وما شجر بينهم غايته أن يكون ذنبًا والذنوب مغفورة بأسباب متعددة هم أحق بها ممن بعدهم وما تجد أحدًا قدح فيهم إلا وهو يغضي عما هو أكبر من ذلك من زلات غيرهم وهذا من أعظم الجهل والظلم.
وهؤلاء الرافضة يقدحون فيهم بالصغائر وهم يغضون عن الكفر والكبائر فيمن يعاونهم من الكفار والمنافقين كاليهود والنصارى والمشركين والإسماعيلية والنصيرية وغيرهم؛ فمن ناقش المؤمنين على الذنوب وهو لا يناقش الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم بل وربما يمدحهم ويعظمهم دل على أنه من أعظم الناس جهلًا وظلمًا إن لم ينته به جهله وظلمه إلى الكفر والنفاق.
ومما يبين تناقضهم أنه ذكروا معاوية ومحمد بن أبي بكر وأنهم سموا هذا خال المؤمنين ولم يسموا هذا خال المؤمنين ولم يذكروا بقية من شاركهما في ذلك وهم أفضل منهما كعبد الله بن عمر بن الخطاب وأمثاله.
وقد بينا أن أهل السنة لا يخصون معاوية ﵁ بذلك وأما هؤلاء الرافضة فخصوا محمد بن أبي بكر بالمعارضة وليس هو قريبًا من عبد الله بن عمر في عمله ودينه بل ولا هو مثل أخيه عبد الرحمن بل عبد الرحمن له صحبة وفضيلة.
ومحمد بن أبي بكر إنما وُلد عام حجة الوداع بذي الحليفة ولم يدرك من حياة النبي ﵌ إلا خمس ليال من ذي القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر وأوائل شهر ربيع الأول ولا يبلغ ذلك أربعة أشهر.
ومات أبوه أبو بكر وتزوج علىٌّ ﵄ بعد أبي بكر بأمه أسماء بنت عميس ﵂ فكان ربيب على وكان اختصاصه بعلي لهذا السبب.
* وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر محبة محمد بن أبي بكر لعليّ، ومفارقته لأبيه»، فكَذِبٌ بَيِّنٌ، وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلًا له أقل من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيمًا لأبيه، به كان يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس.
стр. 177
وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر، أن محمدًا هذا كان يحب عليًّا، ومعاوية كان يبغضه».
فيقال: هذا كذب أيضًا؛ فإن عبد الله بن عمر ﵄ كان أحق بهذا المعنى مِن هذا وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظِّمًا لعليّ ﵁، محبًا له، يذكر فضائله ومناقبه، وكان مبايعًا لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة وتعظيمًا له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه خال المؤمنين.
فعُلم أنه ليس سبب ذلك ما ذكره.
وأيضًا فأهل السنّة يحبون الذين لم يقاتلوا عليًّا ﵁ أعظم مما يحبون مَن قاتَله، ويفضِّلون مَن لم يقاتله على من قاتله، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر ﵃. فهؤلاء أفضل من الذين قاتلوا عليًّا عند أهل السنة.
والحب لعليّ ﵁ وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله.
وهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم من أشد الناس ذَبًّا عنه، وردًّا على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب، لكن لكل مقام مقال.
والرافضة لا يمكنهم أن يثبتوا وجوب موالاته كما يمكن لأهل السنة.
وأهل السنة متفقون على ذم الخوارج الذين هم أشد بغضًا له وعداوة من غيرهم.
وأهل السنة متفقون على وجوب قتالهم، فكيف يفتري المفتري عليهم بأنَّ قَدْح هذا لبغضه عليًّا وذَمّ هذا لحبه عليًّا، مع أنه ليس من أهل السنة من يجعل بغض عليّ طاعة ولا حسنة، ولا يأمر بذلك، ولا من يجعل مجرد حبه سيئة ولا معصية، ولا ينهى عن ذلك.
стр. 178
وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبه، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبَّه، وكارهون لذلك.
وأهل السنة من أشد الناس بغضًا وكراهة لأن يُتعرض لعلي ﵁ بقتال أو سبّ، بل هم كلهم متفقون على أنه أجلّ قدرًا، وأحق بالإمامة، وأفضل عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من معاوية وأبيه وأخيه يزيد الذي كان خيرًا منه، وعليّ أفضل ممن هو أفضل من معاوية ﵁.
فالسابقون الأولون الذين بايعوا تحت الشجرة كلهم أفضل من الذين أسلموا عام الفتح، وفي هؤلاء خلق كثير أفضل من معاوية، وأهل الشجرة أفضل من هؤلاء كلهم، وعليّ ﵁ أفضل جمهور الذين بايعوا تحت الشجرة، بل هو أفضل منهم كلهم إلا الثلاثة، فليس في أهل السنة من يقدّم عليه أحدًا غير الثلاثة ـ أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ـ، بل يفضّلونه على جمهور أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
وممن أسلم بعد الحديبية خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشيبة الحجبي وغيرهم. وأما سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان بن حرب، وابناه يزيد ومعاوية، وصفوان بن أمية، وغيرهم، فهؤلاء مسلمة الفتح.
ومن الناس من يقول: إن معاوية ﵁ أسلم قبل أبيه، فيجعلونه من الصنف الأول.
فإذا كانت هذه مراتب الصحابة عند أهل السنة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهم متفقون على تأخر معاوية وأمثاله من مسلمة الفتح عمَّن أسلم بعد الحديبية، وعلى تأخر هؤلاء عن السابقين الأولين أهل الحديبية، وعلى أن البدريين أفضل من غير البدريين، وعلى أن عليًا أفضل من جماهير هؤلاء ـ لم يُقدَّم عليه أحد غير الثلاثة، فكيف يُنْسَبُ إلى أهل السنة تسويته بمعاوية، أو تقديم معاوية عليه ﵄؟
стр. 179
الشبهة السابعة
قالوا: إن أهل السنة سموه كاتب الوحي ولم يكتب للنبي ﵌ كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل. وقد كان بين يدي النبي ﵌ أربعة عشر نفسًا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب ﵁، مع أن معاوية لم يزل مشركًا بالله تعالى في مدة كَوْن النبي ﵌ مبعوثًا، يُكذِّب بالوحي ويهزأ بالشرع.
الجواب:
* أما قول الشيعة: «وسمّوه كاتب الوحي ولم يكتب كلمة واحدة من الوحي».
فهذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل؟
وقولهم: «إن كتاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصّهم وأقربهم إليه عليّ».
فلا ريب أن عليًّا ﵁ كان ممن يكتب له أيضًا، كما كتب الصلح بينه وبين المشركين عام الحديبية، ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضًا، ويكتب له زيد بن ثابت بلا ريب.
وكتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وشُرحبيل بن حسنة ﵃.
* أما قولهم: «إن معاوية لم يزل مشركًا مدة كون النبي ﵌ مبعوثًا».
فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت النبي ﵌ بنحو ثلاث سنين، فكيف يكون مشركًا مدة البعث، ومعاوية ﵁ كان حين بُعث النبي ﵌ صغيرًا، ومعاوية ﵁ أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرًا ومحاربة للنبي ﵌ من معاوية ﵁.
стр. 180
فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقدَّمين للكفار يوم أحد، رؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان أبو سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة من أحسن الناس إسلامًا، وقُتِلوا ﵃ يوم اليرموك.
ومعاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذًى للنبي ﵌ لا بيد ولا بلسان فإذا كان مَن هو أعظم معاداة للنبي ﵌ مِن معاوية قد حَسُن إسلامه، وصار ممن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية ﵁ كذلك؟
وكان معاوية ﵁ من أحسن الناس سيرة في ولايته، وهو ممن حسن إسلامه، ولولا محاربته لعليّ ﵁ وتولِّيه الملك، لم يذكره أحد إلا بخير، كما لم يذكر أمثاله إلا بخير. وهؤلاء مسلمة الفتح ـ معاوية ونحوه ـ قد شهدوا مع النبي ﵌ عدة غزوات، كغزاة حُنين والطائف وتبوك، فله من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لأمثاله، فكيف يكون هؤلاء كفارًا وقد صاروا مؤمنين مجاهدين تمام سنة ثمان وتسع وعشر وبعض سنة إحدى عشرة؟
فإن مكة فُتحت باتفاق الناس في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، والنبي ﵌ باتفاق الناس توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، والناس كلهم كانوا كفارًا قبل إيمانهم بما جاء به النبي ﵌، وكان فيهم من هو أشد عداوة للنبي ﵌ من معاوية وأسلم وحسن إسلامه، كأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﵌ كان من أشد الناس بُغضًا للنبي ﵌ وهجاء له قبل الإسلام.
وأما معاوية ﵁ فكان أبوه شديد العداوة للنبي ﵌، وكذلك أمه حتى أسلمت، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم).
(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.
стр. 181
قَوْله: (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ اِبْن التِّين: «فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ» (١).
قال ابن كثير: «فالمِدحة في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه ﵌ كان يَوَدُّ أن هندًا وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها» (٢).
والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ ﵌ لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). (الممتحنة:١٢) ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند.
وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ (الممتحنة:٧)، فإن الله جعل بين النبي ﵌ وبين الذين عادوه ـ كأبي سفيان وهند وغيرهما ـ مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.
стр. 182
الشبهة الثامنة
قالوا: «وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله ﵌، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيّره بإسلامه، ويقول: أصَبَوت إلى دين محمد؟ وكتب إليه:
يا صخر لا تُسلِمَنّ طوعًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدرٍ أصبحوا فرقا
جدّي وخالي وعمُّ الأم يا لهم ... قومًا وحنظلة المهدي لنا أرقا
فالموت أهون من قول الوشاة لنا ... خلّى ابن هند عن العزّى لقد فَرَقا
الجواب: أما قولهم: «كان باليمن يطعن على النبي ﵌، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيِّره بإسلامه، وكتب إليه الأبيات»، فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه أسلم قبل دخول النبي ﵌ مكة بمر الظهران ليلة نزل بها.
وهذا الشعر كذب على معاوية قطعًا؛ فإنه فيه:
فالموت أهون من قول الوشاة ... خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا
ومعلوم أنه بعد فتح مكة أسلم الناس وأُزيلت العُزَّى؛ بَعَثَ النبي ﵌ إليها خالد بن الوليد، فجعل يقول:
إني رأيت الله قد أهانك ... يا عزّ كفرانك لا سبحانك
وكانت قريبًا من عرفات، فلم يبق هناك لا عُزّى ولا من يلومهم على ترك العزّى، فعُلم أن هذا وضع بعض الكذّابين على لسان معاوية.
وهو كذّاب جاهل لم يعلم كيف وقع الأمر.
وعلى فرض أن هذا الكذب صحيح فقد أسلم معاوية ﵁ وحسن إسلامه والإسلام يجُبُّ ما قبله.
стр. 183
الشبهة التاسعة
قالوا: «الفتح كان في رمضان لثمان سنين من قدوم النبي ﵌ المدينة، ومعاوية مقيم على شركه، هارب من النبي ﵌؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي ﵌ مضطرًا، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي ﵌ بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله ﵌ فعفا، ثم شفع إليه أن يشرِّفه ويضيفه إلى جملة الكُتَّاب، فأجابه وجعله واحدًا من أربعة عشرة، فكم كان حظه من هذه المدة لو سلّمنا أنه كاتب الوحي حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟».
الجواب:
وأما قولهم: «إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي ﵌ المدينة»، فهذا صحيح.
وأما قولهم: «إن معاوية كان مقيمًا على شِرْكِهِ هاربًا من النبي ﵌؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي ﵌ مضطرًا فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي ﵌ بخمسة أشهر».
فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قول الشيعة: «إنه من المؤلفة قلوبهم»، والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي ﵌ عام حُنَين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية ﵁ ممن أعطاه منها، والنبي ﵌ كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هاربًا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت النبي ﵌ لم يعطَ شيئًا من غنائم حنين.
ومن كانت غايته أن يُؤَمَّن لم يحتج إلى تأليف.
стр. 184
وقد ذكر البياضي ـ وهو من علماء الشيعة ـ أن معاوية أظهر إسلامه في عام الفتح، فقال: «قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمانية من الهجرة» (١).
فهذا شاهد منهم ينقل أنه قد صح إظهار معاوية لإسلامه في السنة الثامنة ـ عام الفتح ـ وقوله حجة على من زعم تأخر ذلك.
وأقل أحوال معاوية أن يكون من الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم، وكونه منهم لا يقدح به لأن أكثر الطلقاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم.
وبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك.
ومما يبيّن كذب ما ذكره الرافضة أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي ﵌ قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
في تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجِّلوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أمانًا لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي ﵌ غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.
ولو كان لمعاوية ﵁ من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية ﵁ ممن أهدر دمه عام الفتح.
فهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره الشيعة.
والذين أهدر النبي ﵌ دماءَهم كانوا نفرًا قليلًا نحو العشرة.
وأبو سفيان كان أعظم الناس عداوة للنبي ﵌؛ فهو في غزوة بدر الذي أرسل إلى قريش ليستنفرهم، وفي غزوة أحد هو الذي جمع الأموال التي كانت معه
стр. 185
للتجارة، وطلب من قريش أن ينفقها في قتال رسول الله ﵌، وهو أعظم قواد الجيش يوم أحد، وهو قائد الأحزاب أيضًا، وقد أسلم أبو سفيان، وأمّنه النبي ﵌.
فكيف يُهدِر دم معاوية، وهو شاب صغير ليس له ذنب يختص به، ولا عُرف عنه أنه كان يحضُّ على عداوة النبي ﵌، وقد أمَّن رؤوس الأحزاب؟ فهل يَظُن هذا إلا مَن هو أجهل الناس بالسيرة؟ وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم مذكور في عامة الكتب المصنّفة في هذا الشأن.
* وأما قولهم: «إنه استحق أن يُوصف بذلك دون غيره».
ففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل هو واحد من كتّاب الوحي.
стр. 186
الشبهة العاشرة
قالوا: «إنه نزل فيه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ الآية (النحل:١٠٦)».
الجواب:
هذا باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكرِه عمّار وبلال على الكفر، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي ﵌ قد قَبِل إسلامه وبايعه.
وقد قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾
(آل عمران:٨٦ - ٨٩).
стр. 187
الشبهة الحادية عشرة
قالوا: «قد روى عبد الله بن عمر، قال: أتيت النبي ﵌ فسمعته يقول: «يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي»، فطلع معاوية.
وقام النبي ﵌ خطيبًا، فأخذ معاوية بيد ابنه زيدًا أو يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي ﵌: «لعن الله القائد والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة؟».
الجواب:
أولًا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه كذب.
ثانيًا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف.
وهذا المحتج به لم يذكر له إسنادًا، ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر ﵄، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية ﵁ معروف ثابت عنه.
قال ابن كثير: «وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: «ما رأيت أحدًا أسْوَد (١) من معاوية».
قال: قلت: «ولا عمر؟».
قال: «كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسوَد منه» (٢).
ثالثًا: إن خُطب النبي ﵌ لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وابنه كانا يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم.
стр. 188
أفَتَراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمَكَّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي ﵌ وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كانا يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟
ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله ﵌، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي ﵌.
وكيف يتخذ النبي ﵌ كاتبًا مَن هذه حاله؟
رابعًا: أما قولهم: «إنه أخذ بيد ابنه زيدًا أو يزيد»، فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان ﵁ باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله ﵌.
стр. 189
الشبهة الثانية عشرة
ما ذُكِرَ مِن حال جدّه أبي أمية عتبة بن ربيعة وخاله الوليد بن عتبة وعم أمه شيبة بن ربيعة وأخيه حنظلة وموتهم على الكفر.
الجواب:
هذا أمر يشترك فيه هو وجمهور قريش، فما منهم من أحد إلا وله أقارب كفار، قُتلوا كفارًا أو ماتوا كفارًا، فهل كان في إسلامهم فضيحة؟!
وقد أسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانا من خيار المسلمين، وأبواهما قتلا ببدر.
وكذلك الحارث بن هشام قُتل أخوه يوم بدر. وفي الجملة هذا طعن في عامة أهل الإيمان.
وهل يحل لأحد أن يطعن في عليّ ﵁ بأن عمه أبا لهب كان شديد العداوة للنبي ﵌، أو يطعن في العبّاس ﵁ بأن أخاه كان معاديًا للنبي ﵌، أو يعيّر عليًّا ﵁ بكفر أبي طالب أو يعير بذلك العباس؟ وهل مثل ذلك إلا مِن كلام مَن ليس مِن المسلمين؟
стр. 190
الشبهة الثالثة عشرة
قالوا: «كسر أبوه ثَنِيَّة النبي ﵌ (١)، وأكلتْ أمُّه كبدَ حمزة عم النبي ﵌».
الجواب:
لا ريب أن أبا سفيان بن حرب ﵁ كان ـ قبل إسلامه ـ قائد المشركين يوم أُحُد، وكُسرت ذلك اليوم ثنيّة النبي ﵌، كسرها بعض المشركين. لكن لم يقل أحد: إن أبا سفيان باشر ذلك، وإنما كسرها عُتبة بن أبي وقاص (٢)، ورُوِىَ أن هندًا أخذت كبد حمزة فلاكَتْها (٣)، فلم تستطع أن تبلعها فلفظتها (٤).
وإن صح ذلك فقد كان هذا قبل إسلامهما، ثم بعد ذلك أسلما وحسن إسلامهما، وهند كان النبي ﵌ يكرمها، والإسلام يَجُبٌّ ما قبله (٥).
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال:٣٨).
стр. 191
الشبهة الرابعة عشرة
قالوا: «إن معاوية سمَّ الحسن بن عليٍّ ﵄».
الجواب:
أولا: هذا الادعاء باطل وذلك لأسباب وهي:
أـ أنه لم يثبت أي دليل صحيح عليه، وإن كان عند الشيعة نقل ثابت عن عدل فليرشدونا إليه لا أن يتهموا صحابيًا دون أن يأتوا ببينة على ادعائهم.
ومثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم.
ب ـ كان الناس في تلك المرحلة في حالة فتنة تتصارعهم الأهواء وكل فرقة تنسب للأخرى ما يذمها وإذا نقل لنا ذلك فيجب ألا نقبله إلا إذا نقل بعدل ثقة ضابط.
جـ ـ إن هذه الحادثة ـ قصة دس السم من قبل معاوية للحسن ـ تستسيغها العقول في حالة واحدة فقط؛ وهي كون الحسن بن علي ﵄ رفض الصلح مع معاوية ﵁ وأصر على القتال، ولكن الذي حدث أن الحسن صالح معاوية ﵄ وسلم له بالخلافة طواعية وبايعه عليها، فعلى أي شيء يقدم معاوية على سم الحسن ﵄؟؟!!
هـ- لا نلمس لهذه القضية أثرًا في قضية قيام الحسين ﵁، أو حتى عتابًا من الحسين لمعاوية ﵄. ولو كان هذا حقًا لذُكِرَ ذلك.
ثانيًا: أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
١ - قال ابن العربي ﵀:
«فإن قيل: دس ـ أي معاوية ـ على الحسن مَن سَمَّه، قلنا هذا محال من وجهين:
أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلّم الأمر.
الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه، في زمن متباعد، لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة
стр. 192
وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه مالا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم» (١).
٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما قوله: إن معاوية سم الحسن، فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم» (٢).
٣ - قال الذهبي ﵀: «قلت: هذا شيء لا يصح فمن الذي اطلع عليه». (٣)
٤ - قال ابن كثير ﵀: «وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: «إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟».
وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (٤).
٥ - قال ابن خلدون (٥): «وما نقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث، فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية من ذلك».
ثالثًا: إن الذي نُقِلَ لنا عن حادثة سم الحسن بن علي ﵁ روايات متضاربة ضعيفة.
بعضها يقول أن الذي دس السم له هي زوجته.
стр. 193
وبعضها يقول أن أباها الأشعث بن قيس هو الذي أمرها بذلك (١).
وبعضها يتهم معاوية ﵁ بأن أوعز إلى بعض خدمه فسمّه.
وبعضها يتهم ابنه يزيد.
وهذا التضارب في حادثة كهذه، يضعف هذه النقول؛ لأنها يعزوها النقل الثابت بذلك، والرافضة ـ خيبهم الله ـ لم يعجبهم من هؤلاء إلا الصحابي الجليل معاوية ﵁ يلصقون به التهمة، مع أنه أبعد هؤلاء عنها.
رابعًا: إن من الدلالة على ضعف تلك الاتهامات وعدم استنادها إلى معقول أو محسوس، ما ذكر حول علاقة جعدة بنت قيس بمعاوية ويزيد، حيث زعموا أن يزيد بن معاوية أرسل إلى جعدة بنت قيس أن سُمّي حسنًا فإني سأتزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء، فقال: «إنا والله لم نرضك له أفنرضاك لأنفسنا».
ولعل الناقد لمتن هذه الرواية يتجلى له عدة أمور:
* هل معاوية ﵁ أو ولده يزيد بهذه السذاجة ليأمرا امرأة الحسن بهذا الأمر الخطير، الذي فيه وضع حد لحياة الحسن بن علي ﵄ غيلة، وما هو موقف معاوية أو ولده أمام المسلمين لو أن جعدة كشفت أمرهما؟!
стр. 194
* هل جعدة بنت الأشعث بن قيس بحاجة إلى شرف أو مال حتى تسارع لتنفيذ هذه الرغبة من يزيد، وبالتالي تكون زوجة له، أليست جعدة ابنة أمير قبيلة كندة كافة وهو الأشعث بن قيس، ثم أليس زوجها وهو الحسن بن علي أفضل الناس شرفًا ورفعة بلا منازعة، إن أمه فاطمة ﵂ وجده الرسول ﵌ وكفى به فخرًا، وأبوه علي ابن أبي طالب ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، إذًا ما هو الشيء الذي تسعى إليه جعدة وستحصل عليه حتى تنفذ هذا العمل الخطير؟!
* ولو كانت هي التي فعلت ذلك لما خفي ذلك على الحسن أو الحسين ﵄ ولأقاموا عليها الحد فلمّا لم يفعلوا ذلك دلَّ على أن هذا الأمر لا يستقيم.
خامسًا: إذا كان معاوية ﵁ يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة ﵃، ولن تقتصر التصفية على الحسن ﵁ فقط.
سادسًا: إن بقاء الحسن من مصلحة معاوية ﵄ في بيعة يزيد، فإن الحسن كان كارهًا للنزاع وفرقة المسلمين، فربما ضمن معاوية رضاه، وبالتالي يكون له الأثر الأكبر في موافقة بقية أبناء الصحابة.
سابعًا: إن هناك الكثير من أعداء الحسن بن علي ﵁، قبل أن يكون معاوية هو المتهم الأول:
فهناك السبئية الذين وجه لهم الحسن صفعة قوية عندما تنازل عن الخلافة لمعاوية وجعل حدًا لصراع المسلمين.
وهناك الخوارج الذين قاتلهم أبوه علي بن أبي طالب ﵁ في النهراون، وهم الذين طعنوه في فخذه، فربما أرادوا الانتقام من قتلاهم في النهروان وغيرها.
ثامنًا: إن ثبت موت الحسن ﵁ بالسم، فهذه شهادة له وكرامة في حقه كما قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
стр. 195
ولمزيد فائدة راجع كتاب: (أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري) للدكتور محمد نور ولي (١) وكتاب (مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية) للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (٢) لتقف على الكم الهائل من الروايات المكذوبة على معاوية ﵁ من قِبَل الشيعة في قضية سم الحسن ﵁.
إن أحد مؤرخي الشيعة وهو ابن رستم في كتابه: دلائل الإمامة (٣) قد بالغ في اتهام معاوية ﵁، وادعى أنه سم الحسن ﵁ سبعين مرة فلم يفعل فيه السم، ثم ساق خبرًا طويلًا ضمنه ما بذله معاوية لجعدة من الأموال والضِياع لتَسُمّ الحسن، وغير ذلك من الأمور الباطلة.
стр. 196
الشبهة الخامسة عشرة
شبهة طلب معاوية بن أبي سفيان ﵄ للخلافة
قد شاع بين الناس قديمًا وحديثًا أن الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ كان سببه طمع معاوية في الخلافة، وأن خروج معاوية على علي وامتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام.
لكن الصحيح أن الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ كان حول مدى وجوب بيعة معاوية وأصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء.
فقد كان رأيُ معاوية ﵁ ومن حوله من أهل الشام أن يقتص علي ﵁ من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة.
يقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا» (١).
أما شيخ الإسلام فيقول: «ومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْنَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ» (٢).
ويذكر ابن كثير أن أبا الدرداء وأبا أمامة ﵄، دخلا على معاوية فقالا له: «يا معاوية! عَلَامَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله ﵌ وأحق بهذا الأمر منك». فقال: «أقاتله على دم عثمان، فاذهبا إليه فقولا: فليقدْنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام» (٣).
стр. 197
ويقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي ﵄ من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي؛ فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي» (١).
وتتضافر الروايات وتشير إلى أن معاوية ﵁ خرج للمطالبة بدم عثمان، وأنه صرح بدخوله في طاعة عليٍّ ﵁ إذا أقيم الحد على قتلة عثمان.
ولو افتُرِضَ أن معاوية ﵁ اتخذ قضية القصاص والثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعًا في السلطة، فماذا سيحدث لو تمكن عليٌّ من إقامة الحد على قتلة عثمان؟
حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي ومبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، ولا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع.
إن معاوية ﵁ كان من كتاب الوحي، ومن أفاضل الصحابة، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي ويريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، وهو القائل: «وَاللهِ، لاَ أُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، إِلاَّ اخْتَرْتُ اللهَ عَلَى مَا سِوَاهُ» (٢).
أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان ﵁ فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي ﵁ قبل مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان، بل ويلتمس منه أن يمكنه منهم، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، بل يدخل في الطاعة ويرفع دعواه إلى الحاكم ويطلب الحق عنده.
стр. 198
ويمكن أن نقول إن معاوية ﵁ كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم وذكّرهم أنه ولي عثمان ـ ابن عمه ـ وقد قُتل مظلومًا وقرأ عليهم الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣) ثم قال: أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان، فقام أهل الشام جميعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك وأعطوه العهود والمواثيق على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم (١).
стр. 199
الشبهة السادسة عشرة
ادعاء الشيعة على معاوية ﵁ أنه أخذ الخلافة بالقوة والقهر وحوّلها من الشورى إلى ملكية قيصرية بمبايعة ابنه يزيد.
الجواب:
١ـ لم يأخذ معاوية ﵁ الخلافة بالقوة والقهر وإنما سُلّمَتْ له من قبل الحسن بن علي ﵄ وذلك بعدما تم الصلح بينهما.
٢ـ عمل معاوية ﵁ جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية ـ وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد ـ سمح لها أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وكان يزيد وحيد أبيه، فأحب معاوية ﵁ أن يشب على حياة الشدة والفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد.
كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية؛ لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.
وعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية ﵁ كان من رواة الحديث، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث وبعض أخبار أهل العلم. وروى عنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد عده أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا (١).
стр. 200
وقد اختار معاويةُ دَغْفَلَ بن حنظلة السدوسي الشيباني مؤدبًا لولده يزيد، وكان دغفل علامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفًا بآداب اللغة العربية.
هذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة.
٣ - أما عن فكرة ولاية العهد، فقد بدأ معاوية ﵁ يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ففكر معاوية في هذا الأمر ورأى أنه إن لم يستخلف ومات ترجع الفتنة مرة أخرى.
فقام معاوية ﵁ باستشارة أهل الشام في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فجاءت الموافقة من مصر وباقي البلاد وأرسل إلى المدينة يستشيرها.
وقد خالف عبد الله بن الزبير والحسين ﵄ هذه الموافقة ولا يقدح ذلك في البيعة إذ لابد من مخالف لذلك، ومن هنا نعلم أن معاوية ﵁ حرص على موافقة الأمة على بيعة يزيد، ولو أراد معاوية الاستبداد وأخْذ البيعة ليزيد بالقوة والقهر كما يدعي الشيعة لاكتفى ببيعة واحدة، وفرضها على الناس فرضًا، وهذا ما لم يفعله معاوية بل قد خالف مَن خالف ولم يتخذ معاوية سبيل القوة لإرغامهم على البيعة.
وكان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها، لا على يزيد بعينه.
واعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليس لها أثر، وأن البيعة قد تمت، حيث أجمعت الأمة على هذه البيعة.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر ﵄ بايع يزيد وعندما قامت عليه الفتنة من المدينة جمع أهله وحذّرهم من الخروج على يزيد، فعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: «إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
стр. 201
وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِى هَذَا الأَمْرِ، إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ». (رواه البخاري).
فهذا ابن عمر ﵁ يعلن في أحرج المواقف ـ أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع ـ أن في عنقه كما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله ﵌، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال.
ولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد، بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه عَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً».
فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
قال الإمام ابن العربي المالكي: «وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: «إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا».
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: «دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﵌ حين استُخلِف يزيد بن معاوية فقال: «تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك.
ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسِعَهُم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟».
قلنا: لا.
قال: «أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم: لا أريقُ دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يَسَعُهم؟».
قلنا: «نعم».
قال: «فذلك ما أقول لكم».
.. و (الصاحب) الذي كنَّى عنه حميد بن عبد الرحمن هو عبد الله بن عمر، والله أعلم.
وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. وذلك لما في حلها ـ أو طلب الفضل ـ من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة» (١).
٤ـ ولقد كانت هناك أسباب كثيرة لتولية معاوية ابنه يزيد للعهد من بعده:
فهناك سبب سياسي:
وهو الحفاظ على وحدة الأمة، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلو بعضها بعضًا، وكان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة واحد، خاصة والقيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضًا فتقع الفتن والملاحم بين المسلمين مرة ثانية، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى.
وهناك سبب اجتماعي:
وهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد.
стр. 202
وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه:
فليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل واحد منهم فضيلته، وقد توفرت في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة، وكل هذه المزايا جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير.
٥ـ إن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه الفكرة مواقف شتى، ففيهم المعارض، ومنهم المؤيد، وكانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما أوردته بعض الروايات التاريخية من أن يزيد بن معاوية كان شابًا لاهيًا عابثًا، مغرمًا بالصيد وشرب الخمر، وتربية الفهود والقرود، والكلاب ... الخ.
ولكن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية، فإضافة إلى ما سبق من الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء.
قال الإمام ابن العربي المالكي: «فإن قيل: كان يزيد خمارًا.
قلنا: لا يحل قول ذلك إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه؟!!
بل شهد العدل بعدالته، فروى يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال الليث: «توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا»؛ فسماه الليث «أمير المؤمنين» بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا «توفي يزيد» (١).
ويروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب ﵄ ـ المعروف بابن الحنفية ـ دخل يومًا على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت، فقال له يزيد، وكان له مُكرمًا: «يا أبا القاسم، إن كنت رأيت مني خُلُقًا تنكره نَزَعتُ عنه، وأتيت الذي تُشير به علي؟».
стр. 203
فقال: «والله لو رأيت منكرًا ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرًا» (١).
كما أنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه والخروج معهم ضده، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع ـ الذي كان داعية لابن الزبير ـ مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبَى عليهم.
فقال ابن مطيع: «إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب».
فقال محمدبن الحنفية: «ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة».
قالوا: «ذلك كان منه تَصَنّعًا لك».
قال: «وما الذي خاف مني أو رجا حتى يُظهِر إليّ الخشوع؟
ثم أفأطْلَعَكم على ما تَذْكُرون من شرب الخمر، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا».
قالوا: «إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه».
فقال لهم: «أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء» (٢).
وقد شهد له ابن عباس ﵁ بالفضيلة وبايعه (٣).
٦ - إن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، من أمثال عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وأبي أيوب الأنصاري، على مصاحبة جيش يزيد في سيره
стр. 204
نحو القسطنطينية، فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة، وتتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية ﵂ أنها سمعت النبي ﵌ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا».
قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ ﵂ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»
قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ».
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»
فَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»
قَالَ: «لَا». (رواه البخاري).
(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة.
(قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة.
قَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ. (١)
وأخرج البخاري عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود: «فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﵌ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ».
٧ - ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد - وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول (٢):
«إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل
стр. 205
وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر.
وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم».
٨ - نجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام وليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: «اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيتُ من فضله، فبلّغه ما أملْتُ وأعِنْه، وإن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلًا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك» (١).
٩ - لنتصور أن معاوية ﵁ سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية:
* ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.
* نادَى في كل مَصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائبًا ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.
* جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.
ولنأخذ الأمر الأول:
كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحدًا لخلافة المسلمين حتى تُوُفّي.
قد يغلب على الظن أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى
стр. 206
استقرت الخلافة أخيرًا لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.
ثم لنتصور الأمر الثاني:
نادى منادٍ في كل مَصر بأن يرشحوا نائبًا عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.
سيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، وربما كان يزيد، وربما غيره.
وسيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي ﵄.
وسيختار أهل الحجاز: إما عبد الله بن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر، أو ابن الزبير ـ رضي الله عن الجميع.
وسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
والسؤال الآن:
هل سيرضى كل مَصر بولاية واحد من هؤلاء، ويسَلّموا له، أم ستكون المعارضة واردة؟!
الجواب: أغلب الظن أن المعارضة ستظهر.
ولنسأل سؤالًا آخر:
في حالة أنه تم اختيار كل مرشح من قِبَل الأمصار، هل يستطيع معاوية ﵁ أن يلزم كل مَصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟!
الجواب: ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية، وسيعمد أدعياء الشر الذين قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية، ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.
стр. 207
ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات، فربما حصل ما أشرنا إليه، وربما حدث العكس من ذلك، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي أحيانًا يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.
لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان ﵁، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة، استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له.
ويبقى الأمر الثالث:
وهو ما فعله معاوية ﵁ بتولية يزيد وليًا للعهد من بعده.
وقد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه، كل من ابن العربي (١)، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة، إذا يقول: «والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه ... ».
ثم يضيف قائلًا: «وإن كان لا يُظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم ـ كلهم ـ أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه» (٢).
١٠ - لم يبتدع معاوية نظامًا جديدًا للخلافة بتوريث ابنه يزيد، فقد سبقه إلى ذلك أبو بكر عندما عهد بالأمر لعمر بن الخطاب وقد عمد عمر إلى نفس الأمر فعهد بالولاية وحصَرَها في ستة من الصحابة ﵃.
١١ - إذا احتج الشيعة بأن الاستخلاف في عهد الشيخين لم يكن للأبناء أي ملكًا وراثيًا فنقول لهم: «تذكر كتب الشيعة أن أول من فعل ذلك هو علي ﵁ عندما
стр. 208
عهد بالخلافة من بعده لابنه الحسن، فقد ذكر الكليني في (أصول الكافي) عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ﵇ قَالَ: «أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ﵇ إِلَى الْحَسَنِ وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ ﵇ وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ».
وذكر عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «شَهِدْتُ وَصِيَّةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵇ حِينَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ ﵇ وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ ﵇ وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ» (١).
١٢ـ الشيعة الاثنا عشرية يعارضون في الأصل مبدأ الشورى ويدَّعون أن الولاية يجب أن ينص عليها رسول الله ﵌ بنص صريح، ويعارضون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلماذا يتباكون هنا على نظام الشورى الذي يعارضونه، ويعترضون على معاوية بولاية العهد لابنه يزيد؟
فهل لو جعلها شورى سيقبلها الشيعة الرافضة؟! أم أن الأمر عندهم سِيَّان؟!
الجواب: إنهم لن يقبلوها ولو كانت شورى من جميع المسلمين.
فلماذا هذه الإثارة الممجوجة والورع المكذوب من الشيعة على مبدأ الشورى وأغرب ما في الأمر اعتراضهم أن يورث معاوية ابنه يزيد وراثة قيصرية ملكية! مع أن أن أعظم اعتقاداتهم هو اعتقاد الإمامة وراثية قيصرية ملكية في ولد علي بن أبي طالب باستخلاف الأب للابن وهكذا؛ فهل هي حلال لهم حرام على غيرهم؟!
стр. 209
الشبهة السابعة عشرة
هل لُعِنَ عليٌّ على المنابر بأمر من معاوية ﵄ -؟
الجواب: إن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية ﵁ بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة ودخلت على كتب أهل السنة كأنها حقيقة لا شك فيها.
وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه بغض معاوية ﵁، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم: (كما ذكر ذلك المؤرخون) أو (وكتب التواريخ طافحة بذلك) إلى غيرها من التُرَّهات. ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين.
ومعاوية ﵁ منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية ﵁ كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير.
وإذا ثبت هذا في حق معاوية، فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس على لعن علي ﵁ على المنابر وهو مَن هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال!! وهذا مما نُزّهت الأمة عنه بنص حديث الرسول ﵌: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أمَّتِي أنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ». (رواه ابن أبي عاصم في السنة، وحسنه الألباني).
ومَن عَلِم سيرة معاوية ﵁ في الملك وما اشتهر به من الحِلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه.
ثم كيف يسمح معاوية ﵁ بذلك؟! وهو الذي لم يصح عنه أبدًا أنه سبّ عليًّا ﵁ أو لعنه مرة واحدة، فضلًا عن التشهير به على المنابر؟!!
стр. 210
* إن قصة لعْن عليٍّ ﵁ على منابر بني أمية قد رواها الطبري من طريق أبي مخنف عن أبي جناب الكلبي وفيه عن علي ﵁: «وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: «اللهم العن معاوية وعمْرًا وأبا الأعور السُّلمي وحبيبًا وعبدالرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليًا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا» (١).
وإسنادها لا يصح.
إن هذا الأثر ـ قصة لعن علي على منابر بني أمية ـ مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد، وهو المدائني فيه ضعف.
وشيخه لوط بن يحي (أبو مخنف) ليس بثقة، متروك الحديث وأخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل
وفي سندها أيضًا أبو جناب الكلبي، ضعيف (٢).
ثم إن هذا الأثر، وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل. يشير إلى أن عليًا ﵁ كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم!! فلماذا لم يتحدثوا عن هذه؟!! إن في هذا الأثر المكذوب طعنًا أيضًا في علي ﵁.
إن الصحابة ﵃ كانوا أكثر حرصًا من غيرهم على التقيّد بأوامر الشرع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه.
* وتذكر كتب التاريخ أيضًا أن الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز ﵀ كانوا يشتمون عليًّا، وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح.
стр. 211
قال ابن سعد: «أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحيي، قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلًا ﵁، فلما ولي هو ـ عمر بن عبد العزيز ـ أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي:
وَلِيتَ فلم تشتمْ عليًّا ولم تُخِفْ ... بَرِيًّا ولم تتبِعْ مقالةَ مجرمِ
تكلمتَ بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلمِ
فصدَّقت معروف الذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأضحى راضيًا كلُّ مسلمِ» (١)
إن هذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحيى، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «أخباري ضعيف»، ووصفه في الميزان: «أخباري تالف لا يوثق به، وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل» (٢).
لقد اتهم الشيعة معاوية بحمل الناس على سب علي ﵄ ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه الدعوى لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الشيعة أمثال الدميري، واليعقوبي والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني.
إن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية ﵁ لأمير المؤمنين علي ﵁ وأهل بيته الأطهار ﵃، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا مع طبيعة المتخاصمين.
стр. 212
وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة، فهذه دعوى مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوى عند المحققين والباحثين.
ومعاوية ﵁ بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.
وقد ثبت هذا في حق معاوية ﵁ كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي ﵁ على المنابر وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية ﵁ في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية ﵁ في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال ..
стр. 213
الشبهة الثامنة عشرة
مسألة سب معاوية لعلي ﵄ -
يتعلق أهل البدع والأهواء في ذلك بشبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدقون به:
الشبهة الأولى:
ما جاء في صحيح مسلم عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟».
فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَلَنْ أَسُبَّهُ لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «يَا رَسُولَ اللهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟».
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي».
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ».
قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عَلِيًّا»، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».
الجواب:
أولا: هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجًا، فإنه على طريقته المعروفة ـ والتي
стр. 214
نص عليها في مقدمة صحيحه ـ يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب (التمييز) له ـ وهو في العلل ـ ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.
فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق لحديث «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، ليس فيها هذا اللفظ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راوٍ مختلفٌ فيه، وهو بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار (١)، وخالف بذلك جمعًا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السبّ، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.
تنبيه:
كلمة «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا» هي من كلام بكير لا من كلام سعد، إذ لو كانت من كلام سعد لقال: «أمرني معاوية». فيكون قد روى بالمعنى وتصرف بالألفاظ. فقد جاء الحديث عند الحاكم عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص ﵄: «ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب؟». فهذا إسناد متصل؛ وليس فيه لفظ الأمر.
ثانيًا: على فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحًا في السب ولا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسَبّ علي ﵃، وإنما أراد معاوية أن يستفسر عن المانع من سبّ علي، فأجابه سعدٌ عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع ردَّ سعدٍ غضبَ منه ولا عاقبه.
стр. 215
كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ﵁ ظالمًا يجبر الناس على سب علي ﵁ كما يدّعون، لَمَا سكت عن سعد ولأجبره على سبِّه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك.
يقول الإمام النووي ﵀ في ذلك: «قَوْل مُعَاوِيَة هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا بِسَبِّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ السَّبَب الْمَانِع لَهُ مِنْ السَّبّ، كَأَنَّهُ يَقُول: هَلْ اِمْتَنَعْت تَوَرُّعًا، أَوْ خَوْفًا، أَوْ غَيْر ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ تَوَرُّعًا وَإِجْلَالًا لَهُ عَنْ السَّبّ فَأَنْتَ مُصِيب مُحْسِن، وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَلَهُ جَوَاب آخَر.
. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَر أَنَّ مَعْنَاهُ مَا مَنَعَك أَنْ تُخَطِّئَهُ فِي رَأْيه وَاجْتِهَاده، وَتُظْهِرَ لِلنَّاسِ حُسْن رَأْينَا وَاجْتِهَادنَا، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ؟» (١).
وقال القرطبي في شرح هذا الحديث: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه.
ولو سلمنا أن ذلك من معاوية ﵁ حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل.
وأما التصريح باللعن، وركيك القول، فحاشا معاوية منه، ومَن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم» (٢).
وقال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: «ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سُئِل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه.
فقد يكون معاوية رأى سعدًا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى ﵌ فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة.
ويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبًّا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اْخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» أى يُظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب» (٣).
وقيل: إن معاوية ﵁ إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁، فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي ﵄، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير.
ثالثًا: إن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي ﵁ ـ وحاشاه من ذلك ـ أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية؟!!