ـ[إِمْعَانُ النَّظَرِ في مشروعية البغض والهجر، وإحياء ما عفا منه واندثر]ـ
دراسة علمية في مشروعية البغض في الله والهجر فيه
تأليف الشيخ: عبد الكريم بن صالح الحميد، حفظه الله تعالى
стр. 2
- بسم الله الرحمن الرحيم -
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد: فإنَّ هذا الكتاب تذكير لِمَن أكثروا النكير على من قام بأمرٍ صَارَ غريباً لغربة الدِّين، وعجيباً لكثرة الناكبين، بل مُنْكَراً في فهوم المعارضين، وهو الزجر بالبغض والهجْر مُوَافَقةً لعبودية المعبود، ومحاذرة لعقوبة الإعراض والصدود، مع أن الإرادة بذلك النصيحة للمسلمين بإظهار الجَفاء، ليتجلى الصراط المستقيم دون خَفَاء.
فالحذر الحذر من الآراء، فإنها مُحَصَّل الحيارى، ولن تغْني عن المغرور شيئاً إذا حَقَّت الحقائق، ومُيِّز الكاذب من الصادق، فالله المستعان وعليه التُّكْلاَن، ولاَ حَوْلَ ولاَ قُوَّة إلاَّ به سبحانه.
قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
стр. 3
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، وهي عامة في الكفار والمسلمين العصاة، ولو كانوا أرحامًا - كما سيظهر إن شاء الله تعالى -.
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٢)، قال القرطبي ﵀: (الصحيح في معنى الآية أنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإنَّ صُحبتهم كفر أو معصية، إذْ الصحبة لا تكون إلا عن مودة) انتهى (٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤).
وقد جَاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (أَحِبَّ فِي اللَّهِ , وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ , وَوَالِ فِي اللَّهِ , وَعَادِ فِي اللَّهِ , فَإِنَّهُ لا تُنَالُ وَلاَيَةُ اللَّهِ إِلا بِذَلِكَ , وَلاَ يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ؛ وَصَارَتْ مُؤَاخَاةُ النَّاسِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا , وَإِنَّ ذَلِكَ لا يُجْزِئ
стр. 4
عَنْ أَهْلِهِ شَيْئًا؛ ثُم قَرأ: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقرأ: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)) انتهى (٣).
وقال ابنُ سحمان ﵀:
وَمَا الدِّينُ إلاَّ الْحُبُّ وَالبغْضُ وَالوَلاَ ... كَذَاكَ البَرَا مِنْ كُلِّ غَاوٍ وَآثِمِ
فمَن ادَّعى الْحُبَّ في الله وهو لاَ يُبغِض في الله فدعواه الحب في الله
стр. 5
كاذبة لأنَّ الجزءَ الأول من كلمة التوحيد «لاَ إله إلا الله» هي الكُفْر بالطاغوت ومعاداته والبراءة منه وأهله بأنواعه، ويتبعه البدع غير المكفِّرة والمعاصي والفسوق فهذه لها ولأهلها بُغْض، ومعاداة دون تكفير لأهلها ولو كانوا مسلمين أو أرحامًا بحسب ما وقعوا به، وإلا كيف يستقيم البغض في الله؟!.
وليعلم أنَّ القصدَ الأول من تأليف هذا الكتاب هو توضيحُ وبيانُ بُغْضِ وهَجْرِ عُصَاةِ المسلمين وأربابِ البِدَع غير الْمُكَفِّرة لأنَّه صَار في زماننا عندَ أكثر الْخَلْقِ مُنْكَراً عظيماً أنْ يُهجَر أحدٌ مَهْمَا كانتْ حَالُه!، أمَّا البراءةُ من الكفارِ وَمُعَادَاتِهِم فليس هو موضوعُ الكتابِ، وهُو أظهرُ وأكبَرُ مِنْ مَوضوعِهِ.
стр. 6
الأصل في الهجر
وذِكر بعض أقوال وأحوال العلماء حوله
إنَّ الأصل في هجر أهل البدع والمعاصي في السنة حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا.
قال الطَّبَرِي ﵀: (قصةُ «كَعْب بن مَالك» أصلٌ فِي هُجْرانِ أهلِ الْمَعاصي) (١)، وحديث قصة كعب رواه الشيخان " البخاري ومسلم " وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، قال الخطابي في «مَعَالِمِ السُّنَنِ» في حديث كعب بن مالك: (ونهى رسُول الله ﷺ عن كَلامِنَا أيها الثلاثة): (فيه من العلم أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر مِنْ ثلاث إنَّمَا هو فيمَا يكونُ بينهما من قِبَلِ عَتَبٍ ومَوْجدة (٢) أو لِتقصير في حقوق العِشْرة ونحوها دون ما كان من ذلك في حق الدِّين فإن هِجْرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مَرِّ الأوقات والأزمان ما لَم يظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق) (٣).
وعن عمَّارِ بنِ يَاسِر ﵁ قال: قَدِمْتُ عَلَى أَهلِي لَيلاً وَقَدْ تَشَقَّقَتْ
ويعيبه حَقًّا، أمَّا الْمُتَّقِي فيتذَكَّر رُجُوعَه إِلَى رَبِّهِ وَوُقوُفِهِ للمُحَاسَبَةِ وَيَعْلَم أنه بِغَيْرِ وَزْنِهِ الأمورَ بالْمِيزَانِ الشَّرْعِيِّ مُقْدِمٌ عَلى تَهْلُكَةٍ!، وقد أصبحَ من الْمُسْتَغْرب في زَمَانِنَا الإذعانُ للحَقِّ لا رَدُّهُ وَإِنكَارُهُ!.
وعن الزهري ﵀ أنَّ رجلاً سلَّم على النبي ﷺ ثلاث مرات فلم يَرُد عليه!، فقيل له: لِمَ؟!، قال: (إِنَّهُ ذُو وَجْهَين)! (١).
وقال أبو داود بعد أن ذكر أحاديث فيها النهي عن هجر المسلم؛ قال ﵀: (النَّبِيُّ ﷺ هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أربعينَ يَوْماً، وابنُ عُمَرَ هَجَر ابناً له إِلَى أنْ مَاتَ) انتهى (٢)، ويأتي - إنْ شاء الله تعالى - في أثناء الكتاب غير ما تقدم من هجره ﷺ .
وفي صحيح مسلم ﵀ (٣) أن قريباً لعبد الله بن مغفل خَذَف فنهاه فقال: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الْخَذْف وقال: (إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم عُدْتَ تخذف لا أكَلِّمك أبداً.
قال النووي ﵀ على حديث عبد الله بن مغفل: (في هذا الحديث هجران أهل البدع والفسوق ومُنَابِذِي السنة مع العلم، وأنه يجوز
стр. 9
هجرانه دائماً؛ والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً، وهذا الحديث مِمَّا يؤيده مع نظائر له كحديثِ كعب بن مالك وغيره) انتهى (١).
وقد جاءَ أنَّ محمَّد بن سِيرين حَدَّث بِحَدِيثٍ فقال رَجُلٌ: قال فلانٌ كذا؛ فقال ابنُ سيرين: (أحَدِّثك عن رَسُولِ الله ﷺ وتقول: " قال فلان كذا "، لاَ أكلِّمُك أبَداً) انتهى (٢).
وعن الزهري ﵀ عن سَالِم بن عبد الله أنه قال: أعرستُ في عهد أبي فأذِن (٣) أبي الناس، وكان أبو أيوب فيمن آذنَّا، وقد ستروا بيتي (٤) ببجاد أخضر (٥)، فأقبل أبو أيوب فدخل فرآني قائماً، فاطَّلَع فرأى البيت مُستَّراً ببجاد أخضر فقال: يا عبد الله أتَسْترون الْجُدُر؟!، قال أبِي واستحيا: " غَلَبَنا النساء يا أبا أيوب "، قال: (مَن خشي أن يغلبنَّه النساء فلم أخش أن يغلبنك!)، ثم قال: (لا أطْعَم لَكُم طعَاماً ولا أدخُل لكُم بيتاً)، ثُمَّ خَرَج ﵁ (٦).
стр. 10
وهذا مِن نُصْحِه ﵁ لئلاَّ يَرْكَن الناسُ إلى زخَارِفِ الدنيا وَزِينَتِهَا؛ كيف لو رأى الصحابة ﵃ ما نحنُ فيه!، فهذا جِدارُ طينٍ غايته أنه سُتِر بِخِرْقةٍ وفي لَيلة عُرْسٍ!، واللَّهُ المستعان.
стр. 11
فصل
قال ابنُ حَجَر ﵀: (ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلى أنه لا يُسَلَّم على الْمُبتَدِع ولاَ الفاسق) انتهى (١).
وقال الْمُهَلب ﵀: (تَرْكُ السَّلاَمِ على أهلِ الْمَعَاصِي سُنَّة مَاضية، وبه قال كَثير من أهلِ العِلْمِ في أهل البِدَع) (٢).
وقد وَضَع المنذري ﵀ في كتابه المعروف «الترغيب والترهيب» (٣) بَاباً جعل عنوانه: (الترغيب في الحب في الله تعالى، والترهيب من حُبِّ الأشرار وأهل البدع لأنَّ الْمَرْءَ مَع مَن أحَبَّ).
وقال النووي ﵀ في «رياض الصالحين» (٤): (بابُ تحريمِ الْهُجْرَان بينَ المسلمين إلاَّ لِبِدْعَةٍ في الْمَهْجُور أو تظاهر بِفِسْق أو نحو ذلك).
قال محمد الزمْزَمي: (وهذه السُّنة العظيمة أعني هجر المبتدعين والمتجاهرين والظالمين من السنن التي اندثرت ولَم يبق لَهَا وجودٌ منذ أزمان، لهذا أصبح العلماء يُنكرونها ويروْنَهَا حُمْقاً وَظُلماً للمسلمين!) انتهى (٥)؛ وذكر ابن مفلح عن الإمام أحمد فيمن ترك
стр. 12
السُّنة مع العلم بها أنه يُهجر (١)؛ وروى البخاري عن الحسَن أنه قال: (ليس بينك وبين الفاسق حُرْمة) (٢).
وقد قال ابن عقيل: (إذا أرَدْتَّ أنْ تعلم مَحْلَّ الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زِحَامِهم في أبوابِ الجوامِعِ ولاَ ضَجيجهم بِلبَّيْك، وإنما انظرْ إلى مُوَاطأتهم أعداءِ الشَّريعة!) انتهى (٣).
هذه الْمُوَاطَأة صَارَتْ في زَمانِنَا تَزَمُّتاً وَضِيقَ عَطَن!.
قال شيخ الإسلام: (وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصي، لا ينبغي لأحد أن يُقارنهم ولا يخالطهم إلى على وجه يَسْلم به من عذاب الله ، وأقَلُّ ذلك أن يكون مُنكَراً لِظُلْمِهِمْ مَاقِتاً لَهُم شانئاً ما هُمْ فيه بحسَب الإمْكَان، كما في الحديث: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتطع فَبِقَلْبِه وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيِمَان» (٤)) انتهى (٥).
стр. 13
والعجَب مِمَّن يترك الهجر ومع هذا لا يوجد منه شيء من هذا الذي ذَكَرَه شيخُ الإسلامِ للعُصَاة!، كيف بِمَن يُظهر لهم المودة!.
قيل لسَمُرة بن جندب ﵁: إنَّ ابنك لَم يَنَم البارحة بشما (١)، فقال: (لوْ مَاتَ لَم أُصَلِّ عليه) (٢) يعني لأنه أعان على قتل نَفْسِه.
ومَرَّ زياد بن حُدَير ﵀ على قوم يلعبون بالنَّرْد فَسَلَّم عَليهم وهو لاَ يَعلم، ثم رَجَعَ فقال: (رُدُّوا عَلَيَّ سَلامي!) (٣).
«زِيَاد» هذا من خيار التابعين ﵀، ولو فعل مثل فعله أحد اليوم لصار أُضحوكةً للسُّفَهَاء!.
قال شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: (وَلِهَذا لَمْ يكن للمُعْلِن بالبِدَع والفجور غيبة، كمَا رُوِي ذلك عن الحسَن البصري وغيره؛ لأنَّه لَمَّا أعلن ذلك استحَقَّ عقوبةَ المسلمين له، وأدنَى ذلك أنْ يُذَمَّ عليه لينْزَجِر وَيَكُف الناس عنه وعن مُخَالطته، ولو لَمْ يُذَم وَيُذْكَر بِمَا فيه من الفجُور والْمَعصية أو البِدْعة لاغترَّ به الناس، ورُبَّمَا حَمَلَ بَعضُهُم أنْ يَرتكب ما هو عليه، ويزداد أيضاً هو جرأةً وفجوراً ومعاصي، فإذا ذُكِر بِمَا فيه انكفَّ وانكفَّ غيْرُه عن ذلك وعن صُحْبته ومُخَالَطَتِه، قال الْحَسَن البَصْري: «أترغبون عن ذِكْر الفاجر؟!، أذكُروهُ بِمَا فيه كَيْ يَحْذَره
стр. 14
الناسُ»، وقد رُوِيَ مَرفوعاً، و «الفجُورُ» اسمٌ جَامِعٌ لكلِّ مُتَجَاهر بِمَعْصِيَةٍ أوْ كَلاَم قَبِيحٍ يَدُلُّ السَّامِع له على فُجورِ قَلْب قَائله؛ وَلِهَذا كان مُسْتَحِقًّا للهَجْرِ إذا أَعْلَن بِدعةً أو مَعصيةً أو فجوراً أوْ مُخَالَطَةً لِمَن هذا حاله بحيث لاَ يُبالي بِطَعن الناسِ، فإنَّ هَجْرَهُ نَوْعُ تعزيرٍ له، فَإذا أعْلَنَ السيئات أُعْلِنَ هَجْرُه، وإذا أسَرَّ أُسِرَّ هَجْرُهُ، إذِ الْهِجْرة هي الْهِجْرة على السَّيئَاتِ، وَهُجْرَةُ السيئات هُجْرة ما نَهَى الله عنه، كمَا قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ (٢)) انتهى (٣).
стр. 15
ذِكر بعض من يهجر من الصحابة
وقد جَمَع بعض أهل العلم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم فذكر منهم: عائشة، وحفصة، وحفص بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاووساً، وَوَهْب بن مُنَبِّه، والحسن البصري، وابن سيرين، وسفيان الثوري، وخَلْقًا .. إلى أن خَتَمَ بالنووي فإنه كان يزجر بالهجر ويراه، وقرَّره في شرح صحيح مسلم وغيرِه أوضح تقريرٍ واحتج له بعِدَّة أدلة.
وأبلغ ما ذُكر من ذلك أنَّ سعيد بن المسيب هجَر أباه فلَمْ يُكَلِّمه إلى أن مات، ذكر ذلك ابن قتيبة في المعارف، وابن المسيب له علم التابعين وأفضلهم، وكان أبوه صحابياً (١)؛ ومعلوم أنه لم يهجر أباه إلاَّ لِمُخالفة شرعية رآها فيه.
وعن سالِم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها)، قال: فقال ابنه بلال بن عبد الله بن عمر ﵄: والله لنمنعهن؛ قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًّا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط
стр. 16
وقال: (أُخْبِرُك عن رسول الله ﷺ وتقول: " وَاللهِ لَنَمْنَعَهُنَّ "!) (١)؛ وفي روايةٍ أخرى: (فمَا كَلَّمَه عبد الله حتى مات) (٢).
стр. 17
الهجر فوق ثلاث
تقدَّمَ قول النووي أنَّ النهي عن الْهُجْرَانِ فوقَ ثَلاَث أنه في أموُرٍ دنيوية غير الدِّين، وهو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ) (١).
وقدْ قال ابن عبد البَرِّ ﵀: (وأجْمَع العلماءُ على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلاَّ أن يكون يَخاف من مُكالمته وصلته ما يُفسد عليه دينه أو يولد به على نفْسِه مَضَرَّة في دينه أو دنياه فإن كان ذلك فقد رُخِّصَ له في مُجَانبته وَبُعْدِهِ) انتهى (٢).
قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀: (وبعضُ أهلِ الجهل الْمُرَكَّب يُنْكرون على مَن يهجر أهل البدع والفسوق والعصيان ويكفهرّ في وجوههم ويعدُّون ذلك من الْهَجر الذي نَهَى عنه رسول الله ﷺ بقوله: «لاَ تَهْجُرُوا» (٣) وقوله: «لا يَحل لِمُسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث لَيَالٍ» (٤).
стр. 18
وقد سَمِعْتُ هذا من بعض الخطباء والقُصَّاص والحامل لهم على التسوية بين الْهَجْر الديني وهو ما كان لله وبين الهجر الدنيوي وهو ما كان لحظ النفس لا يخلو من أمرين:
- إمَّا لِجَهْلٍ بالفرقِ بين هَذَا وهذَا.
- وإمَّا قصد لَبْس الحق بالباطل عناداً ومكابرة وتَمْويهاً على الأغبياء الذين لا علم لهم بمدارك الأحكام، وهذا الأخير هو الظاهر من حال المتلبسين منهم ببعض المعاصي ليدفعوا عن أنفسهم الشنْعة، وَلِيُوهِمُوا الجهال أن هجرهم إياهم من أجل المعصية لا يجوز، وأن الذين يهجرونهم من طلبة العلم وغيرهم ليسوا مصيبين.
فَيُقَال لِهَؤُلاَءِ المذبذبين المدَلِّسين: إنَّ الذي جاءت الأحاديث بالنهي عنه فيما زاد على الثلاث هو التهاجر الدنيوي) ثم قال: (وقد جاءت السنة بهجر أهل المعاصي حتى يتوبوا كما هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يومًا ولم يكلمهم حتى تاب الله عليهم (١).
وهَجَر ﷺ زينب بنت جحش ﵂ قريباً من شهرين لَمَّا قالت: (أنا أُعْطِي تِلْكَ اليَهُودِيَّة؟!) - تعني: «صَفِيَّة»
стр. 19
رضي الله عنها - (١).
وهجَر ﷺ الذي بنى فوق الحاجة حتى هدم بناه وسوَّاه بالأرض.
وهجَر ﷺ رجلاً رآه مُتَخَلِّقاً بزعفران حتى غسله وأزال عنه أثره.
وهجَر ﷺ رَجُلاً رأى عليه جُبَّة من حرير حتى طَرَحَهَا.
وهَجَر ﷺ رَجُلاً رأى في يده خَاتَماً من ذهب حتى طَرَحَه.
وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم أنه ﷺ هجر رجلاً رأى عليه ثوبين أحمرين، وكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يهجرون من أظهر المعصية حتى يتوب وتظهر توبته.
وقد قال ابن عبد القوي:
وَهُجْرَانُ مَنْ أبْدَى الْمَعَاصِيَ سُنَّةً ... وَقِيلَ إِذَا يَرْدَعْهُ أوْجِبْ وَأَكِّدِ
وَقِيلَ عَلَى الإِطْلاَقِ مَا دَامَ مُعْلِناً ... وَلاَقِهْ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ مُرَبَّدِ.
فلم يَذكر خلافاً في سُنِّية هجْرِ العَاصي الْمُجَاهر بالمعصية سَواء ارتدع أو لَمْ يرتدع.
стр. 20
وإنما الخلاف في الوجوب هل هو على الإطلاق أم إذا كان العاصي يرتدع به فأين هذا مِمَّا يراه المتهوِّكون من إبطال الهجر الديني بالكلية ومعاملة الناس كلهم صالحهم وطالحهم باللُّطف والِّلين والْمَودَّة) انتهى كلام التويجري (١).
قال أبو داود في «كتاب الأدب» من «سُنَنِه»: «باب فيمن يهجر أخاه المسلم» ثم ذكر أحاديث في تحريم الهجر فوق ثلاث، ثم قال في آخر الباب: (النبي ﷺ هجر بعض نِسَائِهِ أربعين يوماً، وابنُ عمر ﵁ هجَر ابناً له إلى أن مات، وعمر بن عبد العزيز ﵀ غطى وجهه عن رَجُل) انتهى (٢).
وبعد ذلك بيَّن أبو داود الفرق بين تحريم الهجر فوق ثلاث فقال: (إذا كانت الْهِجْرةُ للهِ فَلَيسَ مِنْ هذَا بِشَيء) انتهى (٣)؛ ويعني بذلك أنه ليس من النهي عن الهجر فوق ثلاث، وَلِهَذا أوْرَد الأمثلة السَّابقة؛ وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فَينْبَغِي أنْ يُفَرَّق بين الْهَجْرِ لحق الله، وبين الهجر لِحَقِّ نفْسِه، فالأول مَأمُورٌ به، والثَّانِي مَنْهِيٌّ عنه) (٤)؛ وقال: (الهجر من باب العقوبات الشرعية،
стр. 21
فهو من جِنْسِ الجهاد في سبيل الله، وهذا يُفْعَل لِأَنْ تكون كلمة الله هي العُليا، ويكون الدِّينُ كلُّه لله) انتهى (١).
стр. 22
فصل
قال السيوطي ﵀ (١): أخرج أبو القاسم بن بِشْر في " أماليه " عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: دَخَل مجوسيٌّ على رسول الله ﷺ قد حَلَق لِحْيته وأعفى شاربه فقال رسول الله ﷺ : (وَيْحَك مَن أمَرَك بهذا؟!)، قال: أمرني به كسرى!، فقال رسول الله ﷺ : (لَكِنْ أمَرَنِي رَبِّي أنْ أُعْفِي لِحْيَتِي وَأنْ أُحْفِي شَارِبِي) (٢).
قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ في أنه لا يُسَلَّم على حالق لحيته: (فمَن حَلَق لِحْيَتَه فهو من الْمُخَنَّثِين (٣) لأنه قد رَغِب عن مُشابهة الرجال وآثَرَ مشابهة النساء في نعُومَةِ الخدود وعدم الشَّعْر في الوَجْه، وفاعل ذلك لا ينبغي السلام عليه لمجاهرته بالمعصية.
стр. 23
وقد روى أبو نعيم بإسنادٍ جيدٍ عن زياد بن حدير قال: قَدِمْتُ على عُمَرَ بنِ الخطاب ﵁ وعَليَّ طَيْلَسَان وشاربي عافٍ فسَلَّمتُ عليه فرفع رأسه فنظر إلَيَّ ولَم يرد عليَّ السلام، فانصرفت عنه فأتيتُ ابنه «عَاصِماً» فقلت له: لقد رُميت من أمير المؤمنين في الرأس، فقال: سأكفيك ذلك، فلَقِي أباه فقال: يا أمير المؤمنين أخوك «زياد بن حدير» يُسلِّم عليك فلم ترد ﵇، فقال: إني رأيت عليه طليساناً ورأيت شاربه عافياً.
قال: فرجع إلَيَّ فأخبرني فانطلقتُ فقصصتُ شارِبِي وكان معي بُرْد شققته فجعلته إزاراً ورِدَاءً، ثُمَّ أقبلتُ على عُمَرَ ﵁ فسَلَّمْتُ عليه فقال: " وَعَلَيْكَ السَّلاَم، هَذَا أحسَن مِمَّا كُنْتَ يَا زِيَاد " (١).
ثم قال الشيخ حمود بعد ذلك مبيناً هَجْر حالق لحيته: وإذا كان عُمَر ﵁ قد هجر زياد بن حُدَير على إعفائه لِشاربه فكذلك ينبغي هجر من حلق لحيته لأنَّ كُلاًّ من الأمرين معصية ظاهرة لِما فيهما من مخالفة أمر رسول الله ﷺ بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى، وَلِمَا فيهما أيضاً من التشبه بالمجوس ومن يحذو حذوهم من أصناف المشركين، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٢).
стр. 24
والْهَجر على حَلْق اللحية أوْلَى من الهجر على إعفاء الشارب لِما في حلق اللحية من مزيد التشبه بالنساء، والدخول في عِداد المخنثين، وقد لَعَن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال (١)) انتهى كلامه ﵀ (٢).
هذا الفعل من عمر ﵁ عند كثير من المنتسبين للدِّين والعِلْم في زماننا تنفير!، وقد لا يَسْلم من ألسنتهم وهو عُمَر ﵁، وأمْثَلُهُمْ طريقة مَن يقول: " يا أمير المؤمنين .. لو أنك رَدَدْتَّ ﵇، ثم نصحته لِيَقبل منك! "، وهم إنما سلكوا مَسْلكَ تَمْييع الدِّين لِمُشَاركتهم في المخالفات التي سَوَّغوها فلا يقبلون من أحَدٍ إنكارها عليهم، بل صارت لديهم من قبيل المعروف الذي إنكاره مُنْكَر، وكثير من منكرات زماننا صَارَت مَعروفاً اتباعًا للهوى!.
والمراد هنا أنَّ مَن سَلَك هذا المسلك الذي عليه النبي ﷺ حيث لَم يرد على «كَعْب» ولا ناصَحَه لأنَّ الدِّين ظاهر، كذلك هَجْره مَن هَجَر كما يتبين في هذا الكتاب وكمَا فَعَل الصحابةُ
стр. 25
والعلماءُ بعدهم، فَمَن فعل ذلك اليوم صار هو الآتي بالْمُنكَر وهو الْمُستحق للإنكار عليه وبُغْضِه، وهذا واقعٌ في وقتنا مِمَّن يرْون أنفسهم، وفي هذا الكتاب - ولله الحمدُ والْمِنَّة - مَا يُوضِّح هذا الأمر وَيُجَلِّيه تجلية بيِّنة؛ ويأتي - إن شاء الله تعالى - من كلام الشيخ «حمود التويجري» ما يُبَيِّن إنكار الْهَجْر وعدم رَد السَّلام مِمَّن ينتسب للعِلْم والدِّين في وَقته فكيفَ اليوم؟!، وقد كابَدتُّ من ذلك مَا صِرْتُ فيه أُحدوثة، وذلك مِنْ شدة الغربة في زماننا وإجمال الناس على المخالفات إلاَّ ما شاء الله!، وهذا من الانتكاس لأن المداهِن في ما مضى هو الذي ينكَر عليه، واليوم صار إنكار كثير من الناس على من يعمل بالسُّنة ويهجر العصاة، وهذا من مَكْرِ الشيطان بهم ليصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وما أكثر ذلك في زماننا حيث انقلبت الموازين!.
قال أبو داود ﵀: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السُّنة مع رجُلٍ من أهل البدعة أترك كلامَه؟!، فقال: (لاَ، أوْ تُعْلِمُهُ أنَّ الرَّجُلَ الذي رأيتَه مَعه صاحب بدعة، فإنْ تَرَك كَلاَمَه فَكَلِّمْهُ وإلاَّ فألْحِقْه به) (١).
تأمَّل قول الإمام أحمد ﵀: (وإلا فألْحِقْهُ به)!.
стр. 26
المداهنة
المداهِن يَضُرُّ نفْسَه بمخالفته ويضر المدَاهَن بتهوين معصيته ويغرُّ مَن يقتدي به، ومِن هنا واللَّهُ أعلم قالوا: (الْمُدَاهِن شَرٌّ من العَاصِي!).
قال سفيان الثوري ﵀: (إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رَجُل سوء)، قالوا: كيف؟!، فقال: (يراهم يعملون بالمعاصي فلا يُغَيِّر عليهم ويلقاهم بوجْهٍ طَلِق) انتهى (١).
وفيه أنَّ العصاة لا يُلقون بوجه طلق، وفيه أنَّ العِبْرة بلزوم الاستقامة، وليس الْمَطْلب ثناء الناس أو الْهَرَب من ذَمِّهم سواء جيران الإنسَان، أوْ غيرهم؛ فكم من مغرور بالثناء والمدح، وكم من فارٍّ من الثلب والقدْح دون ميزان شرعي!، فهذا ميزانه جاهلي.
بعد هذا ماذا يقول مَن أنكر هجر العصاة؟!.
ولقد سَمِعْتُ العَجَبَ من أهل زماننا حتى أنَّ كثيراً منهم يُحيلون هذا الفِعْل إلى سوء أخلاق الهاجر وتشدده وتزمُّتِه وضيق عَطَنِه ونحو ذلك؛ ولقد غَرَّهم أمران وهما:
стр. 27
الأول: جُرْأتهم على مَحَارم الله وَقِلَّة خَوْفه.
الثاني: مداهنة الْمُتَدَيِّنين لهم، وَحَسْبُ المداهِن أنْ يُوصف بأنه شيطان أخرس فقد زادهم بذلك فُجُوراً وغروراً.
ولقد كاد أنْ يَغِيبَ الفرقانُ الشرعي في زماننا إلاَّ ما شاء الله حيث أصبح الدِّين الحق في غاية الغربة.
وقد قال ابن القيم ﵀ عن المداهنين بعد أن ذكر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ قال: (فهذه الواجبات لا تَخْطر بِبَالِهِم فضلاً عن أن يريدوا فِعْلها، وفضلاً عن أن يفعلوها.
وأقَلُّ الناس دِيناً وأمْقتهم عِند الله مَن تَرَك هذه الواجبات وإنْ زهد في الدنيا جَمِيعِهَا.
وقَلَّ أن ترى منهم من يَحْمَر وجهه ويُمَعِّرُهُ لله، ويغضب لِحُرُماته ويبذل عِرْضَه في نَصْرِ دِينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء) انتهى باختصار (١).
تأمل قوله ﵀: (يَحْمرّ وجهه ويمعِّره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه لنصر دينه) مع أنَّ هذا عند أكثر أهل الوقت - لا كثرهم الله - تَشَنُّجاً وتزمُّتاً وضِيق عَطَن، وصاحبه مُصَابٌ بأمراض نفسيه!.
وقائل هذا الكلام ونحوه عند انتهاك محارم الله يكون فيه من
стр. 28
صفات الشيطان الأخرس بتركه إنكار المنكر ومن صفات الشيطان الناطق لِطَعْنه على المنكِر للمنكَر، وما أكثر هؤلاء!، فالله المستعان.
قال شميط بن عجلان ﵀: (مَن رضي بالفسق فهو من أهله) (١).
وقال الأوزاعي ﵀: (إذا رأيت العالِم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مُخَلِّط لأنه لوْ نطق بالحق لأبغضوه!) انتهى (٢)؛ وهو وَصْف المداهن، وَيوضحه ما جاء عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: (كثرة الإخوان من سَخَافَة الدِّين!) (٣)، وقال: (كَثْرةُ الأخلاَّء مِن رِقِّةِ الدِّين!) (٤).
ولا ريب أن لِمُدَاهنة الفساق والعصاة آثار سوء، وكُتُبُ أهلِ السُّنة حافلة ببيان هذا والتحذير منه.
وقد قال رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ
стр. 29
وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (١).
وقال ﷺ : (لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ) (٢).
وقد ذكر أهلُ العلمِ أنَّ «عبدَ الرزاق بن هَمَّام» ما دخل في التشيُّع إلاَّ بعد أنْ سَمِعَ وصَحِب «جعفر بن سليمان» (٣).
ورُمِيَ بالقَدَر «ابن أبي ذئب» حينما تلطَّف مع القدرية وأدخلهم مجلسه؛ قال الذهبي: (كان حَقُّه أن يكفهرَّ في وجوههم، ولَعَلَّه كان يُحسن الظنَّ بالناس) انتهى (٤).
وقد كان «عِمْران بن حطان» من أهل السنة، وحينما تزوَّج
стр. 30
خارجية صَارَ من أئمة الخوارج؛ قال ابن عساكر: (وعمران بن حطان كانَ رَجُلاً مِنْ بَنِي سدوس أدرك جماعة من أصحاب النبي ﷺ وصار في آخر أمره أنْ رأى رأي الخوارج؛ وكان سبب ذلك فيما بَلَغَنَا أنَّ ابنة عمٍّ له رأتْ رأيَ الخوارج فتزوَّجَها ليردَّها عن ذلك فصَرَفَتْه إلى مذهبها!) انتهى (١).
قال ابن مسعود ﵁: (اعتبروا الناس بأخدانهم فإنَّ المرءَ لا يُخَادِن إلاَّ مَن يُعجبه) (٢).
وعن عمرو بن قيس أنه كان يُقال: (لاَ تُجالس صاحب زَيْغٍ فيزيغ قلبك) (٣).
وقال يحيى بن سعيد القطان: لَمَّا قدم سفيان الثوري ﵀ «البصرة» جعل ينظر إلى أمْرِ الربيع بن صبيح وقَدْره عند الناس فسَأل: (أيُّ شيءٍ مذهبه؟!)، قالوا: مَا مَذهبه إلاَّ السُّنة؛ فقال: (مَن بطانته؟!)، قالوا: أهلُ القَدَر؛ فقال: (هُوَ قَدَرِي!) (٤).
قال ابنُ بَطَّة ﵀ مُعلِّقاً على كلام «سفيان الثوري» بعد أنْ
стр. 31
ذكَرَه: (لقد نطق بالحكمة فَصَدَق، وقال بالعلم فوافق الكتاب والسنة، وما تُوجِبُه الحكمةُ، ويُدركه العَيانُ، ويعرفه أهلُ البصيرَةِ والعَيانِ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ (١)) انتهى.
وقد قيل للأوزاعي ﵀: إنَّ رَجُلاً يقول: " أنا أجالس أهل السنة وأهل البدع "؛ فقال: (هذا رجل يُرِيدُ أن يُساوي بين الحق والباطل!) (٢).
وقال سفيان الثوري ﵀: (ليس شيء أبلغ في فَسَادِ رَجُلٍ وصَلاَحِه مِن صَاحِب!) (٣)، يعني تأكُّد تأثُّره به.
ولذلك يقول عديُّ بن زيد (٤):
عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْألْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي!
وَصَاحِبْ أُوْلِي التَّقْوَى تَنَلْ مِنْ تُقَاهُمُ. ... وَلاَ تَصْحَبِ الأرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي
وقال الفُضَيل بن عِيَاض ﵀: (ليس للمؤمن أنْ يَقْعُد مع كُلِّ مَن شَاءَ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
стр. 32
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١)) انتهى (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: (ورُفع إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ قومٌ يشربون الخمر وكان فيهم جليس لَهُم صائم فقال: «ابدؤوا به في الْجَلد، ألم تسمع الله يقول: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ (٣)») ثم قال ابن تيمية بعد ذلك: (فإذا كان هذا في الْمُجَالسَة والعِشْرة العارضة حين فِعْلهم للمُنْكَر يكون مُجَالِسُهُم مِثْلاً لَهُم فكيف بالعِشْرَةِ الدائمة!) انتهى (٤)؛ فليتأمل الْمُداهن هذا!.
وقد قال الإمام ابن القيم ﵀: (وَمِن أنواعِ مَكايده وَمَكْره - أيْ الشيطان -: أنْ يدعو العبدَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ وطلاقَتِه وَبِشْرِه إلى أنواعٍ من الآثام والفجُور، فيلقاه مَن لاَ يُخَلِّصُه مِن شَرِّه إلاَّ تَجَهُّمه والتعبيس في وجهه والإعراض عنه، فَيُحْسِّن له العدوُّ أنْ يلقاه بِبِشْرِه وطلاقة وجهه وحُسْن كلامه، فيتعلق به فيروم التخلص منه فيعجز، فلا يزال العدوُّ يسعى بينهما حتى يُصيب حاجته، فيَدْخُل على العبدِ بِكَيده مِن بابِ حُسْنِ الْخُلْق وطَلاَقة الوَجه!، ومن هَهُنَا وصَّى أطباءُ القلوبِ بالإعراضِ عن أهل البِدَع وأنْ لاَ يُسَلِّم
стр. 33
عليهم، ولا يُرِيهِمْ طلاقةَ وجْهِهِ، ولاَ يلقاهُمْ إلاَّ بالعبوس والإعراض) انتهى (١).
стр. 34
المقصود بالهجر
إنَّ في الْهَجْر صيانة للمُسلم من التعرض لِمَا يُفسد عليه قلبه وعمله.
كما أنَّ فيه إشعار وتنبيه الواقع بالمعصية لعله يُفَكِّر فيتوب.
كذلك فهو حُكْمٌ شرعي بِمَنزلة التعزير، وهو إنكارٌ للمنكَر، وغَضَبٌ لله، وَبُغْضٌ للعاصي ومعصيته، وعقوبةٌ شرعية.
فالقصد بالهجر بيان الحق وهداية الخلق، وصيانة عزة المؤمن عما يشوب إيمانه من دنس العصاة ومعاصيهم مع إظهار البغض للعاصي وإنكار معصيته.
كذلك فإنه بالقيام بأمر الله يندفع البلاء بإذن الله عن المسلمين، فقد قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ لَمْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أَصَابَهُمْ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ) أخرجه الإمام أحمد (١)، وفي لفظِ أبي داود (٢) أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى
стр. 35
أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا)، فالهجر إنكارٌ وإشعار.
قال ابن الجوزي: (وحُدِّثْتُ عن أبي بكر الخلال عن المروذي عن محمد بن سهل البخاري، قال: كنا عند الفِرْيابي فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل: لو حدَّثتنا كان أعجب إلينا؛ فغضب وقال: «كلامي في أهل البدع أحب إلَيَّ من عبادة ستين سنة») انتهى (١).
وقال ابنُ عبد البَرِّ ﵀: (وَرُبَّ صَرْمٍ جَمِيلٍ خير مِن مُخَالطة مُؤْذِيَة) (٢).
وكان عمَّار بن يَاسِر ﵁ يقول: (مُصَارمة جميلة أحبّ إلَيَّ من مودَّة على دَغَل) (٣).
فالهجْرُ مع أنه دليل بغض ونُفرة فهو نصح للمهجور لِيُشْعِر بحاله بخلاف المداهنة فإنها غِش.
جاء ابْنٌ لِسليمان بنِ عبد الْمَلِكِ بن مروان فجلس إِلَى جَنْبِ طَاووس اليمَانِي فلَم يلتفت إليه، فقيل له: جَلَسَ إليك ابنُ أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه!؛ فقال: (أرَدْتُّ أنْ يَعلم أنَّ لِلَّهِ عِبَاداً
стр. 36
يزهَدُون فِيمَا فِي يَدَيْهِ!) انتهى (١).
أنظر ما فعل طاووس ﵀ مع ابن الخليفة، وهذا واللهِ غاية النصح الذي يَعُدُّهُ كثيرون من أهل وقتنا تنفيراً فهو يقول: (أرَدْتُّ أنْ يَعلم أنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يزهَدُون فِيمَا فِي يَدَيْهِ!) أيْ ليرجع إلى نفسه ويتفَكَّر في الدنيا وغرورها وأنها ليسَتْ بِشَيءٍ فلا تغرُّهُ كَمَا غَرَّت غيره.
وَمِمَّا يُوضح ذلك قول الإمام أحمد ﵀: (إذا عَلِمَ مِنْ رَجُل أنه مُقيم على معصيتهِ وهو يعلم بذلك لَم يأثَمْ إنْ هو جفاه حتى يرجع، وإلاَّ كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لَم يَرَ مُنكِراًَ عليه ولا جَفْوَة من صَدِيق!) انتهى (٢).
فهذا إمام أهل السنة يقول: (وإلاَّ كيف يتبين للرجل ما هو عليه) وكثيرون اليوم يَرمون فاعلَ ذلك بالعظائم!، فتأمَّل نُصْحَ السلف وغرورَ الْخَلَف!.
ومن المقصود بالهجر أيضاً رجوع المهجور عمَّا هو عليه، فقد سُئل الإمام أحمد عن رَجُلٍ مبتَدِع داعية يدعو إلى بدعة .. أيُجَالَس؟!، فقال: (لاَ يُجالَس ولا يُكلَّم لعلَّه أنْ يَرْجِع) (٣).
стр. 37
والهجر تعزيرٌ، قال ابنُ فرحون: (والتعزير لا يختص بفِعل مُعَيَّنٍ ولاَ قول مُعَيَّن، فقدْ عَزَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالهجر، وذلك في الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، فَهُجِروا خمسين يوماً لا يُكَلِّمُهم أحدٌ وَقِصَّتهم مشهورة في الصِّحَاح) انتهى (١).
стр. 38
أعوان الظلمة
لَمَّا قَدِم أبو موسى الأشعري ﵁ من البصرة وكان عاملاً عليها أقبل على أبي ذرٍّ الغِفَاري ﵁ يحتضنه ويقول: مرحباً بأخي؛ فجعل أبو ذرٍّ ﵁ يدفعه عن نفْسِه ويقول: (إليك عني؛ لست بأخيك!، إنما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتَعْمل!) انتهى (١)؛ وأين هذا مِمَّا آلَتْ إليه الأحوالُ اليوم؟!.
وحينما أتى ابنُ نجيح إلى طاووس وكان عاملاً لمحمد بن يوسف أوْ أيوب بن يحيى، فقعد بين يديه فسلَّم عليه فلم يُجبْه، فكَلَّمَه فأعرض عنه، ثم عَدَل إلى الشِّقِّ الأيسر فأعرض عنه! (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: (قال غيْرُ واحدٍ من السَّلَف: أعوانُ الظلمَةِ مَن أعانَهُم ولوْ أنه لاَقَ لهم دواةً أو برى لهم قَلَماً، ومنهم مَن يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم، وأعوانهم هم أزواجهم المذكورون في الآية) انتهى (٣).
ويريد بالآية قولَه تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا
стр. 39
يَعْبُدُونَ﴾ (١)، وهي التي يقول فيها أهل التفسير أنهم النظراء والأشباه يعني وأزواجهم.
قال أحمد بن سعيد الرباطي - وكان عاملاً لعبد الله بن طاهر -، قال: قَدِمْتُ على أحمد بن حنبل، فجعل يرفع رأسه إلَيَّ، فقلت: يا أبا عبد الله .. إنه يُكتب عني بـ " خُرَاسَان " وإن عاملتني هذه المعاملة رَمَوْا حديثي!، قال: (يا أحمد! .. هل بُدٌّ يوم القيامة من أن يُقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟!، فانظر أين تكون منه؟!) انتهى (٢).
стр. 40
انظر مأخذ الإمام أحمد ﵀ وأنه من الآية السابقة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ومعاملته للرباطي بالهجْر والإنكار!.
وقد قال أبو بكر المروذي ﵀ في الإمام أحمد: (كان يحب في الله ويبغض في الله؛ وإذا كان في أمر الدين اشتدَّ له غضبه) انتهى (١).
وعن أبِي عيسَى الْخُرَاسَانِي عن سَعِيدِ بن الْمُسيِّبِ ﵀ أنه قال: (لا تَمْلَؤُوا أعينكم من أعوان الظَّلَمَةِ إلاَّ بالإنكارِ مِنْ قلوبكم لكيلاَ تحبط أعمالكم!) انتهى (٢).
وقد سُئِلَ ابنُ تيمية ﵀ عن الْمُعَاون لأعداءِ الله فقال: (حكمُه
حُكْم الْمُبَاشِر، وَبِهَذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد) (٣).
وقال ﵀: (الْمُتلبِّس بِمَعصيةٍ لا يُسلَّمُ عليهِ حالَ تلبُّسِهِ بِهَا) (٤).