← Акыда

Акыда · id 36166

معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم - كشف شبهات ورد مفتريات

شحاتة صقر

Полный текст (282 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

معاوية بن أبي سفيان ﵄ أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين ﵌ كشف شبهات وردّ مفتريات جمع وترتيب شحاتة صقر توزيع دار الخلفاء الراشدين // الإسكندرية - أبو سليمان // ت ٠١٢٠١٥٢٩٠٨ مكتبة الأصولي // دمنهور - خلف عمر أفندي // ت ٠١٠٥٤٠١٣٢٤ مكتبة دار العلوم // أبو حمص // ت ٠١٢٩٧٣٢١٣١

стр. 2

تقديم الأستاذ الدكتور: أنور السنوسي رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بدمنهور إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله ـ وحده لا شريك له ـ وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلِّمْ وبارك عليه كما تحب أن يصلى عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ... وبعد فإن ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١)، وعدنا ربُّنا وعدَ الحق: ... ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢) بالسنان واللسان، وهاهم أولاء يفعلون دائبين لا يفتُرون، ووعدنا ربنا وعد الصدق: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (٣). وهاهم أولاء يؤذون الله ورسوله ﵌ والمؤمنين بألسنة حدادٍ، وقلوبٍ سُودٍ، وغيظٍ قاتلٍ، وحقدٍ أعمى، ونفوسٍ موتورة، وكلابٍ مسعورة، وأقلامٍ مأجورة، وأخبرنا ربنا بالخبر الموثوق: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ (٤) فترانا

стр. 3

نوادّهم ونتزلف ونتملق ونطلب الرضا والقبول، ولا يُلقون إلينا إلا بالبغضاء والاحتقار والاستنزاف وابتزاز المزيد من الصَّغار وإعطاء الدنية. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (١) إلا على المسلمين وكتابِهم ونبيِّهم، ورموزهم، وتاريخهم؛ فتتحد قلوبهم على شنآنهم، وتتحد ألسنتهم فيقولون ـ وصدق ربي ـ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢)، ويتعاون على ضرب الإسلام أحبارُهم ورهبانُهم ومستشرقوهم، واستعمارهم، وصهاينتهم، ومجامعهم، ونواديهم، وكل جند لهم. ويشاركهم أصحاب الأعراق من الفرس وغيرهم، من الذين يبغضون العرب والنبي العربي ﵌، ويواليهم المحسوبون على الإسلام من كل فرقة ضالة فيقولون للذين كفروا ـ وصدق ربي ـ: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٣)، ويرونهم أقرب إليهم من أهل السنة، فـ ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ (٤). ويتسلق على بنيانهم الآثم نباتُ العلمانيين الآكلين على موائد اللئام، المتسولين أجر الكفر، الطالبين وجاهة أبي لهب وامرأته، تبت يداهم من رجال سوء وناءت بحملها من طابورهم كل حمالة للحطب. ويعينهم (طيبون) من مثقفي المسلمين من حيث لا يدرون أن السم في الدسم، وأمةٌ غلب عليها الجهل بدينها وسلفها وتاريخها، وصدق ربي: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (٥).

стр. 4

صدق ربي وعده وتكالبوا جميعًا، وصدق رسوله فتداعوا جميعًا على قصعة الإسلام وثروات المسلمين، يريدون أن يطفئوا نور الله، فتعجز أفواههم العفنة، فيدورون ويناورون، فيرمون الرجال، وخيرهم نبي هذا الدين ﵌، فيرومون نسف الجبل الأشم فلا يُوهُون إلا قرونهم، فيقصدون أصحابه، لينالوا من صخرتهم الباذخة (١)، ليقال: «رجل سوء وصحبته صحبة سوء»، فتتحطم رؤوسهم، وتنفجر آذانهم بدويّ الحق من ربهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وصحبة الصدق في قرآنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (٣). ولكنهم لا يزالون يقاتلون، فيرمون أبا بكر وعمر وعائشة وغيرهم ﵃، وهاهم أولاء يقصدون معاوية ﵁، يريدون كما أراد أسلافهم أن يكسبوا جولة في معركة التشويه، ويريدون ما هو أخطر: أن يفسخوا وجدان الأمة؛ لتفرق في محبتها بين معاوية وعلي ﵄، وأن يُفقدوها ثقتها في خلفائها وملوكها، وفاتحيها ومجاهديها، الذين أذلوا الفرس والروم من قبل، ولا يزالون بفضل الله شوكة في حلوق أحفادهم

стр. 5

الموتورين. وهم يستغلون جهل الأمة، وفساد منهج التلقي عندها، وبعدها عن القراءة الصحيحة لتراثها، وإعجاب كل ذي رأي فيها برأيه، وانبهار عقول كثير منها بالغرب وفكره المسموم. ولكن الله غالب على أمره يقيّض في كل عصر ومَصر ـ من أهل السنة الراشدين، والعلماء العاملين، والدعاة الحارسين للحدود ـ مَن يردّ الحملة المسعورة فينفي الجهالة، ويكشف الضلالة، ويبيِّن المنهج السويّ بالفهم الجلي والنقل السلفي. وأحسب أن من بين طالبي هذه المنزلة السامية والهمة العالية أخانا الشيخ شحاتة صقر الذي ندبني لمراجعة هذا البحث لُغَويًا، فأهدى إليَّ خير ما يهدي الأخ لأخيه، من العلم النافع المجموع من مظانه الحسنى الوثيقة، والمفهوم فهمًا صحيحًا راسخًا، كما أشركني وأشْرك كل قارئٍ في همّه، وما همُّه إلا قضايا الإسلام والهجمة الشرسة عليه. لقد جلّى دواعي الشانئين للطعن في الصحابة ﵃، نقلة الدين، ووارثي العلم، ومؤسسي الدولة المسلمة، ومجسدي نموذج الإسلام المتحرك الفاعل، ومخرجي الناس ـ بمشيئة الله ـ من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. كما بيَّن وسائل تشويه التاريخ وأمسك بالأيدي الآثمة الدساسة، وأرشد إلى كيفية قراءة التاريخ على هدى وبصيرة نافذة، ومنهج رشيد، لا يغادر سندًا إلا حققه، ولا متنًا إلا دققه، ولا دعوى إلا محصها، ولا فهمًا إلا راجعه. ونبَّه على أن موقف السلف مما شجر بين الصحابة ﵃، هو الإمساك عن الخوض فيه، واعتقاد الخير في جميعهم، والتماس العذر لهم في اجتهادهم. ثم فرغ لشخص معاوية ﵁، فتحدث عن شخصه الكريم الفذ وعن أبويه وإخوته وابنه يزيد، وعن كتابته الوحي للنبي ﵌ ونبوءات النبي ﵌ له، وما جرى بينه وبين علي ﵄، وما كان من التحكيم وما تلاه، ثم موقف الحسن بن علي بعد أبيه

стр. 6

- ﵄، وما كان من ملك معاوية ﵁ وجهاده وفتوحه. ثم عكف على شبهات الشيعة حول معاوية التي بلغت ـ فيما عدّه المؤلف ـ خمسًا وثلاثين شبهةً، واجتهد ما أمكنه في دحضها. وأظن أن الأخ شحاتة صقر قد أحسن الجمع والترتيب، والاستنباط والنقد، وأرجو أن يكون له أجور المصيبين، ودرجات المرابطين على ثغور هذا الدين، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص، ويعفو عن زلاتنا وخطراتنا. والله حسبنا ونعم الوكيل. كتبه: أنور السنوسي.

стр. 7

( مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠). أما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن سلامة القلب تجاه الصحابة والتأدب معهم من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن الطعن فيهم هو وسيلة للطعن في الدين الإسلامي فأصحاب رسول الله كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين. ومن كتب أهل العلم جمعتُ هذا الكتاب عن أحدهم، وهو معاوية بن أبي سفيان ﵄ ـ كاتب وحي النبي ﵌ وأمير المؤمنين ـ الذي مكث عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان ﵄، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.

стр. 8

هذا الكتاب فيه ذِكْر فضائله ﵁ من كتاب الله وكلام حبيبنا ﵌، وفيه ثناء الصحابة والتابعين وتابعيهم والعلماء عليه ﵁، وفيه ذِكْر جهاده وأخلاقه وحسن سياسته لرعيته، وفيه دفْعٌ للشبهات والأكاذيب التي حاولت النيْل منه ﵁، في وقت اشرأبت فيه أعناق أهل الضلال من الشيعة وغيرهم. ولعله لم يَنَلْ شخصيةً في التاريخ الإسلامي من التشويه مثل ما نال شخصيةَ معاوية بن أبي سفيان ﵄ خاصة من أهل الأهواء قديمًا للنزاعات السياسية والمذهبية، ثم وجد المستشرقون في رواياتهم مرتعًا خصبًا للنيل من الإسلام. إن معاوية بن أبي سفيان ﵄ من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية: أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله ﵌: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم). ومَعْنَى الْحَدِيث ـ كما نقل الحافظ ابن حجر عن الْبَيْضَاوِيّ: «لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه» (١). ومعاوية بن أبي سفيان ﵄ هو أحد الصحابة الذين أكرمهم الله بصحبة نبيه محمد ﵌ وكل كلام يقال في الصحابة فيما يتعلق بفضلهم عمومًا وما يجب لهم عمومًا، فإن معاوية ﵁ يدخل في ذلك. أما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فهو في الحقيقة لم يضرّهم إنما ضرَّ نفسه؛ وذلك أنهم ﵃ قدِموا على ما قدَّموا، وقد قدَّموا الخير الكثير، وقد قدَّموا الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله ﵌. بل إن ذلك يكون زيادة في حسناتهم؛ لأنه إذا تكلم فيهم بغير حق أضيف إليهم من حسنات المتكلم فيهم ـ إذا كان له حسنات ـ فيكون ذلك رفعة في درجاتهم، وإن لم يكن له حسنات فإنه لا يضر السحاب نبح الكلاب ـ كما يقولون.

стр. 9

وقال الإمام الشافعي قال: «ما أرى الناس ابتُلُوا بشتم أصحاب محمّد ﵌ إلا لِيَزيدَهمُ الله بذلك ثوابًا عندَ انقطاعِ عَمَلِهم» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «أمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ فَسَبُّوهُمْ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم): «وَأَمَّا الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر:١٠) وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَالِك فِي أَنَّهُ لَا حَقّ فِي الْفَيْء لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَة ﵃، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ». فلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة ـ خاصة وعامة ـ مثلَ معاوية ﵁؟ ولمعاوية ﵁ فضائل كثيرة ـ سنذكرها إن شاء الله ـ وبسبب ثبوت هذه الفضائل وغيرها عن السلف، فقد نهوا نهيًا شديدًا عن التكلم في معاوية ﵁ وبقية الصحابة ﵃، وعَدّوا ذلك من الكبائر. وكان بعض السلف يجعل حب معاوية ﵁ ميزانًا للسنة. قال الربيع بن نافع: «معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله ﵌ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه». (٢) وسُئل أبوعبد الرحمن النسائي عن معاويةَ بن أبي سفيان -صاحبِ رسول الله ﵌ ـ، فقال: «إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار؛ فمن أراد معاويةَ فإنما أراد الصحابة» (٣).

стр. 10

وقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: «معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم»، يعني الصحابة. (١) وقد صدق في ذلك ﵀، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية ﵁ إلا تجرأ على غيره من الصحابة ﵃.وانظر هذا في أحوال الزيدية: فإنهم طعنوا في معاوية ﵁ ثم تجرؤوا على عثمان ﵁، ثم تكلموا في أبي بكر وعمر ﵄ حتى صرح بعض الزيدية بكفرهما. والسبب في ذلك أن من تجرأ على معاوية ﵁ فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة من قلبه فيقع فيهم. قال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافةُ معاوية جماعةً من أصحاب رسول الله ﵌، لم ينتزعوا يدًا من طاعة، ولا فارقوا جماعة، وكان زيد بن ثابت يأخذ العطاء من معاوية». وقال أيضًا: «أدركَتْ خلافةُ معاوية عدةً من أصحاب رسول الله ﵌، منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمَّيْنا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله ﵌ تأويله. ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم، لم ينزعوا يدًا عن مجامعة في أمة محمد ﵌» (٢). وقال البيهقي بعد أن سرد الآيات والأحاديث الموجبة لحب الصحابة جميعًا، وأن ذلك من الإيمان: «وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحُبُّهم أن يَعتقد فضائلهم، ويَعترف لهم بها، ويَعرف لكل ذي حقٍّ منهم حقَّه، ولكل ذي غناءٍ في الإسلام منهم غناءَه، ولكل ذي منزلةٍ عند رسول الله ﵌ منزلتَه، ويَنشر محاسنهم،

стр. 11

ويدعو بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتِهم وهفواتِهم، ولا يتعمَّد تهجين أحد منهم بِبَثِّ ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم» (١). وقال الميموني: «سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية». وقال لي: «يا أبا الحسن إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﵌ بسوء فاتهمه على الإسلام» (٢). وروى الخطيب البغدادي عن أبى زرعة الرازى ﵀ أنه قال: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﵌ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﵌ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﵌، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبْطِلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أوْلى وهم زنادقة» (٣). ولما تكلم الموفق ابن قدامة في لمعة الاعتقاد عن الصحابة إجمالًا ختم بقوله: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃». فعلّق الشيخ ابن عثيمين ﵀: «إنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه» (٤). ومعاوية ﵁ كان من كتاب الوحي، وقد أثبت ذلك إمام الحديث أحمد بن حنبل وأمر بهجر من يجحد بتلك الحقيقة. ولذلك لمّا سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل: «ما تقول ـ رحمك الله ـ فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف

стр. 12

غصْبًا؟».قال الإمام أحمد: «هذا قول سوءٍ رديء. يجانَبُون هؤلاء القوم، ولا يجالَسون، ونبيِّن أمرهم للناس» (١). وعن إبراهيم بن ميسرة قال: «ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانًا قط إلا إنسانًا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطًا» (٢). وما ضَرَّ معاويةَ ﵁ شَتْمُ مَنْ شَتَمَه؛ فإنه «ما ضر المسك عطره، أن مات من شمه الجعل» (٣). و «لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يضير السماء نقيق الضفادع». يا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه ... أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ وقد يلاحظ القارئ الكريم أن هناك تكرارًا لبعض الأقوال؛ والسبب في ذلك تعلقها بالموضوع الذي ذُكِرَتْ فيه، وهذا أيسر للقارئ من الإحالة على ماسبق ذكره. وفي الختام أتقدم بالشكر لأستاذي الأستاذ الدكتور أنور السنوسي لما قام به من جهد في مراجعة هذا الكتاب، واللهَ أسأل أن يكون هذا الجهد في ميزان حسناته، وأن نكون بهذه الورقات قد وفَّينا الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵄ بعض حقه علينا في الدفاع عنه باعتباره أحد صحابة حبيبنا ﵌، كما أسأله أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 13

هذا معاوية ﵁ - أيُّها الشَّانِئُ (١) أَقْصِرْ ... إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ بِابْنِ حَربٍ مَنْ كَسَيْلٍ ... لِصُرُوحِ الْكُفْرِ دَمَّرْ جَيْشُهُ قَامَ يُنادِي ... فِي الدُّنَى: اللهُ أَكْبَرْ بَذَلَ الْغالِي انْتِصَارًا ... لِلْهُدَى فِي كُلِّ مَعْبَرْ مَجْدُ (رُومَانٍ) و (فُرْسٍ) ... كُلُّ ذَا وَلَّى .. تَبَخَّرْ زَانَهُ اللهُ بِحِلْمٍ صَارَ ... فِي الْأَمْثَالِ يُذْكَرْ كَاتِبُ الْوَحْيِ أَمِينٌ ... لِلتُّقَى وَالْعَدْلِ مُسْفِرْ جَاءَهُ بِالْحَقِّ بُشْرَى ... الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ تُظْهِرْ أَنَّهُ حَازَ الْجِنَانَ ... سَبْقَ مَنْ في الْيَمِّ أَبْحَرْ (٢) كَالْمُلُوكِ فِي الْأَسِرَّةْ (٣) ... إِنَّ فَضْلَ اللهِ أَكْبَرْ

стр. 14

وَلَهُ يُدْعَى بِحِفْظٍ ... مِنْ لَظَى ـ نَارٍ تُسَعَّرْ (١) وَدُعَاءٍ بِاهْتِدَاءٍ ... وَالْهُدَى فِي النَّاسِ يَنْشُرْ (٢) أَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ ... فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ عِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى ... كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ هل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا ... جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ هَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا ... أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ أَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ (٣) ... ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ أَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ (٤) ... دَاسَهُ الْغازِي الْمُظَفَّرْ شَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا ... أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ لَيْتَ هَذَا العزَّ فِينَا ... إِنَّنِي كَمْ أَتَحَسَّرْ

стр. 15

أيْنَ هَذَا مِنْ قُرَانَا ... سَاسَهَا كِسْرَى وَقَيْصَرْ ظُلْمُ (أَمْرِيكَا) وَ (رُوسْيَا) ... وَجْهُ مَنْ بِالْكُفْرِ أَسْفَرْ جَرْحُ (شِيشَانٍ) وَ (بُورْمَا) ... جَرْحُ أَفْغَانَ الْمُسَعَّرْ جَرْحُ أَقْصَانَا سَجِينًا ... جَرْحُ صُومَالَ الْمُفَغَّرْ (١) جَرْحُ غَزَةَ قَدْ دَهَانَا ... جَرْحُ بَغْدَادَ تَفَجَّرْ أَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا ... إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ إِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا ... إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ

стр. 16

كيف نقرأ التاريخ (١) كيف نقرأ التاريخ؟ لابد أن نقرأ التاريخ كما نقرأ أحاديث رسول الله ﵌. إذا أردنا أن نقرأ أحاديث رسول الله ﵌ فإننا نتثبت من الخبر أثابِتٌ عن رسول الله ﵌ أم لا؟ ولن نستطيع أن نعرف صحة الخبر عن رسول الله ﵌ من بطلانه إلا بالنظر إلى الإسناد مع المتن؛ لأن أهل العلم اعتنوا بالحديث ورجاله وتتبعوا أحاديثهم ومحَّصُوها وحكموا عليها وبيَّنوا الصحيح من الضعيف وبالتالي نُقّيَتْ هذه الأحاديث مما فيها أو مما أدخِلَ عليها من كذب أو تدليس أو مما شابه ذلك. ولكن التاريخ يختلف فتارة نجد كثيرًا من رواياته ليس لها إسناد وتارة أخرى نجد لها إسنادًا ولكن قد لا نجد للرجال الذين في إسناد تلك الرواية ترجمة، ولا نجد أحدًا من أهل العلم تكلم فيهم جرحًا أو تعديلا ً مدحًا أو ذمًا، فيصعب عليك عندئذ أن تحكم على هذه الرواية؛ لأنك لا تعرف حال بعض رجال السند. فالأمر أصعب من الحديث، ولكن لا يعني هذا أبدًا أن نتساهل فيه بل لابد أن نتثبت وأن نعرف كيف نأخذ تاريخنا. قد يقول قائل: سيضيع علينا كثير من التاريخ بهذه الطريقة. نرد عليه قائلين: إنه لن يضيع الكثير كما تتصور. بل إن كثيرًا من روايات التاريخ مذكورة بالأسانيد سواء كانت هذه الأسانيد في كتب التاريخ نفسها كتاريخ الطبري، أوفي كتب الحديث كصحيح البخاري ومسند أحمد وسنن الترمذي، أو المصنفات كمصنف ابن أبي شيبه، أو في كتب التفسير التي تذكر بعض الروايات التاريخية بالأسانيد كتفسير ابن كثير وتفسير ابن جرير، وأحيانًا في كتب خاصة تكلمت عن أوقات خاصة ككتاب (حروب الردة) للكلاعي مثلا ً أو

стр. 17

كتاب (تاريخ خليفة بن خياط) المختصر، القصد أنك لا تعجز عن أن تجد سندًا لرواية من الروايات. إن لم تجد سندًا: وإن عجزت ولم تجد سندًا فعندك أصل عام تسير عليه وهو خاص بالنسبة لما وقع في عهد الصحابة، ألا وهو ثناء الله ﵎ وثناء رسوله ﵌ على الصحابة فالأصل فيهم العدالة. وكل رواية جاء فيها مطعن على أصحاب رسول الله ﵌ فالأصل النظر في السند فإن كان صحيحًا ينظر بعد ذلك في تأويل هذه الرواية وفيما تدل عليه. فإن وجدنا السند ضعيفًا فالحمد لله، وإن لم تجد لها سندًا فعندك الأصل وهو عدالة أولئك القوم. إذًا عند قراءة التاريخ لابد أن نقرأ بتمحيص كما نقرأ الحديث، ويُخَصُّ من هذا التاريخ تاريخ أصحاب رسول الله ﵌. لمن نقرأ؟ للأسف شُغف الكثيرون الآن في زماننا هذا بقراءة الكتب الحديثة التي ألّفَتْ في التاريخ والتي تهتم بجمال القصة، أو تشويه الصورة، أو هما معًا، بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، ككتب عباس العقاد، أو كتب خالد محمد خالد، أو كتب طه حسين، أو كتب چورچي زيدان أو غيرهم من المُحْدَثين. فهؤلاء عندما يتكلمون عن التاريخ يهتمون بالسياق وجمال القصة بغض النظر عما إذا كانت صحيحة أو غير صحيحة المهم أن يقص عليك قصة جميلة. إذن لمن نقرأ؟ • إذا كنت تستطيع أن تبحث عن الأسانيد وتمحصها فاقرأ للإمام الطبري فهو العمدة بالنسبة للذين يكتبون في التاريخ، واقرأ لابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، وللذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام). • وإذا كنت لا تستطيع أن تمحص الأسانيد فاقرأ لأبي بكر ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم)، وهو من أجمل الكتب التي تكلمت عن فترة الفتنة التي وقعت بين الصحابة، واقرأ لكتب أهل السنة التي تهتم بتمحيص الروايات التاريخية وفق منهج المحدثين ككتاب (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين) للأستاذ الدكتور محمد أمحزون. مم نحذر؟ ونحن نقرأ كتب التاريخ نحذر من أن نميل مع رأي المؤلف إذ لابد من أن ننظر إلى أصل الرواية لا إلى رأيه وأن نكون منصفين ونحن نقرأ. ولابد أن نعتقد ونحن نقرأ تاريخ أصحاب رسول الله ﵌ أمرين اثنين: الأمر الأول: أن نعتقد أن أصحاب النبي ﵌ هم خير البشر بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ وذلك لأن الله ﵎ مدحهم والنبي ﵌ مدحهم وبيَّنَ في أكثر من حديث أنهم أفضل الأمة أو الأمم بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم. الأمر الثاني: أن نعلم أن أصحاب رسول الله ﵌ غير معصومين؛ نعم نحن نعتقد العصمة في إجماعهم لأن النبي ﵌ أخبرنا أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة (١)، لكنْ كأفراد هم غير معصومين فالعصمة لأنبياء الله ، أما غير الأنبياء فلا نعتقد بعصمة أحد منهم. إذًا لابد أن نعتقد أن الصحابة خير الأولياء وأن نعتقد أنهم غير معصومين.

стр. 18

فإذا جاءتك رواية فيها طعن في صحابي فلا تُقْدِمْ على ردّها وأيضًا لا تقْبَلْها حتى تنظر فيها، فإن وجدت السند صحيحًا فهذه من الأشياء التي هم غير معصومين فيها. وإن وجدت السند ضعيفًا فنبقى على الأصل وهو أنهم خير البشر بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم. مدح الله ﵎ لأصحاب رسول الله ﵌: أما مدح الله ﵎ لأصحاب رسول الله ﵌ فهو في قول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (محمد:٢٩). مَدَح الله ﵎ جملة أصحاب رسول الله ﵌ إذ ًا الأصل فيهم المدح. مدح رسول الله ﵌ لأصحابه ﵃: وقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (متفق عليه). فهذا مدح من رسول الله ﵌ لأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم. لاتقبل كل ما خَطّ الرواة: يقول أبو عبد الله القحطاني في نونيته: لَا تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّوَارِخِ كُلّ مَا ... جَمَعَ الرُّوَاةُ وَخَطّ كُلُّ بَنَانِ ارْوِ الحَدِيثَ المُنْتَقَى عَنْ أَهْلِهِ ... سِيمَا ذَوِي الأحْلَامِ والأسْنَانِ كَابْنِ المُسَيَّبِ وَالعَلَاءِ وَمَالِكٍ ... وَاللّيْثِ وَالزُهْرِيِّ أوْ سُفْيَانِ وهو يحذّر المخاطب أن لا يقبلن من التوارخ كل ما خط الرواة وجمعوا , وأن لا يقبل كل هذا التاريخ ففيه الغث والسمين , إذ ًا كيف؟ قال: إذا أردت تاريخًا صحيحًا

стр. 19

فهو الذي يرويه هؤلاء وأمثالهم من الثقات، لا كما يقول الكثيرون ممن يطعنون في سيرة أصحاب رسول الله ﵌، يقولون إن تاريخنا أسود مظلم قاتم , لا بل تاريخنا ناصع , جميل , طيب يتلذذ الإنسان بقراءته. تاريخ الطبري: إن أهم كتاب في التاريخ هو تاريخ الإمام الطبري وكثيرًا ما ينقل الناس عن تاريخ الطبري، أهل السنة ينقلون عن تاريخ الطبري، وأهل البدعة ينقلون عن تاريخ الطبري، أهل السنة يحتجون بتاريخ الطبري، وأهل البدعة يحتجون بتاريخ الطبري. لماذا يقدم تاريخ الطبري على غيره من التواريخ؟ لأمور كثيرة منها: ١ - قرب عهد الإمام الطبري من تلك الحوادث. ٢ - أن الإمام الطبري يروي بالأسانيد. ٣ - جلالة الإمام الطبري ومنزلته العلمية ﵀ ﵎. ٤ - أن أكثر كتب التاريخ إنما تنقل عنه. وإذا كان الأمر كذلك فنحن إذا أردنا أن نقرأ فلنذهب مباشرة إلى الإمام الطبري , ولكن أهل السنة يأخذون من تاريخ الطبري وأهل البدعة يأخذون من تاريخ الطبري، فكيف نوفّق بين هذا وهذا؟ تاريخ الطبري ـ كما قلنا ـ من مميزاته أنه لايحدّث إلا بالأسانيد، أهل السنة يأخذون الصحيح من أسانيد الطبري وأهل البدعة يأخذون الصحيح والغث والسمين , المهم أن يوافق أهواءهم.

стр. 20

منهج الإمام الطبري في تاريخه: لقد أراحنا الإمام الطبري ﵀ من هذه المسألة بمقدمة كتبها في أول كتابه , ليت الذين يقرؤون التاريخ يقرؤون هذه المقدمة (١). يقول الإمام الطبري في مقدمة تاريخه: «وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه , إنما هو على ما رُوِّيتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مُسْنِدُها إلى رواتها. فما يكن في كتابي هذا من خير ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه , من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يُؤْتَ في ذلك مِن قِبَلِنَا وإنما أتِيَ مِنْ قِبَل ناقليه إلينا، وإنا إنما أدَّيْنا ذلك على نحو ما أدِّيَ إلينا». إن الإمام الطبري بهذه المقدمة التي قدم لكتابه ألقى العهدة عليك أيها القارئ فهو يقول لك: إذا وجدت في كتابي هذا خبرًا تستشنعه ولا تقبله فانظر عمن رُوِّيناه والعهدة عليه، وعليَّ أن أذكر من حدثني بهذا، فإن كان ثقة فاقبل وإن لم يكن ثقة فلا تقبل. وهذا الأمر قام به أكثر المحدثين , فحين ترجع إلى كتب الحديث غير الصحيحين اللذين تعهدا بإخراج الصحيح فقط , كأن ترجع إلى سنن الترمذي , أو أبي داود , أو الدارقطني , أو الدارمي أو مسند أحمد أو غيرها من الكتب تجدهم يذكرون لك الإسناد ولم يتعهدوا بذكر الصحيح فقط وإنما ذكروا لك الإسناد، وانظر أنت إلى الإسناد إذا كان السند صحيحًا فاقبل وإن لم يكن صحيحًا فرُدّه. والطبري هنا لم يتعهد أن ينقل الصحيح فقط إنما تعهد أن يحدثك عمن نقل عنه، يحدثك باسمه فإذا كان الأمر كذلك فلا عهدة على الإمام الطبري رحمه الله تعالى.

стр. 21

وقد أكثَرَ الإمام الطبري في كتابه (التاريخ) النقل عن رجل اسمه لوط بن يحيى، ويكنى بأبي مخنف. ولوط بن يحيى هذا روى عنه الطبري خمسمائة وسبعًا وثمانين رواية , وهذه الروايات تبدأ من وفاة النبي ﵌ وتنتهي إلى خلافة يزيد , منها سقيفة بني ساعدة , قصة الشورى الأمور التي من أجلها قام الخوارج على عثمان ﵁ ثم بعد ذلك مقتله , خلافة علي ﵁ , معركة الجمل , معركة صِفِّين , التحكيم , معركة النهروان , خلافة معاوية ﵁ , قتل الحسين ﵁.في كل هذه تجد لأبي مخنف رواية وهذه هي التي يعتمدها أهل البدع , ويحرصون عليها. وليس أبو مخنف وحده بل أبو مخنف هو أشهرهم وإلا فهناك غيره كالواقدي مثلا ً، وهو متروك متهم بالكذب أيضًا. والثالث: سيف بن عمر التميمي وهو أيضًا مؤرخ معروف ولكنه متروك متهم بالكذب أيضًا. وكذلك الكلبي وهو كذاب مشهور فإذ ًا لابد أن يتثبت المرء من رواية أمثال هؤلاء. نرجع إلى أبي مخنف قال عنه ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وسئل عنه مرة فنفض يده وقال: أحد يسأل عن هذا؟. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به. فأنت إذا فتحت تاريخ الطبري ووجدت رواية فيها مطعن على أصحاب الرسول ثم وجدت أن الطبري إنما رواها عن أبي مخنف فعليك أن تلقيها جانبًا. لماذا؟ لأنها من رواية أبي مخنف. وأبو مخنف هذا جمع بين البدعة والكذب وكثرة الرواية؛ مبتدع كذاب مكثر من الرواية.

стр. 22

دور الشيعة في الدس على التاريخ الإسلامي وتشويهه: أشهر أهل البدع الشيعة وهم أكثروا من الكذب في التاريخ؛ ولذلك قال أهل العلم: «أكذب من رافضي» , وذلك لكثرة الكذب عندهم. قال الأعمش: «أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين». ويقول شريك القاضي: «احمل العلم عن كل من لقيته إلا الرافضة , فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا». ويقول الإمام الشافعي: «لم أرَ أشْهَدَ بالزورِ من الرافضة» (١). فالقصد أن هذه الفرقة اشتهرت أكثر من غيرها باختلاق الكذب والأحاديث. منهج التثبت عن أهل السنة متى بدأ؟ بدأ لما وقعت الفتنة كما يقول الإمام محمد بن سيرين التابعي الجليل ﵀: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: «سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ»، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (٢). وذلك أن الأصل في الناس الثقة , ولأن ابن سيرين من كبار التابعين , وأدرك حياة الصحابة وعاش مع كبار التابعين ومع صغارهم , ولأن الفتنة هذه هي خروج أهل البدع كالشيعة والخوارج والقدرية.

стр. 23

وسائل الأخباريين في تشويه التاريخ: ١ - الاختلاق والكذب: يختلقون قصة ما , كما اختلقوا مثلًا أن عائشة ﵂ لما جاءها خبر موت علي ﵁ سجدت لله شكرًا؛ وهذه قصة مكذوبة. ٢ - الزيادة على الحادثة أو النقصان منها بقصد التشويه. أصل الحادثة صحيح كحادثة السقيفة , قصة السقيفة صحيحة ووقع هناك اجتماع بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة من جانب، والحباب بن المنذر وسعد بن عبادة وغيرهما من الأنصار من جانب آخر، فزادوا عليها أشياء أرادوا بها تشويه هذه الحقيقة وتشويه حياة أصحاب رسول الله ﵃. ٣ - التأويل الباطل للأحداث: وهو أن يجتهد في تأويل الحدث تأويلًا باطلًا يتمشى مع هواه , مع معتقده , مع بدعته التي هو عليها. ٤ - إبراز المثالب والأخطاء: القصة صحيحة , ولكن يبرزها إبرازًا يركز فيه على الأخطاء ويغطي على أية محاسن. ٥ - صناعة الأشعار لتأييد حوادث تاريخية: يصنعون شعرًا يؤلفه أحدهم ثم ينسبه إلى أمير المؤمنين علي ﵁ أو ينسبه إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، أو ينسبه إلى الزبير أو إلى طلحه ﵄ في الطعن في أحد الصحابة. ٦ - وضع الكتب والرسائل المزيفة: ككتاب (الإمامة والسياسة) الذي نسب ـ زورًا ـ للإمام ابن قتيبة، وكتاب (نهج البلاغة) الذي نُسب ـ زورًا ـ إلى علي ابن أبي طالب ﵁ (١).

стр. 24

تنبيه: مما يؤسف له أن ينخدع كثير من أهل السنة بكتاب (نهج البلاغة)، فتجده في مكتباتهم الخاصة والعامة، بل إن كثيرًا منهم لا يعلم أنه من كتب الشيعة، وأنه كتاب مطعون في سنده ومتنه، فقد جُمِع بلا سند بعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بثلاثة قرون ونصف، وقد نسبت الشيعة تأليف نهج البلاغة إلى الشريف الرضي ـ محمد بن الحسين بن موسى الرضي أبو الحسن، المتوفى سنة ٤٠٦ هـ قال الذهبي: «رافضي جلد» (١)، وهو غير مقبول عند المحدثين لو أسند ـ خصوصًا فيما يوافق بدعته ـ فيكف إذا لم يُسنِد كما فعل في (النهج)؟ وأما المتهم ـ عند المحَدِّثين ـ بوضع (النهج) فهو أخوه علي بن الحسين العلوي الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي، المتوفى سنة (٤٣٦هـ) (٢). وسواء أكان من تأليف وجمع الشريف الرضى، أم أخيه الشريف المرتضى، فليس متصل الإسناد إلى الإمام على ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل العلم يعلمون أن أكثر خُطَب هذا الكتاب مُفْتَراة علَى علِيٍّ، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم ولا لها إسناد معروف» (٣). وقال الإمام الذهبي: «ومن طالع كتابه «نهج البلاغة» جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ ﵁، ففيه السب الصراح والحطُّ على السيدين أبي بكر وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي مَن له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين، جزم بأن الكتاب أكثره باطل» (٤). وقد قام الدكتور صبري إبراهيم السّيّد في تحقيقه وتوثيقه لـ (نهج البلاغة) ببحث يمتاز بالدقة والصبر والتأنّي ذكر فيه عشرة أسباب للشك في نسبة النّصوص

стр. 25

الواردة في كتاب (نهج البلاغة) عن القدماء والمحدثين ننقلها بشيء من الاختصار والتصرّف: - إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله ﵌ ما لا يصحّ نسبته إلى عليّ ﵁، وهو ما قرّره الحافظ ابن حجر بقوله: «ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيدين أبي بكر وعمر ﵄». (١) - إنّ فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعهده عهد عليّ ولا عرفَه. - إنّ فيه من دقة الوصف واستفراغ صفات الموصوف كما تراه في الخفاش والطاووس وغير ذلك مما لم تعرفه العرب إلاّ بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية والحكمية. - إنّ فيه بعض الألفاظ الاصطلاحية التي لم تعرف إلا من بعد كاصطلاحات المتكلّمين وأصحاب المقولات مثل (المحسوسات) و (الصفات الذاتية والجسمانية). - إنّ فيه ما يُشَمّ منه ريح ادّعاء صاحبه علم الغيب. - إنّ في خطبه مقاطع طويلة وقصيرة تروى على وجهين مختلفين يتّفقان في المعنى، ولكن يختلفان في اللفظ. - خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في (النهج). - طول الكلام غير المعهود في ذلك الوقت كما في عهده إلى الأشتر النخعي، والمعروف عن عليّ ﵁ التوسّط إن لم يكن الإيجاز. - ما في الكتب من الخطب الكثيرة والرسائل المتعددة التي من الواضح أنها مختلقة لأغراض مذهبية شيعية.

стр. 26

- عدم ذكر المصادر المنقول منها خطب علي ﵁ ولا الشيوخ الذين رووا ذلك (١). وقد استهجن الدكتور زيد العيص موقف محمد عبده من الكتاب حيث قام بشرح ألفاظ الكتاب. قال الدكتور: «وليس بمستغرب أن يصدر هذا الافتراء عن الشريف المرتضى، إنما المستهجن موقف الشيخ محمد عبده الذي قام بشرح ألفاظ هذا الكتاب، وكان يمر بالعبارات التي تذم الشيخين والصحابة، والنصوص التي توحي بأن عليًّا يعلم الغيب، وغيرها من النصوص المستنكرة، دون أن يعلق بكلمة واحدة، وكأنها مسلمات عنده. ولم يكن هَمّ الشيخ سوى شرح الألفاظ، وتقريب المعاني إلى القاريء بأسلوب ميسر ليحببه إلى النفوس، ويشجع على قراءته، والغريب أيضا أنه عبَّر في بعض المواضع عن أهل السنة بقوله: «عندهم». ولا أدري أين كان يضع الإمام نفسه وقتئذ؟» (٢).

стр. 27

ذم في ثوب المدح، تشويق وتشويه إن من وسائل الأخباريين في تزييف الحقائق التاريخية وضع الذم في ثوب المدح، فتجد أحدهم يذكر واقعة معينة بها فضيلة لأحد الصحابة ولكن لو دققت فيها لوجدت طعنًا فيه أو في غيره من الصحابة. وهذه الخدعة قد تنطلي حتى على بعض الغيورين من أهل السنة فتجده يستدل بالواقعة على شيء مع أنها في نفس الوقت تهدم شيئًا آخر. ومن أوضح الأمثلة على ذلك: ١ - قصة ابن الأكرمين: رُوِيَ عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من أهل مصر أتى إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم». قال: «عُذْتَ بمعاذ». قال: «سابقتُ ابنَ عمرو بن العاص فسبقتُه، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين». فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويَقْدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: «اضرب ابن الألْيَمَيْن». قال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: «ضع على صلعة عمرو». فقال: «يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذى ضربني، وقد اشتفيت منه». فقال عمر لعمرو: «مُذْ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». قال: «يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني».

стр. 28

هذه القصة الموضوعة رواها ابن عبد الحكم في (فتوح مصر وأخبارها ص٢٩٠، وأوردها محمد يوسف الكاندهلوي في (حياة الصحابة ٢/ ٨٨، باب عدل النبي وأصحابه). وقد استدل بها على عدل عمر ﵁. وقد ذكرها أحد الدعاة ـ حفظه الله ـ في أحد دروسه على إحدى القنوات الفضائية مستدلًا على عدل الفاروق عمر ﵁. وقد بيَّن الشيخ علي حشيش في مجلة التوحيد عدد شعبان ١٤٢٢هـ أن هذه القصة واهية وسندها منقطع ومظلم. ويظهر هذا الانقطاع في السند، حيث قال ابن عبد الحكم فى (فتوح مصر ص ٢٩٠): «حُدِّثْنا عن أبى عبدة عن ثابت البُنانى وحُمَيْد عن أنس ... » ثم ذكر القصة. ولفظ الأداء فى رواية ابن عبد الحكم للقصة مبنى للمجهول، وبهذا لم يُعرَف مَن الشيخ الذي أخذ عنه وتلقى عنه القصة. وترتب عليه عدم معرفة أبى عبدة الذي روى عنه هذا المجهول وأصبح السند مظلمًا بهذه الجهالة. وهذه القصة لو دققت فيها لوجدت طعنًا في عمرو بن العاص ﵁ حيث اتهامه باستغلال ابنه لنفوذ أبيه في ظلم الرعية. وفيها طعن في عمر بن الخطاب ﵁ بمخالفة الكتاب والسنة؛ إذ ورد في القصة قول عمر للمصرى: «ضع السوط على صلعة عمرو». وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء:١٥). قال ابن كثير: «أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جَانٍ إلا على نفسه» (١). وقال القرطبى: «أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها» (٢).

стр. 29

وفى هذه القصة يُنْسب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للمصري وهو يضرب ابن عمرو بن العاص: «اضرب ابن الألْيَمين». يعنى الألْأمين، وهذا اللفظ أشد من لفظ (لئيم) لأن هناك اللئيم والألْأم، ولفظ (اللئيم) معناه: «الدنيء الأصل الشحيح النفس» (١) والتعيير بالأصل لا يجوز؛ لأنه من أمور الجاهلية. ٢ - قصة أصابت امرأة وأخطأ عمر: أخرج سعيد بن منصور في سننه عن الشعبي قال: «خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ألَا لَا تُغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﵌ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال»، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: «يا أمير المؤمنين أكتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟». قال: «بل كتاب الله ، فما ذلك؟». قالت: «نهيت الناس آنفًا أن يغالوا في صداق النساء، والله يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:٢٠). فقال عمر: «كل أحد أفقه من عمر» مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: «إني نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء؛ ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له». (٢) وهذه الرواية قد بيَّن ضعّفها الشيخ الألباني في (إرواء الغليل رقم ١٩٢٧)، والشيخ علي حشيش في (سلسلة تحذير الداعية من القصص الواهية) التي تصدر تباعًا في مجلة (التوحيد) المصرية. وهذه الرواية باطلة سندًا ومتنًا. فأما من ناحية السند: ففيه علّتان:

стр. 30

الأولى: الانقطاع، قال البيهقي عقب روايته: «هذا منقطع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر». والعلّة الثانية: أن فيه مجالدًا وهو ابن سعيد، ضعفه الأئمة النسائي والجوزجاني وابن عدي وأحمد بن حنبل وابن معين وابن حجر. (١) وأما من ناحية المتن: ففيه نكارة وذلك للأسباب التالية: أـ أنه ثبت عن عمر صريحًا نهيه عن المغالاة في المهور بالسند الصحيح، فعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ ﵀ فَقَالَ: «أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﵌، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني). فهذه الرواية الصحيحة تُظهِر نَهْيَ عمر ﵁ عن المغالاة في المهور وهي تُظهِر بطلان الرواية الأخرى. ب ـ مخالفتها لنصوص صحيحة صريحة في الحث على عدم المغالاة في المهور وتيسير أمر الصداق منها: قوله ﵌: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ومنها قوله ﵌: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرُ رَحِمِهَا» (رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه الألباني). ومنها أيضًا ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ.

стр. 31

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟». قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا. قَالَ: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟». قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ». قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ». قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: (الْعُرْض) بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الْجَانِب وَالنَّاحِيَة، (وَتَنْحِتُونَ) بِكَسْرِ الْحَاء أَيْ تُقَشِّرُونَ وَتُقَطِّعُونَ. وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام كَرَاهَة إِكْثَار الْمَهْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال الزَّوْج. ت ـ هذه الآية التي استدلت بها المرأة ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:٢٠) معترضَةً بمفهومها على عمر ﵁ في نهيه عن المغالاة في مهور النساء، لا تنافي توجيه عمر، فغاية ما تدل عليه جواز دفع القادر على الصداق الكثير المنوه عنه بالآية بالقنطار، لا تكليف العاجز ما لا يقدر عليه أو يستطيعه، بدليل إنكار النبي على الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أواق صنيعهما لكون ذلك لا يتناسب وحالهما أو لكثرته، هذا فيما لو كانت الآية تدل على المغالاة في المهور. أما وأنها لا تدل على إباحة المغالاة في الصداق لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، قال القرطبي ﵀ بعد أن حكى قول من أجاز المغالاة في المهور: «وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﵌: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (١).

стр. 32

نستخلص مما سبق أن الآية الكريمة لا علاقة لها بإباحة غلاء المهور وأن نصها ومفهومها يفيدان أن الرجل القادر لو أحب إعطاء زوجته تطوعًا من نفسه فدفع إليها قنطارًا أو قناطير فهذا جائز. ٣ - قصة جلد عمر ﵁ لابنه حتى الموت: وسنذكر هذه القصة رغم طولها لنعلم خطر تغليف التشويه بالتشويق، وقد ذكر لي أحد الشباب أنه كاد يبكي من شدة تأثره أثناء قراءته لهذه القصة، وذلك قبل أن يعلم أنها مكذوبة. ذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) بسنده عن سعيد بن مسروق قال: «كانت امرأة تدخل على آل عمر أو منزل عمر ومعها صبى، فقال: من ذا الصبي معك؟ فقالت: هو ابنك، وقع عليَّ أبو شحمة فهو ابنه. قال: فأرسل إليه عمر فأقَرَّ. فقال عمر لعلى ﵄:اجلدْه. فضربه عمر خمسين، وضربه علي خمسين. قال: فأتى به. فقال لعمر: يا أبَتِ قتلْتَنى. فقال: إذا لقيت ربك فأخبره أن أباك يقيم الحدود». ثم قال: «هذا حديث موضوع، وضعه القصاص، وقد أبدوا فيه وأعادوا، وقد شرحوا وأطالوا». ثم ذكر بسنده عن مجاهد قال: «تذاكر الناس في مجلس ابن عباس، فأخذوا في فضل أبى بكر، ثم أخذوا في فضل عمر بن الخطاب، فلما سمع عبد الله بن عباس بكى بكاء شديدًا حتى أغمى عليه، ثم أفاق فقال: رحم الله رجلًا لم تأخذه في الله لومة لائم، رحم الله رجلًا قرأ القرآن وعمل بما فيه وأقام حدود الله كما أمر، لم يزد عن القريب لقرابته، ولم يخف عن البعيد لبعده.

стр. 33

ثم قال: والله لقد رأيتُ عمر وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه. ثم بكى وبكى الناس مِن حولِه وقلنا: يا ابن عم رسول الله إن رأيتَ أنْ تحدثنا كيف أقام عمر على ولده الحد. فقال: والله لقد أذكرتمونى شيئًا كنت له ناسيًا. فقلت: أقسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا. فقال: معاشر الناس، كنت ذات يوم في مسجد رسول الله ﵌ وعمر بن الخطاب جالس والناس حوله يعظهم ويحكم فيما بينهم، فإذا نحن بجارية قد أقبلتْ من باب المسجد، فجعلت تتخطى رقاب المهاجرين والأنصار حتى وقفت بإزاء عمر فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال عمر: وعليكِ السلام (١) يا أمة الله، هل من حاجة؟ فقالت: نعم أعظم الحوائج إليك، خذ ولدك هذا منى فأنت أحق به منى. ثم رفعت القناع فإذا على يدها طفل. فلما نظر إليه عمر قال: يا أمة الله أسفري عن وجهك. فأسفرت. فأطرق عمر وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، يا هذه أنا لا أعرفك، فكيف يكون هذا ولدى؟ فبكت الجارية حتى بلت خمارها بالدموع، ثم قالت: يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولدُ ولدِك. قال: أي أولادي؟ قالت: أبو شحمة. قال: أبحلال أم بحرام؟ قالت: من قِبَلى بحلال ومن جهته بحرام.

стр. 34

قال عمر: وكيف ذاك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، اسمع مقالتي فوالله ما زدت عليك حرفًا ولا نقصت. فقال لها: اتقى الله ولا تقولي إلا الصدق. قالت: يا أمير المؤمنين كنتُ في بعض الأيام مارةً في بعض حوائجي إذ مررت بحائط لبنى النجار، فإذا أنا بصائح يصيح من ورائي، فإذا أنا بولدك أبى شحمة يتمايل سُكْرًا، وكان قد شرب عند نسيكة اليهودي، فلما قرب منى تواعدني وتهددني وراودني عن نفسي وجرني إلى الحائط فسقطت وأغمى عليّ، فوالله ما أفقت إلا وقد نال منى ما ينال الرجل من امرأته، فقمت وكتمت أمري عن عمى وجيراني، فلما تكاملَتْ أيامي وانقضت شهوري وضربني الطلق وأحسست بالولادة خرجْتُ إلى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام فهمَمْتُ بقتله ثم ندمتُ على ذلك، فاحكم بحكم الله بيني وبينه. قال ابن عباس: فأمر عمر ﵁ مناديه ينادى. فأقبل الناس يهرعون إلى المسجد ثم قام عمر فقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار لا تتفرقوا حتى آتيكم بالخبر. ثم خرج من المسجد وأنا معه، فنظر إليَّ وقال: يا ابن عباس أسرع معى، فجعل يسرع حتى قرب من منزله فقرع الباب فخرجت جارية كانت تخدمه، فلما نظرَتْ إلى وجهه وقد غلبه الغضب قالت: ما الذى نزل بك؟ قال يا هذه ولدى أبو شحمة هاهنا؟ قالت: إنه على الطعام، فدخل وقال له: كل يا بُنَيَّ فيوشك أن يكون آخر زادك من الدنيا. قال ابن عباس: فرأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد، وسقطت اللقمة من يده. فقال له عمر: يا بُنى من أنا؟ قال: أنت أبي وأمير المؤمنين. قال: فلي عليك حق طاعة أم لا؟ قال: طاعتان مفترضتان، أولهما: أنك والدي والأخرى أنك أمير المؤمنين.

стр. 35

فقال عمر: بحق نبيك وبحق أبيك، فإني أسألك عن شيء إلا أخبرتني. قال: يا أبت لا أقول غير الصدق. قال: هل كنتَ ضيفًا لنسيكة اليهودي، فشربتَ عنده الخمر وسكرتَ؟ قال: بأبي قد كان ذلك وقد تُبتُ. قال: يا بُنَيَّ رأس مال المذنبين التوبة. ثم قال: يا بُنَيَّ أنشدك الله هل دخلت ذلك اليوم حائطًا لبنى النجار فرأيت امرأة فواقعتها؟ فسكت وبكى وهو يبكى ويلطم وجهه. فقال له عمر: لا بأس اصدق فإن الله يحب الصادقين. فقال: يا أبى كان ذلك والشيطان أغواني وأنا تائب نادم. فلما سمع عمر ذلك قبض على يده ولببه وجره إلى المسجد. فقال: يا أبت لا يعصمني على رؤوس الخلائق حد السيف واقطعني هاهنا إربًا إربًا. قال: أما سمعت قول الله : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:٢)، ثم جره حتى أخرجه بين يدى أصحاب رسول الله ﵌ في المسجد وقال: صدقت المرأة، وأقر أبو شحمة بما قالت. وله مملوك يقال له أفلح. فقال له: يا أفلح إن لي إليك حاجة إن أنت قضيتها فأنت حر لوجه الله. فقال: يا أمير المؤمنين مُرني بأمرك. قال: خذ ابني هذا فاضربه مائة سوط ولا تقصر في ضربه. فقال: «لا أفعله».وبكى، وقال: «يا ليتني لم تلدني أمي حيث أكلف ضرب ولد سيدي». فقال له عمر: إن طاعتي طاعة الرسول فافعل ما أمرتك به فانزع ثيابه.

стр. 36

فضج الناس بالبكاء والنحيب، وجعل الغلام يشير بإصبعه إلى أبيه ويقول: «أبت ارحمني». فقال له عمر وهو يبكى: «ربك يرحمك، وإنما هذا كي يرحمني ويرحمك»، ثم قال: «يا أفلح اضرب». فضرب أول سوط. فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: نعم الاسم سميت يا بُنَيَّ. فلما ضربه به ثانية قال: أوه يا أبت. فقال عمر: اصبر كما عصيت. فلما ضرب ثالثًا قال: الأمان. قال عمر: ربك يعطيك الأمان. فلما ضربه رابعًا قال: واغوثاه. فقال: الغوث عند الشدة. فلما ضربه خامسًا حمد الله. فقال عمر: كذا يجب أن تحمده. فلما ضربه عشرًا قال: يا أبت قتلتني قال: يا بُنَيَّ ذنبُك قتلك. فلما ضربه ثلاثين قال: أحرقت والله قلبي. قال: يا بني النار أشد حرًا. قال: فلما ضربه أربعين قال: يا أبت دعني أذهب على وجهي. قال: يا بُنَيَّ إذا أخذت حد الله من جنبك اذهب حيث شئت. فلما ضربه خمسين قال: نشدتك بالقرآن لما خليتني. قال: يا بُنَيَّ هلا وعظك القرآن وزجرك عن معصية الله ، يا غلام اضرب.

стр. 37

فلما ضربه ستين قال: يا أبى أغثني. قال: يا بُنَيَّ إن أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا. فلما ضربه سبعين قال: يا أبت اسقني شربة من ماء. قال: يا بُنَيَّ إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد ﵌ شربة لا تظمأ بعدها أبدًا، يا غلام اضرب. فلما ضربه ثمانين قال: يا أبت السلام عليك. قال: وعليك السلام، إن رأيت محمدا ﵌ فأقرئه منى السلام وقل له: خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود، يا غلام اضربه. فلما ضربه تسعين انقطع كلامه وضعف. فوثب أصحاب رسول الله ﵌ من كل جانب فقالوا: يا عمر انظر كم بقى فأخِّرْه إلى وقت آخر. فقال: كما لا تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة. فأتى الصريخ إلى أمه فجاءت باكية صارخة وقالت: يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية، وأتصدق بكذا وكذا درهمًا. قال: إن الحج والصدقة لا تنوب عن الحد، يا غلام أتم الحد. فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتًا. فقال عمر: يا بُنَيَّ محَّصَ الله عنك الخطايا. وجعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: بأبي من قتله الحق، بأبي من مات عند انقضاء الحد، بأبي من لم يرحمه أبوه وأقاربه!! فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا. فلم يُرَ يوم أعظم منه. وضج الناس بالبكاء والنحيب.

стр. 38

فلما كان بعد أربعين يوما أقبل عليه حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني أخذت وِردى من الليل فرأيت رسول الله ﵌ في المنام وإذا الفتى معه حُلتان خضراوان. فقال رسول الله ﵌:أقرئ عمر منى السلام وقل له: هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود. وقال الغلام: أقرئ أبي منى السلام وقل له: طهرك الله كما طهرتني، والسلام». ثم ذكر الإمام ابن الجوزي بإسناده صفوان عن عمر أنه كان له ابنان يقال لأحدهما عبد الله والآخر عبيد الله، وكان يكنى أبا شحمة، وكان أبو شحمة أشبه الناس برسول الله ﵌ تلاوة للقرآن، وأنه مرض مرضًا، فجعل أمهات المؤمنين يَعُدْنه، فبينا هن في عيادته قلن لعمر: لو نذرت على ولدك كما نذر عليٌّ بن أبى طالب على ولده الحسن والحسين فألبسهما الله العافية. فقال عمر: على نذر واجب لئن ألبس الله ابني العافية أن أصوم ثلاثة أيام، وقالت والدته مثل ذلك. فلما أن قام من مرضه أضافه نسيكة اليهودي، فأتوه بنبيذ التمر فشرب منه. فلما طابت نفسه خرج يريد منزله، فدخل حائطًا لبنى النجار، فإذا هو بامرأة راقدة فكابدها وجامعها، فلما قام عنها شتَمَتْه وخرقت ثيابه وانصرفَتْ إلى منزلها». وذكر الحديث بطوله. ثم قال الإمام ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع؛ كيف رُوي ومن أي طريق نُقل؟ وضعه جهال القصاص ليكون سببًا في تبكية العوام والنساء، فقد أبدعوا فيه وأتوا بكل قبيح ونسبوا إلى عمر ما لا يليق به، ونسبوا الصحابة إلى ما لا يليق بهم، وكلماته الركيكة تدل على وضعه، وبعده عن أحكام الشرع يدل على سوء فهم واضعه وعدم فقهه.

стр. 39

وقد تعجل واضعُه قذف ابن عمر بشرب الخمر عند اليهودي، ونسب عمر إلى أنه أحلفه بالله ليقر، وحاشى عمر، لأنه لو رأى أمارة ذلك لصدف عنها فإن ماعزًا لما أقر أعرض عنه رسول الله ﵌، فلما أعاد الإقرار أعرض عنه إلى أن قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (١). وقد قال: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢)، وقال عمر لرجل أقر بذنب عند رسول الله ﵌: «لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ». (٣). وكيف يُحَلّفُ عمر ولده بالله: هل زنيت؟ هذا لا يليق بمثله. وما أقبح ما زينوا كلامه عند كل سوط. وذلك لا يخفى عن العوام أنه صنعه جاهل سوقي. وقد ذكر أنه طلب ماء فلم يَسْقِه، وهذا قبيح في الغاية. وحكوا أن الصحابة قالوا: أخِّر باقى الحد، وأن أمّ الغلام قالت: «أحُجُّ عن كل سوط».وهذا كله يتحاشى الصحابة عن مثله. ومنام حذيفة أبرد من كل شيء. ثم شبهوا أبا شحمة برسول الله ﵌، ثم قذفوه بالفاحشة».اهـ كلام ابن الجوزي.

стр. 40

وأيضًا قد حكم على هذه القصة بالوضع الحافظ ابن حجر والإمام ابن عراق والإمام الشوكاني. وتأمل كيف خلط القُصَّاص بين عدل عمر ﵁ وحرصه على تطبيق الحدود وبين الطعن فيه وفي زوجته وغيرهما من الصحابة ﵃ بالجهل بالشريعة. وفي القصة أيضًا اتهام لابن خليفة المسلمين عمر ﵁ بشرب الخمر واغتصاب بنات المسلمين. وتجد في القصة الحلف بغير الله مثل قول الناس لابن عباس: «قسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا». وقول عمر لابنه: «بحق نبيك وبحق أبيك، فإني أسألك عن شيء إلا أخبرتني». ٤ - قصة اغتسال فاطمة ﵂ قبل الموت: ذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) بإسناده عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن أمه سلمى قالت: «اشتكت فاطمة فمرضتها فقالت لي يومًا وقد خرج عَلِىٌّ: «يا أمتاه اسكبي لي غسلًا»، فسكبتُ ثم قامت كأحسن ما كنت أراها تغتسل، ثم قالت: «هاتي لي ثيابي الجدد»، فأتيتها بها فلبستها، ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت لي: «قدمي لي الفراش إلى وسط البيت»، ثم اضطجعتْ ووضعتْ يدها تحت خدها واستقبلت القبلة ثم قالت: «يا أمتاه إني مقبوضة اليوم، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد». قال: فقُبِضت مكانها، فجاء علي ﵁ فأخبرته فقال: «لا والله لا يكشفها أحد، فدفنها بغسلها ذلك». ثم قال الإمام ابن الجوزي: «وهذا حديث لا يصح ... ثم إن الغسل إنما يكون لحدث الموت فكيف يغتسل قبل الحدث. هذا لا يصح إضافته إلى علي وفاطمة ﵄، بل يتنزهون عن مثل هذا.» اهـ كلام ابن الجوزي.
следующие страницы →