وأبَتْ طائفةٌ أخرى، فجرت بينهم وبين علي ﵁ حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابَه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة.
نَصّ وثيقة التحكيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ـ هذا ما تقاضى عليه عليُّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما، فيما تراضَيَا فيه من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﵌.
٢ـ قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم، قضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.
٣ ـ إنّا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحْيى ونُميت ما أمات. على ذلك تقاضينا وبه تراضينا.
٤ ـ وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس (١) ناظرًا وحاكمًا، ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.
٥ ـ عليٌّ ومعاوية ﵄ أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذِمّته وذِمّة رسوله، أن يتخذا القرآن إمامًا ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا وما لم يجدا في الكتاب ردّاه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافًا، ولا يبقيان فيها بشبهة.
٦ ـ وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على عليٍّ ومعاوية عهدَ الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه وليس لهما أن ينقُصا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.
٧ ـ وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما، لم يَعْدُوَا الحق، رضي به راض أو سخط ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما في كتاب الله.
стр. 72
٨ ـ فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلًا من أهل المعدلة والصلاح، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق.
٩ ـ وإن مات أحد الأميرين قبل إنقضاء الأجل المحدود في هذه القضية، فلشيعته أن يُوِلوّا مكانه رجلًا يرضون عدله.
١٠ ـ وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ورفع السلاح.
١١ ـ وقد وجبت القضية على ما سمّيناه في هذا الكتاب، من موقع الشرط على الأميرين والحَكمين والفريقين والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا، فإن خالفا وتعدّيا، فالأمّة بريئة من حُكمهما، ولا عهد لهما ولا ذِمّة.
١٢ ـ والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوع، والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر.
١٣ ـ وللحَكمين أن ينزلا منزلًا متوسطًا عدلًا بين أهل العراق والشام.
١٤ ـ ولا يحضرهما فيه إلا من أحبَّا عن تراضٍ بينهما.
١٥ ـ والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحَكمان تعجيل الحكومة عجّلاها، وإن رَأَى تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها.
١٦ ـ فإن هما لم يحكُما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب.
١٧ ـ وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعًا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا.
وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين (١).
стр. 73
بطلان قصة التحكيم المشهورة (١)
إن قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة وقد تاه فيها كثير من الكتاب، وتخبط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام وخصوصًا: أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وبأنه كان على جانب كبير من الغفلة؛ ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضيّة التحكيم، ووصفوا عمرو بن العاص ﵁ بأنه كان صاحب مكر وخداع.
فكل هذه الصفات الذميمة حاول المغرضون والحاقدون على الإسلام إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين الذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدّى إلى قتل الكثير من المسلمين.
وقد تعامل الكثير من المؤرخين والأدباء والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام ﵃ على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها، وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها، وليعلم
стр. 74
أن كلامنا هذا ينصب على التفصيلات لا على أصل التحكيم حيث أن أصله حق لا شك فيه (١).
إن قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية ـ رضي الله عن الجميع ـ مشهورة ذائعة في كتب الأخباريين وأهل الأدب، وفيها ما فيها من لمز الصحابة ﵃ بما ليس من أخلاقهم.
لقد كثر الكلام حول هذه القصة الباطلة، وتداولها المؤرخون والكتاب على أنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، فهم بين مطيل في سياقها ومختصر وشارح ومستنبط للدروس وبانٍ للأحكام على مضامينها وقلما تجد أحدًا وقف عندها فاحصًا محققًا، وقد أحسن ابن العربي في ردها إجمالًا دون أن يُفَصّل وفي هذا دلالة على قوة حاسته النقدية للنصوص.
وقد فند هذه القصة الباطلة: الدكتور يحيى اليحيى في (مرويات أبي مخنف).
وقد أجاد الشيخ محمد العربي التباني في إبطالها في رده على محمد الخضري المؤرخ في كتابه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري).
إن جميع متون قصة التحكيم لا يمكن أن تقوم أمام معيار النقد العلمي، بل هي باطلة من عدة وجوه (٢).
الوجه الأول:
أن جميع طرقها ضعيفة، وأقوى طريق وردت فيه هو ما أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند رجالة ثقات عن الزهري مرسلًا قال: قال الزهري: فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراق، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص فتعرق أهل صِفِّين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا من خفض
стр. 75
القرآن، وأن يختار لأمّة محمد ﵌، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.
فلما انصرف عليّ خالفت الحرورية وخرجت ـ وكان ذلك أول ما ظهرت ـ فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: أن حكَّم ابن آدم في حكم الله ، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشّام، وأبَى علي وأهل العراق أن يوافوا، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يفترقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك.
قال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأرجعهما، فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمّة، قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، وقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأيًا، فيكم بقية المسلمين.
فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد.
فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشّام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها فكتبها أبو موسى.
قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟ فسَمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك علَيَّ أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني!
стр. 76
قال أبو موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان.
فلم يبرحا مجلسهما حتى استبَّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: «إني وجدت مثَلَ عمرو كمَثَلِ الذي قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (الأعراف:١٧٥).
فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة:٥). وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار (١).
تحقيق هذه القصة:
الزهري لم يدرك الحادثة فهي مرسلة، ومراسيله كأدراج الرياح لا تقوم بها حجة (٢)، كما قرّر العلماء.
* وهناك طريق أخرى أخرجها ابن عساكر بسنده إلى الزهري وهي مرسلة وفيها أبو بكر بن أبي سبرة قال عنه الإمام أحمد: كان يضع الحديث. وفي سندها أيضًا الواقدي، وهو متروك (٣).
وهذا نصها:
« ... رفع أهل الشّام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا رأس الحول أذرح، وحكموا حكمين ينظرون في أمور الناس فيرضوا بحكمها، فحكّم عليٌّ أبا موسى الأشعري، وحكَّم معاوية عمرو بن العاص.
стр. 77
وتفرق الناس فرجع عليٌّ إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، واختلف عليه أصحابه فخرج عليه الخوارج من أصحابه ممن كان معه، وأنكروا تحكيمه وقالوا: لا حُكْم إلا لله ورجع معاوية إلى الشام بالألفة واجتماع الكلمة عليه.
ووافى الحكمان بعد الحول بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، واجتمع الناس إليهما وكان بينهما كلام اجتمعا عليه في السر خالفه عمرو بن العاص في العلانية، فقدم أبا موسى فتكلم وخلع عليًّا ومعاوية، ثم تكلم عمرو بن العاص فخلع عليًا وأقر معاوية، فتفرق الحكمان ومن كان اجتمع إليهما وبايع أهل الشام ومعاوية في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين» (١).
*وهناك طريق أخرى فيها أبو مخنف وأبو جناب الكلبي فهي معلولة بهما:
فالأول: أبو مخنف ـ لوط بن يحيى ـ ضعيف ليس بثقة، وأخباري تالف غالٍ في الرفض.
والثاني: أبو جناب الكلبي قال فيه ابن سعد: «كان ضعيفًا».
وقال البخاري وأبو حاتم: «كان يحيى القطان يضعفه».
وقال عثمان الدارمي: «ضعيف»، وقال النسائي: «ضعيف» (٢).
وهذا نص رواية أبي مخنف كما ذكرها الطبري في (تاريخ الرسل والملوك ٥/ ٧٠ - ٧١):
«قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام، يقول: «إنك صاحب رسول الله ﵌ وأنت أسَنّ مني، فتكلم وأتكلم».
стр. 78
فكان عمرو قد عوَّد أبا موسى أن يقدمه في كل شيء، اعتزى (١) بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع عَلِيٍّ.
قال: فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمْرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه.
فقال له عمرو: «خبرني ما رأيك؟».
قال: «رأيي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا».
فقال له عمرو: «فإن الرأي ما رأيت».
فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: «يا أبا موسى، أعْلِمْهم بأن رأيَنَا قد اجتمع واتفق»، فتكلم أبو موسى فقال: «إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة».
فقال عمرو: «صدق وبرّ، يا أبا موسى، تقدم فتكلم».
فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: «ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فإنّ عَمْرًا غادر، ولا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك»، ـ وكان أبو موسى مغفّلًا ـ فقال له: «إنا قد اتفقنا».
فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلحَ لأمرِها، ولا ألَمَّ لشعثها من أمرٍ قد أجمع رأيي ورأيُ عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم. وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا»، ثم تنحى.
стр. 79
وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه. وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه».
فقال أبو موسى: «ما لك لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث».
قال عمرو: «إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا».
وحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم.
وكان شريح بعد ذلك يقول: «ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدهر ما أتى».
والتمس أهل الشام أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة!
قال ابن عباس: «قبح الله رأي أبي موسى حذرته وأمرته بالرأي فما عقل».
فكان أبو موسى يقول: «حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة».
ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: «اللهم العن معاوية وعمرًا وأبا الأعور السلمي وحبيبًا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد».فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليًّا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا».
هذه طرق قصة التحكيم المشهورة، والمناظرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص المزعومة، أفمثل هذا تقوم به حجة، أو يعول على مثل ذلك في تاريخ الصحابة الكرام
стр. 80
وعهد الخلفاء الراشدين، عصر القدوة والأسوة، ولو لم يكن في هذه الروايات إلا الاضطراب في متونها لكفاها ضعفًا فكيف إذا أضيف إلى ذلك ضعف أسانيدها (١).
وتأمل ما وضعنا تحته خطًا في الرواية الأخيرة لتعلم مدى جُرم هؤلاء الكذابين في الافتراء على صحابة النبي ﵌ وإظهارهم بمظهر أهل السبّ واللعن والغدر.
الوجه الثاني من أوجه بطلان قصة التحكيم المشهورة:
إن الحكمين كانا مفوضين للحكم في الخلاف بين عليٍّ ومعاوية ﵄، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء، فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية، وهي ما طُلب إليهما الحكم فيه، واتخذا قرارًا في شأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة، فمعنى ذلك أنهما لم يَفْقَهَا موضوع النزاع، ولم يحيطا بموضوع الدعوى، وهو مستبعد جدّا (٢).
ولم يكن معاوية ﵁ مدعيا للخلافة ولا منكرًا حق عليّ ﵁ فيها كما تقرر سابقًا، وإنما كان ممتنعًا عن بيعته وعن تنفيذ أوامره في الشام حيث كان متغلبًا عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون، مستفيدًا من طاعة الناس له بعد أن بقي واليًا فيها زهاء عشرين سنة (٣).
الوجه الثالث:
ليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات أن كل من لم يرضَ بإمامه خلعه، فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده، وهم أهل الحل والعقد، وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة، وهل علي ﵁ فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة وهو الخليفة الراشد حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك، فما ظهر منه قط إلى
стр. 81
أن مات ﵁، شيء يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل، والجد والبر والتقوى والخير (١).
الوجه الرابع:
أن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة، وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة له، فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة! لا شك أن الأحوال ستزداد سوءًا، والصحابة الكرام ﵃ أحذق وأعقل من أن يُقْدِموا على هذا، وبهذا يتضح بطلان هذا الرأي عقلًا ونقلًا.
الوجه الخامس:
هذه الرواية المكذوبة تطعن في أبي موسى الأشعري ﵁ بأنه مغفل وهذا طعْن في النبي ﵌ الذي ولاه على تهائم اليمن زبيد وعدن وغيرهما وهو مغفل.
والطعنُ فيه بما ذكر طعنٌ في عمر ﵁ الذي ولاه أميرًا على البصرة وقائدًا على جيشها فافتتح الأهواز وأصبهان، وكتب عمر في وصيته: «لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين».
فكيف يقرّ عمر ﵁ أبا موسى الأشعري أربع سنين وهو مغفل؟!!!
فهؤلاء الوضاعون الكائدون للإسلام ورجاله مغفلون لا يحسنون وضع الأباطيل؛ لأنهم يأتون فيها بما يظهر بطلانها في بادئ الفهم الصحيح لكل مسلم.
الوجه السادس:
ما نقصت هذه الخديعة ـ لو صحت ـ مما كان لأمير المؤمنين عليٍّ ﵁ عند أتباعه شيئًا وما أفادت معاوية ﵁ شيئًا جديدًا زائدًا عما كان له حتى يصح أن يقال فيها إن فلانًا داهية كاد أمة من المسلمين بكيد مقدمها ومحكمها، وغاية أمرها أنها أشبه بعبث الأطفال لا تتجاوز العابث والمعبوث به، وبرَّأ الله تعالى أصحاب النبي ﵌ من هذا العبث.
стр. 82
الوجه السابع:
لا يخلو قول عمرو بن العاص ﵁ فيما زعموا عليه: «وأثبت صاحبي معاوية» من أمرين:
الأول: تثبيته في الخلافة كما كان أولًا، وهذا هو المتبادر من لفظ التثبيت، وهو باطل قطعًا؛ فإنه لم يقل أحد ينتسب إلى الإسلام إن معاوية ﵁ كان خليفة قبل التحكيم حتى يثبّته حَكمه فيها بعده، ولم يدَّعِها هو لا قبله ولا بعده، ولم ينازع عليًّا ﵁ فيها.
الثاني: تثبيته على إمارة الشام كما كان قبل، وهذا هو المتعين دراية وإن لم يصح رواية، وهو تحصيل الحاصل، وأي دهاء امتاز به على أبي موسى في تحصيل الحاصل؟ وأي تغفيل يوصم به أبو موسى مع هذا العبث؟ فهل زاد به معاوية شيئًا جديدًا لم يكن له من قبل؟ وهل نقص به علي عما كان له قبل؟
الوجه الثامن:
لا يخفى ما تنطوي عليه هذه الروايات من قدح وذمّ في صحابة رسول الله ﵌ واتهام بعضهم بالغدر والخيانة وسب ولعن بعضهم بعضًا , وما يخالف هذا امتداح الله ورسوله ﵌ لهم ﵃.
الوجه التاسع:
وردت رواية صحيحة تناقض تلك الروايات تمامًا، وذلك فيما أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير) بسند صحيح، أن عمرو بن العاص ﵁ لما جاء التحكيم التقى مع أبي موسى الأشعري ﵁ فقال له: ما ترى في هذا الأمر؟
قال: «أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﵌ وهو عنهم راض» (١).
فقال عمرو بن العاص ﵁: «فأين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟».
قال: «إن يستَعِن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما (٢).
ثم انتهى الأمر على هذا فرجع عمرو بن العاص إلى معاوية ﵄ بهذا الخبر ورجع أبو موسى الأشعري إلى عليٍّ ﵄.
стр. 83
والصلح خير
كانت بيعة الحسن بن علي ﵄ في شهر رمضان من سنة ٤٠ هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي , وقد اختار الناس الحسن بعد والده ﵄ ولم يعين أمير المؤمنين أحدًا من بعده, وقد اشترط الحسن بن علي ﵁ على أهل العراق عندما أرادوا بيعته، فقال لهم: «والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم».
قالوا: «ما هو؟».
قال: «تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت».
ويستفاد من ذلك ابتداء الحسن ﵁ في التمهيد للصلح فور استخلافه وقد باشر الحسن بن علي سلطته كخليفة, فرتب العمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية ,وكانت شخصيته الفذة من الناحية العسكرية والأخلاقية, والسياسية, والدينية تساعده على ذلك، إلا أن الحسن بن علي ﵄ , مالَ إلى السلم والصلح لحقن الدماء, وتوحيد الأمة, والرغبة فيما عند الله، وزهده في الملك، وغير ذلك من الأسباب.
وقد قاد الحسن بن علي مشروع الإصلاح الذي تُوّج بوحدة الأمة.
وقد تنازل الحسن بن علي ﵄ من موقف قوة فقد اختير الحسن بن علي بعد والده ﵄ اختيارًا شوريًا وأصبح الخليفة الشرعي على الحجاز واليمن والعراق, وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده, وقد استمر في خلافته ستة أشهر وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله ﵌ بأن مدتها ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا (١).
стр. 84
وكان مع الحسن بن علي ﵄ أكثر من أربعين ألفًا بايعوه على الموت وكان في معسكره كثير من القواد الكبار، كأخيه الحسين، وابن عمه عبد الله بن جعفر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعدي بن حاتم وغيرهم فلو أراد الخلافة لأعطي المجال لقياداته للتحرك نحو تعبئة الناس والدخول في الحرب مع معاوية وعلى الأقل يكون خليفة على دولته إلى حين.
إن تسليم الحسن بن علي ﵄ الخلافة إلى معاوية ﵁ مع أنه كان معه أكثر من أربعين ألفًا بايعوه على الموت، ليدل على مكانة معاوية ﵁ فلو لم يكن أهلًا لها لما سلمها السبط الطيب إليه ولَحَاربه (١).
عن الْحَسَن قال: «اسْتَقْبَلَ وَاللهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: «إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا».
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ ـ وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ ـ: «أَيْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟»
فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ـ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ـ فَقَالَ: «اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ».
فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: «إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا».
قَالَا: «فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ».
قَالَ: «فَمَنْ لِي بِهَذَا؟».
قَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ».
فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ»، فَصَالَحَهُ.
- تفرغ الدولة للخوارج.
وبتنازل الحسن بن علي ﵄ اكتملت عوامل تولي معاوية ﵁ الخلافة، وتهيأت له جميع أسبابها، فبويع أميرًا للمؤمنين عام واحد وأربعين للهجرة وسمي هذا العام بعام الجماعة، وسجل في ذاكرة الأمه عام الجماعة وأصبح هذا الحدث من مفاخرها التي تزهو بها على مر العصور، وتوالي الدهور.
فقد التقت الأمة على زعامة معاوية، ورضيت به أميرًا عليها، وابتهج خيار المسلمين بهذه الوحدة الجامعة، بعد الفرقة المشتتة، وكان الفضل في ذلك لله ثم للسيد الكبير صاحب المشروع الإصلاحي العظيم الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، ويُعد عام الجماعة من علامة نبوة المصطفى ﵌ وفضيلة باهرة من فضائل الحسن.
ويكفي معاوية ﵁ فخرًا أن كل الصحابة الأحياء في عهده بايعوه، فقد أجمعت الأمة على معاوية وبايعه علماء الصحابة والتابعين وعدوا خلافته شرعية ورضوا إمامته، ورأوا أنه خير من يلي أمر المسلمين ويقوم به خير قيام في تلك المرحلة.
رُوي عن الأوزاعي أنه قال: «أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله ﵌ منهم سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر مما سميت بأضعاف مضاعفة.
كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله ﵌ تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه له، لم ينزعوا يده عن مجامعة في أمة محمد ﵌» (١).
стр. 90
وقال ابن حزم: «فبويع الحسن ثم سلّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة مَن هو أفضل منهما بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، وكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية، ورأى إمامته» (١).
فالصحابة لم يبايعوا معاوية ﵁ إلا وقد رأوا فيه شروط الإمامة متوفرة، ومنها العدالة، فمن يطعن في عدالة معاوية وإمامته فقد طعن في عدالة هؤلاء الصحابة جميعهم وخونّهم وتنقَّصَهم.
فمن رضيه هؤلاء لدينهم ودنياهم ألا نقبله ونرضى به نحن؟!! ومن قال: «لعلهم بايعوا خوفًا» فقد اتهمهم بالجبن وعدم الصدع بالحق، وهم القوم المعلوم من سيرتهم الشجاعة والشهامة وعدم الخوف في الله لومة لائم.
انتهاء عهد الخلافة الراشدة:
انتهى عهد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية ﵁، فعن حُذَيْفَةُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ثُمَّ سَكَتَ (٢).
وقد قال رسول الله ﵌: «خِلاَفَةُ النُّبُوَّةِ ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يُؤْتِى اللهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ - أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ -». (رواه أبو داود وصححه الألباني).
стр. 91
وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﵌، فإنه ﵌ توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوته ﵌، وبذلك تكون مرحلة خلافة النبوة قد انتهت بتنازل الحسن ﵁ عن الخلافة لمعاوية في شهر ربيع الأول من سنة ٤١ هـ.
وقد بيَّن رسول الله ﵌ بأنه ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة؛ قال رسول الله ﵌: «أوَّلُ هَذَا الْأمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً» (رواه أحمد والطيالسي والبزار، وصححه العراقي والألباني) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... فكانت نبوة النبي ﵌ نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكًا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (٢).
ويجوز تسمية مَن بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكًا، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء بدليل قول النَّبِىِّ ﵌: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ».
قَالُوا: «فَمَا تَأْمُرُنَا؟».قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» (رواه البخاري ومسلم). (٣)
стр. 92
ومعاوية ﵁ أفضل ملوك هذه الأمة، والذين كانوا قبله خلفاء نبوة، وأما هو فكانت خلافته مُلكًا، وكان مُلكه مُلكًا ورحمة وكان في مُلكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين، ما يعلم أنه كان خيرًا من مُلك غيره.
ومعاوية ﵁ كان عالمًا ورعًا عدلًا دون الخلفاء الراشدين في العلم والورع والعدل، كما ترى من التفاوت بين الأولياء، بل الملائكة والأنبياء، وإمارته كانت صحيحة بإجماع الصحابة وتسليم الحسن بن عليٍّ ﵄.
سؤال:
من المسَلّم به عند كل من اطلع على مذهب الشيعة أنهم يكفّرون معاوية لقتاله عليًّا ﵄ ولكن الثابت أن الحسن بن علي ﵄ ـ وهو من الأئمة المعصومين عندهم ـ قد صالح معاوية ﵁ وبايعه على الخلافة.
فهل صالح الحسن (المعصوم) رجلًا كافرًا وسلّم له بالخلافة؟!
أم أصلح بين فئتين مسلمتين كما قال النبي ﵌: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ»؟! (رواه البخاري ومسلم).
стр. 93
فضائل معاوية ﵁
من فضائل معاوية ﵁ في القرآن الكريم:
* قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ (التوبة:٢٥ - ٢٦).ومعاوية ﵁ من الذين شهدوا غزوة حُنين المقصودة في الآيات، وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينتَه عليهم مع النبي ﵌.
* وقال : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد:١٠).
ومعاوية ﵁ لا يخلو أن يكون على حالَين:
· أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر.
· أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله ﵌، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية.
والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ (الأنبياء:١٠١ - ١٠٢). وهل يُخْلِف الله وعده.
* وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ (التوبة:١١٧).
وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية ﵁.
стр. 94
من فضائل معاوية ﵁
في السُّنّة النبوية الصحيحة
من الشبهات التي يتعلق بها البعض شبهة أن المحدثين الأوائل ضعفوا الأحاديث الواردة في فضل معاوية ﵁ ومن ذلك:
الشبهة الأولى: ما يتشدق به البعض من نقلهم عن إسحاق بن راهويه أنه قال: «لا يصح عن النبي ﵌ في فضل معاوية شيء».
والجواب:
هذا القول عن ابن راهويه باطل ولم يثبت عنه (١).
وقد أورده السيوطي في «اللآلي المصنوعة» (٢)، وابن عراق الكناني في «تنزيه الشريعة» (٣)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (٤) وعلق على ذلك بقوله: «قلت: قد ذكر الترمذي في الباب الذي ذكره في مناقب معاوية من سننه ما هو معروف فليراجع».
وعلى فرض صحة هذا القول عن إسحاق بن راهويه يجاب عنه بما يلي:
* أنه يوجد من الأئمة من ذكر أحاديث في فضل معاوية مصححًا لها!
وهم بهذا يخالفون من قال بأنه «لا يصح في فضل معاوية شيء» ومن هؤلاء الأئمة:
١ - الإمام الآجري ﵀ في «كتاب الشريعة» (٥) بوَّبَ: سياق ما روي عن النبي ﵌ في فضائل أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان ﵄.
стр. 95
٢ - الإمام الذهبي ﵀ كما في «سير أعلام النبلاء» (١) فقد ذكر أحاديث في فضل معاوية ﵁ وقال بعد ذلك: «فهذه أحاديث مقاربة».
٣ - الحافظ ابن كثير كما في «البداية والنهاية» حيث قال ﵀ بعد أن ذكر أحاديث في فضل معاوية ﵁: «واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواه من المصنوعات والمنكرات» (٢).
وقال في تعليقه على قول النَّبِيِّ ﵌ لِمُعَاوِيَةَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ»: «وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب وأطرب وأفاد وأحسن الانتقاد فرحمه الله كم من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد» (٣).
٤ - والحافظ ابن عساكر كما في «تاريخ دمشق» (٤).
٥ - وابن حجر الهيتمي في «تطهير الجنان» (٥).
الشبهة الثانبة: ما يشاع أن الإمام البخاري لم يجد في فضائل معاوية شيئًا.
والجواب:
قد عقد الإمام البخاري ﵀ في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه بابًا قاله فيه: (بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ ﵁)، أورد فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﵌».
ثانيها: عَنْ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟».
стр. 96
قَالَ: «أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ».
ثالثها: عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﵌ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ».
وأما أن الإمام البخاري عبّر في ترجمة معاوية ﵁ بقوله: «بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ ﵁»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة، فإن الإمام البخاري كذلك عبّر في ترجمة عبد الله بن عباس ﵁ بقوله: «بَاب ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة. علمًا أنه أخرج فيه قول رسول الله ﵌: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ».
وهذا لا يختلف عاقل أنه فضيلة عظيمة لابن عباس ﵁. فهل يفهم أحد من ذلك أن عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ ليس لهما فضائل؟!
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: «عَبَّرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ: «ذِكْر» وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَة وَلَا مَنْقَبَة لِكَوْنِ الْفَضِيلَة لَا تُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّ ظَاهِر شَهَادَة اِبْن عَبَّاس لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَة دَالَّة عَلَى الْفَضْل الْكَثِير، وَقَدْ صَنَّفَ اِبْن أَبِي عَاصِم جُزْءًا فِي مَنَاقِبه، وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَر غُلَام ثَعْلَب، وَأَبُو بَكْر النَّقَّاش ....
ثم قال الحافظ ابن حجر إن البخاري بِدَقِيقِ نَظَره اِسْتَنْبَطَ مَا يَدْفَع بِهِ رُءُوس الرَّوَافِض» (١).
وقد كان البخاري ﵀ يترضى عن معاوية كلما ذكر اسمه، ثم إنه قد ثبت عند البخاري صحبة معاوية ﵁ للرسول ﵌، وثبت فقهه أيضًا كما نص عليه ابن عباس، وقد تقدم الحديث ... وكفى بهذا الثناء من حبر الأمة من فضيلة ومنقبة.
كما أخرج البخاري ﵀ الحديث الذي دعا فيه النبي ﵌ لمعاوية بأن يجعله هاديًا مهديًا ويهدي به في كتابه (التاريخ الكبير).
стр. 97
الشبهة الثالثة: أَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل: «سَأَلَتْ أَبِي مَا تَقُول فِي عَلِيّ وَمُعَاوِيَة؟».
فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِير الْأَعْدَاء فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُل قَدْ حَارَبَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لِعَلِيٍّ» (١).
والجواب: هذه القصة عجيبة الله أعلم بمدى صحة إسنادها.
وقد رواها ابن الجوزي فقال: أنبأنا هبة الله بن أحمد الجريرى أنبأنا محمد بن على بن الفتح أنبأنا الدارقطني حدثنا أبو الحسين عبدالله بن إبراهيم بن جعفر بن نيار البزاز حدثنا أبو سعيد بن الحرفى حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ... ».
ولم أجد مَن ترجم لبعض رواته، وقال الإمام الذهبي في ترجمة: مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ: «وَقَدْ أُدْخِلَ فِي سَمَاعه مَا لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ» (٢).
والقصة على أية حال ليس لها علاقة بموضوعنا؛ فإن الإمام أحمد ـ على فرض صحة القصة ـ قد أشار إلى أن أعداء علي ﵁ قد وضعوا أحاديث في فضائل معاوية ﵁، وهذا شيء معروفٌ مسلّمٌ به، بل والعكس صحيح كذلك، فقد وضع شيعة عليٍّ الكثير من الأحاديث في ذم معاوية، وكلها موضوعة. ووضعوا في فضائل علي أكثر بأضعاف مما وضع النواصب في فضائل معاوية ﵄.
أما عقيدة إمام أهل السنة والجماعة في عصر أحمد بن حنبل فقد كانت واضحة جدًا في الترضي عن معاوية ﵁ والإنكار على من يذمه.
قال الخلال: «أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب، فقال: «يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟».فقال أبو عبد الله: «ما أقول فيها إلا الحسنى ﵏ أجمعين» (٣).
بل قد صحح الإمام أحمد حديثًا في فضل معاوية ﵁.فقد روى الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قلت لأحمد ابن حنبل: «أليس قال النبي ﵌: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي» (٤)؟
قال: «بلى!».
قلت: «وهذه لمعاوية؟».
قال: «نعم، له صهر ونسب».
قال: «وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» (٥).
ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد ﵀ للحديث.
وأخيرًا:
على فرض صحة ما ذُكر عن بعض الأئمة من أنه لا يصح شيء في فضل معاوية ﵁ فأنهم ﵏ لا ريب أنهم يرون أن معاوية داخل في عموم النصوص التي جاءت في فضل الصحابة ﵃.
فمرادهم لا يصح حديث في فضله بخصوصه أما على سبيل العموم فنعم.
стр. 98
من فضائل معاوية ﵁
ثبوت كونه كاتبًا للنبي ﵌، وكتابته الوحي
* عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِى سُفْيَانَ وَلاَ يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ لِلنَّبِىِّ ﵌: «يَا نَبِىَّ اللهِ ثَلاَثٌ أَعْطِنِيهِنَّ».
قَالَ: «نَعَمْ».
قَالَ: عِنْدِى أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِى سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا».
قَالَ: «نَعَمْ».
قَالَ: «وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ».
قَالَ: «نَعَمْ».
قَالَ: «وَتُؤَمِّرُنِى حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ».
قَالَ: «نَعَمْ». (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة بِالْإِشْكَالِ، وَوَجْه الْإِشْكَال أَنَّ أَبَا سُفْيَان إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْم فَتْح مَكَّة سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة، وَهَذَا مَشْهُور لَا خِلَاف فِيهِ، وَكَانَ النَّبِيّ ﵌ قَدْ تَزَوَّجَ أُمّ حَبِيبَة قَبْل ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيل.
قَالَ الْقَاضِي: «وَاَلَّذِي فِي مُسْلِم هُنَا أَنَّهُ زَوَّجَهَا أَبُو سُفْيَان غَرِيب جِدًّا. وَخَبَرهَا مَعَ أَبِي سُفْيَان حِين وَرَدَ الْمَدِينَة فِي حَال كُفْره مَشْهُور» (١). وَلَمْ يَزِدْ الْقَاضِي عَلَى هَذَا.
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح ﵀: «يَحْتَمِل أَنَّهُ سَأَلَهُ تَجْدِيد عَقْد النِّكَاح تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يَرَى عَلَيْهَا غَضَاضَة مِنْ رِيَاسَته وَنَسَبه أَنْ تُزَوَّج اِبْنَته بِغَيْرِ رِضَاهُ، أَوْ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ إِسْلَام الْأَب فِي مِثْل هَذَا يَقْتَضِي تَجْدِيد الْعَقْد، وَقَدْ خَفِيَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا عَلَى أَكْبَر مَرْتَبَة مِنْ أَبِي سُفْيَان مِمَّنْ كَثُرَ عِلْمه وَطَالَتْ صُحْبَته».
هَذَا كَلَام أَبِي عَمْرو ﵀، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ ﵌ جَدَّدَ الْعَقْد، وَلَا قَالَ لِأَبِي سُفْيَان إِنَّهُ يَحْتَاج إِلَى تَجْدِيده، فَلَعَلَّهُ ﵌ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ أَنَّ مَقْصُودك يَحْصُل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقِيقَةِ عَقْد. وَاَللَّه أَعْلَم». (اهـ كلام النووي ﵀ مختصرًا).
وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأقوال: «وهذه كلها ضعيفة والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وإنما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرًا مفردًا» (٢).
стр. 99
* عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ غُلَامًا أَسْعَى مَعَ الصِّبْيَانِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ ﵌ خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ: مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ إِلَّا إِلَيَّ.
قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» ـ وَكَانَ كَاتِبَهُ ـ فَسَعَيْتُ فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ ﵌ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ». (رواه الإمام أحمد وصححه ابن عساكر والذهبي، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن).
(حَطَأَنِي حَطْأَة):هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي ﵌ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.
* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله ﵌». (إسنادُه حسن رواه الطبراني وأبوعوانة والبزار والآجري).
* وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري ﵁:أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله ﵌ شيئًا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله ﵌، وأَمَر بدفعه إليهما». (إسناده صحيح على شرط مسلم رواه أبوداود وأحمد).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استَكْتَبَه النبي ﵌ لخِبْرَتِه وأمانته» (١).
стр. 100
ومن فضائل معاوية ﵁
كونه خال المؤمنين
فهو أخو أمِّ المؤمنين؛ زوجِ النبي ﵌؛ أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان ﵃؛ ولذلك قال الإمام أحمد: «أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين».
(رواه الخلال في السنة بسند صحيح).
وروى العجلي في (الثقات) ومن طريقه ابن عساكر بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: ما تقول في معاوية؟ قال: «ذاك خالُ كلِّ مؤمن».
* وقد قال ﵌ في الحديث الصحيح: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهري». (رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم) (١).
ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.
وروى الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (ثقة فقيه) قال: قلت لأحمد ابن حنبل: «أليس قال النبي ﵌: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي؟».
قال: «بلى!».
قلت: «وهذه لمعاوية؟».
قال: «نعم، له صهر ونسب».
قال: «وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» (٢).
ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد ﵀ للحديث.
ومن فضائل معاوية ﵁
أنه كان من الذين أحبُّ النبي ﵌ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم).
(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.
قَوْله: (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ اِبْن التِّين: «فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ» (١).
قال ابن كثير: «فالمِدحة في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه ﵌ كان يَوَدُّ أن هندًا وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها» (٢).
والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ ﵌ لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). (الممتحنة:١٢) ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند. وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ (الممتحنة:٧)، فإن الله جعل بين النبي ﵌ وبين الذين عادُوه ـ كأبي سفيان وهند وغيرهما ـ مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.
ومن فضائل معاوية ﵁
دلائل النبوة في الإخبار بأن ولايته رحمةٌ على الأمة
فقد بيَّن رسول الله ﵌ بأنه ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة؛ قال رسول الله ﵌: «أوَّلُ هَذَا الْأمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً» (رواه أحمد والطيالسي والبزار، وصححه العراقي والألباني) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... فكانت نبوة النبي ﵌ نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكًا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (٢).
وقال أيضًا ﵀: «وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ؛ كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ... وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ». (٣)
ومن فضائل معاوية ﵁
أنه أحد الخلفاء الاثني عشر
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَمَعِي أَبِى فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَىْ عَشَرَ خَلِيفَةً». فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ فَقُلْتُ لأَبِى مَا قَالَ قَالَ «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». (رواه مسلم).
(فَقَالَ كَلِمَة صَمَّنِيهَا النَّاس) أَيْ: أَصَمُّونِي عَنْهَا، فَلَمْ أَسْمَعهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَام.
وبالتأمل في الحديث بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثنَي عشر وُصِفوا بأنهم يتولون الخلافة , وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم، ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم، وكل هذا الأوصاف لا تنطبق على من تدعي الشيعة الاثنا عشرية فيهم الإمامة فلم يتَوَلَّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي وابنه الحسن ﵄.
وليس في الحديث حصر لأئمة بهذا العدد, بل نبوة منه ﵌ بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصور هؤلاء, وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية عصر عزة ومنعة.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الإسلام وشرائعه في بني أمية أظهر وأوسع مما كان بعدهم» , وعدّ شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية ﵁ من الأئمة المقصودين بالحديث. (١)
وقد قَالَ رَسُولِ اللهِ ﵌: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» (رواه مسلم).
يُصَلُّونَ: أَيْ يَدْعُونَ.
ومعاوية ﵁ كان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وكانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلي عليهم.
стр. 109
معاوية ﵁
أم عمر بن عبد العزيز ﵀ -
إن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتبر خامس الخلفاء الراشدين، لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن هذا لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية ﵁، فمعاوية صحابي جليل القدر والمنزلة رأى رسولَ الله ﵌ وصافحَتْ يدُه يدَ النبي ﵌.
عن أبي بكر المروزي قال: «قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد بن حنبل): «أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟».
فقال: «معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﵌ أحدًا؛ قال النبي ﵌: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ» (١).
стр. 110
وعن رباح بن الجراح الموصلي قال: سمعت رجلًا يسأل المعافى بن عمران فقال: «يا أبا مسعود أيْش عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟».
فغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: «لا يقاس بأصحاب رسول الله ﵌ أحد، معاوية صاحبه، وصهره، وكاتبه وأمينه على وحي الله » (١).
وسئل المعافى بن عمران: «معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟»
فقال: «كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز» (٢).
وذُكر عمر بن عبد العزيز وعدله عند الأعمش، فقال: «فكيف لو أدركتم معاوية؟».
قالوا: «يا أبا محمد يعني في حلمه؟».
قال: «لا والله بل في عدله» (٣).
وإن الجمع الذي بايع معاوية ﵁ بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز ﵀، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله ﵌ و ﵃.