ومن الكذب المكشوف قولهم: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك»، وكذلك ما روي عن علي ﵁، عن النبيّ ﵌ قال: هبط عليّ جبريل فقال: إن الله يقرؤك السلام ويقول: «إني حرمْتُ النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كَفَلَك» وهو حديث موضوع.
* وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبيّ ﵌ جبريل ﵇ فقال: يا جبريل كم عمّرتَ من السنين؟ فقال: يا رسول الله، لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيتُه اثنتين وسبعين ألف مرة، فقال النبيّ: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب».وهذا كذب قبيح، قبّح الله من وضعه وافتراه.
* وذكر بعض غلاة المتصوّفة أن جبريل ﵇ كان يتلقّى الوحي من وراء حجاب وكُشف له الحجاب مرة فوجد النبيّ ﵌ يوحِي إليه، فقال جبريل: «منك وإليك».
قلت (أي الغماري): لعن الله من افترى هذا الهراء المخالف للقرآن فإن الله تعالى يقول لنبيّه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾
стр. 183
(الشورى:٥٢) ويقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (الشعراء:١٩٣ - ١٩٤).
* ما يوجد في كتب المولد النبويّ من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فتحرم قراءة تلك الكتب. والنبيّ ﵌ يقول: «من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (رواه مسلم) يُرَى بضم الياء: معناه يُظَنّ.
* وفضل النبي ﵌ ثابت في القرءان الكريم، والأحاديث الصحيحة، وهو في غِنًى عما يقال فيه من الكذب والغلو، وقال ﵌: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري). (انتهى المقصود من كلام الغماري).
وأخيرًا. .. سؤال موجه إلى هؤلاء القائلين بأن الرسولَ ﵌ هو أول خلق الله:
يقال لهم: ألستم تعتقدون أن إبليس خُلِق قبل ءادم؟ فيقولون: بلى؛ للنص الوارد في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ فيقال لهم: وهل سَبْقُ إبليسَ آدم ﵇ بالخلق يقتضي أفضليته؟ فلا شك أنهم لا يقولون إن ذلك يقتضي أفضلية إبليس. فيقال لهم: لماذا تتشبثون بقولكم «الرسول أولُ خلق الله» وأي طائل تحت قولكم هذا؟!
تنبيه: قال أحد الصوفية (كما هو منشور على أحد مواقعهم على الشبكة العنكبوتية): «التمادي على دعوى القول بأن نور محمد ﵌ أول خلق الله لا يزيد الكافرين إذا سمعوا ذلك إلا نفورًا من الإسلام واستبشاعًا له، فأيُّ فائدة للتعصب لهذا الحديث؟! فهذا الحديث تَنْفِرُ الكفارُ عند سماعه من بعض المسلمين نفورًا زائدًا على نفورهم الأصلي من الإسلام. فلقد ذكر لي رجلٌ يُدعَى أبا علي ياسين من أهل الشام أنَّ نصرانيًّا قال له: «كيف تقولون أنتم: محمد آخر الأنبياء، وتقولون: إنه أول خلق الله؟» وذلك نشأ عنده لما كان يسمع من بعض المؤذنين قولهم عقب الأذان على المنائر: «يا أول خلق الله وخاتم رسل الله»، قال أبو علي ياسين: فلم أجد جوابًا.
стр. 184
ثامن عشر: الأولياء والكرامات
الكرامة: أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد عبد من عباده الصالحين حيًا أو ميتًا؛ إكرامًا له فيدفع به عنه ضرًا أو يحقق له نفعًا أو ينصر به حقًا، وذلك الأمر لا يملك العبد الصالح أن يأتي به إذا أراد كما أن النبي لا يملك أن يأتي بالمعجزة من عند نفسه، بل كل ذلك إلى الله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (العنكبوت:٥٠).
والكرامة غير مقرونة بدعوى النبوة، وهي في حقيقتها تأييد وتأكيد لرسالة الرسول باعتبار أن الله أظهرها على يد صلحاء أمته، وتابع من أتباعه.
معنى الولي: الولي: هو الرجل المؤمن التقي المواظب على الطاعات المتقيد بأوامر الله ونواهيه، العارف بالله على حسب الإمكان، المعرض عن الأمهات في الشهوة.
قال الله تعالى في حق الأولياء: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٤).
أمثلة للكرامات:
أولًا: ما ثبت من كرامة لأهل الكهف، وهم فتية آمنوا بالله، وفروا بدينهم من ظلم ملك كافر كان في زمانهم، فأووا إلى كهف في جبل، فأنامهم الله ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم أيقظهم من نومهم الطويل، وقد ذُكرت قصتهم في سورة الكهف.
ثانيًا: ثبوت الكرامة لمريم ﵍:
الكرامة الأولى: أن نبي الله زكريا ﵇ يدخل عليها في محرابها فيجد عندها رزقًا دون أن يأتي به إنسان ودون سبب مادي.
الكرامة الثانية: وهي حملها بعيسى سدد خطاكم دون أن يمسها بشر.
стр. 185
الكرامة الثالثة: لما حملت به سدد خطاكم ابتعدت عن منازل أهلها، فلما جاءها مخاض الولادة جلست إلى جذع نخلة غير مثمرة، فهزتها فتساقط من الشجرة رطبًا طريًا صالحًا للاجتناء والأكل.
الكرامة الرابعة: لما وضعت ابنها عيسى ابن مريم وأتت به إلى قومها وأخبرتهم أنه ابنها، كان الأمر صعبًا عليهم تصديق هذه الخارقة فاتهموها اتهامات وجرحوها بكلماتهم، وهي صامتة لا تتكلم وألحوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصور كثير منهم فيه إلا الفاحشة، وهي منها براء، فلما ضاق حالها وانحصر المجال، واحتارت في أمرها، عظم توكلها على الله ذي الجلال والإكرام، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال فأشارت إلى طفلها عيسى ابن مريم حتى يخاطبوه ويكلموه، فعندها استغربوا الأمر، وقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا، وهو لا يميز بالأمور فظنوا أنها تستهزيء بهم، عندها تكلم ونطق وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
ثالثًا: قصة ثلاثة نفر من الأمم السابقة، انطلقوا حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم مدخل الغار فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة بسبب صالح دعواتهم وخرجوا من الغار يمشون.
رابعًا: قصة تكلم صبي رضيع من بني إسرائيل تبرئة لامرأة أَمَةٍ اتهمت بالسرقة والزنى، ولم تفعل ذلك وهذا كرامة لها.
قال رسول الله ﵌: «كانت امرأة تُرضِع ابنها من بني اسرائيل، فمرَّ بها رجل راكب ذو شارة (أي صاحب هيئة وشكل حسن)، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه ـ قال أبو هريرة ﵁: كأني أنظر إلى النبي ﵌ يمصُّ أصبعه ـ ثم مر بأمَة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت له: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمَة يقولون لها: سرقت، زنيت، ولم تفعل». متفق عليه.
خامسًا: قصة العابد جريج: قال رسول الله ﵌: «كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعَتْهُ، فقال: أُجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تُمِتْه حتى
стр. 186
تُرِيَهُ وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة فكلَّمَتْه فأبى، فأتتْ راعيًا فأمْكَنَتْه من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبُّوه، وتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام، فقال: الراعي». (متفق عليه).
سادسًا: كرامة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر ﵄:
عن أنس بن مالك ﵁: أن أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر ﵄ تحدثا عند النبي ﵌ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﵌ ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عُصَيَّة، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه، حتى بلغ أهله. (رواه البخاري).
سابعًا: كرامة عمر بن الخطاب ﵁: عن ابن عمر ﵄: أن عمر بعث جيشًا، وأَمَّرَ عليهم رجلًا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح: يا ساريةُ الجبلَ! فقدِم رسول من الجيش، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح يصيح: يا ساريةُ الجبلَ، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى. (رواه البيهقي في دلائل النبوة ورواه ابن عساكر وغيره بإسناد حسن).
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: (١) ١)
* لا يكون وليًا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (التوبة:٦١ - ٦٢)، وفي صحيح البخاري الحديث المشهور: «يقول الله ﵎ فيه: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ولا يكون مؤمنًا تقيًا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين فمعلوم أن أحدًا من الكفار والمنافقين لا يكون وليًا لله.
стр. 187
* قد علم أن الكفار والمنافقين ـ من المشركين وأهل الكتاب ـ لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليًا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله؟! مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﵌ باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة. أو يعتقد أن لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ﵈. أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان فضلا عن ولاية الله . فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم كان أضل من اليهود والنصارى.
* فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم ـ بل قد يأتي بما يناقض ذلك ـ لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي لله.
* ليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحًا، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ﵌ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع.
*أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة، وهذا مما اتفق عليه أولياء الله .من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله باتباعهم، بل إما أن يكون كافرًا وإما أن يكون مُفْرِطًا في الجهل.
وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: «إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة».
وقال أبو القاسم الجنيد ﵀: «علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال: لا يقتدى به».
وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله ويظن أن ولي الله يُقبَل منه كل ما يقوله، ويسلّم إليه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة، فيوافق ذلك الشخص ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الجنة وأهل النار وبين السعداء والأشقياء، فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين، ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولًا إلى البدعة والضلال وآخرًا إلى الكفر والنفاق.
*تجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أو يمشي على الماء أحيانًا، أو أن يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﵌ وموافقته لأمره ونهيه.
* وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة ـ وإن كان قد يكون صاحبها وليًا لله ـ فقد يكون عدوًا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين؛ فلا يجوز أن يُظَنّ أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه وليّ لله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويُعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة.
مثال ذلك: أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسًا للنجاسات معاشرًا للكلاب،
стр. 188
يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف.
فإذا كان الشخص مباشرًا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير، وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق، أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان، أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها، أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين، أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر، ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن.
* من ادعى أن مِن الأولياء الذين بلَغَتْهم رسالة محمد ﵌ مَن له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد ﵌ فهذا كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد ﵌ في علم الظاهر دون علم الباطن أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب. فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك هذا ـ الذي يقول إن محمدًا ﵌ بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن ـ آمن ببعض ما جاء به ﵌ وكفر ببعض فهو كافر. وهؤلاء الملاحدة يدَّعون أن الولاية أفضل من النبوة.
*أولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد ﵌ فيفعلون ما أمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه فيؤيدهم بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله كراماتهم لِحُجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيهم ﵌ كذلك.
* وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله ﵌ فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﵌ مثل: انشقاق القمر (رواه البخاري)، وإتيان الشجر إليه (رواه
стр. 189
مسلم)، وحنين الجذع إليه (رواه البخاري)، وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة: كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص (متفق عليه)، وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص (متفق عليه)، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفًا (رواه مسلم)، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة (متفق عليه)، ومثل هذا كثير قد جمعت نحو ألف معجزة.
*وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدًا: مثل ما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج ـ وهي الملائكة نزلت لقراءته ـ (متفق عليه)، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﵌ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. (رواه البخاري وغيره).
وقصةالصدِّيق ﵁ ـ في الصحيحين ـ لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا رَبَى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأتُه فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله ﵌ وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا. وخبيب بن عدي كان أسيرًا عند المشركين بمكة ـ شرفها الله تعالى ـ وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة (رواه البخاري).
*الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته ويكون مَن هو أكمل ولاية لله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة.
* وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال ابن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﵌ وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال وتوقف النبي ﵌ في أمره حتى تبين له
стр. 190
فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان، قال له النبي ﵌: «قد خبأت لك خبئًا»، قال: الدُّخ الدُّخ. وقد كان خبأ له سورة الدخان فقال له النبي ﵌: «اخسَأ فلن تعدو قدرك» يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﵌ قال: «إن الملائكة تنزل في العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: «بينما النبي ﵌ في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال النبي ﵌: «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟» قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم، قال رسول الله ﵌: «فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون».
وفي رواية قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي ﵌.
* والأسود العنسي ـ الذي ادعى النبوة ـ كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه: حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه.
* وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات ويعينه على بعض الأمور وأمثال هؤلاء كثيرون مثل: الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد وتمنع
стр. 191
السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يُرِى الناس رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة وإنما كانوا جِنًّا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه فقال له عبد الملك: «إنك لم تسم الله»، فسمى الله فطعنه فقتله.
* وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ في حديث أبي هريرة ﵁ ـ لما وكّله النبي ﵌ بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه ـ فيقول له النبي ﵌: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: «كذبك وإنه سيعود»، فلما كان في المرة الثالثة. قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﵌، قال: «صدقك وهو كذوب» وأخبره أنه شيطان.
ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها: مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية، فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلامًا لا يُعلَم وربما لا يُفقَه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة كما يتكلم الجني على لسان المصروع.
والإنسان ـ الذي حصل له الحال لا يدري بذلك ـ بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس ولبسه وتكلم على لسانه فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال.
* ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته فلا يحج حجًا شرعيًا، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات ولا يلبّي ولا يقف بمزدلفة ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة ولا يرمي الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه ثم يرجع من ليلته وهذا ليس بحج.
стр. 192
* وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله ﵌.
* ومِن هؤلاء مَن إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار فإذا حصل رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد.
* ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت سواء كان ذلك الحي مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين.
* ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى.
* وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته ـ وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ـ ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت ويدخل على زوجته ويذهب، وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنارـ كما تصنع كفار الهند ـ فيظنون أنه عاش بعد موته.
* ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني فأنا أجيء وأغسل نفسي فلما مات رآى خادمه شخصًا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله ـ أي غسل الميت ـ غاب. وكان ذلك شيطانًا، وكان قد أضل الميت وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضًا في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك.
* ومنهم من يرى عرشًا في الهواء وفوقه نور ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول.
стр. 193
* ومنهم من يرى أشخاصًا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين وقد جرى هذا لغير واحد. ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر: إما الصديق ﵁ أو غيره قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات.
* والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرًا أو فاسقًا أو جاهلًا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة، أو يقلب فاتحة الكتاب أو سورة الإخلاص أو آية الكرسي أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة، فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر. وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي إما في الهواء وإما مدفوعا ملجأ إليه. إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها والإيمان بها إيمان بالجبت والطاغوت. والجبت: السحر، والطاغوت: الشياطين والأصنام.
* وإن كان الرجل مطيعًا لله ورسوله باطنًا وظاهرًا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته. ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله كان عُمَّار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية، وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى ـ فيدعون الميت أو يدعون به أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب ـ أقرب إلى الأحوال الشيطانية.
* والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها ـ كما يفعل أهل دعوة الكواكب ـ فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور ويسمون ذلك روحانية الكواكب وهو شيطان.
* والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه وعاقبة من أطاعه إلى شر إلا أن يتوب الله عليه، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم
стр. 194
الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا به أو ظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد، ويروون حديثا هو كذب باتفاق أهل المعرفة وهو: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك.
* ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات وهي من الشياطين: مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد أو يوضع عنده مصروع فيرون شيطانه قد فارقه. يفعل الشيطان هذا ليضلهم وإذ قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل هذا؛ فإن التوحيد يطرد الشيطان، ولهذا حمل بعضهم في الهواء فقال: لا إله إلا الله فسقط ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان. وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع.
* (قال شيخ الإسلام ابن تيمية): ... فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر وتقول: هنيئًا لك يا ولي الله، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك.
وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة. أو تمر به أنوار أو تُحضِر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله.
وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشر به النبي ﵌ ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينًا أو شمالًا ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله
стр. 195
إلى مكة وتأتي به وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة وتقول له هذه الملائكة أرادوا زيارتك فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان (١)؟! فيرفع رأسه فيجدهم بلحى، ويقول له: علامة إنك أنت المهدي إنك تنبت في جسدك شامة فتنبت ويراها وغير ذلك، وكله من مكر الشيطان.
* كرامات الأولياء لابد أن يكون سببها الإيمان والتقوى فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله.
فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء وإنما تحصل عند الشرك: مثل دعاء الميت والغائب أو بالفسق والعصيان وأكل المحرمات: كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات ومثل الغناء والرقص، لا سيما مع النسوة الأجانب والمردان، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلًا طويلًا فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدًا أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ويتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد. فهذه أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف:٣٦)
* ولقد أخبر بعض الشيوخ بصورة مكاشفة ومخاطبة فقال: يُرِيني الجن شيئًا براقًا مثل الماء والزجاج ويمثلون له فيه ما يُطلَب منه الإخبار به، قال: فأخبِر الناس به ويوصلون إليَّ كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه.
وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها من لم يعرفها وقال: إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة كما يدخل النار بحجر الطلق وقشور النارنج ودهن الضفادع وغير ذلك من الحيل الطبيعية فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون: نحن والله لا نعرف شيئًا من هذه الحيل.
стр. 196
فلما ذكر لهم الخبير: إنكم لصادقون في ذلك ولكن هذه الأحوال شيطانية أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان، ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي لله؛ فلا تحصل عند ما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه، لا من كرامات الرحمن لأوليائه».انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
الحمد الله على نعمة الإسلام ونعمة العقل
بعض الكراماتٌ من كتب الصوفية: (المصدر: (جامع كرامات الأولياء) ليوسف بن إسماعيل النبهاني، و (الطبقات الكبرى) للشعراني. (وهما من المراجع المعتمدة عند الصوفية).
قرآن جديد للصوفية: (انظر الطبقات الكبرى٢/ ١٨٥)
«الشيخ شعبان المجذوب ﵁ كان من أهل التصريف بمصر المحروسة وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي علي الخواص ﵁ أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبًا على العباد. (تأمل: يدعي أنه يعلم الغيب!!)
وكان يقرأ سورًا غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة وغيرها فلا ينكر عليه أحد، وكان العامي يظن أنها من القرآن لشبهها بالآيات في الفواصل».ا. هـ كلام الشعراني.
وهنا ربما قال المجادلون بالباطل: «لعله كان يرتل الحديث أو أوراد الطريقة»، مع ما في هذا من التلبيس والكذب، لكن تأمل قول الشعراني: سورًا غير القرآن.
وحتى لا يبقى عندك شك فها هو الشعراني يقتبس لنا من ذلك القرآن قال: «وقد سمعته مرة يقرأ على باب دار، على طريقة الفقهاء الذين يقرءون في البيوت فصغيت إلى ما يقول فسمعته يقول: «وما أنتم في تصديق هود بصادقين، ولقد أرسل الله لنا قومًا بالمؤتفكات يضربوننا ويأخذون أموالنا وما لنا من ناصرين»
стр. 197
ثم قال: اللهم اجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان وفلان» إلى آخر ما قال. فانظر هذا الكذب الصريح كيف يجعل سخافاته من الكتاب العزيز واسأل المتصوفة عن حكم من قال هراء ثم نسبه إلى القرآن.
* الشيخ علي العمْري، مِن كراماته ـ كما يروي عنه النبهاني ـ ما أخبرني به إبراهيم الحاج المذكور، قال: دخلتُ في هذا النَّهار إلى الحمام مع شيخنا الشيخ علي العمْري، ومعَنا خادمُه محمَّد الدبُّوس الطرابلسي ـ وهو أخو إحدى زوجات الشيخ ـ ولم يكن في الحمام غيرُنا ـ أي: ثلاثة في الحمام ـ!!! قال: فرأيتُ مِن الشيخ كرامةً مِن أعجب خوارق العادات، وأغربِها: وهي أنَّه أظهر الغضب على خادمه محمد هذا وأراد أن يؤدِّبَه، فأخذَ الشيخ إحليل نفسه بيديه الاثنتين (أخذ عضوه التناسلي من تحت إزاره!!) فطال طولًا عجيبًا!! بحيث أنَّه رفعه على كتفه، وهو زائدٌ طويلٌ على كتفه وصار يجلد به خادمَه المذكور!! والخادم يصرخ مِن شدة الألم، فعل ذلك مرات ثم تركه، وعاد إحليله إلى ما كان عليه أولًا، ففهمتُ أنَّ الخادم قد عمل عملًا يستحق التأديب، فأدبَّه الشيخ بهذه الصورة العجيبة، ولما حكى ذلك الحاج إبراهيم حكاه بحضور الشيخ، وكان الشيخ واقفًا، فقال لي الشيخ: لا تصدِّقه، وانظر، ثم أخذ بيدي بالجبر عني ووضعها على موضع إحليله!! فلم أحس بشيءٍ مطلقًا حتى كأنَّه ليس برجلٍ بالكلية» (جامع كرامات الأولياء) ليوسف بن إسماعيل النبهاني (٢/ ٣٩٦).
تعليق:١ - الخلوة في الحمام جائزة عند هؤلاء.
٢ - الفرج ـ عندهم ـ ليس من العورة المغلظة!!
٣ - جواز إكراه المريد على وضع اليد على فرج الشيخ!!
* علي الوحيش: من كراماته أنَّه كان إذا رأى شيخ بلد، أو غيره من الكبار يُنزلهم مِن عَلى الحِمَارة، ويقول له: أمْسِك رأسَها حتى أفعل فيها، فإن رفض شيخُ البلد تسمَّرتْ الحمارةُ في الأرض لا تستطيع أن تخطُوَ خطوةً، وإن سمَحَ له حصل له خجل عظيم، والنَّاس يمُرُّون!! وهذا موجود في (طبقات الشعراني) (٢/ ١٣٥).
стр. 198
* علي أبو خودة، مِن كراماته: أنَّه أراد السفر في مركب قد انوثقت ولم يبق فيها مكانٌ لأحدٍ، فقالوا للريّس: إن أخذتَ هذا غرقتْ المركبُ؛ لأنَّه يفعل في العبيد الفاحشة ـ يعنون الوليَّ بزعمهم ـ، فأخرجه الريِّس مِن المركب؛ فلما أخرجوه مِن المركب قال: يا مركب تسمَّري، فلم يقدر أحدٌ أنْ يسيِّرها بريحٍ ولا بغيره، وطلع جميع مَن فيها ولم تَسِر.
* إبراهيم المعروف بـ (الجيعانة)، يقول النَّبهاني عن شيخه عمر السنزاني: كنت يومًا بظاهر دمشق المحروسة مع جماعة، فرأيتُ الشيخ إبراهيم الجيعانة واقفًا، وقد أتت امرأةٌ وسألته الدعاء، وأمَرَّتْ يدها على أطماره الرثة، ثم أمَرَّت على وجهه، وهناك فقيهان روميَّان، فقال أحدهما: يا حُرمة تنجست يدُك بما مرت عليه! فنظر إليه الشيخ مغضبًا، ثم جلس وغاط الشيخ ـ يعني أخرج الغائط (البراز) منه ـ ثم نهض فتقدم الفقيه المنكِر، وجعل يلعق غائطه!! ورفيقه متمسك بأثوابه، ويضمُّه ويقول له: ويلك هذا غائط الشيخ، إلى أن لعق الجميع ببعض التراب، فلمَّا نَهض جعل يعاتِبه، فقال الفقيه: والله ما لعقتُ إلاَّ عَسَلًا!!!
* حسن الخلبوصي، يقول الشعراني: حكى الشيخ يوسف الحريتي قال: قصدته بالزيارة في خان بنات الخطأ ـ مكان الدعارة الذي تؤجر فيها البنات أنفسهنَّ!! ـ وجدَتُ واحدةً راكِبةً على عنقه، ويداها ورِجْلاها مخضوبتان بالحنَّاء، وهي تصفعه في عنقه ـ تلطمه وتضربه على عنقه ـ وهو يقول: لا، برفق فإنَّ عيناي موجوعتان!!
تأمل: يعتبرون هذا من كرامات الشيخ: أن بنات الزنا في خان الزنا تفعل به هكذا.
* أحمد الذي سمَّوه (حمدة)؛ لأنَّه يقيم مع البغايا في بيت البغايا فسمَّوْه (حمدة)، هذا من كراماته! يقولون: له كشفٌ لا يكاد يخطىء، وكثيرًا ما يخبر بالشيء قبل وقوعه فيقع كما أخبر، وهو مقيم عند بعض النساء البغيَّات بـ (باب الفتوح)، وما ماتت واحدة منهنَّ إلا عن توبة ببركته، وربما صار بعضهن مِن أصحاب المقامات!!
تأمل: يقيم معهن ويسكن معهن حتى يعلمهن الطريق!
* إبراهيم العريان، مِن أئمتهم كان كما يقولون: إذا دخل على بلدٍ سلَّم على أهلها كبارًا وصغارًا بأسمائهم كأنَّه تربَّى بينهم، وكان يطلع على المنبر ويخطب عريانًا!! فيقول:
стр. 199
دمياط، باب اللوق، بين القصرين، جامع طولون، الحمد لله رب العالمين! فيحصل للنَّاس بسطٌ عظيمٌ. يقول المنَّاوي: وكان محبوبًا للناس، معظَّمًا عندهم معتقَدًا، وكان يصعد المنبر فيخطب عريانًا، ويذكر الوقائع التي تقع في الأسبوع المستقبل فلا يخطئ في واحدة. (الطبقات ٢/ ١٤٢)
* مِن كرامات عبد الجليل الأرناؤطي كما ينقلون: أنَّه كان يجمع الدراهم مِن النَّاس وينفقها على النساء العجائز البغايا اللاتي كَسَدْنَ، وصِرن بحالةٍ لا يُقبِل عليهنَّ أحدٌ مِن الفُسَّاق، فكان يجمعهن في حجرة، وينفق عليهن ما يجمعه ويأوي إليهنَّ، وينام عندهن! ويخدِمْنَه.
стр. 200
الأزهر يرد على الصوفية
قبسات من فتاوى دار الإفتاء المصرية
حكم النذر على الأضرحة والأولياء: المفتي: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم.
(محرم ١٣٦٤ هجرية ٢٥ ديسمبر ١٩٤٤ م)
المبادئ: ١ - النذر لأصحاب الأضرحة والأولياء والصالحين باطل بالإجماع لأنه نذر لمخلوق وهو غير جائز لأن النذر عبادة وهى لا تكون لمخلوق أبدًا ولأن المنذور له ميت والميت لا يملك.
٢ - إذا ظن الناذر أن الميت يتصرف فى الأمور دون الله واعتقده كان ذلك كفرًا.
* جاء فى البحر ـ قبيل باب الاعتكاف من الجزء الثالث نقلا عن الشيخ قاسم وفى شرح الدرر ما نصه -: «وأما النذر الذى ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأنه يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتى بعض الصلحاء فيجعل سترة على رأسه فيقول يا سيدى فلان إن رُدَّ غائبى أو عُوفى مريضى أو قُضيت حاجتى فلك من الذهب كذا، من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا أو من الشمع كذا، أو من الزيت كذا. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك. ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف فى الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر.
فإذا علم هذا. فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين مالم يقصدوا صرفه للفقراء الأحياء قولا واحدًا» انتهى.
* والظاهر لنا أن هؤلاء العوام وإن قالوا بألسنتهم إنى نذرت لله أو تصدقت لله فمقصدهم فى الواقع ونفس الأمر إنما هو التقرب إلى الأولياء والصالحين وليس مقصدهم التقرب إلى الله تعالى وحده ولم يبتغوا بذلك وجهه.
* ولقد صدق حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة -رحمه الله تعالى- إذ يقول فى رسالته التى ألفها فى النذور وأحكامها: «ما أشبه ما يقدمون من قربان وما ينذرون من
стр. 201
نذور وما يعتقدون فى الأضرحة وساكنيها بما كان يصنع المشركون فى الجاهلية وما يغنى عنهم نفى الشرك عنهم بألسنتهم. وأفعالهم تنبئ عما يعتقدون من أن هؤلاء الأولياء لهم نافعون ولأعدائهم ضارون». انتهى.
* وقد جاء فى (سبل السلام شرح بلوغ المرام) ما نصه: «وأما النذور المعروفة فى هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام فى تحريمها؛ لأن الناذر يعتقد فى صاحب القبر أنه ينفع ويضر ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافى الأليم ويشفى السقيم وهذا هو الذى كان يفعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ويحرم قبضه؛ لأنه تقرير على الشرك ويجب النهى عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات وأنه الذى كان يفعله عباد الأصنام. لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا» انتهى.
مما ذُكِر يتبين أن نذر العوام لأرباب الأضرحة أو التصدق لهم تقربًا إليهم ـ وهو ما يقصده هؤلاء الجهلة مما ينذرونه أو يتصدقون به ـ حرام بإجماع المسلمين والمال المنذور أو المتصدق به يجب رده لصاحبه إن عُلِم.
فإن لم يُعلَم فهو من قبيل المال الضائع الذى لا يعلم له مستحق فيصرف على مصالح المسلمين أو على الفقراء.
الدفن فى المسجد غير جائز: المفتي: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم.
(جمادى الأولى ١٣٥٩ هجرية - ٢٢ من يونيه ١٩٤٠ م)
المبادئ: ١ - لا يجوز دفن الموتى فى المساجد.
٢ - إذا دفن الميت فى المسجد نبش عند الإمام أحمد.
* قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا يجوز أن يدفن فى المسجد ميت لا صغير ولا كبير ولا جليل ولا غيره. فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر. وقال فى فتوى أخرى إنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدًا ... الخ» اهـ. وذلك لأن فى الدفن فى المسجد إخراجًا لجزء من المسجد عما
стр. 202
جُعل له من صلاة المكتوبات وتوابعها من النفل والذكر وتدريس العلم وذلك غير جائز شرعًا.
ولأن اتخاذ قبر فى المسجد على هذا الوجه الوارد فى السؤال يؤدى إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده. وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) (صفحة ١٥٨) ما نصه: «إن النصوص عن النبى ﵌ تواترت بالنهى عن الصلاة عند القبور مطلقًا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها.
ومن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبى مرثد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».
وقال ابن القيم: «نص الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دفن الميت فى المسجد نبش وقال ـ أى ابن تيمية ـ: لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه وكان الحكم للسابق» ... إلى آخر ما قال فى كتابه (زاد المعاد).
الصوم بمناسبة المولد النبوى: المفتي: فضيلة الشيخ عطية صقر. (مايو ١٩٩٧)
السؤال: ما هو اليوم الذى نصومه بمناسبة المولد النبوى الشريف، وهل إذا صادف يوم جمعة يكون صومه حلالًا؟
الجواب: صيام التطوع مندوبُ لا يختص بزمان ولا مكان، ما دام بعيدًا عن الأيام التى يحرُم صيامها، وهى العيدان وأيام التشريق ويوم الشك على اختلاف للعلماء فيه، والتى يكره صيامها كيوم الجمعة وحده، ويوم السبت وحده.
وهناك بعض الأيام يستحب الصيام فيها كأيام شهر المحرم، والأشهر الحرم، وعرفة وعاشوراء، وكيوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، والثلاثة البيض من كل شهر وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وستة من شهر شوال، وكثير من شهر شعبان، كما كان يفعل النبى ﵌ وليس من هذه الأيام يوم ذكرى مولد النبى ﵌، والذى اعتاد الناس أن يحتفلوا بها فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، فلا يندب صومه بهذا العنوان وهذه الصفة، وذلك لأمرين:
стр. 203
أولهما: أن هذا اليوم لم يتفق على أنه يوم ميلاده ﵌، فقد قيل إنه ولد يوم التاسع من شهر ربيع الأول وقيل غير ذلك.
وثانيهما: أن هذا اليوم قد يصادف يوما يكره إفراده بالصيام كيوم الجمعة فقد صح فى البخارى ومسلم النهى عنه بقوله ﵌: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده».
هذا بخصوص صوم يوم الميلاد النبوى فى كل عام، أما صيام يوم الاثنين من كل أسبوع فكان يحرص عليه النبى ﵌، لأمرين:
أولهما: أنه قال إن الأعمال تعرض على الله فيه وفى يوم الخميس، وهو يحب أن يعرض عمله وهو صائم، كما رواه الترمذى وحسَّنه.
وثانيهما: أنه هو اليوم الذى ولد فيه وبعث فيه كما صح فى رواية مسلم. فكان يصومه أيضا شكرًا لله على نعمة الولادة والرسالة.
فمن أراد أن يشكر الله على نعمة ولادة النبى ﵌ ورسالته فليشكره بأية طاعة تكون، بصلاة أو صدقة أو صيام ونحوها، وليس لذلك يوم معين فى السنة، وإن كان يوم الاثنين من كل أسبوع أفضل، للاتباع على الأقل، فالخلاصة أن يوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول ليس فيه عبادة خاصة بهذه المناسبة، وليس للصوم فيه فضل على الصوم فى أى يوم آخر، والعبادة أساسها الاتباع، وحبُّ الرسول ﵌ يكون باتباع ما جاء به كما قال فيما رواه البخارى ومسلم: «من رغب عن سنتى فليس منى».اهـ. (فتاوى الأزهر ٩/ ٢٨٥)
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ـ سيد رسله وأنبيائه ـ وعلى آله وصحبه وأنصاره وأشياعه وخلفائه صلاة وسلامًا نستوجب بهما شفاعته. آمين