← Акыда

Акыда · id 36166

معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم - كشف شبهات ورد مفتريات

شحاتة صقر

Полный текст (282 стр.). Показаны 246–282 · переход к 251.

стр. 246

الشبهة السابعة والعشرون استلحاق معاوية ﵁ زياد بن أبيه الجواب: المراد بزياد هنا؛ هو زياد بن سمية، وهي أمُّه كانت أمَةً للحارث بن كلدة، زوَّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، قال الطبري في حوادث عام ٤٤هـ: «في هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل (١)». وقد اتُهِم معاوية ﵁ عندما استلحق زياد بن أبيه إلى أبيه بأنه خالف أحكام الإسلام؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا دِعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢) (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح).

стр. 247

وقد ردّ على هذا الاتهام الدكتور خالد الغيث بقوله: « ... أما اتهام معاوية ﵁ باستلحاق نسب زياد، فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية ﵁، وعدالته ودينه وفقهه تمنعه من أن يرد قضاء رسول الله ﵌ لاسيما وأن معاوية أحد رواة حديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١). ووجَّه الدكتور خالد الغيث التهمة إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان واستدل برواية أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أَبِي عُثْمَانَ النهدي قَالَ: «لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؛ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُول: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: «وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌». قال الإمام النووي ﵀ مُعلقًا على هذا الخبر: «فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَى أَبِي بَكْرَة؛ وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ بْن أَبِي سُفْيَان، وَيُقَال فِيهِ: زِيَادُ بْن أَبِيهِ، وَيُقَال: زِيَاد بْن أُمِّهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَة لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعْرَف بِزِيَادِ بْن عُبَيْد الثَّقَفِيّ، ثُمَّ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَان، وَصَارَ مِنْ جُمْلَة أَصْحَابه بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ بْن أَبِي

стр. 248

طَالِب ﵁.فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان لِأَبِي بَكْرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَة ﵁ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا. وَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَان لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَار أَبِي بَكْرَة حِين قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام، أَوْ يَكُون مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيك؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَم عُقُوبَته! فَإِنَّ النَّبِيّ ﵌ حَرَّمَ عَلَى فَاعِله الْجَنَّة» اهـ. وبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة ﵁. ويزيد هذا الأمر تأكيدًا ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: «زياد بن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنُسب إليه» (١). وفي حقيقة الأمر فإن مسألة استلحاق معاوية ﵁ زياد هي مسألة اجتهادية ويذهب الكثير من المؤرخين بأن هناك دلائل عديدة تثبت أن أبا سفيان قد باشر سمية ـ جارية الحارث بن كلدة الثقفي ـ وكانت من البغايا ذوات الرايات ـ في الجاهلية، فعلقت منه بزياد، وذكروا أن أبا سفيان اعترف بنفسه بذلك أمام علي بن طالب ﵁ وآخرين بعدما شب زياد ونبغ في عهد عمر بن الخطاب (٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا سفيان كان يقول زياد من نطفته (٣)، فلما كانت خلافة معاوية شهد لزياد بذلك النسب أبو مريم السلولي وهو صحابي كان يعمل في الجاهلية خَمَّارًا بالطائف، وهو الذي جمع بين أبي سفيان وسمية، وكان ذلك أمرًا مألوفًا آنذاك (٤). ويبدو أن هذا النسب قد شاع أمره حتى لقد شهد بذلك أحد رجال البصرة لزياد قبل استلحاق معاوية ﵁ إياه (٥)، فهي دعوة قديمة إذن ولم تكن كما يزعم الرواة

стр. 249

نتيجة مشورة المغيرة بن شعبة على معاوية ﵄ كجزء من صفقة متبادلة بين معاوية وزياد أو غير ذلك من التفاصيل التي اخترعها الرواة (١). وبعد عقود من السنين نجد الإمام مالك بن أنس ـ إمام أهل المدينة ـ يذكر زيادًا في كتابه الموطأ بأنه زياد بن أبي سفيان، ولم يقل زياد بن أبيه، وذلك في عصر بني العباس (٢)، والدولة لهم والحكم بأيديهم فما غيروا عليه، ولا أنكروا ذلك منه، لفضل علومهم ومعرفتهم بأن مسألة زياد قد اختلف الناس فيها، فمنهم من جوزها، ومنهم من منعها، فلم يكن لاعتراضهم عليها سبيل (٣). وأما تعارض هذا الاستلحاق ـ إن صح ـ مع نص الحديث الشريف، فمن اعتذر لمعاوية ﵁ قال: إنما استلحق معاوية زيادًا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعًا، وكان منها أن الجماعة يجامعون البَغِيَّ، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا النكاح، إلا أنّه أقر كل ولد كان يُنسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرّق بين شيء منها، فتوهم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرّق بين استلحاق في الجاهلية، والإسلام (٤). وأجاز الإمام مالك أن يستلحق الأخ أخا له ويقول: هو ابن أبي، ما دام ليس له منازع في ذلك النسب. فالحارث بن كلدة ـ الذي كانت سمية جارية له ـ لم ينازع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمَةٍ بغي وُلد على فراشه ـ أي في داره ـ فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل الحق على مذهب الإمام مالك.

стр. 250

الشبهة الثامنة والعشرون قَتْلُه حِجْر بنَ عدي وأصحابه الجواب: ١ - إن حِجْر بن عدى مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه تابعى، قال الحافظ ابن حجر: «وأما البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، وخليفة بن خياط، وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة» (١). وعلى فرض التسليم له بالصحبة فالواجب علينا عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، بل الترحم عليهم، والتصديق بعدالتهم. ٢ - تحدثت معظم المصادر التاريخية عن مقتل حجر بن عدي ﵁ بين مختصر في هذا الأمر ومطول كل بحسب ميله، وكان للروايات الشيعية النصيب الأوفر في تضخيم هذا الحدث ووضع الروايات في ذلك؛ وكأنه ليس في أحداث التاريخ الإسلامي حدث غير قصة مقتل حجر بن عدي. ٣ - ذكر ابن العربي أن الأصل في قتل الإمام، أنه قَتْلٌ بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولكن حِجْرًا فيما يقال: «رأى من زياد أمورًا منكرة، حيث أن زياد بن أبيه كان في خلافة علي واليًا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد. فقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أن زياد قد أطال في الخطبة فقام حجر ونادى: «الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر وحصبه آخرون معه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على

стр. 251

أميره في بيت الله، وعدّ ذلك من الفساد في الأرض، فلمعاوية العذر، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: «دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله» (١). وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله . ٤ - وأما قضاء معاوية ﵁ في حجر ﵁ وأصحابه، فإنه لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي ﵁ كما تزعم بعض الروايات الشيعية (٢)، بل استخار الله فيهم، واستشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم. والحجة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسناد حسن عن ابن عياش قال: حدثني شرحبيل بن مسلم قال: «لما بُعِث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت. فدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا إنا بحصن من الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥). فقال معاوية: «أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية». ثم قام المنادي فنادى: «أين أبو مسلم الخولاني»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا

стр. 252

فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك وإن سبقناك نظرناك»، ثم جلس. ثم قام المنادي فقال: «أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق، إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفُ فقد أحسنت». فقام المنادي فنادى: «أين عبد الله بن أسد القسري»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا على أنفسهم العقوبة، وإن تعفوا فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين لا تطع فينا من كان غشومًا ظلومًا بالليل نؤومًا، عن عمل الآخرة سؤومًا. يا أمير المؤمنين إن الدنيا قد انخشعت أوتارها، ومالت بها عمادها وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها»، ثم جلس. فقلت ـ القائل هو: اسماعيل بن عياش ـ لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضًا واستحيى بعضًا، وكان فيمن قتل حجر بن عدي بن الأدبر» (١). ٥ - مما يجدر التذكير به في هذا المقام أن معاوية ﵁ لم يكن ليقضي بقتل حجر بن عدي ﵁ لو أن حجرًا اقتصر في معارضته على الأقوال فقط ولم ينتقل إلى الأفعال. وقد ذكر ابن سعد ما يدل على أن معاوية أمر بقتل حجر بن عدي ﵁ لما شهد عنده الشهود بأنه ألب على عامله بالعراق، وحصبه وهو على المنبر، وخلع البيعة لمعاوية نفسه، وهو آنذاك أمير المؤمنين (٢). ولعل معاوية ﵁ قد اعتمد في قضائه هذا بقتل حجر بن عدي، على قوله ﵌: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (رواه مسلم).

стр. 253

وفي رواية عنه ﵌: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (رواه مسلم). الْهَنَات: جَمْع هَنَة، وَتُطْلَق عَلَى كُلّ شَيْء، وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْفِتَن وَالْأُمُور الْحَادِثَة. قال الإمام النووى ﵀ في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم: «فِيهِ الْأَمْر بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَام، أَوْ أَرَادَ تَفْرِيق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع شَرّه إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ كَانَ هَدَرًا». ٦ - وفي القصة التي ذكرها ابن سعد ما يدل على أن الشيعة قد ألّبوه على معاوية وعامله، وأن زيادًا والى العراق قد راجعه في ذلك قبل أن يبعث بالشهود إلى معاوية ﵁ فلما علم معاوية من حاله، وشهد عنده الشهود بذلك، أمر بقتله عملًا بنص هذا الحديث، خصوصًا وأن البيعة كانت قد استقرت له، والتأليب عليه مما يضر بالدولة الإسلامية آنذاك. وقد أمرنا النبي بالسمع والطاعة ولو لعبد حبشي يقيم كتاب الله، فكيف بمن كان من صحابته الذين آزروه ونصروه، وبمن دعا له النبي ﵌ بالهداية؟!! إن حجرًا ﵁ زيَّن له شيعة الكوفة هذه المعارضة، فأوردوه حياض الموت بخذلانهم إياه. ولا ننسى موقف شيعة الكوفة مع الحسين ﵁، حين زينوا له الخروج ثم خذلوه كما خذلوا حجرًا من قبله. ٧ - إن قيل: قتل حجر بن عدي واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل يقول قتله حقًا. فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل.

стр. 254

٨ - إن الذين يرون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعًا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه. ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب. ولو سلمنا أن معاوية أخطأ في قتل حجر؛ فقد سبق هذا الخطأ في القتل أسامة بن زيد ﵄. وقصة أسامة بن زيد ﵁ مع الرجل الذي نطق بالشهادتين، وقتْل أسامة له بعد نطقها، في الصحيحين البخاري ومسلم. وكل ما جرى من أسامة ناتج عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم. ٩ - الغريب أن الشيعة يصيحون من أجل قتل حجر بن عدي ولا يعترضون على عليٍّ ﵁ عندما قاتل الخارجين على خلافته في الجمل وصفين، والتي تسببت في مقتل خيار الصحابة إضافة إلى الآلاف من المسلمين، مع أنّ السبب واحد وهو الخروج على سلطة الخليفة!!! ١٠ - بالغت الروايات في ذكر موقف عائشة ﵂ من مقتل حجر بن عدي، حيث ذهبت بعض الروايات إلى زعم بتهديد عائشة لمعاوية بالقتل حين زارها عام

стр. 255

٥١هـ، وكذلك التهديد بمحاربة معاوية، وهذه الروايات لم يصح منها شيء في حق أم المؤمنين عائشة ﵂. وأما حقيقة موقفها فعن ابن أبي مليكه: إن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبت أن تأذن له، فخرج غلام لها يقال له: ذكوان، قال: ويحك أدخلني على عائشة فإنها قد غضبت علَيَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذنت له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: «أمّتاه فيما وجَدْتِ عليَّ (١) يرحمكِ الله؟». قالت: « ... وجدت عليك في شأن حِجْر وأصحابه أنك قتلتهم». فقال لها: « ... وأما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، تستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل ما يشاء». قالت: «تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله». وجاء في رواية أخرى: «لما قدم معاوية دخل على عائشة، فقالت: «أقتلت حجرًا؟». قال: «يا أم المؤمنين، إني وجدت قتل رجلٍ في صلاح الناس، خيرًا من استحيائه في فسادهم» (٢).

стр. 256

الشبهة التاسعة والعشرون اتهام معاوية ﵁ بشرب الخمر عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَجْلَسَنَا عَلَى الْفُرُشِ ثُمَّ أُتِينَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا ثُمَّ أُتِينَا بِالشَّرَابِ، فَشَرِبَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ نَاوَلَ أَبِي ثُمَّ قَالَ: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌». قَالَ مُعَاوِيَةُ: «كُنْتُ أَجْمَلَ شَبَابِ قُرَيْشٍ، وَأَجْوَدَهُ ثَغْرًا، وَمَا شَيْءٌ كُنْتُ أَجِدُ لَهُ لَذَّةً كَمَا كُنْتُ أَجِدُهُ وَأَنَا شَابٌّ غَيْرُ اللَّبَنِ أَوْ إِنْسَانٍ حَسَنِ الْحَدِيثِ يُحَدِّثُنِي» (رواه الإمام أحمد وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي). وقال غيره: «إسناد الخبر فيه لين؛ فزيد بن الحباب في حفظه ضعف، ومثله حسين بن واقد (١). يحاول الشيعة بهذا الخبر التلبيس على القارئ بأن معاوية كان ممن يشرب الخمر بعد إسلامه، وبعد ثبوت تحريم شرب الخمر. الجواب: هذا مندفع بأمور: أولها: لنفرض صحة الخبر السابق وأن ما جاء فيه، ثبوت شرب معاوية ﵁ للشراب، فإن لفظ الشراب لا يقتضي أن يكون المشروب خمرًا. فقد يكون هذا الذي شربه معاوية نبيذًا، أو لبنًا. ثانيها: مناولته لبريدة بن الحصيب الشراب، فلو كان خمرًا لما أخذه بريدة، ولأنكر عليه ذلك.

стр. 257

ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة ﵁ يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير. ثالثها: أن قوله: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌» هو من قول معاوية ﵁ وليس من قول بريدة، فدل على أن الشراب لم يكن خمرًا. وإن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سِنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن بريدة، قال: «دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجْلَسَ أبي على السَّرير، وأَتَى بالطعام فأطْعَمنا، وأتَى بشرابٍ فشَرِبَ، فقال معاوية: «ما شيءٌ كنتُ أستَلِذَّهُ وأنا شابٌّ فآخُذُهُ اليومَ إلا اللَّبَنَ؛ فإني آخُذُه كما كنتُ آخُذُه قَبْلَ اليَومِ» (١). رابعها: كيف يُفهم أن معاوية ﵁ شَرِبَ الخمر!! وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ ﵌، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثًا، ثم قتْله في الرابعة. فعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» (٢).

стр. 258

الشبهة الثلاثون افتراءات حول مصارف الأموال في عهد معاوية ﵁ - (١) أثار بعض المؤرخين شبهات حول مصارف الأموال في عهد معاوية ﵁، وذكروا عدة مصارف وسموها بأنها جائرة وغير شرعية منها: أولا: إعطاء مصر طعمة لعمرو بن العاص: تتعدد الروايات التي تنص على أن معاوية ﵁ أعطى مصر طُعمَةً لعمرو بن العاص لقاء تأييد الأخير له في حربه ضد علي بن أبي طالب ﵁، وجُلّ هذه الأخبار تحوي روحًا عدائية لعمرو ومعاوية ﵄ وتصور اتفاقهما على حرب علي ﵁ كما لو كانت مؤامرة دَنيئة أو صفقة مريبة، خان فيها الرجلان ربهما ودينهما، مقابل عَرَضٍ زائل أو نصر سريع، وكأن من المستحيل أن يبذل ابن العاص نصره لقضية اجتمع حولها آلاف الرجال في الشام وغيرها ـ وهي الطلب بدم عثمان ـ إلا إذا نال ولاية مصر وخراجها لنفسه. وبعض هذه الروايات تحوي سبابًا لهذين الصحابيين، كأن تزعم أن عَمْرو بنَ العاص فضَّل ولاية مصر على حسنى الآخرة وصرح بذلك فقال: «إنما أردنا هذه الدنيا»، أو أنه قال لمعاوية: «لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك»، أو قوله: «إنما أبايعك بها ديني» (أي بمصر)، أو قوله لمعاوية: «ولولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها؛ فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده»، إلى غير ذلك من الروايات (٢).

стр. 259

ورواة هذه الروايات كلهم من الشيعة الروافض. وكذلك روايات باطلة وموضوعة عند المسعودي وكتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة وغيرها تمسخ عمرو بن العاص إلى رجل مصالح، وصاحب مطامع وراغب دنيا. وقد تأثر بالروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة مجموعة من الكتّاب والمؤرَّخين، فأهووا بعمرو إلى الحضيض، ومنهم عباس محمود العقَّاد الذي يتعالى عن النَّظر في الإسناد، ويستخفُّ بقارئه، ويظهر له صورة معاوية وعمرو ﵄ بأنَّهما انتهازيَّان، صاحبا مصالح، ولو أجمع النّاقدون التاريخيون على بطلان الرِّوايات التي استند إليها في تحليله فهذا لا يعني للعقَّاد شيئًا. فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة، واهية، لا تقوم بها حجة: « ... ولْيَقُل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحَّة هذه الكلمات، وما ثبت نقلة، ولم يثبت منه سنده، ولا نصُّه فالذي لا ريب فيه، ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه: أن الاتفاق بين الرجلين، كان اتفاق مساومة، ومعاونة على الملك، والولاية، وأن المساومة بينهما كانت على النصَّيب الذي آل على كلِّ منهما، ولولاه لما كان بينهما اتفاق» (١). وما عرف من صحة إسلام وتقوى معاوية وعمرو ﵄، وتاريخهما المضيء في خدمة دين الله منذ أسلما مما يرد على تلك الروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة التي لاقت رواجًا واستقرارًا في تشويههما بالظلم والبهتان. ففي معاوية يكفي دعاء رسول الله ﵌ عندما قال: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني). (هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.

стр. 260

وثَبَتَ أن النبيَّ ﵌ دعا لمعاوية فقال: «اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني). وأما عمرو بن العاص ﵁ فقد شهد له رسول الله ﵌ بالإيمان حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني). ثانيًا: التنازل عن خراج ((دارابجرد)) للحسن بن علي: زعم بعض المؤرخين أن معاوية تنازل للحسن بن علي ﵃ عن خراج (دارابجرد) وأن يعطيه مما في بيت مال الكوفة مبلغ خمسة آلاف ألف درهم مقابل تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، وأن الحسن قد أخذ ما في بيت مال الكوفة ولكنه لم يستطع الحصول على خراج (دارابجرد) إذ إن أهل البصرة قد منعوه منه، ويزعمون أن ذلك كان بتحريض معاوية أو بمبادرة من البصريين (١). إن هذه الرواية تغض من شأن الحسن ومعاوية معًا ﵄ وتجعلهما في موقف التواطؤ على أكل أموال المسلمين بالباطل، وهذا باطل ولا يصح. ثالثًا: التوسع في إنفاق الأموال لتأليف القلوب واكتساب الأنصار: ذكر المؤرخون أن معاوية ﵁ أنفق أموالًا كبيرة ليتألف بها قلوب الزعماء والأشراف ويوطد أركان الدولة الإسلامية التي قامت بعد فترات من الصراع والتطاحن. فإن صح ذلك فإن إراقة بعض المال خير من إراقة كثير من دماء المسلمين. فلعله أعطى هؤلاء الرجال المال يستميل به قلوبهم، وقلوب أتباعهم وأنصارهم، ويعلي به مكانتهم ويسد خلة من وراءهم. ولعله قد فهم من إعطاء الرسول ﵌ المؤلفة قلوبهم بعد فتح مكة ليستميلهم نحو الدين، أنه يجوز أن يعطي أمثال هؤلاء الرجال ليتألف قلوبهم ويضمن ولاءهم للدين والدولة حيث نصرة الدين وجمع شمل أهله.

стр. 261

الشبهة الحادية والثلاثون هل قال معاوية ﵁: «إن الكريم طروب» عن محمد بن عامر: عاتب معاوية عبد الله بن جعفر على الاستهتار بالغناء والطرب، فدخل عليه يومًا ومعه بُديح المليح، مولى آل الزبير ويقال مولاه، فلما كان على باب البيت الذي فيه معاوية قال: «يا بديح، قل»، فتغنى وجعل يقرع حلقة الباب ويوقع بها، وجعل معاوية يحرك رجليه، فقال عبد الله: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟». قال: «إن الكريم طروب» (١). وقال الطبري: حدثنى أحمد عن على عن محمد بن عامر قال: «لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل يومًا على معاوية ومعه بديح، ومعاوية واضع رجلًا على رجل. فقال عبد الله لبديح: «إيهٍ (٢) يا بديح». فتغنى، فحرك معاوية رجله. فقال عبد الله: «مه يا أمير المؤمنين؟». فقال معاوية: «إن الكريم طروب». قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر وكان مولى لبنى ليث وكان فاجرًا، فقال له: «ارفع حوائجك». ففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر، فقال معاوية: «من هذا؟» فخبره، فقال: «أدخله». فلما قام على باب المجلس غنى:

стр. 262

إن الديارَ رسومُها قَفْرُ ... لعبَتْ بها الأرواحُ والقطرُ وخَلا لها مِن بَعدِ ساكِنِها ... حِجَجٌ خَلَوْنْ ثَمانِ أو عشْرُ والزعفرانُ على ترائِبِهَا ... شَرِقًا به اللّبَّاتُ والنَّحْرُ فقال: «أحسنت»، وقضى حوائجه». الجواب: أولًا: لم أجد مَن ترجم لمن اسمه محمد بن عامر إلا ابن حبان في (المجروحين برقم ١٠١٠) فقال: «محمد بن عامر أبو عبد الله شيخ من أهل الرملة يروي عن ابن عيينة يقلب الأخبار ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم». ثانيًا: غاية مافي هذه الرواية ـ إن صحت ـ سماع معاوية ﵁ للشعر، فليس هناك معازف أو فرق موسيقية!!!! ثالثًا: في هذه الرواية الضعيفة إنكار معاوية ﵁ على عبد الله بن جعفر الاستهتار بالغناء والطرب.

стр. 263

الشبهة الثانية والثلاثون هل أراد معاوية ﵁ أن ينقل منبر رسول الله ﵌ من المدينة إلى الشام ؟ ذكر الإمام الطبري ﵀ في كتابه التاريخ في حوادث سنة ٥٠ هـ، قال محمد بن عمر (١): «وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله ﵌ أن يحمل إلى الشام، فحرك فكسفت الشمس حتى رُئِيَت النجوم بادية يومئذ، فأعظم الناس ذلك. وجاء في رواية أخرى: «قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله وعصاه لا يُتْركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه»، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاء أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: «يا أمير المؤمنين، نذكّرك الله أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصح، تُخرِجُ منبر رسول الله ﵌ من موضع وضعه، وتخرج عصاه من المدينة». فترك ذلك معاوية، ولكن زاد في المنبر ستَّ درجات، واعتذر إلى الناس. وفي رواية: «قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال: قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله ﵌ وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه». وفي رواية: قال محمد بن عمر ـ بعد أن ساق سند الرواية ـ: «كان عبدالملك قد هَمَّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب: «أذَكّرك الله أن تفعل هذا، أن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حرَّكه فكسفت الشمس» (٢).

стр. 264

تحدثت الروايات السابقة عن القضايا التالية: * عزم معاوية ﵁ نقل منبر الرسول ﵌ وعصاه إلى الشام. * ربط كسوف الشمس بتحريك منبر رسول الله ﵌. * اتهام معاوية ﵁ ببغض أهل المدينة (الأنصار). الجواب: أولًا: هذه الروايات مدارها على محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث. ولا توجد رواية صحيحة تؤكد عزم معاوية ﵁ نقل منبر الرسول ﵌ وعصاه إلى الشام، ولا بغضه لأهل المدينة (الأنصار) (١). ثانيًا: إن دين معاوية ﵁، وعدالته، وصحبته لرسول الله ﵌ تمنعه مِن حَمْل منبر رسول الله ﵌ من المدينة إلى الشام وهو يعلم قوله ﵌: «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري ومسلم). ثالثًا: إن ربط كسوف الشمس بتحريك المنبر لم يَرِدْ بإسناد صحيح، هذا فضلًا عن أن كسوف الشمس ـ على افتراض حدوثه ـ لم يكن نتيجة لتحريك المنبر، وقد حصل ما يشبه ذلك في عهد الرسول ﵌، حيث أخرج البخاري عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ». رابعًا: في هذه القصة المكذوبة اتهام لمعاوية ﵁ ببغض أهل المدينة (الأنصار) لكونهم قتلة عثمان بن عفان ﵁.

стр. 265

وإن تقريب معاوية للأنصار وتوليته إياهم في مناصب هامة وحساسة يَرُدّ هذه الفِرْيَة، ومن الشواهد على ذلك: - توليته فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قضاء دمشق، وتوليته إياه منصب أمير البحرية الإسلامية في مصر. - تعيينه النعمان بن بشير الأنصاري ﵁ أميرًا على الكوفة. - تعيينه مسلمة بن مخلد الأنصاري ﵁ أميرًا على مصر والمغرب معًا. - تعيينه رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ أميرًا على طرابلس (١).

стр. 266

الشبهة الثالثة والثلاثون قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﵌ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» (رواه مسلم). قالوا: «ولا ريب أن معاوية كان من مبغضي علي بن أبي طالب». وقالوا: «وقد كان معاوية من أعداء علي الكبار». والجواب: أولًا: معنى الحديث: قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث والأحاديث التي قبله من صحيح مسلم وهي قوله ﵌: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ»، و «أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَنْصَارِ: «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ»، و «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: «الْآيَة هِيَ الْعَلَامَةُ، وَمَعْنَى هَذَه الأحَادِيث: أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَة الْأَنْصَار وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي نُصْرَة دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ فِي إِظْهَارِهِ وَإِيوَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامِهِمْ فِي مُهِمَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَقّ الْقِيَام، وَحُبِّهِمْ النَّبِيَّ ﵌ وَحُبّه إِيَّاهُمْ، وَبَذْلهمْ أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ بَيْن يَدَيْهِ، وَقِتَالهمْ وَمُعَادَاتهمْ سَائِر النَّاس إِيثَارًا لِلْإِسْلَامِ. وَعَرَفَ مِنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ قُرْبه مِنْ رَسُول اللَّه ﵌، وَحُبّ النَّبِيّ ﵌ لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَوَابِقه فِيهِ، ثُمَّ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ وَعَلِيًّا لِهَذَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صِحَّة إِيمَانِهِ وَصِدْقِهِ فِي إِسْلَامِهِ لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بِمَا يُرْضِي اللَّه ، وَرَسُوله ﵌، وَمَنْ أَبْغَضهمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقه وَفَسَاد سَرِيرَته. وَأَمَّا قَوْله: (فَلَق الْحَبَّة) فَمَعْنَاهُ شَقَّهَا بِالنَّبَاتِ. وَقَوْله (وَبَرَأَ النَّسَمَة) أَيْ خَلَقَ النَّسَمَة وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالسِّين. وَهِيَ الْإِنْسَان، وَقِيلَ: النَّفْس». (اهـ باختصار).

стр. 267

وقال القرطبي في شرحه لهذه الأحاديث في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): «وحُبُّ الأَْنْصَارِ ـ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه ﵌ وإعلاءِ كلمته ـ دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَنْ كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ ﵌، وبُغْضُهم لذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق. وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه ﵁ وعنهم أجمعين: فمَنْ أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذبِّه عنه وعن النبيِّ ﵌، ولمكانته منه ﵌ وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ ﵌، ومَنْ أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس. قال الشيخ ﵀: «وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة ﵃ كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين ـ بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذْ كُلُّ واحدٍ منهم له سابقةٌ وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغْضُهُمْ له محضُ النفاق. وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله ﵌ فيما خرَّجه البَزَّار في أصحابه كلِّهم: «فَمَنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَنْ أبغضَهُمْ فببغضي أبغَضَهُمْ» (١).

стр. 268

تنبيه: مَنْ أبغض بعضَ مَنْ ذَكَرْنا من الصحابة ﵃ من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ ـ من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحوِ ذلك ـ لم يكنْ كافرًا ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم ﵃ قد وقعتْ بينهم مخالفاتٌ كثيرةٌ عظيمة، وحروبٌ هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّرْ بعضُهُمْ بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُمْ في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام: فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له. أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذورْ، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجورْ. (اهـ كلام القرطبي باختصار). وقال الإمام الذهبي في قَوْلِ عَلِيٌّ ﵁: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﵌ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ»: «مَعْنَاهُ: أَنَّ حُبَّ عَلِيٍّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَبُغْضَه مِنَ النِّفَاقِ، فَالإِيْمَانُ ذُو شُعَبٍ، وَكَذَلِكَ النِّفَاقُ يَتَشَعَّبُ، فَلاَ يَقُوْلُ عَاقل: إِنَّ مُجَرَّدَ حُبِّهِ يَصيرُ الرَّجُلُ بِهِ مُؤْمِنًا مُطلَقًا، وَلاَ بِمُجَرَّدِ بُغضه يصيرُ بِهِ الموحِّد مُنَافِقًا خَالصًا. فَمَنْ أَحَبّه وَأَبغض أَبَا بَكْرٍ، كَانَ فِي مَنْزِلَة مَنْ أَبغضه، وَأَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَبُغضهُمَا ضَلاَلٌ وَنفَاق، وَحبُّهُمَا هُدَىً وَإِيْمَان» (١). إن عليًّا ﵁ قد أحبه قوم لا خلاق لهم ـ وهم الشيعة , وأبغضه قوم من النواصب. فالمراد بالحديث: «لا يحبك الحب الشرعي المعتد به عند الله تعالى , أما حب الشيعة المتضمن للبلايا والمصائب , فلا عبرة به , بل هو وبال على صاحبه كما أحبت النصارى المسيح ﵇».

стр. 269

إن الشيعة قد رفعوا بعض المخلوقين ـ وهم الأئمة عندهم ومنهم علي بن أبي طالب ﵁ ـ إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، يدعونهم من دون الله ويعتقدون فيهم النفع والضر، ويعتقدون أنهم يعلمون الغيب. قال القحطاني في نونيته: واحفظْ لأهلِ البيتِ واجبَ ... حقِّهم واعرف عليًّا أيما عرفانِ لا تنْتَقِصْه ولا تَزِدْ في قدرِهِ ... فعليهِ تَصْلَى النارَ طائفتانِ إحداهما لا ترتَضِيهِ خليفةً ... وتَنُصُّهُ الأخرَى إلهًا ثَانِ ثانيًا: من زعم أنه قد شق عن قلب معاوية ﵁ واطّلع على ما فيه وعلم أنه كان يبغض عليًّا ﵁ فليأتِنَا بما يثبت ذلك. ثالثًا: إن معاوية ما ترك مبايعة عليًا ﵄ طمعًا في الخلافة أو الملك ولم يقاتله من أجل ذلك وإنما طلبًا لدم عثمان. ومعاوية ﵁ كان متأولًا في قتاله لعلي ﵁. قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟». فقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ... ». ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟». فقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١). ولما سئل القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء عما جرى بين علي معاوية ﵄ , وهل يجوز أن يضاف إلى معاوية بذلك ظلم أو فسق؟ قال: «لا يجوز أن يضاف إليه شيء من ذلك، بل يقال: إنه اجتهد , وله أجر على اجتهاده , ووجه اجتهاده أنه

стр. 270

قال: استعملني الخليفتان من قبل , وولَّيَاني على الشام , عمر وعثمان ﵄ , وأنا على ما استعملاني عليه , حتى يجتمع الناس على إمام , فأسلِّم إليه ما في يدي , وأنا مطالب بدم عثمان , لأني ابن عمه ووليه , وأحق الناس به. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣)» (١). قال ابن حزم: «لم ينكر معاويةُ قط فضلَ عليٍّ واستحقاقه بالخلافة لكن اجتهاده أدّاه إلى أنْ رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان» (٢). قال الأشعري: «وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبَّدَنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتّبَرِّي من كل من ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم» (٣). رابعًا: إن الصحابة الذين حضروا القتال سواء مع علي أو معاوية ﵃ ما فهموا ما فهمه بعض أهل الأهواء من هذه النصوص التي ذكروها. فلم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق أو الكفر أفلا يسعهم ما وسعهم! روى ابن عساكر من طريق سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند عليّ يوم صِفِّين ـ أو يوم الجمل ـ فذكرنا الكفر، قال: «لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغَيْنَا عليهم، وزعمْنا أنهم بغَوْا علينا؛ فقاتلناهم على ذلك» (٤).

стр. 271

وتذكر مصادر الشيعة الاثني عشرية أن معاوية ما قاتل عليًّا إلا في أمر عثمان ﵃، وهذا هو ما يؤكده عليّ ﵁ فقد أورد الشيعي الشريف الرضي في كتابه (نهج البلاغة) خطبة نسب فيها لعليٍّ ﵁ قوله: «وبدءُ أمرِنا أنّا التقَينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (١). فهذا عليّ ﵁ يؤكد أن الخلاف بينه وبين معاوية هو مقتل عثمان ﵃ جميعًا وليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي الشيعة، ويقرر أن معاوية وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان. ولقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا ﵇ كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق». وروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا ﵇ لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٢).

стр. 272

الشبهة الرابعة والثلاثون هل تعامل معاوية ﵁ بالربا ؟! عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ. قَالَ: قَالُوا: «أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ»، فَجَلَسَ. فَقُلْتُ لَهُ: «حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ». قَالَ: «نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أُعْطِيَاتِ النَّاسِ؛ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ؛ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى». فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ. فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ـ أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ ـ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ» (رواه مسلم). الجواب: أولًا: القول بجواز ربا الفضل وأنه لا يحرم إلا في نسيئة لم ينفرد به معاوية ﵁ , بل جاء عن جمع من الصحابة: عبدالله بن عباس , وابن عمر , والبراء بن عازب , وزيد بن أرقم ﵃ , فلماذا يُخَصُّ معاوية ﵁ دون بقية هؤلاء؟! عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ؛ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.

стр. 273

قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ. قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا». قَالَ: «كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا أَوْ فِي تَمْرِنَا الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ». فَقَالَ: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ فَبِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنْ التَّمْرِ». (رواه مسلم). وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: «مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا فَقَالَ: «لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ ـ وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﵌ هَذَا اللَّوْنَ ـ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «أَنَّى لَكَ هَذَا؟». قَالَ: «انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «وَيْلَكَ، أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟». قَالَ: «فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ». قَالَ: «فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ» (رواه مسلم).

стр. 274

وعَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ مِثْلًا بِمِثْلٍ مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ؟». فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذه الأحاديث من صحيح مسلم: «مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ، وَدِينَار بِدِينَارَيْنِ، وَصَاع تَمْر بِصَاعَيْنِ مِنْ التَّمْر، وَكَذَا الْحِنْطَة وَسَائِر الرِّبَوِيَّات، كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُم فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَة. وَهَذَا مَعْنَى قَوْله: «إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا»، يَعْنِي الصَّرْف مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكَانَ مُعْتَمَدهمَا حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة» ثُمَّ رَجَعَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِين بَلَغَهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رُجُوعهمَا صَرِيحًا. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة» فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى نَسْخه. وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَات: أَحَدهَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الرِّبَوِيَّات، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْن بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُون لَهُ عِنْده ثَوْب مَوْصُوف، فَيَبِيعهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوف مُؤَجَّلًا، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ.

стр. 275

الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلِفَة، فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُل، بَلْ يَجُوز تَفَاضُلهَا يَدًا بِيَدٍ. الثَّالِث: أَنَّهُ مُجْمَل، وَحَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْرهمَا مُبَيِّن، فَوَجَبَ الْعَمَل بِالْمُبَيِّنِ، وَتَنْزِيل الْمُجْمَل عَلَيْهِ. هَذَا جَوَاب الشَّافِعِيّ ﵀».انتهى كلام الإمام النووي ﵀. وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في شرح حديث أُسَامَةُ بنِ زيد أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»: «وَالصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ: دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ، وَلَهُ شَرْطَانِ: مَنْع النَّسِيئَة مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ. وَمَنْع التَّفَاضُل فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عُمَر ثُمَّ رَجَعَ، وَابْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ فِي رُجُوعِهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق حَيَّانَ الْعَدَوِيّ: «سَأَلْت أَبَا مِجْلَز عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: كَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْن يَدًا بِيَد، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيد ـ فَذَكَرَ الْقِصَّة وَالْحَدِيث، وَفِيهِ: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَقَالَ اِبْن عَبَّاس: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ». وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد فَقِيلَ: مَنْسُوخ، لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَقِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «لَا رِبًا» الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب: «لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ» مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ

стр. 276

أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ، وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللهُ أَعْلَمُ». وَقَالَ الطَّبَرِيّ: «مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد». (انتهى كلام الحافظ ابن حجر). ثانيًا: معاوية وغيره من الصحابة ﵃ ممن قالوا بجواز ربا الفضل , قالوا ذلك متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النسيئة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرَهُمَا رَخَّصُوا فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ إلَّا فِي النَّسَاءِ؛ لَا فِي الْيَدِ بِالْيَدِ ... وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، قَالَ اللهُ: «قَدْ فَعَلْت» (١)، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتَّبِعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ؛ فَنَقُولَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ (الحشر:١٠). وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ. وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ؛ وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ.

стр. 277

وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَمَنْ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللهِ وَأَحْسَنَ إلَى عِبَادِ اللهِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ» (١). ثالثًا: قد يُحْمَلُ قولُ مَن قال مِن الصحابة ﵃ بجواز ربا الفضل , على أن ذلك لم يبلغه عن رسول الله ﵌. ومن ذلك قول معاوية ﵁ لما بلغه عن عبادة النهي عن ربا الفضل: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ» (رواه مسلم). قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: «وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ.» ا. هـ. وكذلك معاوية ﵁.

стр. 278

الشبهة الخامسة والثلاثون هل قتل معاوية ﵁ خمسة وعشرين بدريًا يوم صِفِّين ؟! الجواب: إن صِفِّين لم يحضرها من الصحابة ﵃ إلا عددٌ قليلٌ بل قيل لم يحضرها إلا خزيمة بن ثابت ﵁؛ فعن أمية بن خالد قال: «قلت لشعبة: «إن أبا شيبة حدثنا عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «شهد صِفِّين من أهل بدر سبعون رجلًا». قال: «كذب والله؛ لقد ذاكرتُ الحكم ذاك، وذكرناه في بيته فما وجدنا شهد صِفِّين أحدٌ من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت (١). وعن روح قال: حدثنا شعبة قال: «ذاكرتُ الحكم مَن شهد صِفِّين من أهل بدر فأثبت فيهم خزيمة بن ثابت، وكان شعبة ينكر أن يكون أبو الهيثم بن التيهان شهد صِفِّين» (٢). قال الإمام الذهبي: «قَالَ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدٍ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: «إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ صِفِّينَ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُوْنَ رَجُلًا». قَالَ: «كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، لقَدْ ذَاكَرتُ الحَكَمَ، فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، غَيْرَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ». «قُلْتُ ـ أي الذهبي ـ: «قَدْ شَهِدَهَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، وَالإِمَامُ عَلِيٌّ أَيْضًا» (٣). وقال الحافظ ابن كثير: «وقد قيل أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف وكذا

стр. 279

أبو أيوب الأنصاري» (١). وعن إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض» (٣). وروى معمر بن راشد في (جامعه) عن أيوب عن ابن سيرين قال: «ثارت الفتنة , وأصحاب رسول الله ﵌ عشرة آلاف , لم يخِفّ (٤) منهم أربعون رجلًا». قال معمر: «وقال غيره: «خَفَّ معه ـ يعني عليًّا ﵁ ـ مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر , منهم أبو أيوب , وسهل بن حنيف , وعمار بن ياسر» (٥). ورواه الحاكم (٦) من طريق معمر بن راشد إلا أنه جعل آخره من كلام ابن سيرين فوهم ولم يُصِبْ!.

стр. 280

فقول من قال: «خَفَّ مع علي ﵁ مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر» مردود من وجوه: ١ - أنه لا يُدرى من قال هذا، وعَزْوُ الحاكم في (مستدركه) هذا إلى ابن سيرين لم يُصِبْ فيه فقد رواه هو بنفسه من طريق معمر (١). والذي في (جامع معمر): «وقال غيره: ..... ». أي غير ابن سيرين. ٢ - أن هذا يخالف ما ذُكِر من الآثار الصحيحة في أن صِفِّين لم يشهدها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة لاسيما أهل بدر. فصفين لم يدركها إلا قلة من أهل بدر فعن سعيد بن عامر قال: حدثنا هشام عن محمد قال: «وقعت الفتنة وبالمدينة عشرة آلاف، أو قال: أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله فما دخل الفتنة منهم كلهم إلا ثلاثون» (٢). بل حتى وقعة الجمل لم يحضرها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة ﵃؛ قال ابن كثير: «ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل» (٣). وقال: «يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة , وعن أحمد: «ولا ثلاثون» (٤). وروى الحاكم ومعمر بن راشد عن سعيد ابن المسيب قال: «ثارت الفتنة الأولى فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الفتنة الثانية فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد» , قال: «وأظن لو كانت الثالثة لم ترفع وفي الناس طَبَاخ» (٥). ورواه البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى ـ يَعْنِى مَقْتَلَ عُثْمَانَ ـ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ ـ يَعْنِى

стр. 281

الْحَرَّةَ ـ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ». قال ابن حجر في (فتح الباري): «قَوْله: (وَقَعَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى) يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان. (فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدًا)، أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتْ الْفِتْنَة بِمَقْتَلِ عُثْمَان إِلَى أَنْ قَامَتْ الْفِتْنَة الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّة، وَكَانَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَاتَ قَبْل وَقْعَة الْحَرَّة بِبِضْعِ سِنِينَ. قَوْله: (ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّانِيَة يَعْنِي الْحَرَّة إِلَخْ) كَانَتْ الْحَرَّة فِي آخِر زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة (١). (ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَة) قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم: هُوَ يَوْم خُرُوج أَبِي حَمْزَة الْخَارِجِيّ، قُلْت: كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم سَنَة ثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَقَوْله (طَبَاخٌ): أَيْ قُوَّة. (اهـ باختصار). تم بحمد الله

стр. 282

أهم المراجع * البداية والنهاية لابن كثير. * تاريخ دمشق لابن عساكر. * العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ﵌ للقاضي أبي بكر بن العربي. * شبهات حول الصحابة والرّدّ عليها، أَميرُ المُؤْمِنين مُعاويةُ بنُ أَبي سُفْيَان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وتقديم وتعليق: محمد مال الله. * الأحاديث النبوية في فضائل معاوية بن أبي سفيان، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي. * من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية ﵁، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر. * تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين، للأستاذ الدكتور محمد أمحزون. * مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، للدكتور خالد الغيث. * سل السِّنان في الذَبّ عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ لسعد بن ضيدان السبيعي. * أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان ﵁ دراسة حديثية، لمحمد زياد بن عمر التكلة. * الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، للدكتور: علي محمد الصًّلاَّبيَّ. * حقبة من التاريخ، للشيخ عثمان الخميس. * شبهات وأباطيل حول معاوية ابن أبي سفيان، لأبي عبد الله الذهبي. * معاوية بن أبي سفيان بين البخس والإنصاف، موقع البرهان ٥ رمضان ١٤٢٧.