← Акыда

Акыда · id 36166

معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم - كشف شبهات ورد مفتريات

شحاتة صقر

Полный текст (282 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فضج الناس بالبكاء والنحيب، وجعل الغلام يشير بإصبعه إلى أبيه ويقول: «أبت ارحمني». فقال له عمر وهو يبكى: «ربك يرحمك، وإنما هذا كي يرحمني ويرحمك»، ثم قال: «يا أفلح اضرب». فضرب أول سوط. فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: نعم الاسم سميت يا بُنَيَّ. فلما ضربه به ثانية قال: أوه يا أبت. فقال عمر: اصبر كما عصيت. فلما ضرب ثالثًا قال: الأمان. قال عمر: ربك يعطيك الأمان. فلما ضربه رابعًا قال: واغوثاه. فقال: الغوث عند الشدة. فلما ضربه خامسًا حمد الله. فقال عمر: كذا يجب أن تحمده. فلما ضربه عشرًا قال: يا أبت قتلتني قال: يا بُنَيَّ ذنبُك قتلك. فلما ضربه ثلاثين قال: أحرقت والله قلبي. قال: يا بني النار أشد حرًا. قال: فلما ضربه أربعين قال: يا أبت دعني أذهب على وجهي. قال: يا بُنَيَّ إذا أخذت حد الله من جنبك اذهب حيث شئت. فلما ضربه خمسين قال: نشدتك بالقرآن لما خليتني. قال: يا بُنَيَّ هلا وعظك القرآن وزجرك عن معصية الله ، يا غلام اضرب.

стр. 37

فلما ضربه ستين قال: يا أبى أغثني. قال: يا بُنَيَّ إن أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا. فلما ضربه سبعين قال: يا أبت اسقني شربة من ماء. قال: يا بُنَيَّ إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد ﵌ شربة لا تظمأ بعدها أبدًا، يا غلام اضرب. فلما ضربه ثمانين قال: يا أبت السلام عليك. قال: وعليك السلام، إن رأيت محمدا ﵌ فأقرئه منى السلام وقل له: خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود، يا غلام اضربه. فلما ضربه تسعين انقطع كلامه وضعف. فوثب أصحاب رسول الله ﵌ من كل جانب فقالوا: يا عمر انظر كم بقى فأخِّرْه إلى وقت آخر. فقال: كما لا تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة. فأتى الصريخ إلى أمه فجاءت باكية صارخة وقالت: يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية، وأتصدق بكذا وكذا درهمًا. قال: إن الحج والصدقة لا تنوب عن الحد، يا غلام أتم الحد. فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتًا. فقال عمر: يا بُنَيَّ محَّصَ الله عنك الخطايا. وجعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: بأبي من قتله الحق، بأبي من مات عند انقضاء الحد، بأبي من لم يرحمه أبوه وأقاربه!! فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا. فلم يُرَ يوم أعظم منه. وضج الناس بالبكاء والنحيب.

стр. 38

فلما كان بعد أربعين يوما أقبل عليه حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني أخذت وِردى من الليل فرأيت رسول الله ﵌ في المنام وإذا الفتى معه حُلتان خضراوان. فقال رسول الله ﵌:أقرئ عمر منى السلام وقل له: هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود. وقال الغلام: أقرئ أبي منى السلام وقل له: طهرك الله كما طهرتني، والسلام». ثم ذكر الإمام ابن الجوزي بإسناده صفوان عن عمر أنه كان له ابنان يقال لأحدهما عبد الله والآخر عبيد الله، وكان يكنى أبا شحمة، وكان أبو شحمة أشبه الناس برسول الله ﵌ تلاوة للقرآن، وأنه مرض مرضًا، فجعل أمهات المؤمنين يَعُدْنه، فبينا هن في عيادته قلن لعمر: لو نذرت على ولدك كما نذر عليٌّ بن أبى طالب على ولده الحسن والحسين فألبسهما الله العافية. فقال عمر: على نذر واجب لئن ألبس الله ابني العافية أن أصوم ثلاثة أيام، وقالت والدته مثل ذلك. فلما أن قام من مرضه أضافه نسيكة اليهودي، فأتوه بنبيذ التمر فشرب منه. فلما طابت نفسه خرج يريد منزله، فدخل حائطًا لبنى النجار، فإذا هو بامرأة راقدة فكابدها وجامعها، فلما قام عنها شتَمَتْه وخرقت ثيابه وانصرفَتْ إلى منزلها». وذكر الحديث بطوله. ثم قال الإمام ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع؛ كيف رُوي ومن أي طريق نُقل؟ وضعه جهال القصاص ليكون سببًا في تبكية العوام والنساء، فقد أبدعوا فيه وأتوا بكل قبيح ونسبوا إلى عمر ما لا يليق به، ونسبوا الصحابة إلى ما لا يليق بهم، وكلماته الركيكة تدل على وضعه، وبعده عن أحكام الشرع يدل على سوء فهم واضعه وعدم فقهه.

стр. 39

وقد تعجل واضعُه قذف ابن عمر بشرب الخمر عند اليهودي، ونسب عمر إلى أنه أحلفه بالله ليقر، وحاشى عمر، لأنه لو رأى أمارة ذلك لصدف عنها فإن ماعزًا لما أقر أعرض عنه رسول الله ﵌، فلما أعاد الإقرار أعرض عنه إلى أن قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (١). وقد قال: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢)، وقال عمر لرجل أقر بذنب عند رسول الله ﵌: «لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ». (٣). وكيف يُحَلّفُ عمر ولده بالله: هل زنيت؟ هذا لا يليق بمثله. وما أقبح ما زينوا كلامه عند كل سوط. وذلك لا يخفى عن العوام أنه صنعه جاهل سوقي. وقد ذكر أنه طلب ماء فلم يَسْقِه، وهذا قبيح في الغاية. وحكوا أن الصحابة قالوا: أخِّر باقى الحد، وأن أمّ الغلام قالت: «أحُجُّ عن كل سوط».وهذا كله يتحاشى الصحابة عن مثله. ومنام حذيفة أبرد من كل شيء. ثم شبهوا أبا شحمة برسول الله ﵌، ثم قذفوه بالفاحشة».اهـ كلام ابن الجوزي.

стр. 40

وأيضًا قد حكم على هذه القصة بالوضع الحافظ ابن حجر والإمام ابن عراق والإمام الشوكاني. وتأمل كيف خلط القُصَّاص بين عدل عمر ﵁ وحرصه على تطبيق الحدود وبين الطعن فيه وفي زوجته وغيرهما من الصحابة ﵃ بالجهل بالشريعة. وفي القصة أيضًا اتهام لابن خليفة المسلمين عمر ﵁ بشرب الخمر واغتصاب بنات المسلمين. وتجد في القصة الحلف بغير الله مثل قول الناس لابن عباس: «قسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا». وقول عمر لابنه: «بحق نبيك وبحق أبيك، فإني أسألك عن شيء إلا أخبرتني». ٤ - قصة اغتسال فاطمة ﵂ قبل الموت: ذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) بإسناده عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن أمه سلمى قالت: «اشتكت فاطمة فمرضتها فقالت لي يومًا وقد خرج عَلِىٌّ: «يا أمتاه اسكبي لي غسلًا»، فسكبتُ ثم قامت كأحسن ما كنت أراها تغتسل، ثم قالت: «هاتي لي ثيابي الجدد»، فأتيتها بها فلبستها، ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت لي: «قدمي لي الفراش إلى وسط البيت»، ثم اضطجعتْ ووضعتْ يدها تحت خدها واستقبلت القبلة ثم قالت: «يا أمتاه إني مقبوضة اليوم، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد». قال: فقُبِضت مكانها، فجاء علي ﵁ فأخبرته فقال: «لا والله لا يكشفها أحد، فدفنها بغسلها ذلك». ثم قال الإمام ابن الجوزي: «وهذا حديث لا يصح ... ثم إن الغسل إنما يكون لحدث الموت فكيف يغتسل قبل الحدث. هذا لا يصح إضافته إلى علي وفاطمة ﵄، بل يتنزهون عن مثل هذا.» اهـ كلام ابن الجوزي.

стр. 41

فتأمل كيف طعن القُصّاص في علي وفاطمة ﵄ بالجهل بأبسط أحكام الدين، وغلفوا ذلك بما يشير إلى حسن خاتمة فاطمة ﵂. ومن الأمثلة المتعلقة بمعاوية ﵁: ٥ - حلم أم ظلم: في أثناء دفاعه عن معاوية ﵁ ذكر أحد المعاصرين الغيورين من أهل السنة ـ حفظه الله ـ الكلام التالي يمدح حِلم معاوية ﵁ فتأمل فيه تجد إساءة كبيرة: «وقال القاضي الماوردي في الأحكام السلطانية: «وَحُكِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهُمْ حَتَّى بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقَالَ: يَمِينِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُهَا ... بِعَفْوِكَ أَنْ تَلْقَى نَكَالًا يُبِينُهَا يَدِي كَانَتْ الْحَسْنَاءَ لَوْ تَمَّ سَتْرُهَا ... وَلَا تُقَدِّمُ الْحَسْنَاءُ عَيْبًا يَشِينُهَا فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَتْ خَبِيثَةً ... إذَا مَا شِمَالٌ فَارَقَتْهَا يَمِينُهَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَيْف أَصْنَعُ بِكَ وَقَدْ قَطَعْتُ أَصْحَابَكَ؟ فَقَالَتْ أُمُّ السَّارِقِ: «اجْعَلْهَا مِنْ جُمْلَةِ ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ إلَى اللهِ مِنْهَا». فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ فِي الْإِسْلَامِ». هذه الرواية ذُكِرَتْ كمثال لحلم معاوية ﵁ ولكن فيها اتهام لمعاوية ﵁ بتضييع حدود الله حيث لم يُقِم الحد على السارق. ٦ - ذكر أحد المعاصرين الغيورين ـ حفظه الله ـ الكلام التالي يستدل بها على ثقة عمر في معاوية وسعادة أبي سفيان بذلك: «في سنة ثمان عشرة للهجرة توفي يزيد بن أبي سفيان ﵄ في طاعون عمواس، فولى عمر معاوية عمل أخيه ـ دمشق وبعلبك والبلقاء. وقد كان لعمل عمر هذا أكبر الأثر على نفسية والد معاوية ووالدته، فحين عزَّى عمر أبا سفيان في وفاة ابنه يزيد قال: يا أمير المؤمنين من وليتَ مكانه؟ قال: أخوه معاوية.

стр. 42

قال: وصلت رحمًا يا أمير المؤمنين. وكتب أبو سفيان لمعاوية ينصحه في بداية عمله هذا فمما قال: «يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا، فرفَعَهم سَبْقُهم وقدمهم عند الله وعند رسوله ﵌ وقصر بنا تأخيرنا، فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعًا، وقد ولَّوك جسيمًا من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس، فإن بلغته أورثته عقبك». ففي هذه الرواية طعن في أبي سفيان ﵁ حيث يظهره بمظهر الحريص على الزعامة وأن حزنه لتأخره في الإسلام كان من أجل الدنيا، وأنه يحث ابنه على المنافسة في هذه الزعامة، وتحريضه على توريث الحكم. ٧ - وقال هذا الغيور أيضًا ما يلي: «كان عمر ﵁ ـ وهو الخبير بمعادن الرجال ـ يدرك أكثر من غيره ما يتمتع به معاوية من صفات تؤهله للقيادة، فحين قدم عمر الشام وافاه معاوية بموكب عظيم أنكره عليه عمر فقال: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم. قال: مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك. قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز. قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن تظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس (١)، لئن كان ما قلت حقًا، إنه لرأي أريب، ولئن كان باطلًا إنه لخديعة أديب. قال: فمرني يا أمير المؤمنين. قال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه. فقال عمر: لحسن مصادره وموارده جَشَّمناه ما جَشَّمناه. وكان عمر ﵁ يتعهد معاوية بالتربية والوعظ والنصح، وأحيانًا يشتد ويغلظ عليه، فعن أسلم مولى عمر ﵁ قال: قدم علينا معاوية وهو أبيض أو أبضُّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه، فيعجب له، ثم يضع أُصبُعَه على متنه ثم يرفعها عن مثل الشِّراك، فيقول: بَخٍ بَخٍ، نحن إذا خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: «يا أمير المؤمنين، سأحدثك، إنّا بأرض الحمّامات والريف». فقال عمر: «سأحدثك ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب». قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حُلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم حاجًّا تَفِلًا، حتى إذا جاء أعظم بُلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما. فقال معاوية: إنما لبستهما لأدْخل فيهما على عشيرتي أو قومي، والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام، والله يعلم إني لقد عرفتُ الحياء فيه. ثم نزع معاوية ثوبيه، ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما. وقال عمرو بن يحي بن سعيد الأموي، عن جَدِّه قال: دخل معاوية على عمر وعليه حُلَّةٌ خضراء فنظر إليها الصّحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدِّرَّة (٢)، فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين، اللهَ اللهَ فيَّ. فرجع عمر إلى مجلسه، فقال له القوم: لم ضَرَبْتَه يا أمير المؤمنين وما في قومِك مثله؟

стр. 43

فقال: والله ما رأيت إلا خيرًا وما بلغني إلا خيرٌ، ولكنِّي رأيته وأشار بيده (١) ـ فأحببت أن أضع منه».اهـ. هذا الكلام يشير إلى شدة مراقبة عمر ﵁ لولاته واستدل بها هذا الغيور ـ حفظه الله ـ على ثقة عمر بمعاوية ﵄ واهتمامه بنصحه ولكن: هل كان معاوية ﵁ مشغولًا عن رعيته بالطعام والشراب، وهل يعقل ألا يثق عمر في كلام معاوية ﵄ فيقول له: «لئن كان ما قلت حقًا، إنه لرأي أريب، ولئن كان باطلًا إنه لخديعة أديب»؟. وما هو أذى عمر الذي بلغ معاوية في مكة والشام. وهل يُعقل أن يعاقب عمر ﵁ والِيَه الذي يثق به بأن يضربه بالدِّرة أمام الناس ويهمّ بأن يأمره بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز؟ وما الجريمة التي اقترفها معاوية حتى يضربه عمر بالدِّرة. وفي القصة اتهام لمعاوية بالتكبر أو الخيلاء أمام خليفة المسلمين. وهل اطلع عمر على ما في قلب معاوية فعلم فيه الغرور أو الكبر فأحب أن يضع منه. وماذا على عمر لو عزله وولى مكانه من هو أصلح وأنفع للمسلمين منه.

стр. 44

التحذير من أخبار يحتج بها الرافضة إن كثيرًا من الروايات التي توغر الصدور على أصحاب رسول الله ﵌ و ﵃ لم تصح أصلًا، فكيف يُعتمد عليها مع كونها مخالفة لثناء الله على صحابة نبيه ﵌ و ﵃ في القرآن الكريم، ومخالفة لما هو معلوم من حال الصحابة من نصرة للإسلام وجهاد في سبيل الله ، وبذل المُهَج والأموال لتكون كلمة الله هي العليا. من هذه الأخبار المكذوبة ما يلي: ١ - أن معاوية ﵁ سَمَّ الحسن بن علي ﵄. ٢ - أن عائشة ﵂ كانت تقول: اقتلوا نعثلًا فقد كفر. تعنى عثمان ﵁. هذه الرواية في تاريخ الطبري من طريق سيف بن عمر التميمي، وهو كذاب مشهور. ٣ - أن عمرو بن العاص اتفق مع أبي موسى الأشعري على عزل علي ومعاوية ﵃ فصعد أبو موسى الأشعري المنبر وقال: «إني أنزع عليا من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا»، ثم نزع خاتمه، وقام عمرو بن العاص وقال: «وأنا أنزع عليا كذلك كما نزعه أبو موسى، كما أنزع خاتمي هذا، وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا». فصار اللغط فخرج أبو موسى غاضبًا ورجع إلى مكة ولم يذهب إلى عليٍّ في الكوفة ورجع عمرو بن العاص إلى الشام. هذه القصة في تاريخ الطبري وفي سندها أبو مخنف لوط بن يحيى وهو شيعي كذاب. ٤ - أن عمر عندما رشح ستة للخلافة قال: إذا اتفق أربعة وخالف اثنان فاقتلوهما وإذا انقسم الستة إلى فريقين في كل جهة فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا مضى وقت ولم يتفق الستة فاقتلوهم. هذه القصة فيها أبو مخنف الكذاب.

стр. 45

٥ - من أقبح أكاذيب الشيعة ما زعموه من أن عمر ﵁ ضرب فاطمة ﵂ حتى أسقط ولدها. وما درى هؤلاء الجهلة أن في ذلك اتهامًا لعلي ﵁ بالجبن مع أنه من أشجع الصحابة ﵃. ٦ - أن عثمان ﵁ أعطى مروان خمس إفريقية، وهذا كذب. ٧ - أن عثمان نفى أبا ذر إلى الربذة , هذا ذكره الطبري من رواية سيف بن عمر الكذاب. ٨ - أن عثمان فتق أمعاء ابن مسعود وضرب عمارًا حتى كسر أضلاعه، وهذا كذب ولو فتق أمعاء ابن مسعود ما عاش. ٩ - ما يُذكَر من أن طلحة والزبير ﵄ جاءا إلى عائشة ﵂ بخمسين رجلًا وجعلا لهم جعلًا فأقسموا بالله أن هذا ليس بماء الحوأب فواصلت مسيرها حتى البصرة وأنها أول شهادة زور في الإسلام. وهذا كذب لا حقيقة له.

стр. 46

منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃ - إن الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ يجب أن يكون حظ العاقل منها حسنَ الظن بالصحابة الكرام، والسكوت عن الكلام فيهم إلاّ بخير، والترضي عن الصحابة جميعًا، وموالاتهم، ومحبتهم، والجزم أنهم دائرون في اجتهاداتهم بين الأجر والأجرين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة: «وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ. وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ. وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ. وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ» (١).

стр. 47

وقال الإمام الذهبي ﵀: «فَأَمَّا مَا تَنْقُلُهُ الرَّافِضَةُ، وَأَهْلُ البِدَعِ فِي كُتُبِهِم مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ نُعَرِّجُ عَلَيْهِ، وَلاَ كرَامَةَ، فَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ، وَكَذِبٌ، وَافْتِرَاءٌ، فَدَأْبُ الرَّوَافِضِ رِوَايَةُ الأَبَاطِيْلِ، أَوْ رَدُّ مَا فِي الصِّحَاحِ وَالمسَانِيْدِ، وَمتَى إِفَاقَةُ مَنْ بِهِ سُكْرَان؟! وقال أيضًا ﵀: «كَمَا تَقَرَّرَ عَنِ الكَفِّ عَنْ كَثِيْرٍ مِمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَقِتَالِهِم ﵃ أَجْمَعِيْنَ - وَمَا زَالَ يَمُرُّ بِنَا ذَلِكَ فِي الدَّوَاوينِ، وَالكُتُبِ، وَالأَجْزَاءِ، وَلَكِنْ أَكْثَرُ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، وضَعِيْفٌ، وَبَعْضُهُ كَذِبٌ، وَهَذَا فِيْمَا بِأَيْدِيْنَا وَبَيْنَ عُلُمَائِنَا، فَيَنْبَغِي طَيُّهُ وَإِخْفَاؤُهُ، بَلْ إِعْدَامُهُ، لِتَصْفُوَ القُلُوْبُ، وَتَتَوَفَّرَ عَلَى حُبِّ الصَّحَابَةِ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمُ، وَكِتْمَانُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ عَنِ العَامَّةِ، وَآحَادِ العُلَمَاءِ. وَقَدْ يُرَخَّصُ فِي مُطَالعَةِ ذَلِكَ خَلْوَةً لِلْعَالِمِ المُنْصِفِ، العَرِيِّ مِنَ الهَوَى، بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَغفرَ لَهُم، كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ ـ تَعَالَى ـ حَيْثُ يَقُوْلُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشرُ:١٠). فَالقَوْمُ لَهُم سَوَابِقُ وَأَعْمَالٌ مُكَفِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُمُ، وَجِهَادٌ مَحَّاءٌ، وَعِبَادَةٌ مُمَحِّصَةٌ، وَلَسْنَا مِمَّنْ يَغْلُو فِي أَحَدٍ مِنْهُم، وَلاَ نَدَّعِي فِيْهِم العِصْمَةَ، نَقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُم أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَفْضَلُ الأُمَّةِ. ثُمَّ تَتِمَّةُ العَشْرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَحَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدٌ، وَأُمَّهَاتُ المُؤْمِنِيْنَ، وَبنَاتُ نَبِيِّنَا ﵌ وَأَهْلُ بَدْرٍ، مَعَ كَوْنِهِم عَلَى مَرَاتِبَ» (١). وقد أثنى الله عليهم مع أنه سبق في علمه ما سيكون منهم. فعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: «لا تسبوا أصحاب محمد ﵌ فإن الله أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون» (٢).

стр. 48

وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «قَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (١). وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ العاص وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ هُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَهُمْ فَضَائِلُ وَمَحَاسِنُ. وَمَا يُحْكَى عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْهُ كَذِبٌ؛ وَالصِّدْقُ مِنْهُ إنْ كَانُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ: فَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ يُغْفَرُ لَهُ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لَهُمْ ذُنُوبًا فَالذُّنُوبُ لَا تُوجِبُ دُخُولَ النَّارِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا انْتَفَتْ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ عَشْرَةٌ. مِنْهَا: التَّوْبَةُ، وَمِنْهَا الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْهَا الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ، وَمِنْهَا الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﵌، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا مَا يُهْدَى لِلْمَيِّتِ مِنْ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَمِنْهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٢).

стр. 49

وَحِينَئِذٍ فَمَنْ جَزَمَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ لَهُ ذَنْبًا يَدْخُلُ بِهِ النَّارَ قَطْعًا فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ. فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ لَكَانَ مُبْطِلًا فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَا دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ عَلَى نَقِيضِهِ؟ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ـ وَقَدْ نَهَى اللهُ عَنْهُ: مِنْ ذَمِّهِمْ أَوْ التَّعَصُّبِ لِبَعْضِهِمْ بِالْبَاطِلِ ـ فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» (١). وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (٢). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (الحجرات:٩) فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ كَانُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَةِ لَهُ» اهـ (٣). وقال أيضًا ﵀: «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ الْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارَ لِلطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا وَمُوَالَاتَهُمْ؛ فَلَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجْتَهِدًا مُتَأَوِّلًا كَالْعُلَمَاءِ بَلْ فِيهِمْ الْمُذْنِبُ وَالْمُسِيءُ وَفِيهِمْ الْمُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ لِنَوْعِ مِنْ الْهَوَى لَكِنْ إذَا كَانَتْ السَّيِّئَةُ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مَرْجُوحَةً مَغْفُورَةً. وَ (أَهْلُ السُّنَّةِ) تُحْسِنُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ لَكِنْ لَا يَعْتَقِدُونَ الْعِصْمَةَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ وَعَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ إلَّا لِرَسُولِ اللهِ ﵌. وَمَنْ سِوَاهُ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْخَطَأِ لَكِنْ هُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الْآيَةَ. وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هِيَ بِنَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا لَا بِصُوَرِهَا» اهـ (٤). وقال أيضًا ﵀: «وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ لَا يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ وَلَا السَّابِقِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَيَرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتِهِمْ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِك مِنْ الْأَسْبَابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ (الزمر:٣٣ - ٣٥)،، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ (الأحقاف:١٥ - ١٦). وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ هُمْ الَّذِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ. فَأَمَّا الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ؛ وَالصَّالِحُونَ: فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ. وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ. وَأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ: فَتَارَةً يُصِيبُونَ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ.

стр. 50

فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ. وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ. وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأِ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعَصِّمُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُونَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تُولَدُ كَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ. فَطَائِفَةٌ سَبَّتْ السَّلَفَ وَلَعَنَتْهُمْ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذُنُوبًا، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ؛ بَلْ قَدْ يُفَسِّقُونَهُمْ؛ أَوْ يُكَفِّرُونَهُمْ، كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عفان، وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا، وَلَعَنُوهُمْ، وَسَبُّوهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» (١)، وَقَالَ ﵌: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَتُقَاتِلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ لِأَجْلِ الْحَقِّ» (٢) وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمَارِقَةُ الَّذِينَ مَرَقُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَفَّرُوا كُلَّ مَنْ تَوَلَّاهُ. وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٍ مَعَ عَلِيٍّ، وَفِرْقَةٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ. فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بَهْ النَّبِيُّ ﵌ وَكَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ ابْنِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللهُ بَهْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (٣) فَأَصْلَحَ اللهُ بَهْ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيَةَ. وَأَثْنَى النَّبِيُّ ﵌ عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ وَسَمَّاهُ سَيِّدًا بِذَلِك؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَلَوْ كَانَ

стр. 51

الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِك؛ بَلْ يَكُونُ الْحَسَنُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَوْ الْأَحَبَّ إلَى اللهِ. وَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مَحْمُودٌ، مَرْضِيٌّ للهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَضَعُهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَيَضَعُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَيَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمَا، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (١). وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا ظَهَرَ فِيهِ مَحَبَّتُهُ وَدَعْوَتُهُ ﵌ فَإِنَّهُمَا كَانَا أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الْأَمْرِ الَّذِي مَدَحَ النَّبِيُّ ﵌ بِهِ الْحَسَنَ، وَأَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهَةً لَمَا يُخَالِفُهُ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَتْلَى مِنْ أَهْلِ صِفِّين لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ بِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، الَّذِينَ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ مَدَحَ الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقِينَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، وَظَهَرَ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ السُّرُورُ بِقِتَالِهِمْ؛ وَمِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ مَا قَدْ ظَهَرَ عَنْهُ. وَأَمَّا قِتَالُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ فِيهِ أَثَرٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ سُرُورٌ؛ بَلْ ظَهَرَ مِنْهُ الْكَآبَةُ، وَتَمَنَّى أَنْ لَا يَقَعَ، وَشَكَرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَبَرَّأَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ

стр. 52

وَالنِّفَاقِ، وَأَجَازَ التَّرَحُّمَ عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَمْثَالَ ذَلِك مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا اتِّفَاقُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُؤْمِنَةٌ. وَقَدْ شَهِدَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ اقْتِتَالَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩ - ١٠)؛ فَسَمَّاهُمْ (مُؤْمِنِينَ) وَجَعَلَهُمْ (إخْوَةً) مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ «إذَا اقْتَتَلَ خَلِيفَتَانِ فَأَحَدُهُمَا مَلْعُونٌ» كَذِبٌ مُفْتَرًى لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَمَدَةِ. ومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حِينَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدُوا عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ بِالْقِتَالِ، وَلَا يَعْلُوَا. بَلْ لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ﵁ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ وَمُبَايَعَتُهُ، إذْ لَا يَكُون لِلْمُسْلِمَيْنِ إلَّا خَلِيفَةٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ يَمْتَنِعُونَ عَنْ هَذَا الْوَاجِبِ، وَهُمْ أَهْلُ شَوْكَةٍ رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا هَذَا الْوَاجِبَ، فَتَحْصُلَ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَهُمْ (١) قَالُوا: إنَّ ذَلِك لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُمْ إذَا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِك كَانُوا مَظْلُومِينَ قَالُوا: لِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَهُمْ غَالِبُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، فَإِذَا امْتَنَعْنَا ظَلَمُونَا وَاعْتَدَوْا عَلَيْنَا. وَعَلِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمْ، كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَنْ عُثْمَانَ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ لَنَا الْإِنْصَافَ.

стр. 53

وَكَانَ فِي جُهَّالِ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يَظُنُّ بِعَلِيِّ وَعُثْمَانَ ظُنُونًا كَاذِبَةً، بَرَّأَ اللهُ مِنْهَا عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ: كَانَ يَظُنُّ بِعَلِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَحْلِفُ ـ وَهُوَ الْبَارُّ الصَّادِقُ بِلَا يَمِينٍ ـ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا رَضِيَ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يُمَالِئْ عَلَى قَتْلِهِ. وَهَذَا مَعْلُومٌ بِلَا رَيْبٍ مِنْ عَلِيٍّ ﵁. فَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ وَمِنْ مُبْغِضِيهِ يُشِيعُونَ ذَلِك عَنْهُ: فَمُحِبُّوهُ يَقْصِدُونَ بِذَلِك الطَّعْنَ عَلَى عُثْمَانَ بِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَمُبْغِضُوهُ يَقْصِدُونَ بِذَلِك الطَّعْنَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ، الَّذِي صَبَّرَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهَا، وَلَمْ يَسْفِكْ دَمَ مُسْلِمٍ فِي الدَّفْعِ عَنْهُ، فَكَيْفَ فِي طَلَب طَاعَتِهِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ بِهَا الزَّائِغُونَ عَلَى الْمُتَشَيِّعِينَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْعَلَوِيَّةِ. وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الْمُتَشَيِّعِينَ مُقِرَّةٌ مَعَ ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَاوِيَةُ كُفْئًا لِعَلِيِّ بِالْخِلَافَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةٌ مَعَ إمْكَانِ اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّ فَضْلَ عَلِيٍّ وَسَابِقِيَّتَهُ، وَعِلْمَهُ، وَدِينَهُ، وَشَجَاعَتَهُ، وَسَائِرَ فَضَائِلِهِ: كَانَتْ عِنْدَهُمْ ظَاهِرَةً مَعْرُوفَةً، كَفَضْلِ إخْوَانِهِ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃. وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى غَيْرُهُ وَغَيْرُ سَعْدٍ، وَسَعْدٌ كَانَ قَدْ تَرَكَ هَذَا الْأَمْرَ، وَكَانَ الْأَمْرُ قَدْ انْحَصَرَ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُعَيَّنٌ إلَّا عَلِيٌّ ﵁ وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّرُّ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَحَصَلَ بِذَلِك قُوَّةُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَضَعْفُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى حَصَلَ مِنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ مَا صَارَ يُطَاعُ فِيهِ مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالطَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف، وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: مَا يَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا يُجْمِعُونَ مِنْ الْفُرْقَةِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: «إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (١) فَلَيْسَ فِي كَوْنِ عَمَّارٍ تَقْتُلهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ

стр. 54

فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات:٩ - ١٠)؛ فَقَدْ جَعَلَهُمْ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ مُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ بَلْ مَعَ أَمْرِهِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ جَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ بَغْيًا وَظُلْمًا أَوْ عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِك مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ؟ وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا، أَوْ ظَالِمًا، أَوْ مُعْتَدِيًا، أَوْ مُرْتَكِبًا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَأَوِّلٌ، وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ. فَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ: كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ حِلَّ أُمُورٍ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا، فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ (١). وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵁ إنَّمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ. وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِك مَلُومًا وَلَا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِك مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُون إثْمًا وَظُلْمًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقًا، بَلْ مَتَى عُلِمَ تَحْرِيمُهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْرًا. فَالْبَغْيُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. أَمَا إذَا كَانَ الْبَاغِي مُجْتَهِدًا وَمُتَأَوِّلًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُ بَاغٍ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ: لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ (بَاغِيًا) مُوجِبَةً لِإِثْمِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ.

стр. 55

وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ يَقُولُونَ: مَعَ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قِتَالُنَا لَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ بَغْيِهِمْ؛ لَا عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بَلْ لِلْمَنْعِ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ؛ لَا يُفَسَّقُونَ. وَيَقُولُونَ هُمْ كَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَمَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّاسِي وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قُتِلَ مُؤْمِنًا خَطَأً الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَهَكَذَا مَنْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْحُدُودِ وَتَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْبَغْيُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ: يَكُون ذَنْبًا، وَالذُّنُوبُ تَزُولُ عُقُوبَتُهَا بِأَسْبَابِ مُتَعَدِّدَةٍ: بِالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِك. ثُمَّ «إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لمعاوية وَأَصْحَابِهِ؛ بَلْ يُمْكِنُ أَنَّهُ أُرِيدَ بَهْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ، وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ، وَمَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ: كَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص، وَغَيْرِهِ؛ بَلْ كُلُّ النَّاسِ كَانُوا مُنْكَرِينَ لِقَتْلِ عَمَّارٍ، حَتَّى مُعَاوِيَةُ، وَعَمْرٌو. وَالْفُقَهَاءُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ رَأْيُهِ الْقِتَالُ مَعَ مَنْ قَتَلَ عَمَّارًا؛ لَكِنْ لَهُمْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ: مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْقِتَالَ مَعَ عَمَّارٍ وَطَائِفَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِمْسَاكَ عَنْ الْقِتَالِ مُطْلَقًا. وَفِي كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ طَوَائِفُ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ. فَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَمَّارٌ، وَسَهْلُ بْنُ حنيف، وَأَبُو أَيُّوبَ. وَفِي الثَّانِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة؛ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَنَحْوُهُمْ. وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْأَكَابِرِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَسْكَرَيْنِ بَعْدَ عَلِيٍّ أَفَضْلُ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ مِنْ الْقَاعِدِينَ. (١) قال الأستاذ الدكتور محمد أمحزون في خاتمة كتابه القيم (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين): «إن موضوع النزاع والخلاف بين الصحابة ﵃ بعد مقتل عثمان ﵁ يجب أن ينظر إليه من زاويتين: الأولى: إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان ﵁؛ لأن كل من قُتِل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان ﵁ إنما يقع إثمه عليهم، فهم الذين فتحوا باب الفتنة وكل ما وقع بعد ذلك فإثمه ووزره عليهم، إذ كانوا هم السبب المباشر فيها، وهم الفئة المعتدية الظالمة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل وصفين وما تفرق عنها من أحداث وآراء ومواقف فتحت باب الخلاف والفرقة بين المسلمين. الثانية: إن ما حدث من جانب الصحابة ﵃ في هذه الفتنة يُحمَل على حسن النية والاختلاف في التقدير والاجتهاد، كما يحمل على وقوع الخطأ والإصابة، ولكنهم على كل حال كانوا مجتهدين وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وإن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا، وإنما كان اجتهادًا من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام. وقد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄ فقال: «فتنة عصم الله منها سيوفنا فلْنَعصِمْ منها ألسنتَنا» ـ يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه. وسئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: «قتال شهده أصحاب محمد ﵌ وغِبْنَا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتَّبَعْنا، واختلفوا فوقَفْنا». (٢) ويقول النووي ﵀ في شرحه لحديث (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ): «وَأَمَّا كَوْن الْقَاتِل وَالْمَقْتُول مِنْ أَهْل النَّار فَمَحْمُول عَلَى مَنْ لَا تَأْوِيل لَهُ، وَيَكُون قِتَالهمَا عَصَبِيَّة وَنَحْوهَا - ثُمَّ كَوْنه فِي النَّار مَعْنَاهُ مُسْتَحِقّ لَهَا، وَقَدْ يُجَازَى بِذَلِكَ، وَقَدْ يَعْفُو اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ، وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله مَرَّات، وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّل كُلّ مَا جَاءَ مِنْ نَظَائِره. وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاء الَّتِي جَرَتْ بَيْن الصَّحَابَة ﵃ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذَا الْوَعِيد، وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَالْحَقّ إِحْسَان الظَّنّ بِهِمْ، وَالْإِمْسَاك عَمَّا شَجَرَ بَيْنهمْ، وَتَأْوِيل قِتَالهمْ، وَأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَة وَلَا مَحْض الدُّنْيَا، بَلْ اِعْتَقَدَ كُلّ فَرِيق أَنَّهُ الْمُحِقّ، وَمُخَالِفه بَاغٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِتَاله لِيَرْجِع إِلَى أَمْر اللَّه. وَكَانَ بَعْضهمْ مُصِيبًا، وَبَعْضهمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأ؛ لِأَنَّهُ لِاجْتِهَادٍ، وَالْمُجْتَهِد إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْم عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلِيّ ﵁ هُوَ الْمُحِقّ الْمُصِيب فِي تِلْك الْحُرُوب. هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة، وَكَانَتْ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَة حَتَّى إِنَّ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة تَحَيَّرُوا فِيهَا فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَلَمْ يَتَيَقَّنُوا الصَّوَاب، ثُمَّ تَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَته مِنْهُمْ» (٣). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: «وَاتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي

стр. 56

تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد وَقَدْ عَفَا اللهُ تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ» (١). إن كتابة تاريخ الخلفاء الراشدين بصفة خاصة وتاريخ الصحابة بصفة عامة ـ من زاوية الرصد الإسلامي ـ ضرورة لازمة للأمة الإسلامية وليست نافلة يمكن الاستغناء عنها» اهـ. (٢) إن البحث فيما شجر بين الصحابة ﵃، لا يقرب العبد إلى الله زلفى، فهم قد لقوا ربهم وهو أعلم بما شجر بينهم، فإن كان الأمر لا يقربك إلى الله زلفى وإنما قد يقودك إلى النار وأنت لا تعلم، فتجنبه أولى؛ إلا في حالة واحدة، وهي إن ظهر مبتدع مبطل يقدح فيهم بالباطل، فيجب الدفاع عنهم بحق وعدل مع التنبيه إلى أنه لا يدافع عن بعضهم فيقع في سب آخرين منهم، إنما يكون الدفاع عنهم ﵃ جميعًا، وإلا فيجب الصت والإمساك عما شجر بينهم. ومعنى الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃، هو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات، ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقّص لفئة والانتصار لأخرى. وهذا هو الذي دل عليه الحديث الثابت عند الطبراني وغيره أن رسول الله ﵌ قال: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» (٣). وقد فسر المناوي الحديث بأن معناه: ما شجر بينهم ـ أي الصحابة ـ من الحروب والمنازعات (٤).

стр. 57

وإذا كانت أعراض المسلمين بشكل عام مصونة في الإسلام، فأعراض الصحابة وهم أهل الفضل والسابقة والجهاد أولى بالصيانة، والدفاع عنهم قربة لله وتقديرٌ لمآثرهم وجهادهم. لماذا هذه العناية بأعراض الصحابة ﵃ ولماذا الدفاع عنهم ؟ إن مكمن الخطر في سبهم أو التعريض بهم وبعدالتهم، فهم نقلة الدين والطعن فيهم وسيلة للطعن في الدين. ولما كان أصحاب رسول الله ﵌ هم قدوتنا في ديننا وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية، الذين حملوا عنهم أماناتهم حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرتهم كل ما ألصق بهم من إفك ظلمًا وعدوانا .. حتى تكون صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فنحسن الاقتداء بهم وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم. والطعن فيهم طعنٌ في الدين الذي هم ورائه. وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة. وإن من أسوأ الأخطاء المنهجية والتربوية معًا، تدريس الحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة لتلاميذ المدارس، مع ما يصاحب ذلك من تشويه في العرض، وتقصير في تعريف التلاميذ بمنزلة الصحابة وفضلهم وحقهم على الأمة، حيث ينشأ عن ذلك تعارض في أذهانهم بين الصورة الفطرية التي تصوروها عن أصحاب رسول الله ﵌، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الاستقامة، وبين الصورة التي تلقوها من المدرسة، فلا يستطيعون معرفة الحق من ذلك ولا يستوعبونه نظرًا لصغر سنهم، ولقلة ثقافتهم، حتى لو حاولت أن توضح لهم الصورة الصحيحة فإنهم لا يكادون يقتنعون لأن الشبهة التي أثيرت قد انقدحت في أذهانهم.

стр. 58

معاوية بن أبي سفيان ﵄ في سطور - هو خال المؤمنين (١)، وكاتب وحي رسول الله رب العالمين ﵌، أمير المؤمنين ملك الإسلام، أبو عبد الرحمن مُعاوية بن أبي سُفيان ـ صَخْر بن حَرْب ـ بن أُمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب القرشي الأمويُ المكي، يلتقي نسبُه مع النبيِّ ﵌ في عبدِ مَناف. · وأٌمُّه: هِند بنت عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس ﵂. - وُلد معاوية ﵁ قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة. - وكان معاوية ﵁ رجلًا طويلًا أبيضَ جميلًا مهيبًا أجلح (٢). · ومعاوية ﵁ لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذىً للنبي ﵌، لا بيد، ولا بلسان. · وبعد إسلام أبيه أبي سفيان ﵁:انتقلَ وأهله إلى المدينة، وآخى رسول الله ﵌ بين معاوية والحُتات بن يزيد المُجاشِعي، وتوفي النبي ﵌ وهو عن معاوية راضٍ. - وصحب معاوية رسول الله ﵌، وكتب الوحي بين يديه مع الكُتَّاب، وروى عن رسول الله ﵌ أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.

стр. 59

· رُوي له عن النبي ﵌ مائة حديث وثلاث وستون حديثًا، روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو الدرداء وجرير البجلي والنعمان بن بشير وغيرهم، ومن التابعين ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن وغيرهما. · مكث معاوية ﵁ عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان ﵄، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها. - فتح معاوية ﵁ قيسارية (١) سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. - وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص. - ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها. - ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان ﵃، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم، وكان الحق والصواب مع علي ﵁، ومعاوية ﵁ معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. - وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين ـ أهل العراق وأهل الشام ـ (٢).

стр. 60

- ولما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ﵄ ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي ﵁، وطمع في معاوية ملكُ الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي ﵄ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: «والله لئن لم تَنْتَهِ وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطَلِحَنَّ أنا وابن عمي عليك، ولأخرِجَنَّك من جميع بلادك، ولأضَيِّقَنَّ عليك الأرض بما رحبت». فعند ذلك خاف ملك الروم وانكَفَّ، وبعث يطلب الهدنة (١). - ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي ﵄ فانعقدت الكلمة على معاوية ﵁، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين للهجرة، فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم تَرِدُ إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو. - وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلًا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. - وفيها أو في التي بعدها غزا ابنه يزيد بلاد الروم فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في صحيح البخاري قول النبي ﵌: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِى يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ». · وكان معاوية ﵁ من الموصوفين بالدهاء والحِلم.

стр. 61

· وكان يُضرَب بحِلم معاوية ﵁ المثل. - وكان معاوية ﵁ أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب، وديوان الخاتم شبيه بدائرة السجلات أو الأرشيف العام في الوقت الحاضر. · وقد عين معاوية ﵁ موظفين مشرفين على هذا الديوان. · توفي معاوية ﵁ بدمشق في رجب سنة ستين. · أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: «اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي»، ثم مات ﵀. - وقد ورد من غير وجه أنه أوصى أن يكفن في ثوب رسول الله ﵌ الذي كساه إياه، وكان مدخرًا عنده لهذا اليوم. - ومن أشهر أولاده يزيد. · وعاش معاوية ثمانية وسبعين عامًا، وقيل غيرُ ذلك، ﵁.

стр. 62

أبو سفيان بن حرب والد معاوية ﵄ - كان أبو سفيان ﵁ من سادات قريش ومن عتاة الجاهلية الذين حاربوا الإسلام. إلا أن الله أراد الهداية له؛ فأسلم قبل فتح مكة بقليل، وقد حَسُن إسلامُه وقدم خدمات جليلة للإسلام، فقد كان مع رسول الله ﵌ في حُنَيْن، وشارك في حصار الطائف وفقد إحدى عينيه فيها، وفي اليرموك فقد الثانية، وبعد ثقيف أرسله رسول الله ﵌ مع المغيرة بن شعبة ﵁ لهدم اللات ـ صنم ثقيف ـ، وقد كانت اللات معظمة عند قريش كذلك، وكانوا يحلفون بها. ورُوي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: «يا نصر الله اقترب، والمسلمون يقتتلون هم والروم»، فذهبتُ أنظر فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد». ورُوي أنه كان يوم اليرموك يقف على الكراديس: فيقول للناس: الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهمَّ هذا يوم من أيامك، اللهمَّ أنزل نصرك على عبادك» (١).

стр. 63

هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية ﵄ - أسلمت ﵂ يوم الفتح، بعد إسلام زوجها أبي سفيان ﵁، ولما فرغ رسول الله ﵌ من بيعة الرِّجال، بايع النساء، وفيهنَّ هند بنت عتبة، وقد بايعن رسول الله ﵌ من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء، ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلّها الله له، أو ذات محرم منه. ولما أسلمت هند وبايعت عادت إلى بيتها فجعلت تكسر صنمًا كان عندها وهي تقول: «كنتُ مِنْكَ في غرور» (١). موقف في الجاهلية: وكان لهند في جاهليتها موقف مع زينب بنت رسول الله ﵌، فقد كانت بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وأرسل النبيُّ ﵌ من يأتيه بها إلى المدينة، وكان ذلك بعد (غزوة بدر) ولم تجِفّ دماء قريش بعد، وكانت هند قد أصيبت بأبيها وأخيها وعمها، وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تُذكي نار الثأر، وتؤجج أوار الحرب. وفي الطريق لقِيَتْ زينب بنت رسول الله ﵌، وكان قد تسرَّب خبر استعدادها للخروج لأبيها فقالت هند: «أي بنت محمد: بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك!! .. أي ابنة عمي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلي أبيك، فعندي حاجتك فلا تستحي مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال». تروي زينب ﵂ ذلك، وتقول: «ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل».

стр. 64

ثم يوم خروج زينب يتعرض لها رجال من قريش، يريدون إرجاعها، فتسقط من على ناقتها وكانت حاملًا، فتنزف، وتسمع هند، فتخرج مسرعة، وتقول لقومها: «أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟». وتحُولُ بينهم وبين زينب وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها، وتصلح شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمن وأمان» (١).

стр. 65

من إخوان وأخوات معاوية ﵁ - يزيد بن أبي سفيان ﵁: كان يقال له يزيد الخير، أسلم يوم الفتح وشهد حُنَيْنًا، واستعمله أبو بكر ﵁ على أول الجيوش التي أرسلها إلى الشام. ولما فُتِحَت الشام في عهد الفاروق عمر وَلّى يزيدَ بنَ أبي سفيان فلسطين وناحيتها، ثم لما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فلما مات معاذ بن جبل استخلف يزيد بن أبي سفيان، ثم مات يزيد فاستخلف أخاه معاوية ﵃ جميعًا. أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂: هي رملة بنت أبي سفيان زوج النبي ﵌ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها، ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وكانت قبل النبي ﵌ عند عبيد الله بن جحش بن رباب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة ومات زوجها ﵁ بالحبشة (١)،وهي أقرب أزواجه نسبًا إليه وأكثرهن صداقًا ﵁ اوأرضاها (٢). قال الإمام الذهبي عنها: «وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ الرَّسُوْلِ ﵌ لَيْسَ فِي أَزْوَاجِهِ مَنْ هِيَ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلاَ فِي نِسَائِهِ مَنْ هِيَ أَكْثَرُ صَدَاقًا مِنْهَا، وَلاَ مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَهِيَ نَائِيَةُ الدَّارِ أَبْعَدُ مِنْهَا. عُقِدَ لَهُ ﵌ بِالحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ صَاحِبُ الحَبَشَةِ أَرْبَعَ مائَةِ دِيْنَارٍ، وَجَهَّزَهَا بِأَشْيَاءَ (٣).

стр. 66

تاريخ إسلام معاوية ﵁ - اختَلف العلماء في تحديده على قولين مشهورين، أحدهما أنه أسلم في فتح مكة سنة ثمان، والآخر أنه قَبل ذلك، ولكلّ من الفريقين أدلتُهم. ورجَّح الحافظ ابن حجر في (الإصابة) أن معاوية ﵁ أسلم سنة سبع من الهجرة، وجَزَم في (تقريب التقريب) أيضا أنه أسلم قبل الفتح. وقد قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي: «أسلم قبل أبيه في عُمرة القَضاء، وبقيَ يخاف من الخروج إلى النبي ﵌ من أبيه»، ثم قال: «وأظهر إسلامه يوم الفتح» (١). قال الحافظ ابن كثير: «ورُوِي عنه أنه قال: أسلمتُ يوم القضية ولكن كتمتُ إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه، فقلت له: «لم آل نفسي جهدًا». عن عمر بن عبد الله العنسي قال: قال معاوية: «لما كان عامُ الحُديبية، وصدُّوا رسول الله ﵌ عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: «إياك أن تخالف أباك»، فأخفيتُ إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله ﵌ من الحديبية وإنّي مصدّقٌ به، ودخل مكة عام عُمرة القضية وأنا مسلم. وعلم أبو سفيان بإسلامي، فقال لي يومًا: «لكن أخوك خيرٌ منك وهو على ديني»، فقلت: «لم آلُ نفسي خيرًا»، وأظهرتُ إسلامي يوم الفتح، فرحَّب بي النبيُّ ﵌، وكتبتُ له» (٢).

стр. 67

حقيقة ما حدث بين علي ومعاوية ﵄ - يرجع أصل هذه القضية إلى استشهاد عثمان بن عفان ﵁ على أيدي المنافقين وتأجيل علي ﵁ إقامة القصاص على قتلة عثمان، مما أدى إلى مطالبة معاوية لعلي بتسليمه قتلة عثمان. قال الحافظ ابن حجر: «وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ فِي (كِتَاب صِفِّينَ) فِي تَأْلِيفه بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوَ أَنْتَ مِثْله؟». قَالَ: لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا وَأَنَا اِبْن عَمّه وَوَلِيّه أَطْلُب بِدَمِهِ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَع لَنَا قَتَلَة عُثْمَان». فَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: «يَدْخُل فِي الْبَيْعَة وَيُحَاكِمهُمْ إِلَيَّ». فَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُيُوش مِنْ الْعِرَاق حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَة حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمّ لَهُمْ أَمْر، فَوَقَعَ الْقِتَال») (١). فأصل الخلاف لم يكُنْ حول اعتراض معاوية على أحقية علي بالخلافة، بل كان بسبب تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان إذ كان علِيٌّ يرى تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان حتى تستتب له الأمور بعد استشهاد عثمان ﵃ أجمعين. ولا شك أن الحق الذي سعى إليه علي ﵁ مقدم على الحق الذي سعى له معاوية ﵁، إذًا فالمسألة تتعلق بالأولويات وهو ما فقهه علي ﵁.

стр. 68

وروى ابن عساكر من طريق سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند عليّ يوم صِفِّين ـ أو يوم الجمل ـ فذكرنا الكفر، قال: «لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغَيْنَا عليهم، وزعمْنا أنهم بغَوْا علينا؛ فقاتلناهم على ذلك» (١). يقول الحافظ ابن كثير: «ثم كان ما كان بينه ـ أي معاوية ـ وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم ... وكان الحق والصواب مع علي، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا» (٢)). ويقول ابن خلدون: «ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي، أو لإيثار باطل، أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم، وينزع إليه ملحد، وإنما اختلف اجتهادهم في الحق، وسفه كل واحد نظر صاحبه في اجتهاده في الحق، فاقتتلوا عليه، وإن كان المصيب عليًّا، فلم يكن معاوية قائمًا فيها بقصد الباطل وإنما قصد الحق وأخطأ، والكل كانوا في مقاصدهم على الحق» (٣). وخلاصة القول أن عليًّا ومعاوية ﵄ كانا يسعيان إلى الحق ولا شيء سوى ذلك، لكن عليًا كان هو الأقرب إلى الحق والدليل في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ». وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر عَنْ أَبِي الْقَاسِم اِبْن أَخِي أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى عَمِّي فَقَالَ لَهُ: «إِنِّي أُبْغِض مُعَاوِيَة»، قَالَ لَهُ: «لِمَ؟»، قَالَ: «لِأَنَّهُ قَاتَلَ عَلِيًّا بِغَيْرِ

стр. 69

حَقّ»؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو زُرْعَة: «رَبّ مُعَاوِيَة رَبّ رَحِيم، وَخَصْم مُعَاوِيَة خَصْم كَرِيم، فَمَا دُخُولُك بَيْنَهُمَا؟» (١). وشهد شاهد من أهلها: تذكر مصادر الشيعة الاثني عشرية أن معاوية ما قاتل عليًّا إلا في أمر عثمان ﵃، وهذا هو ما يؤكده عليّ ﵁ فقد أورد الشيعي الشريف الرضي في كتابه (نهج البلاغة) خطبة نسب فيها لعليٍّ ﵁ قوله: «وبدءُ أمرِنا أنّا التقَينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (٢). فهذا عليّ ﵁ يؤكد أن الخلاف بينه وبين معاوية هو مقتل عثمان ﵃ جميعًا وليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي الشيعة، ويقرر أن معاوية وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان. ولقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا ﵁ كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق». وروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا ﵇ لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٣).

стр. 70

التحكيم (١) إن أمير المؤمنين عليًّا ﵁ قَبِلَ وقف القتال في صِفِّين (٢) ورضي التحكيم وعَدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلّق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح من جديد. ولكن قتلة عثمان كانوا حريصين على أن تستمر المعركة بين الطرفين، حتى يتفانى الناس، وتضعف قوة الطرفين، فيكونوا بمنأى عن القصاص والعقاب، ولذلك فإنهم فزعوا وهم يرون أهل الشام يرفعون المصاحف، وعليٌّ ﵁ يجيبهم إلى طلبهم فيأمر بوقف القتال وحقن الدماء فسعوا إلى محاولة ثَنْي أمير المؤمنين في عزمه لكن القتال توقف، فسقط في أيديهم، فلم يجدوا بدًا من الخروج على عليٍّ ﵁ فاخترعوا مقولة (الحكم لله) وتحصنوا بعيدًا عن الطرفين. تم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صِفِّين، وهو أن يحكّم كل واحد منهما رجلًا من جهته ثم يتّفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص ووكل عليُّ أبا موسى الأشعري ﵃ جميعًا، وكُتِبَ بين الفريقين وثيقة في ذلك، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في شهر رمضان سنة ٣٧هـ. وقد رأى قسم من جيش علي ﵁ أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر فعليه أن يتوب إلى الله تعالى وخرجوا عليه فسموا الخوارج، فأرسل علي ﵁ إليهم عبد الله بن عباس ﵄ فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم عليٌّ ﵁ بنفسه فرجعت طائفة منهم

стр. 71

وأبَتْ طائفةٌ أخرى، فجرت بينهم وبين علي ﵁ حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابَه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة. نَصّ وثيقة التحكيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ـ هذا ما تقاضى عليه عليُّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما، فيما تراضَيَا فيه من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﵌. ٢ـ قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم، قضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم. ٣ ـ إنّا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحْيى ونُميت ما أمات. على ذلك تقاضينا وبه تراضينا. ٤ ـ وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس (١) ناظرًا وحاكمًا، ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا. ٥ ـ عليٌّ ومعاوية ﵄ أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذِمّته وذِمّة رسوله، أن يتخذا القرآن إمامًا ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا وما لم يجدا في الكتاب ردّاه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافًا، ولا يبقيان فيها بشبهة. ٦ ـ وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على عليٍّ ومعاوية عهدَ الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه وليس لهما أن ينقُصا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره. ٧ ـ وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما، لم يَعْدُوَا الحق، رضي به راض أو سخط ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما في كتاب الله.

стр. 72

٨ ـ فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلًا من أهل المعدلة والصلاح، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق. ٩ ـ وإن مات أحد الأميرين قبل إنقضاء الأجل المحدود في هذه القضية، فلشيعته أن يُوِلوّا مكانه رجلًا يرضون عدله. ١٠ ـ وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ورفع السلاح. ١١ ـ وقد وجبت القضية على ما سمّيناه في هذا الكتاب، من موقع الشرط على الأميرين والحَكمين والفريقين والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا، فإن خالفا وتعدّيا، فالأمّة بريئة من حُكمهما، ولا عهد لهما ولا ذِمّة. ١٢ ـ والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوع، والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر. ١٣ ـ وللحَكمين أن ينزلا منزلًا متوسطًا عدلًا بين أهل العراق والشام. ١٤ ـ ولا يحضرهما فيه إلا من أحبَّا عن تراضٍ بينهما. ١٥ ـ والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحَكمان تعجيل الحكومة عجّلاها، وإن رَأَى تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها. ١٦ ـ فإن هما لم يحكُما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب. ١٧ ـ وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعًا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا. وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين (١).

стр. 73

بطلان قصة التحكيم المشهورة (١) إن قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة وقد تاه فيها كثير من الكتاب، وتخبط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام وخصوصًا: أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وبأنه كان على جانب كبير من الغفلة؛ ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضيّة التحكيم، ووصفوا عمرو بن العاص ﵁ بأنه كان صاحب مكر وخداع. فكل هذه الصفات الذميمة حاول المغرضون والحاقدون على الإسلام إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين الذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدّى إلى قتل الكثير من المسلمين. وقد تعامل الكثير من المؤرخين والأدباء والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام ﵃ على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها، وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها، وليعلم

стр. 74

أن كلامنا هذا ينصب على التفصيلات لا على أصل التحكيم حيث أن أصله حق لا شك فيه (١). إن قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية ـ رضي الله عن الجميع ـ مشهورة ذائعة في كتب الأخباريين وأهل الأدب، وفيها ما فيها من لمز الصحابة ﵃ بما ليس من أخلاقهم. لقد كثر الكلام حول هذه القصة الباطلة، وتداولها المؤرخون والكتاب على أنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، فهم بين مطيل في سياقها ومختصر وشارح ومستنبط للدروس وبانٍ للأحكام على مضامينها وقلما تجد أحدًا وقف عندها فاحصًا محققًا، وقد أحسن ابن العربي في ردها إجمالًا دون أن يُفَصّل وفي هذا دلالة على قوة حاسته النقدية للنصوص. وقد فند هذه القصة الباطلة: الدكتور يحيى اليحيى في (مرويات أبي مخنف). وقد أجاد الشيخ محمد العربي التباني في إبطالها في رده على محمد الخضري المؤرخ في كتابه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري). إن جميع متون قصة التحكيم لا يمكن أن تقوم أمام معيار النقد العلمي، بل هي باطلة من عدة وجوه (٢). الوجه الأول: أن جميع طرقها ضعيفة، وأقوى طريق وردت فيه هو ما أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند رجالة ثقات عن الزهري مرسلًا قال: قال الزهري: فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراق، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص فتعرق أهل صِفِّين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا من خفض

стр. 75

القرآن، وأن يختار لأمّة محمد ﵌، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح. فلما انصرف عليّ خالفت الحرورية وخرجت ـ وكان ذلك أول ما ظهرت ـ فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: أن حكَّم ابن آدم في حكم الله ، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشّام، وأبَى علي وأهل العراق أن يوافوا، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يفترقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك. قال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأرجعهما، فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمّة، قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، وقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأيًا، فيكم بقية المسلمين. فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد. فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشّام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها فكتبها أبو موسى. قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟ فسَمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك علَيَّ أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني!
следующие страницы →