← Фикх общий

Фикх общий · id 36172

إمعان النظر في مشروعية البغض والهجر

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (118 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال عَليُّ بنُ أبي طَالب ﵁: (مَن أراد عِزاً بلا سلطان وكثرةً بلا عشيرة وغِنى بِلاَ مَالٍ فليتحوَّل من ذُلِّ المعصِيَةِ إلى عِزِّ الطَّاعَة) (١). ولِهَذا قال مُحمَّد بن الوَرَّاق: هَاكَ الدَّلِيلَ لِمَنْ أرَا ... دَ غِنىً يَدُومُ بِغَيْرِ مَالِ وَأرَادَ عِزَّاً لَمْ تُوَطِّـ ... ـدُهُ العَشَائِرُ بِالْقِتَالِ وَمَهَابَةً مِنْ غَيْرِ سُلْـ ... ـطَانٍ، وَجَاهاً فِي الرِّجَالِ فَلْيَعْتَصِمْ بِدُخُولِهِ ... فِي عِزِّ طَاعَةِ ذِي الْجَلاَلِ وَخُرُوجِهِ مِنْ ذِلَّةِ الْـ ... ـعَاصِي لَهُ فِي كُلِّ حَالِ (٢) ويكفي في ذلك ما جاءَ في الحديثِ الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: (الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) (٣). فلْيُفَتِّش العبدُ عن نَفْسِه وَليحْذَر مَنْ ألِفَ العُصَاةَ ولَم يجد في نفْسه نفرةً منهم لأنَّ ذلك مِنْ التشاكل والتعارف، وقد يَغْتر بعضُنَا بأنه وإنْ لَمْ يبغضهم لكن هو ليس يعمل بِمَعْصِيَتِهم فيقال: قَدْ يكون فيه أعظم منها وهو لاَ يَشْعر!، فقد ذَكَر بعضُ أهلِ العِلْم أنَّ

стр. 72

الكبائرَ الباطنة أعظم من الكبائر الظاهرة، وذلك مثل الرياء والعُجْب والحسَد ونحو ذلك (١)، والْمُرَاد أنه لاَبُدَّ من وجودِ النُّفْرَةِ والبغض لِعِلَّةِ عدم التَّجَانُسِ والْمُشَاكلة، وإلاَّ فإنَّ الأمرَ خطير. وللمُدَاهنة والمخالطة أضرار تضُرُّ الفاعل وتتعدَّى لِغَيْره؛ ولذلك يقول محمد الزمزمي: (ولاَ نُبَالِي بعد ذلك بِطَعن الْمُدَاهنين والْمُجاملين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض الذين يزعمون الحكمةَ والسِّيَاسةَ والْخُلُقَ والصَّبر والتسامُحَ مع أهلِ الضَّلال والظُّلم والزيغ والبِدَع والْخُرَافَاتِ والأهواءِ لكنهم إذا مَسَّهم أحدٌ من المسلمين الصادقين الموحِّدين في أمْرٍ من أمورهم الدنيوية انقلبوا وُحُوشاً ضَارية مُفترسة لاَ يَرقبون فيه إلاًّ ولاَ ذِمَّة ولو كَانَ مِن المقربين!؛ وَلَعَمْرُ الله إنَّ ضررَ هؤلاءِ لعظيمٌ، والبلية بهم شديدة لأنَّ العَامَّةَ يغترون بهم ويغترون بِمَن يداهنونهم فيظنونَ أنَّ أولئك على حَقٍّ وعلى خير فيما سكتوا عنه من الظلم والبِدَعِ والمعاصي والْمُشَاقَّةِ لله ولرسوله، فيعتمد العامَّةُ على ذلك فَيَضِلُّون فتكون تَبِعَتُهُم على الْمُداهنين والْمُجَاملين والسَّاكتين والْخَائِفِين من الناس!) انتهى (٢). وقد قال ابنُ عقيل ﵀ في كتابه «الفُنون»: (الصحابة ﵃

стр. 73

آثَرُوا فِرَاقَ أنفُسِهم لأجلِ مُخَالفاتها للخَالِقِ ، فهذا يقول: " زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي " (١)، ونَحْنُ لا نَسْخُوا أنْ نُقَاطِع أحَداً فيه لِمَكانِ الْمُخَالَفَة!) انتهى (٢). وعن عاصم بن أبي النجود قال: مَرَّ رَجُلٌ من الأنصار على زِرِّ بنِ حُبيش وهو يُؤَذِّن فقال: يا أبا مريم قد كنت أكرمك عن الأذان!؛ فقال: إذَنْ لاَ أُكَلِّمكَ كَلِمَةً حتى تَلْحَق باللهِ) (٣). وقد هَجَر الإمامُ أحمد الْحزامي، وكان الحزامي هذا قد ذَهَبَ إِلَى ابنِ أبِي دُؤَاد، فَلمَّا أتى إلى الإمامِ أحْمَد ﵀ أغْلَقَ البَابَ فِي وَجْهِهِ وَدَخَل (٤). إنَّ مصيبة مصائب العصاة في وقتنا أنهم يُكابرون مَن يُنكر عليهم، وَحُجَّتهم مُقَلَّديهم من مشايخِ ونحوهم فَيحتجون بِفِعْلِهم

стр. 74

وَبِشُبهاتهم التي ضلوا بِهَا وأضلوا مَن قلَّدَهم!، ومعلومٌ أنَّ هذه حُجَجٌ داحِضَة، ولذلك يَرْمُون مُخَالِفَهم بالغُلوِّ والتزمت ونَحو ذلك!، وإذا ترفَّقُوا به رَمَوْه بالْجَهْل!. وقد قال يحيى بن كثير ﵀: (إذا لَقِيتَ صاحبَ بِدعة في طريقٍ فخُذ في طريق آخر) (١). وقال الْحَسَن البصري ﵀: (لا تُجَالس صاحبَ هوى فيَقْذِف فِي قلبك ما تَتْبَعه عليه فتهلك أو تُخَالفه فَيَمْرض قلبك!) (٢). وقال أبو قلابة ﵀: (لاَ تُجَالِسُوا أهلَ الأهواءِ ولاَ تُجَادلوهم؛ فإِنِّي لاَ آمَن أنْ يَغْمِسُوكم فِي ضَلاَلَتِهم، أوْ يُلَبِّسُوا عَليكُم في الدِّينِ مَا لُبِّسَ عَلَيهِمْ!) (٣).

стр. 75

الوسطية، والدِّين يُسر ! إنَّ مِن أعجَب ما يَستدل به الْمُعارِضُون للهَجْرِ هو أنَّ الدِّين وَسَطٌ ويُسْر، وكأنَّ الوَسَطَ واليُسْر غير الذي كان عليه النبي ﷺ والصحابة ﵃، وغير الذي أوْصى بالتمسُّكِ به. وقد كتبتُ قديماً في هذا الموضوع ما سَوف أضيفه هنا لأهَمِّيتِهِ (١): فتأمل الآن الوَسَط ما هُوَ وانظُرْ فهومَ الْمُتبعين أهواءَهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (٢)؛ (أُمَّةً وَسَطًا) أيْ عُدُولاً كمَا فَسَّرها النبي ﷺ بذلك، والمطلوب هنا أنْ نُبيِّن أنَّ كثيراً من الناس إذا رأى أو سَمِع شيئاً من الدِّين مخالفاً لعادته وهواه، ولو كان حقاً أنكره بقوله: " الدين وسط "، أو قال: " خير الأمور أوسَاطها " (٣)،

стр. 76

فالجاهل إذا سَمِعَه ظنَّ ذلك مُنكَراً بِحُجَّة أنَّ الدِّين وسَط، فيرمي الْمُتدين بكل بَلِيَّة لأنه تاركٌ للوَسَطِ زائدٌ عليه بِزَعْمِهِ. والكلام في هذا أنَّ هؤلاء يقولون ألفاظاً مُجْمَلة لاَ تدل على مقصودهم الذي هو الطعن على الْمُتدين والتشنيع عليه. فَيُقَال: نَعَم، إنَّ الدِّينَ وسَط، وخير الأمور أوساطها، ولا ننازع في ذلك فنحن نقوله ونأمر به، ونعوذ بالله أن نُجادل عمَّن غَلاَ في الدين وتعدى الوسَط، لكن الشأن في هذا الوسَط ما هو؟!؛ هل هو ما يقتضيه العقل أوْ ما عليه أهل الزمان؟!. فالدِّينُ الوَسَط وخير الأموُرِ هو ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، وهو فِعْل مَا أمرَ به واجْتِنَاب ما نَهَى عنه؛ فهذا هو الوسَط وهو الذي أُمِرْنَا بِهِ بِلاَ زيادةٍ ولا نُقْصَان. أمَّا إذا زَعَمْتَ أنَّ الوَسَط هو مَا تَهْواه نفْسُك، وما تعوَّدْتَه أنتَ وأهلُ وقتك، فأنتَ مُشَرِّعٌ في الدِّين ما لَم يأذَن به الله!، كذلك فأنتَ قَادِحٌ بِمَا عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسَانٍ حيثُ لَمْ يكُن دِينهم وَسَطًا - كمَا تزْعُم - وإِنَّما جِئْتَ أنتَ تُبين للناسِ الوَسَط!، فَهَذا مِن جِنْسِ الضَّلال بتجديدِ الدِّين والخطابِ الدِّيني - وقد تقدَّم بيانُ ذلك وللهِ الحمْد -. وَلَمَّا قِيلَ لِوَاحِدٍ من هؤلاء الْمُفَرِّطِين - وكان يَقُصُّ لِحْيَتَه وَيَدَع منها شيئاً قليلاً -: " هذا لا يَحِلُّ لك " قال: " خير الأمور أوسَاطها "!،

стр. 77

فانظُرْ كيف يَحتج؟!، فقد أتى بكلام حق، لكن مُرَاده باطل، فهو رأى حالِقَ لِحْيَته ومُعْفِيها فأخذ طريقاً متوسِّطاً بينهما - أيْ مُتَوسِّطاً بين توفير شَعْر اللحية كله وبين إزالته كله - وقال له شيطانه: " هذا خير الأمور، وهو الوسَط "!، فَصَار فِعْلُ المأمور وهو إعفاء اللِّحْية ليس هو الوَسَط!. فهذا وَزَنَ أمورَ الشَّرع بِعَقله القاصر وفهمه الخاسر!، ولو أقرَّ بمعصيته ولَم يستدل بهذا الكلام لكان خيراً له، لأنَّ معناه أنَّ النبي ﷺ ومَن أطاعه فِي توفير لِحْيَتِه ليسُوا على خير الأمور الذي هو أوساطها، ولو كان ميزان الشَّرع هكذا بعقول الناس لضاع الدِّين!. وَيُقَال لِهَذا الأحْمَقِ: إنَّ إنساناً رأى مَن لا يَصُوم " رَمَضانَ " كُلَّه، ورأى مَن يصومَه كلَّه، فصَام هو نِصْفه فقط وقال: " خير الأمور أوساطها " فماذا تقول؟!؛ سيقول: " هذا لاَ يَجُوز " فيقال له: ولِمَ؟!؛ فسيقول: " لِأنَّ الرسولَ أمرَ بِصِيَام شهرِ رمضانَ كلِّه "؛ فيقال له: وكذلك اللحية أمر الرسول ﷺ بإعفائِهَا كُلِّها، وليس خير الأمور وأوساطها ما تَخَيَّلته، بل خير الأمور وأوساطها هو إعفاؤك لِحْيَتَك كُلَّها كما كان النبي ﷺ يفعل وبه يأمر، كذلك الشأن في صيام رمضان فخير الأمور أوساطها بصيامهِ كلِّه.

стр. 78

ذلك لأنَّ ما كانَ عليه النبي ﷺ وما أمر به هو خير الأمور وأوساطها، فمَا زادَ عن ذلك فهو غُلُوٌّ، وَمَا نَقَص عنه فهو تَفْرِيطٌ!؛ فهذا هو الميزان الضَّابط لِهَذه الأمور وغيرها وليس عقلك وهواك!. ولذلك فقد تبين أنَّ لفظَ الغلوِّ والتشديد، وكذلك الوسَط ونحو ذلك مِمَّا يقوله الْمُبْطِلُون ويقصُدون به دفعَ الْحَقِّ وردَّه والتلبيس على الجهلة له قيودٌ وموازين خِلاَف ما يَهْوَوْن. وقد قال شيخ الإسلام ﵀: (ولكن كثير من الناس يزعم أنَّ لِظَاهر الآية معنى إمَّا معنى يعتقده، وإمَّا معنىً باطلاً فيحتاج إلَى تأويله، ويكون ما قاله باطِلاً لا تدل الآية على معتقده، ولا على المعنى الباطل، وهذا كثير جِدًّا!) انتهى (١). كذلك فإنَّ هؤلاء يبحثون عن آيةٍ أو حديثٍ يَرَدُّونَ بذلك الحقَّ ويصدون به الخلْقَ وَيُوهِمُون أنَّ ذلك يَدُل على مُرَادِهِم وليس كذلك: وَقُلْ لِلْعُيُونِ العُمْيِ لِلشَّمْسِ أعْيُنٌ ... سِوَاكِ تَرَاهَا فِي مَغِيبٍ وَمَطْلَعِ وَسَامِحْ نُفُوساً أطْفَأَ اللَّهُ نُورَهَا ... بِأَهْوَائِهَا لاَ تَسْتَفِيقُ وَلاَ تَعِي! فالواجِبُ رَدُّ مَا يَتَكَلَّم الناس فيه إلَى الكِتَابِ والسُّنَّةِ، لأنَّ هذا

стр. 79

هو الأصل، وهو الْمِيزَانُ لِمَعرفَةِ الْحَقِّ والبَاطل. وقد قال شيخ الإسلام ﵀: (فالواجب أنْ يُجعل ما أنزلَ الله من الكتاب والحكمة أصْلاً في جَمِيعِ هذه الأمور، ثم يُردُّ ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويُبيِّن ما في الألفاظ المجملة من المعاني الْمُوَافقةِ للكتاب والسُّنَّةِ فَتُقْبَل، وما فيها من المعانِي المخالفة للكتاب والسُّنَّة فتُرَدُّ) انتهى (١). وهكذا فَعَلْنا - وللهِ الْحَمْد - على مقتضى هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام ﵀، أمَّا الظَّن واتباع الهوى فإنه لا يغني من الحق شيئاً!. ومن ذلك أيضاً احتجاج أهل الباطِل بأنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وليس مرادهم ما أراد الله ورسوله بذلك، وإنَّمَا يَحْتَجُّون بهذا على ما يَرتكبونَ من الْمُحَرَّمَاتِ ويتركونه من الواجبات، فإذَا أنكر عليهم مُنْكِرٌ قالوا: " الدِّين يُسْر "!. فَيُقَال لَهُمْ: صحيحٌ أنَّ الدينَ يُسْر، فقد أباح الله لك أكلَ الْمَيْتَةِ إنْ خِفْتَ على نَفْسِك الهلاكَ، وكذلك إذا لَم تَجِد الماءَ للطهارةِ فقد أباح الله لك التيمُّمَ، وإذا لَم تستطع أنْ تُصَلِّي قائماً فعَلَى حَسَبِ استطاعتك تُصَلِّي؛ بل أعظم من هذا كلِّه فقد أباح الله لك أن تقولَ كَلِمَةَ الكُفْر بِشَرط اطمئنان قَلْبِك بالإِيِمَان إذا خِفْتَ على نَفْسِك

стр. 80

الهلاكَ!؛ فهذا من اليسْرِ - والحمد لله على تيسيره. وبالْجُملة فالدِّين كلُّه يُسْر حتى الذي جعلته أنتَ عُسْراً هو يُسْر، ولكنَّك لَمْ تَعْرِفه على حقيقته - كما سيتَّضِح ذلك إن شاء الله تعالى -. ثم يُقال: ماذا تريد بالدِّين الذي هو يُسْر؟!، فهل هو الذي جاء به النبي ﷺ من عند الله، أم تريد به دينَ الناس على حسَبِ أهوائهم وأزمانهم؟!. فإنْ قال: " أقصد الدِّينَ الذي جاء به النبي ﷺ من عند الله ". فيقال له: أتريد باليسْر أنه يُجَاري الناسَ ورغباتهم وانحرافاتهم بحيث إذا اعترضَ طريقَهُم أمْرٌ مُنْكَر في الدِّين قالوا: " الدِّين يُسْر " وفعلوا ما شاءوا؟!، فهذا خِلاَف الدِّينِ الذي جاء به النبي ﷺ ، وقد حذَّرنا ﷺ من التغيير والتبديل والزيادة والنقص عما كان عليه، وأدلة ذلك أكثر من أنْ تُحْصَر، وهي معروفةٌ مَشهورةٌ. وإنْ قال: " أقصد الدِّينَ الذي عليه الناس "، يُبيَّن لَه - كمَا تَقَدَّم - أنه ليس لنا أنْ نُغيِّر في الدين لأجل أهواء الناس، وليس الدين الحق إذا أُطلق هو ما عليه الناس في كل زمَان، بل هو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃. والعجيب أنَّ مُدَّعي العُسْر والشِّدَّة للأمر الذي يخالف هواه من الدين هو الذي وقع في العُسْر والتشديد من حيث لا يَشْعر، وهذا

стр. 81

من آيات الله الدَّالَّةِ على رحمته بعباده وإحسانه إليهم وعلى الثواب والعقاب، فقد ذَكَر أهلُ العلمِ أنَّ الذنوبَ والمعاصي يَجِد لَهَا الإنسان لذَّة، وهذا مَحْسُوس، وَيَصِفُون ذلك بلذَّةِ حَكِّ الْجَرَبِ ونحوه، وأكلُ الجائعِ الطعامَ الشهيَّ المسْمُوم (١). فتأمَّلْ عاقبةَ ذلك، فَحَكُّ الْجَرَبِ ونحوه فيه لَذَّة، ولولاَ إحساس المصاب به بلذته لَمَا فَعَلَهُ، غير أنَّ الألَمَ يتضاعف ويزيد وإنْ سَكَن في تلك الساعة، أمَّا الطعام المسموم فعاقبةُ أكْلِهِ ظَاهِرَة مع أنه شَهِيٌّ لذيذ. وقد يقول بعض الناس: " أنَا لاَ أجِد هذه الآثار الْمُترتبة على الذُّنوب ". فيقال له: هذه الآثار السَّيئة الْمُؤْلِمَة موجودة، ولكن غَرَقَكَ في لذَّاتك وشهواتك يُواريها عنك، وإلاَّ فهي موجودة وتعمل عَمَلَها، وإنْ شِئْتَ أنْ تعرف بعضَ ذلك فانظر عندما تفقِدْ مَا تَعَلَّقَه قلبك من هواك مِمَّا هو غير مُرْضٍ لربِّك فَسَتَعْرِف ما كُنتَ فيه!، أمَّا إذا تركته من خَوفِ اللهِ فالله أكرم مِن أنْ يُعَذِّب قلبك به، بل يُبْدِلَك بذلك سُروراً وَفَرَحاً؛ فيعَوِّضَك بِخَيرٍ مِمَّا تَرَكْتَه مِن أجْلِهِ. وأعظم ما تَظْهَرُ هذهِ الآلامُ عِندَ مُفَارقة الْحَيَاةِ، وما بعد ذلك

стр. 82

حينما يفارق الإنسان شهواته وملذَّاتِه، ويستقبل عقوبات ذلك وتبعاته، قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (١). وعليه، فَقد تبيَّن أن الذي يَفِرُّ مِمَّا زَعم أنه عُسْر وشدَّة قَد وقَع فيما لاَ يَخْطُرُ على بَالِهِ من الشِّدة والعُسْر، وكُلٌّ بِحَسَبِهِ. وَإِنَّمَا يتضِحُ ذلك بِمَعرفة الأمر والنهي الشرعي، هل هو مُجَرَّد تكليفٍ، أم أنه رَحْمَةٌ وإحسانٌ، وموافقته لروح الإنسانِ وَقلْبِهِ أعظم مِنْ موافقةِ الأغذية الطَّيِّبَةِ لِبَدَنِهِ؟!. فمَن أراد معرفةَ هذا فلينظر في " الجزء الثاني " مِن «مفتاح دار السعادة» و «مدارج السالكين»، ومواضع كثيرة من كتب ابن القيِّم ﵀ حيث يبيِّن فيها هذا الأصل العظيم أحسَن بيانٍ، وهو أنَّ سَعادةَ الإنسانِ في الدنيا - وقبل الآخرة - وسُروره وانشراح صَدره هو بالتزامِ مَا أمرَ الله به واجتناب ما نَهَى عنه، كما قال في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٢) أنه في الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة (٣)؛ فهذا النعيم في الدنيا إنما حصل لَهم لِمُوافقة طاعة ربِّهم ورسوله لقلوبهم خِلاَف ما يَظُنُّ الْمُنحَرِفوُنَ أنه عُسْرٌ وتشديد وَيَدْعُونَ إِلَى مَا يُسمُّونه بالاعتدال - أيْ مُجَاراة كل حادثة بإلباسها لباس الدين لتصير غصبًا: «إسلامية» -!.

стр. 83

وقد وَصَف ابنُ القيم ﵀ محبةَ العبدِ لربه: أنها للقلْبِ مثل النور الباصِرِ للعَين (١)، فالعين إذا فقَدَت هذا النورَ تألَّمَت، وهذا تَمْثيل وإلاَّ فإنَّ الأمرَ أجلُّ من ذلك وأعظم، لأن القلب إنَِّما خُلِقَ لِهَذه الْمَحبة، فإذا فَقَدَهَا فهو مُعَذَّبٌ!. وإذا فَهِمْنَا هذا كَمَا يَنبغي اتضحَ لنا فَهْمُ العُسْرِ واليسْرِ في الدِّين وأنه كما في المثل: " على نفْسِها تَجْنِي بَراقش "!. كذلك يتضح لنا فَهْمُ اليسْرِ وأنه ما جاء به الرَّسُول ﷺ دون تغيير ولاَ زِيادةٍ ولا نُقصَانٍ، وذلك في كلِّ زمَانٍ ومَكَانٍ. وَلَمَّا ثَقُلَ على أكثر الناس الهجْرُ الديني والتغليظ على العُصَاةِ لأنَّ الجميعَ وَقَعَ في المخَالَفَات، فَمُقِلٌّ وَمُسْتكْثِرٌ لَجَئُوا إلى حِيَلٍ يَحتالونها على هذا الأمر العظيم لِيضْعِفُوه ويُوهِنوا جَانِبَه، بَل وليبلطوه بالكلية، فأحياناً يَنْسبون الغِلْظَةَ على العُصَاةِ لِلْغُلُوِّ والتشديد، وأحيانا لِطَبِيعَةِ الشخص ومزاجه وجهله، كذلك يستدلون بأدِلَّةٍ ليس لهم فيها حجة، ولا تدل على مقصودهم، ولاَ تخدم أغراضَهُم مثل قِصَّةِ الأعرابِي الذي بَالَ في المسجد (٢)، أو قِصَّة الصَّحَابِي الذي تكلَّم في الصلاة (٣)، أو اليهودي الذي زاره

стр. 84

النبي ﷺ (١)، وأمثال ذلك يستدِلُّونَ به على إبطالِ الغضَبِ لله تعالى، والتغليظ على العصاة المخالفين لأمر الله . وَيَتنَاَسون ويتجاهلون غَضَبَ النبي ﷺ إذا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُ الله وأنه لاَ يقومُ لِغَضَبِه شَيءٌ (٢)، وكذلك هَجْرَهُ لبعض أصحابه مثل الثلاثة الذين تَخَلَّفُوا عن غزوةِ تَبوُك (٣)، وهجْرَه بعضَ زَوْجَاتِهِ (٤)، وَتَلَوُّنُ وَجْهِهِ وَغَضَبه لَمَّا رأى السِّترَ الذي فيه الصُّوَر (٥)؛ وغير

стр. 85

ذلك مِمَّا هو مِثله لاَ يَذكُرونه ولاَ يَعتبرون بِهِ لأنه يُخَالِفُ الْهَوى!. وَحتَّى هذا الذي يَحتجون به على عدم التغليظِ على العُصَاة وعدم الْهَجْر لاَ يدل على مُرادهم، فالأعرابي الذي بال في المسجد ولم يُغلِّظ عليه النبي ﷺ كان لاَ يَعرف المسجد ولاَ الصَّلاة حتى يُنتهَر ويُغلَّظ عليه، كذلك قد يتضرر بانتهارِه وَيُلَوِّث مساحةً أكبر من المسجد، فَحَسُنَ هنا الرفقُ به، ولتأليفه على الإسلام - أيضاً - لأنَّ الإسلام في أوله، فهو لا يعرف للمسجد حُرْمَة ولاَ فَرْقَ عنده بينه وبين معاطن الإبل!، لكن لو فعل هذا الفعل أحد اليوم هل يُعَامَل بِمِثْل هذا الذي عامله به النبي ﷺ ؟!؛ هذا قياس فاسِد لأنه لا يَخفى على أحدٍ ما للمسجد من الْحُرْمَة والتطهير والتنْزِيه عمَّا هو دون ذلك وأنَّ مِثل هذا الفعل عظيم بخلاف حال ذلك الأعرابي للأسباب التي ذَكَرْنا، ومَن يفعل كفِعلَتِهِ فإنه يُتْرك حتى يَفْرغ لئلا يُلَوِّث مكاناً أكبر من المسجد، ثُمَّ يُردَع وَيُغلَّظ عليه وَيُعَزَّر، وهل يفعل هذا اليوم إلاَّ مُجْرم أو مجنون!؛ وهل ذلك إلاَّ تسهيلاً لانتهاك محارم الله وفتح أبواب الاستهانة بها بحجة أنَّ أعرابياً بال في مسجد رسول الله ولَمْ يُغَلَّظ عليه، وهل الاحتجاج بذلك إلاَّ تَمييعاً للدين وتهويناً لشأنه!.

стр. 86

أمَا أوْحى الله إلى يوشع بن نون أني مُهْلِك من قومك أربعينَ ألْفاً من خِيَارِهم وَسِتِّين ألفاً من شِرَارِهم، فقال: " يا رَبُّ؛ هؤلاء الأشرَار، فمَا بالُ الأخيَار؟! "، قال: (إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وَكَانوُا يُواكِلُونَهُمْ وَيُشَارِبُونَهُمْ)؟! (١). فالْمَطلوبُ أنْ نُفَرِّق بين أول الإسلام وَخَفَاء أحكامه على كثير من الناس، وكذلك تأليفهم على الإسلام وبين اليوم، ولأنَّ مَن لا يدري ليس كمَن يدري، فالْمُخَالفات اليوم تُرتكب على عِلْمٍ وبإصْرار!؛ ويُوضح ذلك أنَّ النبي ﷺ عَزَل إماماً لأجل بُصَاقِهِ في القِبْلة وقال لأهل المسجد: (لاَ تُصَلُّوا خَلْفَهُ)، فَجاء إلَى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله .. أنتَ نَهَيتهم أنْ يُصَلُّوا خَلْفي؟!؛ فقال النبي ﷺ : (نَعَمْ، إِنكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!) (٢). فانظُرْ كيف غَلَّظ عليه النبي ﷺ بأنواعٍ من التغليظِ الشديد، فإنه عَزَله عن الإمامة، ونَهَى أهلَ المسجدِ أنْ يُصلُّوا خَلْفَه، وأعظم من ذلك قوله ﷺ : (نَعَمْ إِنكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!)؛ وهذا كله

стр. 87

لأجْلِ بُصاقٍ فِي جِهَةِ القِبلة (١)!؛ لكن أهل وقتنا لا يُرِيدون مثل هذا لأنه لا يُناسبهم، ونحن ليس لنا أنْ نُغَيِّر الدِّينَ على مُقتضى الأهواءِ والآراءِ والأزمان، كذلك نَعُوذُ باللهِ أنْ ندعو إلى الشِّدَّةِ، ونلتمس الأدلةَ التي تدل على ذلك لنَشُد بِها ما نقول؛ فنكون نحن ومَن يَسْتدلون على التساهل كَطَرَفَيْ نقيض، بل مُرادنا الحق وأن نبيِّن فسادَ دعاويهم الباطلة وفسادَ استدلالهم بالأدلة التي يُوهِمُون أنَّهَا تُسَاعِدُهم؛ فَلِلْغِلْظَةِ مَقامٌ لا يَصلح فيه اللين، كذلك اللِّين له مقامٌ لا تصلح فيه الغِلْظَة، ومَن دَعَا إلى أحدهما وتَرَك الآخرَ فَهُوَ مُبْطِلٌ. وقد كان النبي ﷺ ذاتَ مرَّةٍ على ظَهْرِ دَابته، وأمَرَ مَن معه أنْ يُصلوا على ظهور دوابهم فوثَب رَجُلٌ عن ظهر دابته فصَلَّى على الأرض فقال النبي ﷺ : (مُخَالِفٌ خَالَفَ اللَّهُ بِهِ) فلم يَمُتْ حتى ارتدَّ عن الإسلام (٢)؛ فتأمَّل هذا التغليظَ مع أنَّ الرَّجُلَ فَعَلَ فِعْلاَ مَشروعاً لكنه في غير موضعه وَأَوَانِه مع مُخالفته نَبيه وهو برأيه هذا يريد الْمُبالَغة بالتعبُّد فَصَار مُخَالَفَةً عظيمةً في هذا الموضِعِ والوقتِ، ونحن لا نَخَافُ مِن شَيء وكأنَّ النجاةَ مضمونةٌ لَنا!.

стр. 88

كذلك رَفْعُ البصَرِ في الصلاة، فقد قال ﷺ : (مَا بَالُ أقوامٍ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ) فاشْتَدَّ قوله في ذلك حتى قال: (لينتَهُنَّ عَنْ ذلك أوْ لَتُخْطَفَنَّ أبصَارُهُمْ) (١). وقال ﷺ : (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ لا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) (٢)؛ هذا إخلال في الصلاة، وهو في نظر كثير من الناس يسير!، ولكنْ تأمَّل التغليظ، فمَا بَالك بِمَنْ لاَ يُصَلِّي بالكُلِّية؟!. فَمِن اتباع الْهَوى وإفساد الدين أنْ ينظر الإنسان من جانب ويدع الجانب الآخر، بل يتهجَّم على مَن عَمِل بِمُقتضاه وَيَصِفُه بأشنع الأوصاف، ويحتجون أيضاً على التساهل بالصَّحَابِي الذي تكلَّم بالصلاة (٣). فالصَّحابي الذي تكلم في الصلاة هو كذلك لا يدري أنه لا يَحِل الكلام فيها، لأنهم كانوا يتكلَّمُون فيها في أول الأمر حتى نُهُوا عن

стр. 89

ذلك ولَمْ يَبلُغْه النهي، فَحَسُنَ تعليمه برِفْق، فلو تكلم اليوم إنسان في الصلاة، هل يكون مثل هذا، فلا ينتهر ولا يغلظ عليه؟ فلابد من معرفة تباين الأحوال لتغاير صور مثل هذه الأحكام. أما اليهودي الذي زاره النبي ﷺ (١)، فالنبي ﷺ جاءَ إليه يَدْعُوه إلى الإسلام، ومن استدل بِهَذا على مداهنة العصاة ومجالستهم وموادَّتِهم فَضْلاً عن الكفار فقد قال أعظم الفرية على الدين، وكذب على النبي ﷺ فقد كان اليهودي في النَّزْع، فدعاه ﷺ إلى الإسلام فأسْلَم، وكان هذا عمله ﷺ يأتي المشركين وأهل الكتاب، ويدعوهم إلى الله تعالى، وليس هو يُوَادهم ويأنس بِمُجَالَسَتِهم!؛ هذا لا يقوله مُسلم، كيف وقد أنزل الله تعالى عليه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وَلِمُفْتَرٍ أنْ يقول: " إنَّ مُوسَى زَارَ فِرعَون " - لَمَّا ذَهب إليه يدعوه إِلى رَبِّه - فهي مِثْل ذَهاب النبي ﷺ لليهودي ودَعْوَتِه إلى الله تعالى!.

стр. 90

وإنَّ أمر الناس في هذا الزمان عجيبٌ! حيث إنَّ كلَّ أحدٍ من المتميعين يذكر بول الأعرابي في الْمَسْجِد!، وكلٌّ منهم يذكر زيارة النبي ﷺ لليهودي!، هكذا يسمونها زيارة، ولا يَذكرُونَ الداعي لذلك، فهم يفهمون فُهُوماً تتناسب مع انحرافهم!، بل يُكيِّفُون أفهامَهُم على ذلك!، ولا يُطيقون البغضَ في الله والمعاداةَ فيه، فيذكرون هذه القصص دفعاً للحقِّ، لأنهم هم بأنفسهم مستحقين من الْمَلامة بقدر انحرافهم؛ هذا هو السِّرُّ!، ولذلك يُحاولون إبعادَ هذا الجانب من الدِّين وَثَلْب مَن عَمِل به!. ولو أرَدْنَا أنْ نذكُرَ كلامَ النبي ﷺ وكلامَ الصحابةِ والعلماء بعدهم وأفعالهم مع الكفار والعصاة من المسلمين من البغض والهجر لَطَال الْمَقام!، وذلك - ولله الحمد - مشهور ومعروف ولكنهم يتعامَوْنَ عنه!، فالله المستعان. ولتعلم أنه مُفْتَرٍ وَكَاذِب مَن جَعَل التغليظ والهجر إنَّمَا يَحصُل نتيجة الجهل بالدِّين أو لاختلاف طبائع الناس وأمزجتهم. نعَم، إذَا ثَبَتَ أنَّ أحداً يَزيد في البغْضِ عَن الحدِّ الشرعي مِثْل أنْ يهجر المسلمُ أخاه المسلم فوق ثلاث هَجْراً غير دِينِيٍّ كأنْ يكون بينه وبينه شيء مِمَّا يكون بين الناس؛ فهذا مَنْهِيٌّ عنه لأنَّ هذا في أمور خاصة ودنيوية ليست حقاً لله تعالَى، وقد تقدَّمَ بَيَانُ ذلك، وهو المقصود بنهي النَّبيِّ ﷺ بقوله: (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ

стр. 91

فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ) (١). والحقيقةُ أنَّ زمَانَنَا هذا زمان المداهنة والمصانعة والْمُلاَينة، والسبب كما يُقال: (افْتَضَحُوا فَاصْطَلَحُوا)!. وقد قال ابن القيم ﵀: (وليس الدِّين مجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثر الدَّينين لا يعبئون منها إلاَّ بِمَا شَارَكَهُم فيه عمومُ الناس. وأما الْجِهَاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن الْمُنكَر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونُصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ فهذه الواجبات لا تَخْطُر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها وفضلاً عن أن يفعلوها. وأقل الناس دِيناً وأمقتهم عند الله مَن تَرَك هذه الواجبات وإنْ زَهِد في الدنيا جميعِهَا!؛ وقَلَّ أنْ ترى منهم مَن يَحمَرَّ وجهه ويُمَعِّره لله ويغضب لِحُرُماته ويبذل عرضه في نَصْرِ دِينه، وأصحاب الكبائر أحسَن حالاً عند الله مِن هؤلاء!) انتهى (٢). انظر قوله: (يَحْمَر وَجْهه ويتمعر في الله ويغضب لحرماته)؛ فهذا عند أكثر أهل وقتنا تشنُّجاً وَمَرضاً نفسِيًّا!؛

стр. 92

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١). قال الشيخُ حمد بن عتيق بعد أنْ ذَكَر كلامَ ابن القيم هذا؛ قال ﵀: (فلو قُدِّر أنَّ رَجُلاً يصوم النهار، ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلِّها، وهو مع هذا لا يغضب لله، ولا يتمَعَرُّ وجهُه ولا يحمرُّ، فلا يَأمر بالمعروف، ولاَ ينهى عن المنكَر؛ فهذا الرَّجُل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم دِيناً، وأصحابُ الكبائر أحسن عند الله منه!). ثم قال الشيخ حَمَد ﵀: (وقد حدَّثني مَن لاَ أتَّهِم عن شيخ الإسلام - إمام المسلمين وَمُجَدِّد القرن الثاني عشر - «محمد بن عبد الوهاب» ﵀ أنه قال مَرَّةً: [أرى أُناساً يَجْلِسُون في المساجد على مصاحفهم يقرؤون ويبكون فإذا رأوْا المعروف لَمْ يأمروا به وإذا رأوْا المنكر لَم يَنْهَوْا عنه، وأشوف أناساً يعكُفُون عِندهم يقولون: " هؤلاء لِحَىً غَوَانمِ " وأنا أقول: إنهم لِحَى فَوَايِن]؛ فقال السَّامِع: " أنا ما أقدر أقول: إنهم لِحَى فواين " (٢)، فقال الشيخ: [إنهم من الصُّمِّ البُكْم]؛ ويشهد لِهَذا ما جاء عن بعض السَّلفِ أنَّ الساكت عن الحقِّ شيطان أخرس والمتكلم بالباطل شيطان ناطق) إلى آخره (٣).

стр. 93

تأمَّلْ كلامَ ابن القيم الْمُتقدِّم، وأيضاً كلام الشيخ حمد بن عتيق، ثم كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أجمعين - لِتَعلم قدْرَ ما نحن فيه من الإدبار عن الدِّين!. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ومن عُرِفَ منه التظاهر بترك الواجبات، أو فِعْل المحرمات، فإنه يستحق أنْ يُهجر، ولاَ يُسَلَّم عليه تعزيرًا له على ذلك حتى يتوب!) انتهى (١). وَلَمَّا تَرك غالب الْخَلْق اليوم هذا الجانب العظيم من الدِّين، وَدَخَلوا مداخلَ لاَ تُرضي الله ورسوله ﷺ ، استخدمهم الشيطان في مقاومةِ ذلك، ودَفْعِه وإبطاله وتهجين مَن تَمَسَّك به على حَسَبِه، وَرَمْيه بالْجَهَالة والضلالة والشِّدَّة وغير ذلك!، فالله المستعان. وحتى أقاربِ الإنسان وَرَحِمِه إذا كانوا كُفاراً أو فُجَّاراً - أيْ مسلمين عُصَاة -، فإنه يُقيم أمرَ الله عليهم من البغْضِ والْهَجْر، وقد تقدَّم بيانُ ذلك ولله الحمدُ والْمِنَّة. فتأمَّل كلامَ أهلِ العِلْم الصادقينَ وخُذْ به، ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٢)، واحذَرْ كلَّ الْحَذَر مِمَّن يتكلَّم في الدِّين برأيه

стр. 94

وهواه فإنه فتنةٌ لكل مفتون!، وما أكثرهم في هذا الزمانِ الدجَّالِي!. ولاَ تَعْجَبْ من معاداةِ الناس لأهلِ الْحَقِّ، وتنفيرهم عنهم، وتشنيعهم عليهم؛ فقد قال ابنُ القيم ﵀: (ولاَ يذوقُ العبدُ حلاوةَ الإِيِمان، وطَعْمَ الصِّدق واليقين حتى تَخْرُج الجاهليةُ كُلُّها مِن قَلبه، واللهِ لو تَحَقَّق الناسُ في هذا الزمانِ ذلك مِن قَلْبِ رَجُلٍ لَرَمَوْه عن قوس واحدة، وقالوا " مُبْتَدِع، وَمِن دُعَاة البِدَع "، فإلى الله المشتكى، وهو المسئول الصبر والثبات فلاَبُدَّ مِن لقائه؛ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ (١)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢)) انتهى (٣). تأمَّل قسَمَ «ابن القيم» في زَمَانِه وعلى أيِّ شيءٍ أقسَمَ ﵀!. والحقيقةُ أنَّ (المعروفَ) عند أكثرَ أهلِ وَقْتِنَا هو ما تعارف عليه أمثالهم من الناس وَقَبِلُوه، و (الْمُنكَر) هو مَا أنكروه وردوه. وأمَّا الميزانُ الشرعي الدِّيني فالذي يلتفتُ إليه منهم لا يقبله إلاَّ مِمَّن يُقلِّدهم من الْمُحرِّفين له على مقتضى الأهواء!، فالله المستعان.

стр. 95

حرية الرأي والتعبير إنَّ مِنْ أعجَب مَا يَجْعَل أكثر مَن يَتركُونَ إنكارَ المنكَر والبُغْضَ في الله والْهَجْرَ فيه هو أنَّ (حريةَ الرأي والتعبير) من حقِّ الجميع!، وطالَمَا أنَّ الأمرَ كذلك عند هؤلاءِ فمَا الفائدة مِنْ هجْرِ الْمُخالِفِ الذي هو حرٌّ في رأيه وتعبيره؟!. إنَّها عظائم قد ظَهرَت في عصْرنا لَم يُعهَد لَها مَثيلٌ!، ومنها مَا يُردِّده بعض الأفَّاكيِن مِن قوْلِهِم: (حُرِّية التعبير) و (حرية الرأي)، ومَن اعتقد ذلك فهو كافر لأنَّ معناه أنَّ لكل أحدٍ أن يعتقد ما يشاء ويقول ما يشاء بلاَ ضابط شرعي والله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢). والْمُسلم يَكْفُرُ بِكَلِمَةٍ يقولها، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصَّحِيحِ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) (٣)، وقال ﷺ : (إِنَّ

стр. 96

الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (١)، فهَذِه الكَلمةُ أوْرَدَتْ قائلَها النارَ فانظر حصائدَ الألْسُنِ كيف كانت عواقبها؟!. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: «كَلٌّ يَعْمَلُ فِي دِينِهِ الَّذِي يَشْتَهِي» فَهِيَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْهَا وَإِلاَّ عُوقِبَ؛ بَلْ الإصْرَارُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُوجِبُ الْقَتْلَ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الدِّينِ إلاَّ مَا شَرَعَهُ الله وَرَسُولُهُ دُونَ مَا يَشْتَهِيهِ وَيَهْوَاهُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)، وقال ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤)، وَقَال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٥)). وذَكَر ﵀ آيات أخرى كثيرة بِهَذا الشَّأنِ، ثم قالَ: (فَتَبَيَّنَ أَنَّ

стр. 97

عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَّبِعَ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَلاَ يَجْعَلَ دِينَهُ تَبَعًا لِهَوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) انتهى (١). فتأمَّل ذلك تعلَمْ أنَّ مُرادَ القومِ من (حرية الرأيِ والتعبير) هو الفِرَارُ من الْحِسَاب الشَّرْعِي واتباع الْهَوى!، وذلك في حقيقته دعوة إلى الكفر بحيث مَن أراد أن يتكلم بالكفر فله ذلك باعتبار أنَّ دين إبليس هو (حُرِّية الرأيِ والتعبير) حتى لو قال شَخْصٌ: (الله والشيطانُ وجهانِ لِعُمْلَةٍ واحدة!) - قطع الله لسانه وبَطَشَ به - فله حرية التعبير!، أيْ ينوب عن إبليس!؛ وهؤلاء هُم أهلُ هذا البيتِ الذي قاله ابن القيِّم: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ... فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ! (٢) وهؤلاء إنَّما نادَوْا بِمَا يُسمونه (حرية الرأيِ والتعبير) بعد أنْ نَبَذوا القرآنَ وَرَاء ظهُورِهمْ لِفِتنتهم بالغَرْب الكافِرِ وخوارقه الشَّيطَانية؛ قال شيخ الإسلام ﵀: (فَعَدَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الإِسْلاَمِ إلَى أَنْ نَبَذَ الْقُرْآنَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَاتَّبَعَ مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ، فَلاَ يُعَظِّمُ أَمْرَ الْقُرْآنِ وَنَهْيَهُ وَلاَ يُوَالِي مَنْ أَمَرَ الْقُرْآنُ بِمُوَالاَتِهِ وَلاَ يُعَادِي مَنْ أَمَرَ الْقُرْآنُ بِمُعَادَاتِهِ؛ بَلْ يُعَظِّمُ مَنْ يَأْتِي بِبَعْضِ الْخَوَارِقِ؛ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ؛ لَكِنْ يُعَظِّمُهُ لِهَوَاهُ

стр. 98

وَيُفَضِّلُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ؛ وَهَؤُلاَءِ كُفَّارٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالى فِيهِمْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ .. ﴾ (١)) انتهى (٢). ويُوضِّح مقاصدَ مَن أحدثوا ما سَمَّوْه (حريةَ التعبيرِ) أنه لا مُقَابل له إلاَّ التقيُّد بالشريعة، وهم يقصدون التفَلُّت منها بألاَّ تكون ميزان أقوالهم وأفعالهم، وتأمَّل: (أَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ) وجوابه ﷺ على ذلك حيث جاء في حديث معاذ بن جَبل، وفي آخره قال مُعاذ ﵁: فأخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ بِلِسَانِهِ فقال (كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا)، فقلتُ: يا نبي الله: وإنا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نتكَلَّمَ بِهِ؟!؛ فقال رسول الله ﷺ : (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ!، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!) (٣). وآخِرُ ما بَلَغني عَمَّن يَحتج بِحُرية التعبير أنَّ ضَالاًّ يُترْجِم

стр. 99

(روايةً) تتضمَّن ترويج نظريةَ القِرْد «داروين» الكُفرية الْمَسْخِيَّة (١) بدعوى حرية التعبير!. ومِن هذا البابِ ما زعَمَهُ بعضُ الضُّلاَّلِ وأهلِ النِّفَاق أنَّ مَن كتَب قِصَّةً خَيَالية يُسمُّونَهَا (رِوَايةً) وجعْل بعض شَخصِيَّاتها يَتكَلَّم بكلامِ كُفْرٍ ولَوْ كان سَب الإله سُبحانه أنه لاَ يَكْفُر لأنَّ الشَّخْصِيَّةَ هي التي تَتَحَدَّث مَع أنه ليس هناك شَخْصية بل الرَّاوي هُو الذي تَحَدَّثَ!، فكَانَ كَمَن جَمَع حَشَفاً وسُوءَ كَيْلَةٍ حيثُ اقترف الكَذِب فِي ذِكرِهِ شَخصياتٍ وَهْمِيَّةٍ لاَ حقيقة لَهَا وحَسْبك أنَّ من آياتِ الْمُنافق أنه إذا حدَّثَ كذَبَ! (٢)، وجَمَع مَع كَذِبِهِ سبَّه لله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ (٣)!، ومع ذلك يأتِي بعضُ الْمُنافقين ويزعم بأنه لا بأسَ بذلك طَالَمَا أنَّ كاتِبَه لاَ

стр. 100

يَنسب ذلك لنفْسِه!؛ ولاَ عَجَبَ فَزَمَاننا زمن العجائبِ والغَرائب!؛ وجوابُ هذا أنَّ الكاتب إذا ساقَ ذلك الكلام الكُفْري عن شخصية حقيقيةٍ مُنْكِراً على مَن قاله بحيث يَذكره على سبيل الإنكار فهذا صحيحٌ ومُثابٌ عليه إنْ شاء الله، وأمَّا إنْ أورده على غير سبيل الإنكار ولَم يُنْكِرْه فهو كافرٌ لاسِيَّمَا إذا كَانَ صَادراً عنه ومِنْ نَسيج خيَالِهِ حيثُ طَرحَه كأيِّ كلامٍ لا بأس به!. ويوضِّحُ ذلك أنه لو كَتَبَ إنسَانٌ قِصَّةً خَيالية كَالَّتِي يُسمُّونَها بـ (الرَّاوية) بِحيثُ يكْتُبُ بأنَّ اثنين اختصَمَا في (محمد) ﷺ فقال أحَدُهُمَا: (هو رسولُ اللهِ وأكمَل الناسِ عَقْلاً وأهدَاهُم سَبِيلاً)، فقال الآخر: (بل هو مجنون ولا فرق بينه وبين المجانين)، وأنهى الكاتب القصة أوْ أتى بكلامٍ بعده ولكن لَمْ يَرُدَّ كلام الآخر ويبين أنه كفر فهو بمنزلة الذي وصف النبي ﷺ بالجنون لأنه منتحل لِهَذا الكلام قاصِداً تَروِيِجَه، وهذا بِخَلافِ مَا لوْ أوْرد قصة كافرٍ معلوم كُفره مثل أبي جَهْلٍ وأضرابه وذِكر ما يتكلم به من الكفر، فهذا شيءٌ وذلك شيءٌ آخَر. وَمِثَالٌ آخر: فلو أنَّ اثنين قال أحدهما: (الله حيٌّ موجود)، وقال آخر: (لا وجود لله)، وروى إنسانٌ ذلك كقصة هكذا دون إنكار لقول الثاني فهو إمَّا أنه يُقرِّر هذا الكفر ويروِّجه أو أنه شاكٌّ في هذا

стр. 101

الكفر، والشَّكُّ في هذا كُفْرٌ؛ فما عُذْرُ مَن انتحل قصة صاغها في مُخيَّلته وأنطق بعض شخصياتها الوهمية بالكفر دون بيان أنَّ هذا كُفْر ثُمَّ يقوم بِبَثِّهَا وَنَشْرها؟!، وهذه حيَلٌ خبيثة!. وهل يرضى مَن يُدافِع عن مِثل هذا أن يَكتُب إنسانٌ (رِوايةً) ويَجعله هو أحَد شَخصِيَّاتِهَا ويذكر عنه أنه يتكلم بكلامٍ قبيح أو يعمل عملاً قبيحاً؛ فهل يشفع لهذا الكاتب وينفعه إذا قال: (هذه رواية وشخصياتها هي التي تتحدث)؟!، فإنْ قال: (لا أرضى، وهذه جناية لأنه ذكرني باسمي) فحينئذٍ يُقالُ له: هلْ أنتَ وحتى الْخَلْق كلهم أعزُّ من الله ورسوله؟! .. وكيف إذَنْ تُجَادِل عن أولئك الرُّوَاة الكَذَبة السَّاخرين بالله وَدِينِه، وقد قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (١)؟!. والكلام على تلك الكلمة الكُفرية السَّاقطة (حُرِّية الرأي والتعبير) يحتاج إلى مُؤلَّفٍ مُستقِلٍّ لأنَّ أدِلَّةَ بُطلاَنِهَا وضلالِ قائلِهَا أكثر مِنْ أنْ تُحصَر!، ولكنَّ الْمُراد هنا أنه كيف يَتَّفِق حُبٌّ في الله وبغضٌ فيه وموالاةٌ ومعاداةٌ مع هذه الكلمة الإبليسية؟!، وكيف يَتَّفِق معَها إسْلاَمٌ؟!. ولكَ أنْ تتصوَّر مَجْلِساًَ حَضَرَه النبي ﷺ وجماعة من الصحابة

стр. 102

- ﵃ وغيرهم ثم قال أحدُ الحاضرين: " لاَ بأس بِعِبَادَةِ اللاَّتِ والعُزَّى "، وقال الآخر: " دِينُ اليهودِ حَقٌّ، وَدِينُ النصارى حَقٌّ " وقال ثالثٌ: " قَطْعُ يَدِ السارق وحْشِيَّة فلوْ سُجِن أوْ غُرِّم غَرَامة " ونحو ذلك مِنْ مُعارضةِ التشريع السَّماوي الْمُحَمَّدي، فهَل سيَسْكتُ النبي ﷺ عن هؤلاء أمْ أنه سيغضب ويُنكر عليهم ويُعاقبهم؟!؛ والْجَوَاب: أنه لاَ يقول مُسْلِمٌ: " إنَّ النبي ﷺ لا يَغضب ولا يُنكر عليهم كلهم ويُعاملهم بِمَا يستحقون "؛ فهذا ظاهر، لكن هُمْ سَوف يقولون: " لنا حرية الرأي والتعبير "، فهل تَجِد في شريعتِهِ الْمُطهَّرة أنه ﷺ يُقِرِّهم على هذه الْحُجَّةِ الشيطانية الْهادِمَةِ للمِلِّةِ الإبراهيمية الْمُحمَّدِية أوْ أنه يفعل ﷺ ما يُرضي رَبَّه بِهِم؟!. وعلى هذا فَقِسْ لِتَعْلَم الْمُراد بِهَذه الكلمة!، وَمَعلُومٌ أنَّ هؤلاء المتشدقين بكلمة (حرية الرأي والتعبير) ينقضون أصلَهم لوْ نِيل منهم أوْ سُبُّوا ولاَ يَقبلون عُذْرَ مَن يَحتج بِحُرية التعبير لأنَّ المرادَ منها فقط الهجومُ على الدِّينِ وانتهاكِ حُرُمَاتِهِ .. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١)، ومَن شاء فلْيشْتُم أحدَهم أوْ ينْتَقِصه!، فإذا ثَارَت ثائرته وَغَضِب فليقل له: (هذه حرية تعبير) فهلْ يَقبلْ ويُسَلِّم؟!، فهُنا تعلم أنهم يُريدون

стр. 103

بِهَذه الكَلِمَة إلغاءَ الأحكام الشرعية!، ولذلك فإنهم يحتجون بهذه العبارات إذا أُنكِرَ عليهم ما خالف الشريعة!. ثُمَّ إنَّهُم يُوهِمون الْجُهَّالَ بِهَذِهِ العِبَاراتِ بأنَّ الدِّينَ كَبْتٌ للحُرِّياتِ وتكميمٌ للأفواهِ وحَجْرٌ على العقول، وهذا كلُّه يُمْلِيهِ عليهم إبليسُ لِيُزَيِّن لَهُم سُوءَ أعمالِهِم، ولِيُنَفِّرُوا الناسَ عن دِين خَالِقِهِمْ ويوُحشونَهم مِنْ أحكامِهِ وكأنه ليس في الدين أن يُعَبِّر الإنسانُ عمَّا فِي نَفْسِه ليهتدي إلى الحقِّ وكأنه يُؤَاخَذ ويُعاقَب دون سَمَاعِ قَوْلِهِ والنظرِ في أمْرِه!، وغير ذلك مِن التشنيع على الدِّين، والله المستعان. وإنَّ أدنَى نَظَرٍ في أحكام الشريعةِ والقضاءِ والقُضَاةِ لَيَدْحَض زيغَ هؤلاء الزائغين ويكشف زَيْفَهَم - وللهِ الحمدُ والْمِنَّةُ -.

стр. 104

إنكار البغض في الله والهجر فيه [، وأبيات للعلامة (ابن سحمان) في ذلك] . قال الشيخُ سليمان بن سحمان ﵀ (١) في قصيدةٍ طويلةٍ له ردًّا على مَن أنكر مَشروعية الْهَجْر في الله تعالى: وَأَبْكِي وَمَا مِثْلِي يَضِنُّ بِدَمْعِه ِ (٢) ... عَلَى قِلَّةِ الدَّاعِي وَقِلَّةِ ذِي الْفَهْمِ أَرُكْنٌ مِنَ الأَرْكَانِ يَا قَوْمَنَا اجْتَرَا ... عَلَى هَدِّهِ أَعْمَى وَبَالَغَ فِي الْهَدْمِ أَيُنْكِرُ أَقْوَامٌ عَلَيْنَا بِزَعْمِهِمْ ... مُهَاجَرَةَ الْعَاصِينَ قُبِّحَ مِنْ زَعْمِ فَحِرْفَتُهُمْ زُورٌ وَبُهْتٌ وَمَا لَهُمْ ... سِوَى الطَّعْنِ فِي الإخْوَانِ يَا قَوْمِ مِنْ سَهْمِ نَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ ... عَلَيْنَا بِسُوءٍ قَدْ تَهَوَّرَ فِي الإثْمِ مَتَى جَادَلُوا فَاللهُ مُوهِنُ كَيْدِهِمْ ... فَكَمْ قَدْ ظَفِرْتُمْ بَالدَّلِيلِ عَلَى الْخَصْمِ فَقُولُوا لَهُمْ رَدُّ التَّنَازُعِ بَيْنَنَا ... إلَى اللَّهِ وَالْمَبْعُوثِ خَيْرِ أُولِي الْعَزْمِ وَكَثْرَةِ مَنْ يَعْمَى عَنِ الْحَقِّ بَلْ يَصْمِي ... فَفِيهِ شِفَا عِيٍّ وَفِيهِ جَلاَ فَهْمِ (٣) فَوَا غُرْبَةَ الإسْلامِ وَا قِلَّةَ الْعِلْمِ ... وَقَدْ صَدَقُوُا فِيمَا ادَّعَوْهُ بِلاَ كَتْمِ! (٤) فَأَهْلاً بِهِ أَهْلاً وَسَمْعًا لِحُكْمِهِ ... أَمَا هَجَرَ الْمَعْصُومُ «كَعْبًا» وَصَحْبَهُ

стр. 105

وقد أوْردنا في المقدِّمَة ما جَاءَ عن ابنِ عَباس ﵄ أنه قَالَ: (أَحِبَّ فِي اللَّهِ , وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ , وَوَالِ فِي اللَّهِ , وَعَادِ فِي اللَّهِ , فَإِنَّهُ لا تُنَالُ وَلاَيَةُ اللَّهِ إِلا بِذَلِكَ؛ وَلاَ يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ؛ وَصَارَتْ مُؤَاخَاةُ النَّاسِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا , وَإِنَّ ذَلِكَ لا يُجْزِئ عَنْ أَهْلِهِ شَيْئًا، ثُم قرأ: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، آية: ٦٧]، وقرأ: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)) انتهى (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - مُعلِّقاً على هذا الأثَر: (فإذا كانتْ البلوى قد عمَّتْ بِهَذا فِي زمن ابن عباس ﵄ خير القرون فمَا

стр. 106

زاد الأمرُ بعد ذلك إلاَّ شِدَّة حتى وَقَعَت الْمُوَالاةُ على الشِّرك والبِدَع والفُسُوقِ والعِصْيَان!) انتهى (١). وبعد أنْ أوْرد الشيخ حمود التويجري ﵀ كلام الشيخ عبد الرحمن بن حسَن ﵀ قال: (قُلْتُ: والأمرُ بعد زمن الشيخ «عبد الرحمن» أعظم وأعظم ولاسِيَّمَا في زماننا هذا الذي قد اشتَدَّتْ فيه غُربةُ الدِّينِ وانعكَسَتْ فيه الحقائق عند الأكثرين حتى عاد المعروف منكراً والمنكر معروفاً؛ ومن ذلك موالاة الكفار والمنافقين وموادتهم ومصاحبتهم ومُجَالستهم ومواكلتهم ومشاربتهم والأنس بِهِم والانبساط معهم، كُل ذلك صَار مِنْ قَبِيلِ الْمَعروفِ عند أكثر الناس بل عند كثيرٍ مِمَّن يَنتسب إلى العِلْم والدِّين!. وأمَّا الْحُبُّ في الله والبغض في الله والْمُوالاة في الله والْمُعاداة في الله وهَجْر أهل المعاصي لله والإكفهرار في وجوههم من أجل ما ارتكبوه من المعاصي، فكُل ذلك قد صَار عند كثير من الناس من قَبِيل الْمُنكَرات!. حتى إنَّ كثيراً من المنتسبين إلى العِلْم قد صَاروا يُدندنون حول إنكار هذه الأعمال الفاضلة الْمَحبوبة إلى الله تعالى ويعدونها من مساوئ الأخلاق، ويعيبون على من يعمل بها ويذمونهم، ويعدونهم لذلك أهل تَجبُّرٍ وتكبُّرٍ وتعنُّتٍ وشذوذٍ وتشديدٍ وغُلوٍّ في

стр. 107

الدِّين!. وقد سَمِعْتُ هذا أو بعضه من بعض الْخُطبَاء والقُصَّاص الثرثارين المتشدقيِن الذين يقولون مَالاَ يَفعلون، ويفعلون ما لاَ يُؤمَرُون، ويأمُرونَ الناس بالبِرِّ وينسون أنفُسَهم وهم يتلون الكتاب أفلاَ يعقلون!. وسَمِعْتُ بعضهم يُصَرِّح على رؤوس الأشهادِ بإِنكار الحب في الله والبغض في الله. وَسَمِعْتهم أيضاً يَحُثُّونَ الناس في خُطَبِهِم وَقَصَصِهم على حُسْن السُّلوك مع الناس كلِّهِم واستجلاب مودتهم ومحبتهم ويُرَغِّبُونَهم في إظهار البشاشة لكلِّ أحدٍ، وسواء على ظاهر كلامهم الصالح والطالح!. ورُبَّمَا صَرَّح بعضهم أنَّ هذه الأفعال الذميمة من حُسن الْخُلُق ومن مُقتضيات العَقْل (١)؛ فَيُقَال لِهَؤلاَءِ الْحَيارى والمغرورين:

стр. 108

العقل في باب الحب والبغض والموالاة والمعاداة عقلان: أحدهما: عقلٌ مُسَدَّدٌ مُوَفَّقٌ قاهرٌ للهوى والنفْس الأمَّارَة بالسُّوء، قد استنار بنورِ الإِيِمَان وصار الْحَاكم عليه كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ، فهذا العقلُ يقتضي من أصحابه أن لاَ يُقَدِّموا على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ شيئاً أبداً، ويقتضي من أصحابه أن يُحِبُّوا في الله ويبغضوا في الله ويوالوا في الله ويُعادوا في الله وَيُعطوا لله وَيَمْنعوا لله، وَيُسَارعوا إلى كُلِّ ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال سَواء رضي الناس أو سَخطوا لاَ تأخذهم في الله لومة لائم؛ وما أقَلَّ هذا العقل في هذه الأزمانِ الْمُظْلِمَةِ!. والعقل الآخر: عَقلٌ معيشي نِفَاقي مَخْذول، قَدْ قَهَرَته النفْس الأمَّارة بالسُّوءِ، وأسَرَتْه الحظوظُ الدنيويةُ والشهواتُ النفْسية، وصار الحاكم عليه الهوى، فمَحبته لِهَوَاهُ وَبُغضه لِهَواه وموالاته ومعاداته لِهَواه وبذْله لهواه ومنعه لِهَواه؛ فهذا العقل يقتضي من أربابه أن يتمَلَّقوا لسائر أصناف الناس بألسنتهم ويُحسِّنوا السلوكَ مع الصالح والطالح، وهذا العقل هو الغالب على أكثر الناس في زماننا عامتهم وخاصتهم!، وما أكثره في المنتسبين إلى العلم!، فلا حولَ ولا قوة

стр. 109

إلاَّ بالله العلي العظيم) انتهى (١). وهذا العَقْل المعيشي - الذي ذكَره الشيخ التويجري - قال فيه ابن القيم ﵀: (يظن أربابه أنهم على شَيْءٍ، ألاَ إنَّهُم هُمُ الكَاذِبوُن، فإنَّهُم يَرَوْن العقلَ أن يُرضوا الناسَ على طَبَقَاتِهِم وَيُسَالِمُوهم ويَستجْلِبوُا مَوَدَّتَهُم وَمَحَبَّتَهم؛ وهذا مَع أنه لاَ سبيل إليه فهو إيثارٌ للرَّاحَةِ والدَّعَة على مُؤْنةِ الأذَى في اللهِ والْمُوالاَةِ فيه والمعاداةِ فيه؛ وهو وإنْ كان أسْلَمُ عَاجِلَةً فهو الْهُلْك فِي الآجلة، فإنه ماذاق طعم الإيمان مَن لَمْ يُوالِ في الله وَيُعَادِ فيه، فالعَقْلُ كُلُّ العَقْلِ مَا أوصل إلَى رِضَا الله ورسوله، والله الموفق) انتهى (٢). ثم قال الشيخ حمود التويجري بعد أن أوْردَ كلام ابن القيم: (إذا عُلم هَذا فأهلُ العقل الْمَعِيشِي لا يَرَوْن بِمُداهنة أهل البدع والفسوق والعِصْيان بَأساً، وكثير منهم لاَ يَرَوْنَ بِمُداهنة الكفار والمنافقين بَأساً) انتهى (٣). وقد جاء عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: بَلَغَنا أنَّ هذا الكَلام في وصية عِيسى بنِ مَريم ﵇: (يا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ بِبُغْضِ أهْلِ الْمَعَاصِي، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالْمَقْتِ لَهُمْ، وَالتَمِسُوا رِضَاهُ بِسَخَطِهِمْ)، قَالوا: يا نبي الله فمَن نُجَالِس؟!؛

стр. 110

قال: (جَالِسُوا مَنْ يَزِيدُ فِي أعْمَالِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَمَن تُذَكِّرُكُمْ بِاللهِ رُؤْيَتُهُ، وَيُزَهِّدُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ عَمَلُهُ) انتهى (١). وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)؛ قال الحافظ ابن كثير ﵀: (أيْ إنْ لَم تُجانِبوُا الْمُشْرِكين وتُوَالوُا المؤمنين وإلاَّ وَقَعَتْ فِتنَةٌ في النَّاسِ، وهُو الْتِبَاسُ الأمْرِ واختلاطُ المؤمنين بالكافرين، فَيَقَع بين الناسِ فَسَادٌ مُنتَشِرٌ عَرِيضٌ طويل) انتهى (٣). وقد تقدَّمَ الكلام في المقدِّمة أنَّ هذا الكِتاب ليسَ في شأنِ الكفار والبراءة منهم ومعاداتهم وإنَّمَا هو في فُسَّاقِ المسلمين وأهل البِدَعِ والأهواءِ، ومعلوم أنَّ الآيات التي نزلت في شأن الكفار لِعُصَاة المسلمين منها نَصِيبٌ بِقَدْرِ بُعدِهم عن الإسلام وإنْ لَمْ يَكُن خُرُوجاً منه، وقُرْبهُم من الكفر وإنْ لَمْ يَكن دُخولاً فيه؛ وهذا لاَبُدَّ منه. وأمَّا إذا كان التقسيم هكذا: كافِرٌ له البرَاءة والْمُعَاداة، وَمُسلمٌ له الموالاة والمحبة دون التفصيلِ في البَرْزَخ الذي وَلَجَهُ المسلم بكبائره وَفِسْقه الْمُوجِب له أنْ يُعامَل بِمَا يَستحق، فعلى هذا لاَ يُهجَر ولا
следующие страницы →