← Фикх общий

Фикх общий · id 36172

إمعان النظر في مشروعية البغض والهجر

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (118 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يزهَدُون فِيمَا فِي يَدَيْهِ!) انتهى (١). أنظر ما فعل طاووس ﵀ مع ابن الخليفة، وهذا واللهِ غاية النصح الذي يَعُدُّهُ كثيرون من أهل وقتنا تنفيراً فهو يقول: (أرَدْتُّ أنْ يَعلم أنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يزهَدُون فِيمَا فِي يَدَيْهِ!) أيْ ليرجع إلى نفسه ويتفَكَّر في الدنيا وغرورها وأنها ليسَتْ بِشَيءٍ فلا تغرُّهُ كَمَا غَرَّت غيره. وَمِمَّا يُوضح ذلك قول الإمام أحمد ﵀: (إذا عَلِمَ مِنْ رَجُل أنه مُقيم على معصيتهِ وهو يعلم بذلك لَم يأثَمْ إنْ هو جفاه حتى يرجع، وإلاَّ كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لَم يَرَ مُنكِراًَ عليه ولا جَفْوَة من صَدِيق!) انتهى (٢). فهذا إمام أهل السنة يقول: (وإلاَّ كيف يتبين للرجل ما هو عليه) وكثيرون اليوم يَرمون فاعلَ ذلك بالعظائم!، فتأمَّل نُصْحَ السلف وغرورَ الْخَلَف!. ومن المقصود بالهجر أيضاً رجوع المهجور عمَّا هو عليه، فقد سُئل الإمام أحمد عن رَجُلٍ مبتَدِع داعية يدعو إلى بدعة .. أيُجَالَس؟!، فقال: (لاَ يُجالَس ولا يُكلَّم لعلَّه أنْ يَرْجِع) (٣).

стр. 37

والهجر تعزيرٌ، قال ابنُ فرحون: (والتعزير لا يختص بفِعل مُعَيَّنٍ ولاَ قول مُعَيَّن، فقدْ عَزَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالهجر، وذلك في الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، فَهُجِروا خمسين يوماً لا يُكَلِّمُهم أحدٌ وَقِصَّتهم مشهورة في الصِّحَاح) انتهى (١).

стр. 38

أعوان الظلمة لَمَّا قَدِم أبو موسى الأشعري ﵁ من البصرة وكان عاملاً عليها أقبل على أبي ذرٍّ الغِفَاري ﵁ يحتضنه ويقول: مرحباً بأخي؛ فجعل أبو ذرٍّ ﵁ يدفعه عن نفْسِه ويقول: (إليك عني؛ لست بأخيك!، إنما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتَعْمل!) انتهى (١)؛ وأين هذا مِمَّا آلَتْ إليه الأحوالُ اليوم؟!. وحينما أتى ابنُ نجيح إلى طاووس وكان عاملاً لمحمد بن يوسف أوْ أيوب بن يحيى، فقعد بين يديه فسلَّم عليه فلم يُجبْه، فكَلَّمَه فأعرض عنه، ثم عَدَل إلى الشِّقِّ الأيسر فأعرض عنه! (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: (قال غيْرُ واحدٍ من السَّلَف: أعوانُ الظلمَةِ مَن أعانَهُم ولوْ أنه لاَقَ لهم دواةً أو برى لهم قَلَماً، ومنهم مَن يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم، وأعوانهم هم أزواجهم المذكورون في الآية) انتهى (٣). ويريد بالآية قولَه تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا

стр. 39

يَعْبُدُونَ﴾ (١)، وهي التي يقول فيها أهل التفسير أنهم النظراء والأشباه يعني وأزواجهم. قال أحمد بن سعيد الرباطي - وكان عاملاً لعبد الله بن طاهر -، قال: قَدِمْتُ على أحمد بن حنبل، فجعل يرفع رأسه إلَيَّ، فقلت: يا أبا عبد الله .. إنه يُكتب عني بـ " خُرَاسَان " وإن عاملتني هذه المعاملة رَمَوْا حديثي!، قال: (يا أحمد! .. هل بُدٌّ يوم القيامة من أن يُقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟!، فانظر أين تكون منه؟!) انتهى (٢).

стр. 40

انظر مأخذ الإمام أحمد ﵀ وأنه من الآية السابقة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ومعاملته للرباطي بالهجْر والإنكار!. وقد قال أبو بكر المروذي ﵀ في الإمام أحمد: (كان يحب في الله ويبغض في الله؛ وإذا كان في أمر الدين اشتدَّ له غضبه) انتهى (١). وعن أبِي عيسَى الْخُرَاسَانِي عن سَعِيدِ بن الْمُسيِّبِ ﵀ أنه قال: (لا تَمْلَؤُوا أعينكم من أعوان الظَّلَمَةِ إلاَّ بالإنكارِ مِنْ قلوبكم لكيلاَ تحبط أعمالكم!) انتهى (٢). وقد سُئِلَ ابنُ تيمية ﵀ عن الْمُعَاون لأعداءِ الله فقال: (حكمُه حُكْم الْمُبَاشِر، وَبِهَذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد) (٣). وقال ﵀: (الْمُتلبِّس بِمَعصيةٍ لا يُسلَّمُ عليهِ حالَ تلبُّسِهِ بِهَا) (٤).

стр. 41

فصل قال أبو العالية ﵀: (إِعْمَلْ بالطاعةِ وأحب عليها مَن عَمِل بِهَا، واجتَنِبْ المعصيةَ وعادِ عليها مَن عَمِل بها، فإنْ شاء الله عَذَّبَ أهلَ مَعصِيَتِهِ وإنْ شاء غَفَرَ لَهُم) انتهى (١). هكذا العلماء يخافون على العاصي ويرْجُون للمُطِيعِ، وليسَ مَعنى بغضهم وحبهم الشهادة لأحدٍ أو الْحُكْم عليه بنارٍ أوْ جَنَّةٍ، فهذا إلى الله . ورَضِيَ الله عن أمير المؤمنين عَلِيِّ بنِ أبِي طالب حيث قال: (لو كان الدِّينُ بالرأيِ لكانَ أسفَلُ الْخُفِّ أولى بالْمَسْحِ مِنْ أعلاَه!) (٢)، وذلك لأنَّ أسفَلَه هو الذي يباشِرُ الأرضَ ومع هذا جاء الأمر بِمَسْح أعلاه. ولقد صالَت الآراءُ وجالت في وقتنا بِمَا لا يُعْهد له مثيلٌ حتى طالت الولاء والبراء وتسمية الكفار بغير ما سماهم الله به ورسوله

стр. 42

- ﷺ ومقاربة الأديان والتقارب مع الرافضة وغير ذلك، بل حصلت موالاة الكفار وموادتهم من كثيرين مِمَّن يَدَّعُون الإسلامَ مع أنه لا يقوم دينُ العبدِ ولاَ يستقيم إلاَّ بالعمل بقوله تعالى: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه ُ﴾ (١).

стр. 43

فصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أشار أبو بكر الصديق ﵁ لَمَّا قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يُخَاطبه به: يا خليفة رسول الله: " تألَّف الناس "، فأخَذ بلحيته وقال: «يا ابن الخطاب .. أجَبَّاراً في الجاهلية خَوَّاراً في الإسلام؟!، عَلاَمَ أتألَّفُهُم؟!، أعَلَى حديثٍ مُفترى أم شِعْر مُفْتَعل؟!». يقول: إني لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الأسدي) انتهى (١). أين الصِّدِّيق والفاروق مِمَّن مَيَّعوا دينَ ملك الملوك سبحانه؟!، والمؤمن لا يُذِلُّ نفْسَه لأنَّ دينَهُ عزيزٌ عليه، وفد قال رجل للحَسَن البصري: إنك مُتكَبِّر!، فقال: (لستُ بِمُتكَبِّرٍ ولكني عَزِيز) (٢). كذلك فشأن الدِّين اليوم ليس هو كأوله، ولذلك أنكر أبوُ بَكْرٍ على عُمَرَ ﵄ التأليفَ لظهورِ الدِّين. وقد ذَكَر الدارمي في «سُنَنِه» (٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ نَهَى عن درهمين في درهم، فقال فلان: ما أرى بهذا بأساً،

стр. 44

يداً بيدٍ!؛ فقال عبادة ﵁: (أقول قال النبي ﷺ وتقول: " لا أرى بِهذا بأسًا "!، والله لا يُظلَّنِي وإياك سَقْفٌ أبَداً!) انتهى. أين عُبادَة ﵁ من شيخ من مشايخ الوقت يُفتي بأحَد مَجَلاَّتِهِ قائلاً: (أنَا لا أُسَلِّم أنَّ الملائكةَ لاَ تدخل البيتَ الذي فيه صُور، لأنَّ بيوتَ المسلمين اليوم مليئة بالصور!) انتهى. لقد صارت - والعياذ بالله - كثرة الحرام في البيوت عند هذا الشخص الْمُفْتِي عِلَّة تغيُّر حال الْمَلائكة التي أخبر «جبريلُ» ﵇ النبِيَّ ﷺ بأنَّهُمْ لا يدخلون بيتاً فيه صورة (١)، ولَوْ طُرِد هذا القياسُ السوء لتغير الدِّين مع التغيُّرَات!. وتأمَّل ما يَفْعَله الصَّحَابة ﵃ فِيمَن يُعارضُ السُّنةَ برأيه لَوْ كانَ

стр. 45

مَا كَان: عن حُمَيد بن عبد الرحمن أنه قال: دَخَلْنا على «أسير» - رَجُلٍ مِن أصحاب رسول الله ﷺ حِين استُخْلِفَ «يزيد بن معاوية»، قال: (يقولون: " إنَّ «يزيد» ليس بخير أمة محمد ولا أفقهها فِقْهاً ولا أعظمها فيها شرفاً "؛ وأنا أقول ذلك، ولكن واللهِ لَأَنْ تَجْتَمِعَ أمةُ محمد ﷺ أحب إلَيَّ من أنْ تُفَرَّق، أرأيتكم بَاباً لو دَخَل فيه أمة محمد ﷺ وَسِعَهُم أكانَ يَعْجَزُ عن رَجُلٍ واحدٍ لو دَخَل فيه)، قال: قلنا: لا؛ قال: (أرأيتكم لو أنَّ أمةَ محمد ﷺ قال كُلُّ رَجُلٍ منهم: " لا أهريق دَمَ أخي ولا آخذ مالَه " أكانَ هذا يَسَعهم؟!؛ قال: قلنا: نعم؛ قال: (فذلك ما أقول لكم) ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ يَأْتِيكَ مِنْ الْحَيَاءِ إِلاَّ خَيْرٌ) قال حُمَيدٌ: فقال صاحبي: " إنَّ في قَصَصِ «لُقمَان» أنَّ بعضَ الْحَياء ضَعْفٌ وبعضه وَقَارٌ للهِ "؛ قال: فأرْعَدَتْ يَدُ الشيخِ وقال: «أُخْرُجَا مِن بَيْتِي!، أُخْرُجَا مِن دَارِي، ما أدخلكما عَلَيَّ؟!»، قال: فَمَا زِلْتُ أسَكِّنُهُ حَتى سَكَن؛ قال: ثم خَرَجْنَا أنا وصاحبي (١). فتأمَّل مقابلة مَن عارض حديث رسول الله ﷺ !، وإنَّ مِن أيْسَرِ شيءٍ على مَن تُنكَر عليه الصور الْمُحَرَّمَة أو غيرها مِمَّا يُغضب الله من شاشاتِ ما يُسمَّى (الْمَجْد) وغيرها أنْ يقول: " الشيخ فلان يقول

стр. 46

كذا "!. إنَّ بعض الناس يحتج على ترك الهجر بكثرة المنكرات، والعجَب أنهم مع عدم الهجر تَرَكوا حتى الإنكار، وداهنوا، وضَعُفَ الوازعُ الديني في قلوبهم فلاَ هُم يهجرون، ولا يُنكرون، ولا يُبغضون!، وهذا من ضَرْبِ القلوبِ بعضها ببعض. قال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلامٍ سابق: (ولكن مَن أظهر بدعته وَجَب الإنكار عليه بخلاف مَنْ أخفاها وكتَمَها) انتهى (١). إنَّ أهل هذه التعاليم الحادثة في وقتنا يَستحِقُّون الْهَجْر، فُكُتُب تعاليمهم ومناهجهم ظاهرة معروفة مشهورة، ومعلوم أنَّ هذا إظهار وإشهار. ثم قال شيخ الإسلام ﵀: (وإذا وَجَبَ الإنكار عليه كان من ذلك أن يُهجر حتى ينتهي عن إظهار بِدعتِهِ) انتهى (٢). إنَّ أولئك المفتونين بالتعاليم الحادثة لا ينتهون وهم مُصِرُّون على البقاء لأجل شُبهة الإصلاح التي تُغطِّي ظُلْمَتُها عنهم شهوةَ المالِ والرئاسة فاتفق لهم شهوةٌ بِشُبْهَة! - نسأل الله العافية -. ثم قال شيخ الإسلام ﵀: (ومِن هَجْره أن لا يؤخذ عنه العلم ولا يُسْتشهد، وكذلك تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء

стр. 47

والفجور؛ منهم مَن أطلق المنع، والتحقيق أنَّ الصلاةَ خَلْفَهُم لا يُنْهَى عنها لِبطلاَنِ صلاتهم في نفْسِها لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أنْ يُهْجَرُوا وأن لا يُقَدَّمُوا في الصلاة على المسلمين، ومن هذا الباب تَرْك عِيَادتهم وتشييع جنائزهم؛ كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه) انتهى (١). انظر قوله: (الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه). ثم قال ﵀: (وإذا عُرف أنَّ هذا من بابِ العقوباتِ الشرعيةِ عُلِمَ أنه يختلف باختلاف الأحوال من قِلَّةِ البِدْعَة وكثْرتها وظهور السُّنة وَخَفَائِهَا) انتهى (٢). إنه من الْمَعلوم كثرةُ الباطل وخفاء سنة الهجر الذي هو من باب العقوبات الشرعية؛ فهل يُتْرَك هذا بالكُلِّيةِ؟!؛ وقد قال ﵀: (إنَّ المشروع قد يكون هو التأليف تارة، والْهُجْران أخرى) انتهى (٣). إنَّ الْحَاصِلَ أنَّ مَن ادَّعَى من أهل الوقت بِتَرْكِ الْهَجْر التأليفَ تَلِف أوْ كاد!، وأهلُ الدِّينِ يعلمون ما كانوا عليه سَابِقاً من الْهَجْر وما تحوَّلوا إليه من دعوى التأليف ويعلمون أيهما أفضل حالهم اليوم أو الأمْس!، إنهم يُقرُّون بِحُسْنِ أحوالهم في الماضي لَمَّا كان

стр. 48

الهجر والْمُصَارمة، والآن عَرَّضوا نفوسهم ومن يقتدي بهم للعدوى والبَلْوى بترك الوقاية وقد وقع ما يَسُوء. ثم قال شيخ الإسلام بعد الكلام السابق: (كما كان النبي ﷺ يتألَّفَ أقواماً من المشركين مِمَّن هو حديث عهد بالإسلام، وَمَن يُخَاف عليه الفتنة، فَيُعْطِي الْمُؤلَّفَة قلوبهم ما لاَ يُعطي غيرهم) انتهى (١). لاَبُدَّ من التفريق بين أوَّلِ الإسلاَم ووقتنا في التأليف، وبين مَن يعرف الإسلام وينتسب إليه ومَن لاَ يَعرفه، وقد سبق رَدُّ أبي بكر على عُمَرَ ﵄. ثم قال شيخ الإسلام ﵀: (وكان ﷺ يَهجر بعض المؤمنين كَمَا هَجَر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك لأنَّ المقصود دعوة الخلق إلى طاعةِ اللهِ بأقْوَمِ طَرِيق) انتهى (٢). وحيث إن هذا مطلوب أعظم وهو دعوة الخلق إلى طاعة الله بأقوم طريق فَمِثْل وقتنا حيث أُبطل الهجرُ وصار لأهل الباطل دعوى عريضة طويلة حيث يرون أنهم أهل الدعوة والعلم والإصلاح فَلاَبُدَّ من وجودِ من يُعاملهم بِمَا يُصَادم زَبَدهم ليذهب جُفَاءً!، وَمِن أشَدِّ ذلك عليهم الهجر والمصارمة ولو لَم يكن في هذا

стр. 49

من الْمَصلحة إلاَّ التنبيه على فسَاد ما قد اتفقوا عليه من باطلهم الذي ألْبسوه لباسَ الحقِّ!. ثم قال ﵀: (فيستعمل الرغبة حيث تكون أصلح والرهبة حيث تكون أصلح) انتهى (١). إنَّ أهلَ الدِّين يعرفون الأصلح وهو الهجر والْمُصَارَمة ويعرفون ما آلت حالهم إليه الآن فهذا بالتجربة ظهر صلاحه بشهادة مَن كان يفعله ثم تَرَكه، وكم مِمَّن يُضْمِرُ في نفْسِه أنَّ الهجر هو الصواب لكن يقول: " تربطنا بهم روابط "، ويتمنى لو انحلَّت هذه الروابط لِيَهْجُر، مع أنها ليست عذراً مقبولاً له، ومن هنا يتبين أنَّ الاعتذار اليوم بعدم مَنْفَعَةِ الهجر ليس بشيء، فالْمُقَارنة بين حالِ أهلِ الدِّين أوَّلاً وأخيراً تكشف هذه الشبهة. والخلاصة أنَّ الهجرَ يكون حسَب المصلحة، وقد كان أهل الدين في حماية ووقاية وعزة لَمَّا كانوا يستعملونه، واليوم حصل الْخَلَل!، ولو عادوا إليه لحصلت منافع عظيمة بإذن الله، وحسبك أنَّ أيسرها ظهور الفرقان بينهم وبين الآخرين، فبهذا تزول أعظم شبهة في مسألة الهجر وهي أنه حسب المصلحة، لأنه لا يُجَادل في حُسْن حال أهل الدِّين في السابق لَمَّا كانوا يُبْغِضون مَن هو متلبس بباطل ويهجرونه إلاَّ مَن لاَ يُنصف في هذه المسألة، وقد كانوا

стр. 50

يهجرون على أقل ِمَّما وقع اليوم!. وَعلى أيَّة حال فإنه يُقال الآن: أينَ البغض والإنكار والْمَقت والشنآن لأهل الباطل لَمَّا تُرِك الهجر؟!، وَمِمَّا يُوضِّح ما تَقَدَّم فإنه لاَبدَّ من البغض والْمَقت والشنآن لأهل الباطل حتى ولو لَمْ يُهجروا؛ قال ابن تيمية ﵀: (وهكذا السُّنة في مقارنة الظَّالِمِين والزُّنَاة وأهل البِدَع والفجور وسائر المعاصي) انتهى (١). تأمَّل قوله: (وسائر المعاصي). وقال ﵀: (لا ينبغي لأحد أن يُقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله ، وأقلَّ ذلك (٢) أن يكون منكراً لظلمهم ماقتاً لهم شانئاً ما هم فيه بحسب الإمكان كما في الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْه بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتطع فَبِقَلْبِه وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيِمَان» (٣)) انتهى (٤). وهنا يُقَال لِمَن تَرَك الْهَجْر: هل قُمْتَ بِمَا ذكره شيخ الإسلام أو

стр. 51

بعضه من الإنكار والْمَقْت والشنآن على وجه تَسْلم به من عذاب الله ؟!، أمْ أنه بدَلاً مِنْ ذلك حَصَلَتْ الصُّحبَةُ والْمُسَالَمَةُ والمدَاهَنَةُ فتضَرَّرَ الْمُدَاهِن واغترَّ الْمُدَاهَن!. وقد قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (١) بعد نَقْله لكلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية في الْهَجْر ومُراعاة الْمصْلَحَة فيه؛ قال ﵀: (فانظُرْ أيها الْمُنْصِف بعين الإنصافِ، واحْذَر التعصُّبَ والاعتسافَ إلى ما قاله شيخ الإسلام: " مِنْ أنَّ فِي هَجْرِهِمْ عِزٌّ لِلدِّينِ " (٢)، وهَذَا إذا كانُوا مسلمين، ولكنهم أصحابُ مَعَاصٍ واقترافٍ لبعضِ الأوزار، فيجِبُ هَجْرهم واعتزالُهُم حتى يُقْلِعُوا، أمَّا الْمُشْرك والْمُبتَدِع: فلاَ نِزَاع فِي هجْرِهِمَا ولا خِلاَف فيه إلاَّ عند مَن قلَّ حظُّه ونصيبه مِنْ العِلْم الْمَوْرُوثِ عن صَفْوةِ الرُّسُلِ - صلواتُ اللهِ وسَلاَمُه عَليه -) انتهى (٣).

стр. 52

دعوى محبة بلا غيْرة ولا غضب ! كثيرون في وقتنا يدَّعون الْحُبَّ في الله ولكنهم لا يُبغضون فيه!، وهذا من تلاعب الشيطان بهم لأنَّ حقيقةَ الحب في الله لا تحصل إلاَّ بحقيقة البغض فيه، ولَمَّا خفَّ الأولُ وثَقُلَ الثاني اكتفينا بالدعوى!، والله المستعان. قال شيخُ الإسلامِ ﵀: (وكثير مِمَّن يَدَّعي المحبة هو أبْعَد من غَيْرِهِ عن اتباع السُّنة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، ويَدَّعِي مع هذا أَّن ذلك أكملُ لطريقِ المحبة من غيره لزعمه أنَّ طريقَ المحبة ليس فيه غَيْرة ولا غضب لله، وهذا خلافُ ما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنة) انتهى (١). وطائفة (التبليغ) فيهم شَبَهٌ كبير من ذلك، وأكثر مَن يَنتَسِبُون للدِّين سلكوا هذا الْمَسْلكَ وهم لاَ يَنتمُون إلى هذه الطائفة!. وقد قال يوسف بن أسباط: سمعت سفيان الثوري يقول: (إذا أحببتَ الرَّجُلَ في الله، ثُمَّ أحْدَثَ حَدَثاً في الإسلام فلم تُبغضه عليه فإنك لَمْ تُحبه في الله!) انتهى (٢). فتأمَّل الميزانَ ومَدَارَ قَلْبِ الصَّادق، وانظر ما كان عليه نبيك

стр. 53

محمد ﷺ ؛ فإنَّ شيخَ الإسلام ﵀ بعد ما ذكر حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (مَا ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ شيئاً قَطُّ بِيَدِهِ ولاَ امْرَأة ولا خادِماً إلاَّ أنْ يُجَاهد في سبيل الله، ومَا نِيلَ منه شيءٌ قَطُّ فَينْتَقِمُ من صَاحبِهِ إلاَّ أنْ يُنتَهَك شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ فينتقم لِلَّهِ ) (١)؛ قال شيخ الإسلام بعد أنْ ذَكَرَ هذا الحديث: (فقد تَضَمَّنَ خُلُقُه العظيم أنه لا ينتقم لنفْسِهِ إذا نِيل منه، وإذا انتُهِكَت مَحَارِمُ الله لَم يَقُمْ لغضبه شيء حتى ينتقِمْ لله) انتهى (٢). وانظُر ما ينكِرُه الكثيرون من الغضب إذا انْتُهِكَت مَحَارِم الله، فيكون فاعل ذلك الغضب هو صاحبُ المنكَرِ فيُنكَرُ عليه، ويُرْمى بكلِّ بَليَّة!. وليَعلم أصحاب الآراء المخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذين يحتجُّون برحمة العُصَاة في عدم التغليظ عليهم أو معاقبتهم بالحدود الشرعية أنهم تاركون للرحمة الحقيقية لِخُدَعٍ وهْمِيَّة ضارَّة لهم بترك المأمور وللعصاة بالتمادي في الإصرار والغرور، وتأمل ما ذكره ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة حيث قال: (وبِهَذا يتبين أنَّ العقوبات الشرعية كلها أدويةٌ نافعةٌ يُصْلِحُ الله بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم الداخلة في قوله ﵎: ﴿وَمَا

стр. 54

أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فمَن تَرَك هذه الرحمة النافعة لِرَأفَةٍ يجدها للمريض فهو الذي أعانً على عذابه وهلاكه وإنْ كان لا يريد إلاَّ الخير إذْ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض النساء والرجال الجهَّال بِمَرْضَاهم وَبِمَن يُربُّونَه من أولادهم وغِلْمَانهم وغيرهم في تَرْكِ تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشَّرِّ ويتركونه من الخير رأفة بهم، فيكون ذلك سبب فسادهم وعدوانهم وهلاكهم) إلى آخره (٢). فهذا يُبيِّن أنَّ مَن أبطل حدودَ الله والبغضَ والْهَجْر فيه بِدَعْوَى الرحمةِ أنه تاركٌ للرَّحمة الحقيقيَّة مُتَسَبِّبٌ للعُصَاة بفسادهم وعُدْوانهم وهلاكهم. وزماننا هذا مليء بالعجائب والغرائب حتى أنه من الحرص الشديد على تغيير النَّهْج السَّلَفي لِمُخَالفته للمفتونين يرى بعضهم ما سَمَّاه (تجديدَ الخطابِ الدِّيِنِي) ويستدل بقوله ﷺ : (ِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) (٣)، ومعنى هذا الحديث صَحيحٌ، ولكنَّ ليسَ الدِّينَ - كمَا يَزعُم الْمُتَّبِع لِهَواه -

стр. 55

يُجاري أهواء الناس وأزمَانِهِم ومُحْدَثَاتِهِم فَيحتَاج كُلُّ زمانٍ إلى مَن يُجدِّده بِمَعنى يُلْبِسهُ مُحْدَثات كل زمان ويُخْرِجه للناس بقَالَب ذلك اللباس الْمُتَناسِب مع ما أحدثوا، بل مَعناه الصحيح داحض لِمَزَاعِمِ أهلِ الْهَوى مُعَاكِس مُعَارِض لأهوائهم حيثُ إنَّ المرادَ بتجديد الدِّين إعادته إلى ما كان عليه في عهد النبوة والخلافة الراشدة بإعادة الناس إليه كما هو بإبطال ما أحدثوا مِمَّا يُفْسِده، وإلاَّ فهو جَديدٌ بنفْسِه إلى نِهَاية الدنيا؛ يُوضِّح ذلك نهيه ﷺ عن مُحْدَثات الأموُر بعد أمْره بالتمَسُّكِ بِهَدْيِه وهَدْي خُلفَائِه الراشدين (١)، وقد خافَ ﷺ على أمَّته الأئمةَ الْمُضِلِّين (٢)، وقد كَثُروا في وقتنا - لا

стр. 56

كَثَّرهم الله -. والخلاصة أنَّ الدِّينَ جديدٌ أبَداً، وإنما الناس بِبُعدهم عنه وإحداثهم ما ليس منه وتَزَيِّيهم بغير زِيِّه يَتَّسِخُوا!؛ فتجديده قَطْعاً عائِدٌ عليهم برجوعهم له حقيقة، وإلاَّ فهو في الحقيقة جديدٌ بذاته. فالْمُجَدِّد للدِّين حقيقةً هو مَن يدعو الناسَ إلَى تَرْكِ مَا أُحْدِثَ بعد الرعيل الأول ولزوم مَا أمر النبي ﷺ بلزومه، وهو الصراط المستقيم الذي كان عليه وأصحابه ﵃.

стр. 57

هجر الأقارب والأرحام عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه قال: (كان «أبو بَكْرة» أخَا «زياد» لأُمِّهِ، فلمَّا كان من أمْرِ «زِيَاد» ما كانَ حَلَفَ «أبو بَكْرة» ألاَّ يُكَلِّم «زِيَاداً» أبَداً، فلَمْ يُكَلِّمْه حتى مَاتَ) انتهى (١). وفي وقتنا يُقالُ في هذا: " قطيعة رَحِم "!؛ ولكن اعلم أنَّ المغرورَ مَن اغترَّ بأهلِ الوَقتِ الذين دَخَلوا الْمَدَاخِلَ الْمُظْلِمَة!؛ إنَّهم واللهِ يُلَبِّسُون على الْمَرءِ دِينَه إلاَّ مَن عَصَمَه الله منهم. وقد قال ابنُ أبي جَمْرة ﵀: (تكون صِلَةُ الرَّحم بالمال وبالعَوْن على الحاجَةِ وَبِدَفع الضَّرَرِ وبطلاَقَة الوَجهِ وبالدُّعاء؛ والمعنَى الْجَامِع: إيصَال مَا أمكَن من الخير ودَفْع ما أمكن من الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَة؛ وهذا إنما يستمر إذا كان أهلُ الرَّحِمِ أهلَ استقامةٍ، فإنْ كانوا كُفارًا أو فُجَّارًا فمقاطعتهم في الله هي صِلَتهم بِشَرط بَذْل الْجُهْدِ في وَعظِهم ثم إعلامهم إذا أصَرُّوا أنَّ ذلك بِسَبب تَخَلُّفِهم عن الحق؛ ولا يسقط مع ذلك صِلَتهم بالدعاء لَهُم بِظَهْرِ الغيب أنْ يَعودوا إلى الطريق الْمُثْلى) انتهى (٢). أنظر قوله: (إذا كانوا كفاراً أو فجارًا)، والفاجر هو الْمُسلم العَاصي؛ وانظر قوله: (فمقاطعتهم في الله هي صلتهم) وهذا هو تحقيق البغض في الله، وفي كتابنا هذا بيان ذلك كما تقدم من فِعْل ابنِ عمر مع ابنه بلال، وابن المسيب مع أبيه، وأبي بكرة، وغيرهم.

стр. 58

وَمِمَّا يبين مسألة هَجْر الأرحام التي قد تُشْكِلُ على بعض الناس أنَّ قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)؛ فهذه الآية ليسَت خاصةً بالكفار، بَل الأب والابن والأخ والعشيرة ولو كانوا مُسلمين، فإنَّ لَهم نصيب من الْمُحَادة إذا حادُّوا الله تعالى ورسوله وخالفوا أمْرَه وانتهكوا حرُماته، وَقَد تقدَّم بيان ذلك من الوقائع، ومُقاطعةُ مَن خالف أمر الله وانتهك حُرُماته مُقَدَّمَة على صلة الرحم ويأتي إنْ شاء الله زيادةُ بيان. وكثيرون في وقتنا لا يُبالون فيُجَالِسُون وَيُؤاكلون ويُصاحبون الفُسَّاق، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لاَ تَصْحَبْ إلاَّ مُؤْمِناً، وَلاَ

стр. 59

يَأْكُلْ طَعَامَك إِلاَّ تَقِيٌّ) (١). وقال القاضي أبو الحسن: (لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البدع وفُسَّاق الْمِلَّة، ولا فَرْق في ذلك بين ذوي الرحم والأجنبي إذا كان الحق لله؛ فأمَّا إذا كان الحق للآدمي كالقَذْفِ والسَّب والغِيبَة وأخْذ مَاله غصباً ونحو ذلك نَظَرَ، فإنْ كان من أقاربه وأرحامه لَمْ يَجُز هِجْرُه، وإن كان غيره جاز) انتهى (٢). ويُوَضِّح كلام «ابن أبي جمرة» المتقدِّم وهذا الكلام أنَّ الوقوعَ في الْمُحَرَّمَات والمعاصي انتهاكٌ لِمَحَارم الله مِمَّا يُوجِبُ غَضَبه سبحانه، والعبودية الْحَقَّة موافقة المعبود، والمحبة موافقة الحبيب، فالربُّ يغضب لانتهاك حرماته والعبد مأمور بموافقة ربه في غضبه ورضاه وحُبِّه وبغضه. فإذَا داهنَ العبدُ أرحامَه ولَمْ يَغْضَب عليهم لِرَبِّه فهو بِهَذا يكون مُخَالفاً لربه لأنَّ ربه غضبانٌ عليهم، فأمَّا إذا وافق ربه سبحانه بِغَضبه

стр. 60

عليهم ومقاطعتهم وقام بحقهم الذي ذكر «ابن أبي جمرة» من دَعْوَتِهِم، فإذا أصَرُّوا دعا لهم بِظَهْرِ الغيب بالهداية، فيكون بِهَذا قد أدَّى حقَّ اللهِ وحقَّهُم. وقد قال ابن القيم ﵀ عن مشروعية الهجر في ذَاتِ الله تعالى: وَاهْجُرْ وَلَوْ كُلَّ الوَرَى فِي ذَاتِهِ ... لاَ فِي هَواكَ وَنَخْوَةِ الشَّيْطَانِ وَاصْبِرْ بِغَيْرِ تَسَخُّطٍ وَشِِكَايَةٍ ... وَاصْفَحْ بِغَيْرِ عِتَابِ مَنْ هُوَ جَانِي وَاهْجُرْهُمُ الْهَجْرَ الْجَمِيلَ بِلاَ أَذَى ... إِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْهُجْرَانِ (١) إنَّ الذي ميزانه مَدْحُ الناس وذَمُّهُم يصعب عليه البُغْضُ في الله والْهَجْر فيه، أمَّا مَالك بن دِينار ﵀ فَيَقُولُ: (مُنذُ عَرفتُ الناسَ لَمْ أفرحْ بِمَدحهم ولَمْ أحزن لِِذَمِّهم). قالوا: كيف ذلك يا أبا يَحْيَى؟!. قال: (إنِّي لاَ أرَى إلاَّ مَادِحاً مُفْرِطاً أوْ ذَامًّا مُفْرِطاً) انتهى (٢). وحَسْبك بِرَضا الله تعالى فهو الذي مَدْحُه يَزِين وَذَمُّه يَشِين (٣)،

стр. 61

وقدْ قِيل: فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأنَامُ غِضَابُ وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ إِذَا صَحَّ مِنْكَ الوُدُّ فَاْلكُلُّ هَيِّنٌ ... وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ. وقد جاء عن سول الله ﷺ أنه قال: (مَنْ أَسْخَطَ اللَّهَ فِي رِضَا النَّاسِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأَسْخَطَ عَلَيْهِ مَنْ أرضاهُ فِي سَخَطِهِ، وَمَنْ أَرْضَى اللَّهَ فِي سَخَطِ النَّاسِ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ مَنْ أَسْخَطَهُ فِي رِضَاهُ حَتَّى يُزَيِّنَهُ وَيُزَيِّنَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ فِي عَيْنِهِ) (١).

стр. 62

فصل قال الرافعي في «شرح المسند»: (حَقُّ الْمُبتدع أن يُهْجر، وأن يُحَذَّر عن مكاتبته وَمُجَالسته) انتهى (١). إنَّ مصائِبَنا في هذا الوقت لا تحصى، ومنها مصائب قاتلة؛ وهي أنَّ أكثر وأعظم مَا وَقَع الناسُ فيه مِن بِدَع ومَعَاصٍ بل وَكُفْر لا يَعدُّون ذلك مُخَالِفَة للشَّرْع حيث سَوَّغه لَهُم مشايخ هَانَ عليهم وَعِيدُ الْجَبَّار وتهاونوا بقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (٢)، فدَخَل الناس في الظلمات أفواجاً إلاَّ مَا رَحِمَ الله. قال ابن عبد البَرِّ ﵀: (وجَائِزٌ أنْ يَهْجُر مَن لَمْ يسمع منه ولَمْ يُطِعْه، وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألاَ تَرى أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ الناسَ ألاَّ يُكَلِّمُوا «كَعْبَ بن مالك» حين تَخَلَّف عن تبوك، وهذا أصلٌ عند العلماء في مُجَانَبة من ابتدع وهُجْرته وقطْع الكلام معه) (٣)؛ وقد حَلَف ابنُ مسعود ﵁ ألاَّ يُكلِّم رجُلاً رآه يضحك مع جنازة حيث قال له: (أتضْحَك وأنتَ تَتَّبِعُ جنَازة!، واللهِ لا

стр. 63

أكَلِّمُكَ أبَداً!) (١). انظر قول ابن عبد البر: (وهذا أصلٌ عند العلماء في مُجَانَبَةِ مَن ابتدع وَهِجْرته وقطع الكلام عنه) مَع أنَّ كعباً وصاحببيه ليسوا مُنَافِقِين بل مُؤمِنِين وقد هجرهم النبي ﷺ والصحابة ﵃ حتى نزلت توبتهم، والذنب فقط هو التخلُّف عن غزوة فكيف بِمَا نحن فيه الآن؟!. وانظر الآن إلى ما حصل من النبي ﷺ مع صاحب قُبَّةٍ مُشَرَّفَةٍ وهَجْرِه له وإعراضه عنه؛ فَعَن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ خَرَج فرأى قبة مُشَرَّفة فقال: (مَا هَذا؟!)، قال له أصحابه: هذه لفلانٍ - رَجُلٍ مِن الأنَصار -؛ قال: فَسَكت وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِه حتى إذا جَاء صَاحِبُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّم عليه في الناس أعْرَضَ عنه - صَنَع ذلك مِرَاراً -، حتى عَرَفَ الرَّجُل الغَضَبَ فيه والإعراضَ عنه، فَشَكا ذلك إلى أصحابه فقال: والله إني لأُنكر رسولَ الله ﷺ ؛ قالوا: خرج فرأى قُبَّتَك؛ قال: فَرَجَع الرَّجُلُ إلى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حتى سَوَّاها بالأرضِ، فَخَرَج رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ فَلَمْ يَرَها، قال: (مَا فَعَلَتْ القُبَّةُ؟!) قالوا: شكى إلينا صاحبها إعراضَك عنه فَأخْبَرناه فَهَدَمَهَا، فقال رسول الله ﷺ : (أمَا إنَّ كُلَّ

стр. 64

بِنَاء وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إلاَّ مَالاَ، إلاَّ مَالاَ) - يَعْنِي مَا لاَ بُدَّ مِنْه - (١). وإذَا كان هذا في قُبةٍ مُشَرَّفَةٍ من الطين فكيفَ بِمَا نَحْنُ فيهِ مِن التنافسِ على مَسَاكِنِ (الخلود) في الدنيا؟!، مَع أنَّهَا تَشَبُّهٌ بالكفَّار في مَسَاكِنِهِمْ، وتُنفق في بنائها الأموال الكثيرة، وغير ذلك من آفات ليس هذا موضع ذكرها، وهذا من نصحه ﷺ لأمته وشفقته ورحمته لئلا يغْتَروا بالدنيا وَيَرْكنوُا إليها ويَطُول فيها أمَلُهُم، فهل يَتَناسب ما نَحْن فيه في هذا الزمان مَع قَول النبي ﷺ : (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (٢)؟!، أو مَع مَا فَعَلَ مَع صَاحِبِ القُبة؟!، وتأمَّلْ بِهَذه المناسَبَةِ كلامَ «ابن حزْم الأندلسي» حينما رأى تشاغُلَ حُكَّامِ زَمَانهِ وهُمْ يَتشبَّهُون بالكفار في تشييد الدنيا وغفلتهم عن الدِّين حيث قال: (اللَّهُمَّ إنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ تَشَاغُلَ أهْلِ الْمَمَالِكِ مِنْ أهْلِ مِلَّتِنَا بِدُنْيَاهُمْ عَنْ إِقَامَةِ دِينِهِمْ، وَبِعِمَارَةِ قُصُورٍ يَتْرُكُونَهَا عَمَّا قَرِيبٍ عَنْ عِمَارَةِ شَرِيعَتِهِمْ اللاَّزِمَةِ لَهُمْ فِي مَعَادِهِمْ وَدَارِ قَرَارِهِمْ، وَبِجَمْعِ أمْوَالٍ رُبَّمَا كَانَتْ سَبَباً إِلَى انْقِرَاضِ أعْمَارِهِمْ وَعَوْناً

стр. 65

لأَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ!) انتهى (١). فإذا كان «ابنُ حزْم الأندلسي» يقول ذلك عن سَادَةِ زَمانه فَمَاذا عسَاه أنْ يَقُول لَوْ رأى الناسَ فِي زَمَانِنَا حُكَّاماً وَمَحْكُومِينَ وهُمْ يَتَشَبهُونَ بالكفَّار في تَشْييدِ الدُّنيا بِمَا لاَ مَثيلَ لَه مِن قَبْلُ إِلى غَايَةِ أنه لَوْ صَاحَ صَائِحٌ من السَّمَاءِ وقال: (يَا أهْلَ الدُّنْيَا خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ) لَمَا زَادُوا عَمَّا هُمْ عَلَيهِ في تَشْييدِهِم ذَلِكَ! (٢). ثم انظُرْ مَا تَقَدَّم ذِكْرُه من تغليظِ ابنِ مسعودٍ ﵁ على مَن رآه يضحك وهم في جنازة!، كيف لو رأى السلفُ الْمُشيِّعين للجنائز اليومَ ومَا هُمْ لاَهُون لاَغُون فيه مِنْ ضَحِكٍ وكلامٍ في أمورِ الدنيا وجوَّالاَتٍ مُصاحِبة لهم ومراكب جائلة في الْمَقابر!، وهذا لا يَدل على شيء إلاَّ على قوله تعالَى: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)!، أمَّا لو تذكَّر الإنسانُ أنَّ هذا مصيره وقد أُخفي عليه حِينُه وتذكَّر ما وَرَدَ في شأن القبر وكَوْنه رَوضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفَر النار وسؤال «مُنكَر ونكير» لصارَتْ له حالٌ غير هذه الحالة الإستكبارية الْجَفَائية الْمُعلِنَةُ أنَّ صَاحِبَهَا فِي شأنٍ غير الشأن الذي خُلِق له وأمِر به، وأنَّ العقْلَ عازبٌ، وفي أودية طول الأمَل ذاهبٌ!. وحينما نَظَر أبو الدَّرداء ﵁ إلَى رَجُلٍ يَضْحك في جِنَازةٍ قال له:

стр. 66

(أمَا كَانَ فِي مَا رَأيتَ مِنْ هَوْلِ الموْتِ مَا يَشْغَلك عَن الضَّحِك!) (١). وقال إبراهيم النخعي ﵀: (كَانَتْ تَكونُ فِيهِمْ الْجِنَازَةُ فَيَظلُّون الأيام مَحْزُونِينَ يُعرَفُ ذَلِكَ فِيهِمْ!) (٢)، وقال أيضاً: (كُنَّا إذَا حضَرْنا جِنَازَةً أوْ سَمِعنَا بِمَيِّتٍ عُرِفَ ذلك فِينَا أيَّامًا؛ لأنَّا قَدْ عَرَفنا أنه قَد نَزَل به أمرٌ صَيَّرَه إِلَى الْجَنَّةِ أو إلى النَّارِ)، ثم قال: (فَإِنَّكُمْ فِي جَنَائِزِكُمْ تَحَدَّثونَ بِأحَادِيثَ دُنيَاكُمْ!) (٣). وعن الأعمَشِ ﵀ أنه قال: (إنْ كُنَّا لَنشهَد الْجِنَازَة فلاَ نَدري مَن نُعزِّي مِنْ حُزنِ القَومِ!) (٤)؛ فتأمَّل ذلك ومَا نَحنُ فيه اليوم! (٥).

стр. 67

فصل قال الإمام أحمد ﵀: (لَيس لِمَن يسْكُر ويُقارف شيئاً من الفواحشِ حُرْمَةً ولاَ وصْلة إذَا كان مُعلناً مكاشفاً) (١). وقال الخلاَّل في كتابه «المجانبة»: (أبو عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل - يَهْجُر أهلَ المعاصي ومَن قارف الأعمالَ الرَّدِيئة أو تعدى حديث رسول الله ﷺ ؛ وأمَّا مَن سَكِرَ أو شَرِب أو فَعَل فِعْلاً مِن هذه الأشياء الْمَحْظُورة، ثُمَّ لَم يُكاشِف ولَم يُعْلِن ولَم يُلْقِ جِلْبَابَ الْحَيَاء فالكَفُّ عَن أعراضِهِمْ وعَن الْمُسلمينَ والإمْسَاك عن أعْرَاضِهِمْ وعن الْمُسْلِمين أسْلَم) انتهى (٢). وفي الحديث الصحيحِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (كُلُّ أمَّتِي مُعَافًى إلاَّ الْمُجَاهِرينَ) (٣).

стр. 68

فصل عن يزيد بن يوسف أنه سألَ يزيدَ بن أبي حبيب ﵀ عن الشطرنج، فقال يَزِيدُ: (لَوْ مَرَرْتُ بِقَومٍ يلعَبوُنَ بالشِّطْرَنْجِ مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِم!) (١). قال الشيخ حمود التويجري ﵀ بعد أنْ أوْردَ هذا الكلام: (قلتُ: وَمِثْل اللاعبين بالنرد والشطرنج اللاعبون في زماننا بالجنجفة (٢)، والكيرم، وما أشبه ذلك مِمَّا يُلهي ويصُدُّ عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاة فَلاَ يُسلَّم عليهم، ولاَ يُسَلَّم أيضاً على اللاَّعبين بالكُرَةِ لأنها مِن أعظم ما يُلهي ويصُد عن ذِكْرِ الله وعن الصلاة، وفيها من الْمَفَاسد نَحْوَ مَا فِي النرد والشطرنج وأعظم) انتهى (٣). وقال ﵀ أيضاً: (فإذا كانت الدار يُسْمعُ منها الغِناء وأصوات الملاهي فصاحبها مُعْلِنٌ مُجَاهِرٌ يُسَنُّ هَجْرُه أو يَجِب؛ وكذلك إذا كانت آلاتُ اللَّهْو، أو أواني الخمْر، أوْ أوْعِية الدُّخَان الخبيث أوْ آلات شُرْبه تُرى في الدار لا يُخفيها صاحب الدار عن الداخلين، أوْ كانت رائحة الدُّخَان الخبيث أو غيره من الْمُسْكِرَات تُوجَد في فِيِّ

стр. 69

أحَدٍ أو مِن بيته فصَاحِبُ ذلك مُعْلن مُجَاهر يُسَنُّ هَجْرُهُ أوْ يَجِبُ) انتهى (١). وَيُوضِّحُ ما تَقَدَّم قولُ شيخِ الإسلامِ ﵀: (مَن أظهرَ المنكَرَ وجَب الإنكار عليه وأن يُهْجَر ويُذَمُّ على ذَلك، فهذا معنى قولهم: «مَن ألقَى جِلْبَابَ الحياءِ فلاَ غِيبَة له» بِخِلاَف مَن كان مُسْتتراً بِذَنْبه مُسْتخفياً، فإنَّ هذا يُسْتر عليه لكن يُنْصَح سِرًّا، وَيَهْجُره مَن عرفَ حَالَه حتى يَتُوبَ، وَيَذْكرُ أمْرَه على وَجْهِ النَّصِيحَةِ) انتهى (٢). وشيخ الإسلام ﵀ لَمْ يأتِ بشيءٍ مِنْ عنده في قوله: (مَنْ أظهَرَ الْمُنكَرَ وَجَبَ الإنكَارُ عليهِ) فقد قال ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيِمَان) (٣)؛ فحالق اللحية، ومُسبل الثياب، وشارب الدخان، وحامل الصور أو آلة التصوير، أو المتشَبِّه بالكفار في لباسهم الْمُحَرَّم، ونحو ذلك؛ كلُّ هذا داخل في قوله ﷺ : (مَنْ رَأى مِنكُم مُنكَرًا .. ) الحديث.

стр. 70

وقد قال السفاريني ﵀: (وقد هجَرَ الإمامُ أحمد ﵀ جَمَاعة مِمَّن أجابوا في الْمِحْنَةِ مثل يَحْيَى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما مع فخامة شأنِهم؛ وكم إمام هَجَرَ خِدْناً كان أعَزَّ عليه - لولا انتهاكه لِمَحَارِمِ مَولاه - مِنْ رُوحِهِ فَصَار بذلك كالْجماد، بل أدنَى. قال القاضي أبو حسين فِي «التمَام»: " لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البِدَع وفسَّاق الْمِلَّة "). ثم قال: (فينبغي لك إنْ كنتَ مُتَّبِعاً سُنَنَ مَن سَلَف أنَّ كُلَّ مَن جاهرَ بِمَعاصي الله لا تعاضده ولاَ تساعده ولا تقاعده ولا تُسَلِّم عليه، بل اهجره) انتهى (١). ولكن مَن لَمْ يُسلِّم على العصاة اليوم بل حتى الكفرة فأقل ما يقال فيه أنه مستكبر، وهذا الصِّنف لا يعرفون ما أعَزَّ الله به المؤمن من الأنَفَةِ والاشمئزاز مِمَّن عصى معبوده، وقَد قال رجل للحَسَن البصري ﵀: إنك مُتكَبِّر!، فقال: (لستُ بِمُتكَبِّرٍ ولكني عَزِيز) (٢) - وقدْ تقدَّم ذِكْرُه -. فمِنْ مَواهبِ اللهِ لِعِبَادِه الصالحين أنْ يجعل في قلوبهم النُّفْرَةِ والبغض لِمَن عصاه، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقد

стр. 71

قال عَليُّ بنُ أبي طَالب ﵁: (مَن أراد عِزاً بلا سلطان وكثرةً بلا عشيرة وغِنى بِلاَ مَالٍ فليتحوَّل من ذُلِّ المعصِيَةِ إلى عِزِّ الطَّاعَة) (١). ولِهَذا قال مُحمَّد بن الوَرَّاق: هَاكَ الدَّلِيلَ لِمَنْ أرَا ... دَ غِنىً يَدُومُ بِغَيْرِ مَالِ وَأرَادَ عِزَّاً لَمْ تُوَطِّـ ... ـدُهُ العَشَائِرُ بِالْقِتَالِ وَمَهَابَةً مِنْ غَيْرِ سُلْـ ... ـطَانٍ، وَجَاهاً فِي الرِّجَالِ فَلْيَعْتَصِمْ بِدُخُولِهِ ... فِي عِزِّ طَاعَةِ ذِي الْجَلاَلِ وَخُرُوجِهِ مِنْ ذِلَّةِ الْـ ... ـعَاصِي لَهُ فِي كُلِّ حَالِ (٢) ويكفي في ذلك ما جاءَ في الحديثِ الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: (الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) (٣). فلْيُفَتِّش العبدُ عن نَفْسِه وَليحْذَر مَنْ ألِفَ العُصَاةَ ولَم يجد في نفْسه نفرةً منهم لأنَّ ذلك مِنْ التشاكل والتعارف، وقد يَغْتر بعضُنَا بأنه وإنْ لَمْ يبغضهم لكن هو ليس يعمل بِمَعْصِيَتِهم فيقال: قَدْ يكون فيه أعظم منها وهو لاَ يَشْعر!، فقد ذَكَر بعضُ أهلِ العِلْم أنَّ

стр. 72

الكبائرَ الباطنة أعظم من الكبائر الظاهرة، وذلك مثل الرياء والعُجْب والحسَد ونحو ذلك (١)، والْمُرَاد أنه لاَبُدَّ من وجودِ النُّفْرَةِ والبغض لِعِلَّةِ عدم التَّجَانُسِ والْمُشَاكلة، وإلاَّ فإنَّ الأمرَ خطير. وللمُدَاهنة والمخالطة أضرار تضُرُّ الفاعل وتتعدَّى لِغَيْره؛ ولذلك يقول محمد الزمزمي: (ولاَ نُبَالِي بعد ذلك بِطَعن الْمُدَاهنين والْمُجاملين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض الذين يزعمون الحكمةَ والسِّيَاسةَ والْخُلُقَ والصَّبر والتسامُحَ مع أهلِ الضَّلال والظُّلم والزيغ والبِدَع والْخُرَافَاتِ والأهواءِ لكنهم إذا مَسَّهم أحدٌ من المسلمين الصادقين الموحِّدين في أمْرٍ من أمورهم الدنيوية انقلبوا وُحُوشاً ضَارية مُفترسة لاَ يَرقبون فيه إلاًّ ولاَ ذِمَّة ولو كَانَ مِن المقربين!؛ وَلَعَمْرُ الله إنَّ ضررَ هؤلاءِ لعظيمٌ، والبلية بهم شديدة لأنَّ العَامَّةَ يغترون بهم ويغترون بِمَن يداهنونهم فيظنونَ أنَّ أولئك على حَقٍّ وعلى خير فيما سكتوا عنه من الظلم والبِدَعِ والمعاصي والْمُشَاقَّةِ لله ولرسوله، فيعتمد العامَّةُ على ذلك فَيَضِلُّون فتكون تَبِعَتُهُم على الْمُداهنين والْمُجَاملين والسَّاكتين والْخَائِفِين من الناس!) انتهى (٢). وقد قال ابنُ عقيل ﵀ في كتابه «الفُنون»: (الصحابة ﵃

стр. 73

آثَرُوا فِرَاقَ أنفُسِهم لأجلِ مُخَالفاتها للخَالِقِ ، فهذا يقول: " زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي " (١)، ونَحْنُ لا نَسْخُوا أنْ نُقَاطِع أحَداً فيه لِمَكانِ الْمُخَالَفَة!) انتهى (٢). وعن عاصم بن أبي النجود قال: مَرَّ رَجُلٌ من الأنصار على زِرِّ بنِ حُبيش وهو يُؤَذِّن فقال: يا أبا مريم قد كنت أكرمك عن الأذان!؛ فقال: إذَنْ لاَ أُكَلِّمكَ كَلِمَةً حتى تَلْحَق باللهِ) (٣). وقد هَجَر الإمامُ أحمد الْحزامي، وكان الحزامي هذا قد ذَهَبَ إِلَى ابنِ أبِي دُؤَاد، فَلمَّا أتى إلى الإمامِ أحْمَد ﵀ أغْلَقَ البَابَ فِي وَجْهِهِ وَدَخَل (٤). إنَّ مصيبة مصائب العصاة في وقتنا أنهم يُكابرون مَن يُنكر عليهم، وَحُجَّتهم مُقَلَّديهم من مشايخِ ونحوهم فَيحتجون بِفِعْلِهم

стр. 74

وَبِشُبهاتهم التي ضلوا بِهَا وأضلوا مَن قلَّدَهم!، ومعلومٌ أنَّ هذه حُجَجٌ داحِضَة، ولذلك يَرْمُون مُخَالِفَهم بالغُلوِّ والتزمت ونَحو ذلك!، وإذا ترفَّقُوا به رَمَوْه بالْجَهْل!. وقد قال يحيى بن كثير ﵀: (إذا لَقِيتَ صاحبَ بِدعة في طريقٍ فخُذ في طريق آخر) (١). وقال الْحَسَن البصري ﵀: (لا تُجَالس صاحبَ هوى فيَقْذِف فِي قلبك ما تَتْبَعه عليه فتهلك أو تُخَالفه فَيَمْرض قلبك!) (٢). وقال أبو قلابة ﵀: (لاَ تُجَالِسُوا أهلَ الأهواءِ ولاَ تُجَادلوهم؛ فإِنِّي لاَ آمَن أنْ يَغْمِسُوكم فِي ضَلاَلَتِهم، أوْ يُلَبِّسُوا عَليكُم في الدِّينِ مَا لُبِّسَ عَلَيهِمْ!) (٣).

стр. 75

الوسطية، والدِّين يُسر ! إنَّ مِن أعجَب ما يَستدل به الْمُعارِضُون للهَجْرِ هو أنَّ الدِّين وَسَطٌ ويُسْر، وكأنَّ الوَسَطَ واليُسْر غير الذي كان عليه النبي ﷺ والصحابة ﵃، وغير الذي أوْصى بالتمسُّكِ به. وقد كتبتُ قديماً في هذا الموضوع ما سَوف أضيفه هنا لأهَمِّيتِهِ (١): فتأمل الآن الوَسَط ما هُوَ وانظُرْ فهومَ الْمُتبعين أهواءَهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (٢)؛ (أُمَّةً وَسَطًا) أيْ عُدُولاً كمَا فَسَّرها النبي ﷺ بذلك، والمطلوب هنا أنْ نُبيِّن أنَّ كثيراً من الناس إذا رأى أو سَمِع شيئاً من الدِّين مخالفاً لعادته وهواه، ولو كان حقاً أنكره بقوله: " الدين وسط "، أو قال: " خير الأمور أوسَاطها " (٣)،
следующие страницы →