← Акыда

Акыда · id 36166

معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم - كشف شبهات ورد مفتريات

شحاتة صقر

Полный текст (282 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال ابن سعد: «أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحيي، قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلًا ﵁، فلما ولي هو ـ عمر بن عبد العزيز ـ أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي: وَلِيتَ فلم تشتمْ عليًّا ولم تُخِفْ ... بَرِيًّا ولم تتبِعْ مقالةَ مجرمِ تكلمتَ بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلمِ فصدَّقت معروف الذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأضحى راضيًا كلُّ مسلمِ» (١) إن هذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحيى، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «أخباري ضعيف»، ووصفه في الميزان: «أخباري تالف لا يوثق به، وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل» (٢). لقد اتهم الشيعة معاوية بحمل الناس على سب علي ﵄ ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه الدعوى لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الشيعة أمثال الدميري، واليعقوبي والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني. إن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية ﵁ لأمير المؤمنين علي ﵁ وأهل بيته الأطهار ﵃، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا مع طبيعة المتخاصمين.

стр. 212

وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة، فهذه دعوى مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوى عند المحققين والباحثين. ومعاوية ﵁ بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير. وقد ثبت هذا في حق معاوية ﵁ كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي ﵁ على المنابر وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية ﵁ في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية ﵁ في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال ..

стр. 213

الشبهة الثامنة عشرة مسألة سب معاوية لعلي ﵄ - يتعلق أهل البدع والأهواء في ذلك بشبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدقون به: الشبهة الأولى: ما جاء في صحيح مسلم عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟». فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَلَنْ أَسُبَّهُ لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «يَا رَسُولَ اللهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عَلِيًّا»، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ. وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي». الجواب: أولا: هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجًا، فإنه على طريقته المعروفة ـ والتي

стр. 214

نص عليها في مقدمة صحيحه ـ يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب (التمييز) له ـ وهو في العلل ـ ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن. فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق لحديث «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، ليس فيها هذا اللفظ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راوٍ مختلفٌ فيه، وهو بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار (١)، وخالف بذلك جمعًا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السبّ، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة. تنبيه: كلمة «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا» هي من كلام بكير لا من كلام سعد، إذ لو كانت من كلام سعد لقال: «أمرني معاوية». فيكون قد روى بالمعنى وتصرف بالألفاظ. فقد جاء الحديث عند الحاكم عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص ﵄: «ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب؟». فهذا إسناد متصل؛ وليس فيه لفظ الأمر. ثانيًا: على فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحًا في السب ولا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسَبّ علي ﵃، وإنما أراد معاوية أن يستفسر عن المانع من سبّ علي، فأجابه سعدٌ عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع ردَّ سعدٍ غضبَ منه ولا عاقبه.

стр. 215

كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ﵁ ظالمًا يجبر الناس على سب علي ﵁ كما يدّعون، لَمَا سكت عن سعد ولأجبره على سبِّه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك. يقول الإمام النووي ﵀ في ذلك: «قَوْل مُعَاوِيَة هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا بِسَبِّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ السَّبَب الْمَانِع لَهُ مِنْ السَّبّ، كَأَنَّهُ يَقُول: هَلْ اِمْتَنَعْت تَوَرُّعًا، أَوْ خَوْفًا، أَوْ غَيْر ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ تَوَرُّعًا وَإِجْلَالًا لَهُ عَنْ السَّبّ فَأَنْتَ مُصِيب مُحْسِن، وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَلَهُ جَوَاب آخَر. . وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَر أَنَّ مَعْنَاهُ مَا مَنَعَك أَنْ تُخَطِّئَهُ فِي رَأْيه وَاجْتِهَاده، وَتُظْهِرَ لِلنَّاسِ حُسْن رَأْينَا وَاجْتِهَادنَا، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ؟» (١). وقال القرطبي في شرح هذا الحديث: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه. ولو سلمنا أن ذلك من معاوية ﵁ حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل. وأما التصريح باللعن، وركيك القول، فحاشا معاوية منه، ومَن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم» (٢). وقال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: «ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سُئِل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه. فقد يكون معاوية رأى سعدًا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى ﵌ فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة. ويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبًّا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اْخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» أى يُظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب» (٣). وقيل: إن معاوية ﵁ إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁، فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي ﵄، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير. ثالثًا: إن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي ﵁ ـ وحاشاه من ذلك ـ أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية؟!!

стр. 216

الشبهة الثانية التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي ﵄: ما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا. قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ: «أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ». فَقَالَ سَهْلٌ: «مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا».فَقَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ». قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ». فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ». فَقَالَتْ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي» (١). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟». فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ». فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ». الجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟!! ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية ﵁ سفياني وليس مرواني. ومما يدل على جهل هؤلاء قول سهل بن سعد ﵁: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ»، إن كان المقصود بذلك معاوية ﵁ فمن الذي استعمله، وقد كان حاكم المسلمين ولم يكن واليًا على المدينة فقط. ومن الغرائب أن هؤلاء الشيعة المبتدعة ينكرون سب علي ﵁، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃!! وكتبهم طافحة بذلك.

стр. 217

الشبهة الثالثة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي ﵄: قال ابن ماجه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ ـ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ـ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ فَذَكَرُوا عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ، وَقَالَ تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ». الجواب: هذا الحديث منكر شديد الضعف فيه علل (١). وابن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص كما نص يحيى بن معين. الشبهة الرابعة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي ﵄: ما ذكر البلاذري بلا إسناد! فقال: «وحُدِّثْتُ أن معاوية خطب الناس يومًا , فذكر عليًا فتنقصه ... » (٢). الجواب: هذه الشبهة ليست بحاجة إلى جواب؛ فالقصة ليس لها إسناد أصلًا حتى يحكم أهل العلم بصحتها أو ضعفها.

стр. 218

إن ما ادعاه الشيعة من الأمر بالسبّ، حاشا معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور: الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا ﵁، فكيف يأمر غيرَه بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه. قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟». فقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ... ». ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟». فقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١). الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية ﵁ تعرض لعلي ﵁ بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه. الثالث: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سبِّ علي ﵁؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير. الرابع: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي ﵃ من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ.

стр. 219

ومن ذلك أن الحسن بن علي ﵄ دخل مرة على معاوية فقال له: «مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله ﵌، وأمر له بثلاثمائة ألف» (١). وهذا مما يقطع بكذب ما ادُّعِيَ في حق معاوية من حمله الناس على سبِّ علي ﵄، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم. الخامس: ماذا يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على أنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين؟ هل يكون هذا الحكم غائبًا عن معاوية ﵁؟ وكيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه: «مَن أكرم الناس أبًا وأمًا وجدًا وجدة؟». فقالوا: «أمير المؤمنين أعلم». فأخذ بيد الحسن وقال: «هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة ﵂ بنت محمد ﵌، وجده رسول الله ﵌، وجدته خديجة ﵂». وأخيرًا: لنستمع إلى ما رواه أبو نعيم عن أبي صالح قال: «دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: «صف لي عليًا». فقال ضرار: «أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟». قال معاوية: «لا أعفيك». قال ضرار: «أما إذ لابدّ، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من

стр. 220

الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (١). كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضعيفُ من عدله. فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم (٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: «يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: «إلىّ تغررت؟ إلىّ تشَوَّفْت؟ هيهات، هيهات، غُرّي غَيري، قد بَتَتّكِ ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آهٍ آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر ووحشة الطريق». فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال ـ أي معاوية ﵁ ـ: «كذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار؟». قال ضرار: «وَجْدُ من ذُبح واحِدُها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها»، ثم قام فخرج (٣). قال القرطبي في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) معلقًا على وصف ضرار لعلي ﵁ وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: «وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي ﵄ ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يَبْعُد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لَِما

стр. 221

كان معاوية موصوفًا به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح».اهـ. وبعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية أن يسب عليًّا ﵄ أو أن يصرح بلعنه ﵁ على المنابر؟! وهل يعقل أن يسع حلم معاوية ﵁ ـ الذي بلغ مضرب الأمثال ـ سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟؟!! والحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين. تناقض عجيب: من العجب أن الشيعة تنكر سبّ عليّ ﵁، وهم يسبّون أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ويكفرونهم ومن والاهم. ومعاوية ﵁ وأصحابه ما كانوا يكفرون عليًّا ﵁، وإنما يكفره الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم. ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا عليّ ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثمًا ممن سب عليًّا. ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﵌ كما وصفهم الله فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠). وطاعةً للنبى ﵌ فى قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم). ومَعْنَى الْحَدِيث: لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.

стр. 222

الشبهة التاسعة عشرة هل حُمِلَتْ الخمرُ لمعاوية ﵁ -؟ أولا: روي عن أبي تميلة يحيى بن واضح، عن محمد بن اسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تُحمل لمعاوية، فقام إليها عبد الرحمن برمحه فنقر كل راوية منها، فناوشه غلمانه، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: «دعوه، فإنه شيخ قد ذهب عقله!». فقال: «كلا والله! ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله ﵌ نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرًا، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله ﵌ لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه» (١). الجواب: هذا الأثر ضعّفه الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (٢). وهو خبر باطل، وسنده مسلسل بالعلل: فابن إسحاق مدلس ـ وقد عنعن ـ وبريدة واهٍ، وكان غاليًا في التشيع، ومحمد بن كعب لم يدرك الواقعة، كما يظهر من ترجمته وطبقته (٣).

стр. 223

ثانيًا: روى ابن عساكر من طريق يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: «ما هذه؟ أزَيْتٌ؟». قيل: «لا، بل خمر تباع لفلان». فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يَذَرْ فيها راوية إلا بَقَرَها، وأبو هريرة إذا ذاك بالشام. فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: «ألا تمسك عنَّا أخاك عبادة بن الصامت، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا؛ فأمسك عنا أخاك». فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: «يا عبادة ما لك ولمعاوية؛ ذَرْهُ وما حمل فإن الله يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة:١٣٤). قال: «يا أبا هريرة لم تكن معنا إذا بايعنا رسول الله ﵌، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وَفّى وَفّى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله ﵌، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه». فلم يكلمه أبو هريرة بشيء فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: «إن عبادة بن الصامت قد أفسد علىَّ الشام وأهله فإما أن يكف عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام»، فكتب عثمان إلى فلان أن رحِّله إلى داره من المدينة. فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يفْجَأ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار فالتفت إليه فقال: «ما لنا ولك يا عبادة». فقام عبادة قائمًا وانتصب لهم في الدار قال: «إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تنكرون فلا طاعة لمن عصى فلا تعتلوا بربكم» فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانًا لمن أولئك». فما راجعه عثمان بحرف (١). الجواب: أولًا: هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر قصة الخمر وبدون ذكر حوار عبادة مع أبي هريرة وبدون ذكر معاوية ﵃، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك». وهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند. ثانيًا: على فرض صحة الحديث ـ وهو ليس بصحيح ـ فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت ﵁ في حمله الحديث على معاوية ﵁ , فعمر وعثمان ﵄ جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته. وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية , ولم ينزعوا يدًا من طاعة ﵃ أجمعين. ثالثًا: من جهة متن الحديث فعلى فرض صحته ـ وهو ليس بصحيح ـ ليس صريحًا في أن الخمر كانت لمعاوية ﵁ بل جاء فيه «ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم ... »، وفيه «خمر تباع لفلان»!! وكذلك لو صح لكان فيه طعن في عثمان ﵁؛ يبلغه عن معاوية المتاجرة في الخمور فلا يعاقبه بل يجعله واليًا على أهل الشام؛ بل يعاتب عبادة بن الصامت ﵁ لأنه أنكر عليه!!

стр. 224

تنبيه: قد أورد ابن عراق الكناني أثر ابن عائشة عن أبيه: كان يزيد في حداثته صاحب شراب فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه فأنشده أبياتًا يرخص له في فعل ذلك بالليل!! يقول فيها: حتى إذا الليل أتَى بالدجَى ... واكتحلتْ بالغمضِ عينُ الرقيبِ باشر الليل بما تشتهِي ... فإنما الليل نهارُ الأريبِ كم فاسق تحسبه ناسكًا ... قد باشر الليلَ بأمرٍ عجيبِ ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ ... يسعى بها كلُّ عدوٍّ مريبِ قال ابن عراق: «وهذا على انقطاعه كذب آفته الغلابي , وإنما الأبيات ليحيى بن خالد البرمكي كتب بها إلى ولده عبدالله وقد أحب مغنية» (١).

стр. 225

الشبهة العشرون هل باع معاوية ﵁ الأصنام لأهل الهند ؟ روى البلاذري من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: «كنت مع مسروق بالسِلْسِلة فمرت به سفائن فيها أصنام من صُفْر تماثيل الرجال , فسألهم عنها فقالوا: «بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له». فقال مسروق: «لو أعلم أنهم يقتلونني لغرقتها , ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية , أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا أم رجل زُيِّن له سوء عمله» (١). الجواب: هذا لا ريب أنه من أبطل الباطل وأكذب الكذب!! وقد رد جهابذة الحديث هذه الفرية الباطلة! قال الخلال: «قال مهنا سألت أحمد، عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام فقال: ما أغلظ أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ولم يصح الحديث. وقال تكلم به رجل من الشيعة» (٢). وهذا قاله الإمام أحمد في حق من قال: «إن معاوية لعب بالأصنام». فكيف بمن قال أن معاوية يبيعها!!

стр. 226

الشبهة الحادية والعشرون هل أقسم معاوية ﵁ اليمين الغموس وكذبه النبي ﵌ -!! روى الروياني في مسنده (١) وابن عساكر في تاريخه (٢) من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمد بن كعب قال: «إنا جلوس مع البراء في مسجد الكوفة إذ دخل قاص فجلس فقص ثم دعا للخاصة والعامة ثم دعا للخليفة , ومعاوية بن أبي سفيان يومئذ خليفة. فقلنا للبراء: يا أبا إبراهيم , دخل هذا فدعا للخاصة والعامة ثم دعا لمعاوية فلم يسمعك قلت شيئًا؟ فقال: إنا شهدنا وغبتم وعلمنا وجهلتم إنا بينا نحن مع رسول الله ﵌ بحنين إذ أقبلت امرأة حتى وقفت على رسول الله ﵌ فقالت: «إن أبا سفيان وابنه معاوية أخذا بعيرًا لي فغيباه عليَّ». فبعث رسول الله ﵌ رجلًا إلى أبي سفيان بن حرب ومعاوية: «أن رُدَّا على المرأة بعيرها. فأرسلا: «إنا والله ما أخذناه، وما ندري أين هو». فعاد إليهما الرسول فقالا: «والله ما أخذناه وما ندري أين هو». فغضب رسول الله ﵌ حتى رأينا لوجهه ظلالًا , ثم قال: «انطلق إليهما , فقل لهما: «بلى والله إنكما لصاحباه , فأدِّيَا إلى المرأة بعيرها». فجاء الرسول إليهما وقد أناخا البعير وعقلاه. فقالا: «إنا والله ما أخذناه، ولكن طلبناه حتى أصبناه , فقال لهما رسول الله ﵌: «اذهبا».

стр. 227

الجواب: هذا الإسناد لا يصح في سنده سلمة بن الفضل الأبرش ضعيف الحديث له مناكير وغرائب. ومحمد بن إسحاق عنعن ولم يصرح بالسماع!! وأشار ابن عساكر في لنكارته. قال ﵀: محمد بن إسحاق وسلمة بن الفضل يتشيعان (١).

стр. 228

الشبهة الثانية والعشرون هل قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ؟ قال الطبري: «خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه: وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربةً مسمومةً ـ فيما قيل ـ فشربها فقتلته». ثم روى الطبري من طريق عمر بن شبه عن علي بن محمد المدائني عن مسلمة بن محارب أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفًا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية ما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه» (١). الجواب: أولا: هذا الخبر لا يصح! فيه مسلمة بن محارب وهو الزيادي فيه جهالة روى عن أبيه وابن جريج وروى عنه المدائني لم يوثقه غير ابن حبان (٢). ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.

стр. 229

ثم أن مسلمة بن محارب لم يدرك القصة وهو لا يروي عن معاوية ﵁ إلا بواسطة مما يدل على أن القصة منقطعة السند (١). وأيضًا في السند علي بن محمد المدائني الأنباري قال فيه ابن عدي: «ليس بالقوي في الحديث , وهو صاحب أخبار , قَلَّ ما له من الروايات المسندة» (٢). لذا رواها الطبري بصيغة التمريض قال: «فيما قيل» (٣). وقال ابن كثير: «وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك ولا يصح» (٤). وروى هذه القصة بنحوها البلاذري، قال: حدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: «توفي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وكان عبدالرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلى ويحسن أثره , فعظم أمره بالشام , فدس إليه معاوية متطببًا يُقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص فسقاه شربة فمات فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد ـ ويقال خالد بن عبدالرحمن بن خالد ـ ابنَ أثال فضربه بالسيف فقتله , فرفع أمره إلى معاوية , فحبسه أيامًا وأغرمه دِيَتَهُ ولم يُقِدْه به» (٥). وفي سند هذه القصة الواقدي وهو متروك الحديث. ثانيًا: هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها يوجد اختلاف في متنها مع الواقع الملموس فمعاوية ﵁ بيده عزل الأمراء أو توليتهم كما هو معروف، وليس بالصعوبة على معاوية أن يطلب من عبد الرحمن بن خالد أن يتنحى عن قيادة الصوائف على الثغر الرومي، وتكون النتيجة أن يهمل عبد الرحمن بن خالد ثم لا يكون له أي مكانة يُخشى منها.

стр. 230

وقد ورد أن معاوية ﵁ عزله وولى بدلًا منه سفيان بن عوف الغامدي على إحدي الصوائف (١)، وهذا لا يشكل صعوبة على معاوية، بل إن معاوية كان يعزل عن الإمارة من هو أعظم وأقوى من عبد الرحمن بن خالد. ثالثًا: كيف يقوم معاوية بقتله وقد أورد الطبري ذكر غزوة البحر سنة ٤٨هـ وكان قائد أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل المدينة المنذر بن زهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٢)، فكيف يرضى معاوية أن يكون ولد عبد الرحمن بن خالد قائدًا كبيرًا من بعد أبيه هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى كيف يرضى أن يقوم ولده خالد بقيادة الجيش لمعاوية إن كان معاوية قاتلَ أبيه، وهل يمكن أن يخفى على ولده هذا الأمر وهو أقرب الناس إليه؟

стр. 231

الشبهة الثالثة والعشرون هل قتل معاوية الأشتر مالك بن الحارث النخعي ؟ هذه أيضًا من الأباطيل وما أكثرها! في طبقات ابن سعد: «وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها وولاه علي ﵇ مصر فخرج إليها فلما كان بالعريش شرب شربة عسل فمات» (١). قال الذهبي: «ولما رجع علي من موقعة صِفِّين , جهز الأشتر واليًا على ديار مصر , فمات في الطريق مسمومًا , فقيل: إن عبدًا لعثمان عارضه , فسم له عسلًا ... » (٢). وليس لمعاوية ﵁ ذكر!! وقال الحافظ ابن حجر: «قد روي عن عمر وخالد بن الوليد وأبي ذر وعلي وصحبه وشهد معه الجمل وله فيها آثار , وكذلك في صِفِّين وولاه على مصر بعد صرف قيس بن عبادة عنها , فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات فقيل: إنها كانت مسمومة , وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين» (٣). وليس لمعاوية ﵁ ذكر. وروى الطبري خبرًا وفيه: «فبعث معاوية إلى الجابيستار ـ رجل من أهل الخراج ـ فقال له: «إن الأشتر قد ولى مصر , فإنْ أنت كَفَيْتَنِيهِ لم آخُذْ منك خراجًا ما بقيت , فاحْتَلْ له بما قدرتَ عليه».

стр. 232

فخرج الجابيستار حتى أتى القلزم وأقام به , وخرج الأشتر من العراق إلى مصر , فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجابستار , فقال: «هذا منزل , وهذا طعام وعلف , وأنا رجل من أهل الخراج , فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام , حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمًا فسقاه إياه فلما شربها مات ... » (١). وهذه القصة من راوية أبي مخنف لوط بن أبي يحيى أخباري تالف , وقد سبق الكلام عليه. لذلك أشار إليها ابن عساكر في (تاريخه) بصيغة التمريض!! (٢) وذكر القصةَ البلاذري بلا إسناد. وفيها: «وبلغت معاوية وفاته .. وجعل يقول: «إن لله لجندًا من عسل»! (٣).

стр. 233

الشبهة الرابعة والعشرون هل معاوية ﵁ ذمه كثير من المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم ﵃ -؟!! أما ذم معاوية ﵁ على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار فهذا كذب محض! فعمر ﵁ المحدث الملهم مدحه وأثنى عليه وولاه الشام مدة خلافته وكذلك عثمان ﵁، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية ﵁ فلم يَشْكُ أحد منه , ولا اتهمه بجور ولا مظلمة مدة ولايته (١). أما قول من قال: «ثبت ذمه على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار»، فلم يُورِدْ ولا إسنادًا واحدًا صحيحًا: أولا: أثر علي ﵁ لما طلبوا منه أن يبقي معاوية على الشام فتلا الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ (الكهف:٥١)، رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ١٢٧)، وفي سنده نصر بن مزاحم رافضي كذاب. ثانيًا: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلُّ سيفًا وشهد صِفِّين، وقال أنا لا أقتل أحدًا حتى يُقتَل عمار فأنظر مَن يقتله فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ». قال: فلما قتل عمار بن ياسر، قال خزيمة: «قد بان لي الضلالة»، واقترب فقاتل حتى قتل» (٢).

стр. 234

وهذا الأثر لا يصح؛ في سنده محمد بن عمر الواقدي الكذاب، كان يضع الحديث. ثالثًا: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»، قال عبادة: «والله إن معاوية لمن أولئك». تقدم في جواب الشبهة التاسعة عشرة أن هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر معاوية ﵁، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك». وهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند. وعلى فرض صحة الحديث فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت ﵁ في حمله الحديث على معاوية ﵁ , فعمر وعثمان ﵄ جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته، وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية , ولم ينزعوا يدًا من طاعة ﵃ أجمعين. رابعًا: هل كفّر أبو بكرة معاوية ﵄؟! روى ابن عساكر عن هوذة بن خليفة عن عوف عن أبي عثمان النهدي قال: «كنت خليلا لأبي بكرة فقال لي يوما: «أترى الناس إني إنما عتبت على هؤلاء في الدنيا، وقد استعملوا عبيد الله ـ يعني ابنه ـ على فارس، واستعملوا روادًا ـ يعني ابنه ـ على دار الرزق، واستعملوا عبد الرحمن ـ يعني ابنه ـ على الديوان وبيت المال، أفليس في هؤلاء دنيا؟ كلا، والله إنما عتبتُ عليهم لأنهم كفروا ـ فذكر كلمة وكان في نسخة أخرى ـ كفروا صراحة أو صراحًا»» (١). الجواب:

стр. 235

أولًا: بعض رواة هذا الأثر لم أجد من ترجم لهم. ثانيًا: هذا الأثر رواه هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ عن عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى وقد نقل الذهبي والمزي عن أَحْمَدُ بنُ زُهَيْرٍ: قَوْلَ يَحْيَى بن معين: «هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ، عَنْ عَوْفٍ ضَعِيْفٌ». ونقلا عن أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحْرِزٍ، عَنْ يَحْيَى بن معين أيضًا قوله في هَوْذَةَ: «لَمْ يَكُنْ بِالمَحْمُوْدِ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِهَذِهِ الأَحَادِيْثِ كَمَا جَاءَ بِهَا، وَكَانَ أُطْرُوشًا» (١). ثالثًا: على فرض صحة هذا الأثر ـ وقد تبيَّن ما فيه ـ يجاب عنه بأن هذا ليس صريحًا في أن أبا بكرة قاله في حق معاوية ﵄؛ فليس لمعاوية ﵁ ذِكْر في هذا الأثر، بل إنه يتكلم عن (هؤلاء) ومن زعم أن المقصود بـ (هؤلاء) معاوية فليأتنا بالدليل. رابعًا: على فرض أن أبا بكرة قال هذا في حق معاوية ﵄ فلماذا اعتزل أبو بكرة الفتنة ولم يقاتِلْه وهو يرى كُفْرَه؟! ولماذا لم يقاتل مع علي ﵁؟! عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟». قُلْتُ: «أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ». قَالَ: «ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ؛ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟». قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (رواه البخاري). ورواه مسلم عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟». قَالَ: قُلْتُ: «أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﵌» ـ يَعْنِي عَلِيًّا ـ. قَالَ: فَقَالَ لِي: «يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ

стр. 236

الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا؛ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالَ: فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟». قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ». واستدلال أبي بكرة ﵁ بهذا الحديث يدل على عدم تكفيره لمعاوية حيث يعتبره وعليًا ﵄ ومن معهما من المسلمين. خامسًا: هل خفي على أبي بكرة ﵁ أنه روى ثناء الرسول ﵌ على الحسن ﵁ في حقنه لدماء المسلمين وتنازله عن الملك لمعاوية، فعن أَبي بَكْرَةَ ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري). فهل يعقل بعد ذلك أن يكفِّر معاوية؟!! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فَلَمَّا أَثْنَى النَّبِيُّ ﵌ عَلَى الْحَسَنِ بِالْإِصْلَاحِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ أَحَبَّ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِتَالَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ. وَلَوْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَافِرًا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَةُ كَافِرٍ وَتَسْلِيمُ الْأَمْرِ إلَيْهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ؛ كَمَا كَانَ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ مُؤْمِنِينَ؛ وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مَحْبُوبًا مُرْضِيًا لَهُ وَلِرَسُولِهِ ﵌» (١).

стр. 237

الشبهة الخامسة والعشرون هل معاوية ﵁ ذمه كثير من التابعين كالحسن البصري والأسود بن يزيد وغيرهم ؟! أما ذم الحسن البصري لمعاوية ﵁ فلا يصح عنه. ذكر الطبري في تاريخه (٣/ ٢٣٢) ضمن حوادث سنة (٥١هـ) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٤٨٧) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٩٠) ـ بصيغة التمريض التي تدل على ضعفه عنده ـ نقلًا عن الحسن البصري أنه قال: «أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة له: * أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة. * استخلافه بعده ابنه سكيرًا خميرًا يلبس الحرير ويضرب الطنابير. * ادعاءه زيادًا وقد قال رسول الله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». * قتله حجرًا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر» (١). الجواب: أولًا: من ناحية السند: هذه الرواية مدارها على أبي مخنف، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي، قال عنه الذهبي وابن حجر: «أخباري تالف لا يوثق به». كما تركه أبو حاتم وغيره. وقال عنه الدارقطني: «ضعيف». وقال ابن معين: «ليس بثقة».

стр. 238

وقال مرة: «ليس بشيء». وقال ابن عدي: «شيعي محترق». وعَدَّهُ العقيلي من الضعفاء (١). وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده، هذا بالنسبة لرواية الطبري. أما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد. وكيف نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه إسنادًا صحيحًا، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة. ثانيًا: الصحيح عن الحسن ﵀ خلاف ذلك! فروى الآجري، وابن عساكر عن قتادة عن الحسن البصري إن أناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار! قال: «لعنهم الله! وما يدريهم أنه في النار؟» (٢). ورواه ابن عساكر عن أبي الأشهب قال: قيل للحسن: «يا أبا سعيد إن ههنا قومًا يشتمون ـ أو يلعنون ـ معاوية وابن الزبير! فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله» (٣).

стр. 239

وكذلك ذم الأسود بن يزيد لا يصح: روى ابن عساكر عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد ﵌ في الخلافة؟ قالت: «وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة» (١). وهذا الأثر لا يصح في سنده أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ومعاوية بن صالح وقال أبو حبان: «كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه». وفيه أيضا عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر الجوبري فيه جهالة توفي سنة ٤٢٥هـ. ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤١٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢).

стр. 240

الشبهة السادسة والعشرون قولهم: «قتلَ ابنُه يزيد الحسينَ ﵁ ونهب نساءه» الجواب: إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين ﵁ باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق. والحسين ﵁ كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويَفُونَ له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنَ عمه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابن زياد، أراد الرجوع فأدركَتْه السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا ﵁، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ له حريمًا أصلًا، بل أكرم أهل بيته، وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم. ولو قُدِّرَ أن يزيد بن معاوية قتل الحسين ﵁ لم يكن ذنب ابن معاوية ذنبًا له، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر:١٨). وقد اتفق الناس على أن معاوية ﵁ وصّى يزيد برعاية حق الحسين وتعظيم قدره. وإذا قيل: إن معاوية ﵁ استخلف يزيد، وبسبب ولايته فعل هذا. قيل: استخلافه إن كان جائزًا لم يضره ما فعل، وإن لم يكن جائزًا فذاك ذنب مستقل ولو لم يقتل الحسين. وهو مع ذلك كان من أحرص الناس على إكرام الحسين ﵁ وصيانة حرمته، فضلًا عن دمه، فمع هذا القصد والاجتهاد لا يضاف إليه فعل أهل الفساد.

стр. 241

موقف يزيد بن معاوية ﵀ من قتل الحسين ﵁: كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه، فلما بلغ الخبر إلى يزيد بن معاوية بكى وقال: «كنت أرضى من طاعتهم ـ أي أهل العراق ـ بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسين» (١). ومن هنا يعلم أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكل مؤلم أو أنه حملهم مغللين كما ورد في بعض الروايات. وكان رد يزيد ﵀ على ابن زياد مخالفًا لما يطمع إليه ابن زياد، حيث كان يطمع بأن يقره يزيد على الكوفة، فلم يقره على عمله بل سبه ونال منه بسبب تصرفه مع الحسين، وهنا يكون الداعي أكبر لأن يحمل ابن زياد آل الحسين على صورة لائقة لعلها تخفف من حدة وغضب يزيد عليه. ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما ما ذكر من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل، ما سبى المسلمون ـ ولله الحمد ـ هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد ﵌ سبي بني هاشم قط، ولكن كان أهل الجهل والهوى يكذبون كثيرًا» (٢). ولما دخل أبناء الحسين على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين: «يا يزيد أبنات رسول الله ﵌ سبايا؟»، قال: «بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك (٣) تجديهن قد فعلْنَ ما فعلْتِ»، قالت فاطمة: «فدخلتُ إليهن فما وجدتُ فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي» (٤).

стр. 242

وأرسل يزيد إلى كل امرأة من الهاشميات يسأل عن كل ما أخِذ منهن، وكل امرأة تدّعي شيئًا بالغًا ما بلغ إلا أضعفه لهن في العطية. وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين. وبعث يزيد إلى المدينة فقدم عليه ذوو السن من موالي بني هاشم ومن موالي بني علي. ولعل يزيد أراد باستقدامه لهؤلاء الموالي إظهار مكانة الحسين وذويه ويكون لهم موكب عزيز عند دخول المدينة. وبعد أن وصل الموالي أمر يزيد بنساء الحسين وبناته أن يتجهزن وأعطاهن كل ما طلبن حتى أنه لم يدع لهن حاجة بالمدينة إلا أمر بها (١). وقبل أن يغادروا قال يزيد لعلي بن الحسين: «إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت» (٢). قال شيخ الإسلام: «وأكرم أبناء الحسين وخيرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة» (٣). وعند مغادرتهم دمشق كرر يزيد الاعتذار من علي بن الحسين وقال: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتِبْني بكل حاجة تكون لك» (٤). وأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفد من موالي بني سفيان، وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا، وبعث معهم محرز بن حريث الكلبي، وكان من أفاضل أهل الشام (٥).

стр. 243

وخرج آل الحسين من دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة. قال ابن كثير في ذلك: «وأكرم آل الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة ... » (١). تنبيه: لم يصح أن رأس الحسين ﵁ حُمِل إلي يزيد بن معاوية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا حَمْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى يَزِيدَ وَنَكْتَهُ إيَّاهَا بِالْقَضِيبِ كَذَبُوا فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ إلَى ابْنِ زِيَادٍ ـ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْقِصَّةِ ـ فَلَمْ يُنْقَلْ بِإِسْنَادِ مَعْرُوفٍ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ يَزِيدَ. وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ إلَّا إسْنَادًا مُنْقَطِعًا، قَدْ عَارَضَهُ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا هُوَأَثْبَتُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ ـ نَقَلُوا فِيهَا أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ أَظْهَرَ التَّأَلُّمَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ. لَقَدْ كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَتِهِمْ بِدُونِ هَذَا». وَقَالَ فِي ابْنِ زِيَادٍ: «أَمَا إنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ. وَأَنَّهُ ظَهَرَ فِي دَارِهِ النَّوْحُ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتَلَاقَى النِّسَاءُ تَبَاكَيْنَ وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ. فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا. فَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيدُ لَمْ يُظْهِرْ الرِّضَا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ». (٢) وقال شيخ الإسلام أيضًا: «الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ».

стр. 244

وَفِي الْمُسْنَدِ: «أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي» وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ رَوَى بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ «أَنَّ هَذَا النَّكْتَ كَانَ بِحَضْرَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ» وَهَذَا بَاطِلٌ. فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ وَأَنَسَ بْنُ مَالِكٍ كَانَا بِالْعِرَاقِ لَمْ يَكُونَا بِالشَّامِ، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ بِالشَّامِ لَمْ يَكُنْ بِالْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ؛ فَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُ نَكَتَ بِالْقَضِيبِ ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسٍ وَأَبِي بَرْزَةَ قُدَّامَ يَزِيدَ فَهُوَ كَاذِبٌ قَطْعًا كَذِبًا مَعْلُومًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ. وَمَعْلُومٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ هُوَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ». (١) روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنه قال: «أُتِيَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ﵁ فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﵌». قال الحافظ ابن حجر: «قَوْله: (فَجَعَلَ يَنْكُت) فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس: «فَجَعَلَ يَقُول بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفه، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم: «فَجَعَلَ قَضِيبًا فِي يَده فِي عَيْنه وَأَنْفه، فَقُلْت: اِرْفَعْ قَضِيبك فَقَدْ رَأَيْت فَم رَسُول اللَّه ﵌ فِي مَوْضِعه»، وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس نَحْوه».

стр. 245

التحذير من أساطير الشيعة حول مقتل الحسين ﵁: إن الشيعة بالغوا في نقل أخبار تلك الحادثة، وامتلأت كتب التاريخ بحوادث عجيبة قيل إنها وقعت إثر مقتل الحسين، من احمرار الأفق، وتدفق الدماء من تحت الحجارة، وبكاء الجنّ، إلى غير ذلك من الخيال الذي نسجته عقول الشيعة يومئذ، وما زالوا يردّدونه إلى اليوم تضخيمًا لهذا الحادث على حساب غيره من الأحداث الأخرى، وإن الذي يدرس أسانيد تلك الأخبار والرّوايات لا يرى إلا ضعيفًا هالكًا، أو مجهولًا لا يعرف أصله أو مدلِّسًا يريد تعمية الأبصار عن الحقائق. ومن أكاذيب مؤرخي الشيعة على سبيل المثال في هذه الموقعة أن السبايا حملن على نجائب الإبل عرايا حتى أن الإبل البخاتي (١) إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوارتهن من قبلهن ودبرهن (٢). إن كل عاقل يعلم أن الإبل البَخَاتي كانت مخلوقة موجودة قبل أن يبعث الله النبي ﵌، وقبل وجود أهل البيت، كوجود غيرها من الإبل والغنم، والبقر والخيل والبغال (٣). وقال ابن كثير: «ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة وكذبًا فاحشًا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وإن أرجاء السماء احمرّت، وأن الشمس كانت تطلع وشُعاعُها كأنه الدم وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب صار يضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ. وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يُمسَّ زعفران ولا ورس مما كان معه يومئذ إلا احترق مَن مسَّه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط. وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (٤). وللأسف الشديد، فقد شحنت المصادر التاريخية الإسلامية، مثل تاريخ الطبري، وتاريخ ابن عساكر وغيرهما بمثل هذه الأباطيل والأكاذيب، ممّا يتطلب تحقيقًا علميًا لهذين الكتابين خاصة، ولغيرهما من كتب التاريخ.

стр. 246

الشبهة السابعة والعشرون استلحاق معاوية ﵁ زياد بن أبيه الجواب: المراد بزياد هنا؛ هو زياد بن سمية، وهي أمُّه كانت أمَةً للحارث بن كلدة، زوَّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، قال الطبري في حوادث عام ٤٤هـ: «في هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل (١)». وقد اتُهِم معاوية ﵁ عندما استلحق زياد بن أبيه إلى أبيه بأنه خالف أحكام الإسلام؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا دِعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢) (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح).

стр. 247

وقد ردّ على هذا الاتهام الدكتور خالد الغيث بقوله: « ... أما اتهام معاوية ﵁ باستلحاق نسب زياد، فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية ﵁، وعدالته ودينه وفقهه تمنعه من أن يرد قضاء رسول الله ﵌ لاسيما وأن معاوية أحد رواة حديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١). ووجَّه الدكتور خالد الغيث التهمة إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان واستدل برواية أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أَبِي عُثْمَانَ النهدي قَالَ: «لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؛ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُول: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: «وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌». قال الإمام النووي ﵀ مُعلقًا على هذا الخبر: «فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَى أَبِي بَكْرَة؛ وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ بْن أَبِي سُفْيَان، وَيُقَال فِيهِ: زِيَادُ بْن أَبِيهِ، وَيُقَال: زِيَاد بْن أُمِّهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَة لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعْرَف بِزِيَادِ بْن عُبَيْد الثَّقَفِيّ، ثُمَّ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَان، وَصَارَ مِنْ جُمْلَة أَصْحَابه بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ بْن أَبِي

стр. 248

طَالِب ﵁.فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان لِأَبِي بَكْرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَة ﵁ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا. وَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَان لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَار أَبِي بَكْرَة حِين قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام، أَوْ يَكُون مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيك؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَم عُقُوبَته! فَإِنَّ النَّبِيّ ﵌ حَرَّمَ عَلَى فَاعِله الْجَنَّة» اهـ. وبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة ﵁. ويزيد هذا الأمر تأكيدًا ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: «زياد بن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنُسب إليه» (١). وفي حقيقة الأمر فإن مسألة استلحاق معاوية ﵁ زياد هي مسألة اجتهادية ويذهب الكثير من المؤرخين بأن هناك دلائل عديدة تثبت أن أبا سفيان قد باشر سمية ـ جارية الحارث بن كلدة الثقفي ـ وكانت من البغايا ذوات الرايات ـ في الجاهلية، فعلقت منه بزياد، وذكروا أن أبا سفيان اعترف بنفسه بذلك أمام علي بن طالب ﵁ وآخرين بعدما شب زياد ونبغ في عهد عمر بن الخطاب (٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا سفيان كان يقول زياد من نطفته (٣)، فلما كانت خلافة معاوية شهد لزياد بذلك النسب أبو مريم السلولي وهو صحابي كان يعمل في الجاهلية خَمَّارًا بالطائف، وهو الذي جمع بين أبي سفيان وسمية، وكان ذلك أمرًا مألوفًا آنذاك (٤). ويبدو أن هذا النسب قد شاع أمره حتى لقد شهد بذلك أحد رجال البصرة لزياد قبل استلحاق معاوية ﵁ إياه (٥)، فهي دعوة قديمة إذن ولم تكن كما يزعم الرواة

стр. 249

نتيجة مشورة المغيرة بن شعبة على معاوية ﵄ كجزء من صفقة متبادلة بين معاوية وزياد أو غير ذلك من التفاصيل التي اخترعها الرواة (١). وبعد عقود من السنين نجد الإمام مالك بن أنس ـ إمام أهل المدينة ـ يذكر زيادًا في كتابه الموطأ بأنه زياد بن أبي سفيان، ولم يقل زياد بن أبيه، وذلك في عصر بني العباس (٢)، والدولة لهم والحكم بأيديهم فما غيروا عليه، ولا أنكروا ذلك منه، لفضل علومهم ومعرفتهم بأن مسألة زياد قد اختلف الناس فيها، فمنهم من جوزها، ومنهم من منعها، فلم يكن لاعتراضهم عليها سبيل (٣). وأما تعارض هذا الاستلحاق ـ إن صح ـ مع نص الحديث الشريف، فمن اعتذر لمعاوية ﵁ قال: إنما استلحق معاوية زيادًا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعًا، وكان منها أن الجماعة يجامعون البَغِيَّ، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا النكاح، إلا أنّه أقر كل ولد كان يُنسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرّق بين شيء منها، فتوهم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرّق بين استلحاق في الجاهلية، والإسلام (٤). وأجاز الإمام مالك أن يستلحق الأخ أخا له ويقول: هو ابن أبي، ما دام ليس له منازع في ذلك النسب. فالحارث بن كلدة ـ الذي كانت سمية جارية له ـ لم ينازع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمَةٍ بغي وُلد على فراشه ـ أي في داره ـ فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل الحق على مذهب الإمام مالك.

стр. 250

الشبهة الثامنة والعشرون قَتْلُه حِجْر بنَ عدي وأصحابه الجواب: ١ - إن حِجْر بن عدى مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه تابعى، قال الحافظ ابن حجر: «وأما البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، وخليفة بن خياط، وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة» (١). وعلى فرض التسليم له بالصحبة فالواجب علينا عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، بل الترحم عليهم، والتصديق بعدالتهم. ٢ - تحدثت معظم المصادر التاريخية عن مقتل حجر بن عدي ﵁ بين مختصر في هذا الأمر ومطول كل بحسب ميله، وكان للروايات الشيعية النصيب الأوفر في تضخيم هذا الحدث ووضع الروايات في ذلك؛ وكأنه ليس في أحداث التاريخ الإسلامي حدث غير قصة مقتل حجر بن عدي. ٣ - ذكر ابن العربي أن الأصل في قتل الإمام، أنه قَتْلٌ بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولكن حِجْرًا فيما يقال: «رأى من زياد أمورًا منكرة، حيث أن زياد بن أبيه كان في خلافة علي واليًا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد. فقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أن زياد قد أطال في الخطبة فقام حجر ونادى: «الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر وحصبه آخرون معه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على
следующие страницы →