← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36176

إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (252 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك للشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد حفظه الله

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد سيد المرسلين وأجلّ السالكين، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فإنه ليس من المبالغة والتهويل أن نقول: إننا أجهل شيء بنفوسنا وبربنا، ولعل من قرأ هذا الكتاب بتأمل أن يعرف صدق هذه العبارة، فيتبين له أن كل عبد بحاجة إلى معرفتين جليلتين: (معرفته بنفسه، ومعرفته بربه) لتصلح عبوديته التي خُلق لأجلها، وهذا موضوع الكتاب، وقد اشتد الإعراض عنه في زماننا، لأن موضعه في القلوب مشغول بما هو آثر عندنا منه. وقد جمعت موضوعه باختصار من ميراث السلف عموماً، وابن القيم وشيخه على وجه الخصوص -فعليهم رحمة الله أجمعين-، مع ما كتبت فيه مما هو استفادة منهم، وسمّيته: (إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك). والسلوك هو: العبودية، والسير على الصراط المستقيم، وهو تحقيق التوحيد والدين.

стр. 3

وفيه من العلم بالنفس المقتبس من وحي بارئها ما يبين أن ما سواه جهل وضلال. وكيف يؤخذ علم النفس ممن لا يعرف ما تَسْعد به وما تشقى به ولا يدري لأي شيء خُلِقَت، بل ممن لا يعرفون من الإنسان إلا ما يشترك فيه مع الحيوان، فالروح ينكرونها والشأن كله فيها، إنها سر عجيب غريب، عند ورثة الرسول ﷺ عِلْمه، فهم علماء النفوس وأطباء القلوب على الحقيقة، ولقد ورّث لنا السلف من علم النفس ما هو كفيل لمن علمه وعمل به بسعادة الدنيا والآخرة، وما هو إلا الإقتباس من وحي بارئ النفوس . ولتعلم فضل علم السلف على من سواهم؛ تأمل هذا السؤال وقل لي بربك من يقدر على جوابه غير ورثة محمد ﷺ !!. فقد أورد ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) سؤالاً هو: ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسَعَتِه وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت يُجْلس ويُقْعَدُ فيه؟. قالوا: فإنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة يضربون الموتى بمطارق من حديد. ولا نجد هناك حيات ولا ثعابين ولا نيران تأجّج. ولو كشفنا

стр. 4

القبر لوجدنا الميت لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله. وكيف يُفسح مدّ بصره أو يُضيّق عليه ونحن نجده بحاله ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يزد ولم ينقص، وكيف يسع ذلك اللحد له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه؟ بعد أن أورد ﵀ السؤال ذكر جواب أهل البدع والضلال عليه وهم في زماننا كثيرون لا كثّرهم الله. يزعمون أنهم أهل العقل والمعقول وهم أهل الجهالة والضلالة، قال ﵀: قال إخوانهم من أهل البدع والضلال: كل حديث يخالف مقتضى العقول والحِسّ يُقطع بتخطئة قائله، ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يُسأل ولا يُجيب ولا يتحرك. ولا يتوقّد جسمه ناراً. وكيف يُتصوّر مسألة الملكين لمن هذا وَصْفه وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وكيف يضيق عليه حتى تختلف أضلاعه؟ الجواب: جعل الله سبحانه الدور ثلاثاً، دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها.

стр. 5

[فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها .. والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها] (١) فتجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيماً أو عذاباً كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيماً أو عذاباً .. فأحِطْ بهذا الموضع علماً واعرفه كما ينبغي يُزيل عنك كل إشكال يورَد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا الله بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجاً في الدنيا من حال النائم. فإن ما يُنَعّم به أو يُعذّب في نومه يجري على روحه أصلاً والبدن تبع له. ويقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيراً مشاهداً، فيرى النائم في نومه أنه ضُرِب فيصبح وأثر الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه. ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويُدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه. ولو دَخَلَتْ فيه لاستيقظ وأحسّ.

стр. 6

فإذا كانت الروح تتألم وتتنعّم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع. فهكذا في البرزخ. بل أعظم فإن تجرّد الروح هنالك أكمل وأقوى. وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الإنقطاع. [فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهراً بادياً أصلا.] ومتى أعطيت هذا الموضع حقة تبين لك ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمّه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مِرْيَة فيه، وأن مَنْ أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتِيَ كما قيل: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه. وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه. وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر. كذلك فإن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخَضِرَها. وإنما هي من نار الآخرة وخَضِرِها. وهي أشد من نار الدنيا فلا يُحِسُّ به أهل الدنيا.

стр. 7

فإن الله سبحانه يُحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا، ولو مسّها أهل الدنيا لم يحسّوا بذلك. بل أعجب من هذا أن الرجلين يُدفنان أحدهما إلى جنب الآخر وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل رَوْحها ونعيمها إلى جاره. وقدرة الرب أوسع وأعجب من ذلك وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ولكن النفوس مولَعة بالتكذيب بما لم تحط به علماً إلا من وفقه الله وعَصَمه. فرؤية عذاب القبر ونعيمه كرؤية الملائكة والجن تقع أحياناً لمن شاء الله أن يريه ذلك. والله يُحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك. فهذا جبريل كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلاً فيكلمه بكلام يسمعه، ومَنْ إلى جانب النبي ﷺ لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء. وأحياناً يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين.

стр. 8

وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسِّياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يُحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يُقرئ النبي ﷺ ويُدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه. وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويُقِرّ بقدرته أن يُحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصراً وسمعاً من أن يَثْبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثيراً ممن أشهده الله ذلك صَعِقَ وغُشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمناً. وبعضهم كُشِف قناع قلبه فمات، فكيف يُنكّر في الحكمة الإلهية إسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك حتى إذا انكشف الغطاء رأوه وشاهدوه عياناً. ثم إن العبد قادر على أن يُزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يردّه بسرعة فكيف يعجز عنه الملك وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير. وكيف تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه، وهل قياس أمر البرزخ على ما يُشاهده الناس في

стр. 9

الدنيا إلا محض الجهل والضلال وتكذيب أصدق الصادقين وتعجيز رب العالمين؟ وذلك غاية الجهل والظلم. وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولاً وعرضاً وعمقاً ويستر توسيعه عن الناس ويُطلع عليه من يشاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء ويستر ذلك عن أعين بني آدم، فيراه بنو آدم ضيقاً وهو أوسع شيء وأطيبه ريحاً وأعظمه إضاءة ونوراً وهم لا يرون ذلك. وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالَم. فلو كان الميت بين الناس موضوعاً لم يممتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه. وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيُعذب في النوم ويُضرب ويألَم وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة. وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده. ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما الله سبحانه كالهواء للطير، ولا يلزم من حجبهما للأجسام الكثيفة أن تتولّج حُجُبها الأرواح اللطيفة وهل هذا إلا من أفسد القياس!!، وبهذا وأمثاله كُذِّبَت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى.

стр. 10

ولا تستطل هذه المقدمة، فإن ما ذكرناه فيها من كلام ابن القيم وما سنذكره أيضاً من كلامه -بمشيئة الله تعالى- مما يُهمُّ السالك أمر حارت به العقول، ولا تمكن معرفته إلا بقبس من علم الرسول، وقد أنكر عذاب القبر ونعيمه جَهَلة وضُلاّل زماننا -على وجه الخصوص-، وقد ورثوا ذلك من الملاحدة. كما أنه يتفرّع من هذا العلم معرفة شأن يأجوج ومأجوج، وأن من أنكر وجودهم خلف السدّ وزعم خروجهم مخطئ أقبح الخطأ، وقد كتبت في ذلك كتاباَ هو (إبطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج) (١). كذلك يتبين من هذه المقدمة خطأ من أنكر وجود الدجال، والذي صحّ الخبر بوجوده حالياً، كما ورد في الحديث المرفوع الذي أخرجه مسلم عن تميم الداري ﵁، كذلك فإن ما في هذه المقدمة أنموذج لِعِلْم ذلك الإمام العظيم ليطلعك على ما ورائها من علمه وفقهه في السلوك على الصراط المستقيم حيث أن أكثر ما في هذا الكتاب من كلامه. ثم إن من دقائق ثمرات العمل بمقتضى علم السلوك هي كالتالي: ١ - معرفة النفس ومعرفة عبوديتها لله تعالى، وأن هذا هو المقصود بعلم السلوك حيث هو العبودية.

стр. 11

٢ - معرفة الله وخشيته في الغيب والشهادة. ٣ - التخلص من حظوظ النفس وشوائبها. ٤ - استشعار عظمة الإله المعبود سبحانه وبحمده. ٥ - معرفة حقيقة علم النفس، وأنه في التشريع وما سواه ضلال. ٦ - العمل بما يرضي الله تعالى، واجتناب ما يسخطه. ٧ - زيادة الإيمان واستحضار مشاهد اليوم الموعود مما يعين على الاستعداد له. ٨ - التعرّف على خفايا نعم الله على عباده، والإقرار بها، وشكرها بإخلاص العمل لوجهه الكريم. ٩ - عدم الاغترار بالعمل، وعدم التهاون به. ١٠ - علو الهمة، وعدم الركون إلى الدنيا ركوناً قاطعاً عن الله. ١١ - تيسير محاسبة النفس عملياً والحد من غرورها وطغيانها بالعبادة أو بالعلم. ١٢ - امتلاء القلب بمحبة الله والشوق إليه. ١٣ - صحة القلب، والتخلص من أمراضه، وثباته على الاستقامة. ١٤ - معرفة التوكل بالعبادة. ١٥ - فقه أسماء الله الحسنى وصفاته العلى بفقه العبادة. ١٦ - التحقق بالفقر الحقيقي وأنه ليس ما يُنافي الجِدة التي هي الغنى.

стр. 12

١٧ - التحقق بمعرفة الغِنى العالي والغِنى السافل. كما ستعرفه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ١٨ - انشراح الصدر واستنارة القلب الذي لا يحصل إلا بهذا الفقه العظيم. ١٩ - انشغال القلب بما خلق له ونزوله بمنازل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ٢٠ - التخلص من رؤية العمل الصالح ومن طلب العِوَض عليه، والتخلص كذلك من الرضى به ومن السكون إليه. ٢١ - تيسير العمل الصالح والعمل به كما شُرع. وكتابنا هذا -بفضل الله تعالى- مِنْ أوجز وأحسن ما يثمر لك هذه الثمار العُظمى، فاعمل به -مستعيناً بالله وحده- ليثمر لك العمل بالعبودية الحقة والمثمرة لهذه الثمار -بإذنه سبحانه-. ثُمّ اعلم أن كنوز هذا الكتاب وتُحَفَه وذخائره مجلوبة لك من معادتها وهم سلفنا الصالح عامة، وابن القيم وشيخه خاصة -فرحمهم الله أجمعين-. ولئن ظننت أن قرائح المتأخرين تجود بمثل هذا أو تبلغه علومهم فهذا وَهْم منك، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد الكريم بن صالح الحميد القصيم -بريدة يوم الجمعة ١٤/ ٨/١٤٢١هـ

стр. 13

فوائد عن الروح والموت والقبر لقد كاد شأن الروح أن يُهمل في زماننا على حساب العناية الزائدة عن الحد بالبدن وحيث أن موضوع الكتاب عن سعادة روح الإنسان وشقائها فهنا لزيادة العلم أذكر فوائداً من كتاب (الروح) لابن القيم؛ وهي حسبما يلي:

стр. 14

تعارف الأرواح وتناكرها سأل عمر ﵁ علياً عن الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيراً، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شراً، فقال علي: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الأرواح جنود مجندة تلتقي في الهواء فتشام، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف). فيه من الفوائد أن من لا يبغض الفساق وينفر منهم إنما لتآلف روحه مع أرواحهم. وقد كاد أن يعدم البغض في الله في زماننا بل كثيرون لا يبغضون الكفار بل يحبونهم فأين الفرقان؟.

стр. 15

ما هو الموت ؟ موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أُريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت. وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً فهي لا تموت بهذا الإعتبار بل هي باقية في نعيم أو عذاب. والموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال.

стр. 16

صورة الروح قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) فأخبر أنه سوّى النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه. بل سوى بدنه كالقالب لنفسه، فتسوية البدن تابع لتسوية النفس، والبدن موضوع لها كالقالب لما هو موضوع له. ومن ها هنا يُعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، وتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز الأبدان، والإشتباه بينهما أبعد من اشتباه الأبدان. فإن الأبدان تشتبه كثيراً، وأما الأرواح فقلما تشتبه، وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزاً بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم، وكذلك الجن، فتميّز الأرواح البشرية أولى.

стр. 17

صفة الروح الروح جسم مخالف بالماهيّة لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك. ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحِسّ والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة وبدنه نحيل جداً، وتجده في غاية الخفّة وبدنه ثقيل لأن للروح خفّة وثقل وحرارة وبرودة ويُبْس ولين بحسبها، وبعض النفوس ليّنة وادِعَة وبعضها يابسة قاسية.

стр. 18

رائحة الروح الذي له حِسّ سليم يشم رائحة بعض النفوس كالجيفة المنتنة، ورائحة بعضها أطيب من ريح المسك. وقد كان رسول الله ﷺ إذا مر في طريق بقي أثر رائحته في الطريق ويُعرف أنه مرّ بها. وتلك رائحة نفسه وقلبه، وكانت رائحة عرقه من أطيب شيء وذلك تابع لطيب نفسه وبدنه. وأخبر وهو أصدق البشر أن الروح عند المفارقة يوجد لها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض، أو كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض. ولولا الزكام الغالب لشمّ الحاضرون ذلك، على أن كثيراً من الناس يجد ذلك، وقد أخبر به غير واحد، ويكفي خبر الصادق المصدوق، وكذلك أخبر بأن أرواح المؤمنين مشرقة وأرواح الكفر سود.

стр. 19

الحياة في القبر وحياة الميت في قبره من أراد بها الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبّره وتصرّفه وتحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهو مخطئ. والحِسّ والعقل يكذبه كما يكذبه النص. ومن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليُسأل ويُمتحن في قبره فهذا حق ونَفْيه خطأ. وقد دلّ عليه النص الصحيح الصريح وهو قوله ﷺ (فتعاد روحه في جسده). وسرّ ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام. أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلّق من وجه ومفارقة من وجه.

стр. 20

الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجرّدت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه ألبتّه، وردّها سلام المسلّم إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ أنه تعلّق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً.

стр. 21

وجه الشبه بين النائم والميت وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي، وحياته غير حياة المستيقظ فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أُعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين الحي وبين الميت الذي لم تردّ روحه إلى بدنه كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت. فتأمل هذا يُزيح عنك إشكالات كثيرة.

стр. 22

تقارب الأرواح وتباعدها تجد الروحين المتماثلتين المتناسبتين في غاية التجاور والقُرب وإن كان بينهما بُعد المشرقين. وتجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين بينهما غاية البعد وإن كان جسداهما متجاورين متلاصقين.

стр. 23

هل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا ؟ العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة تنعّم النفس وتعذّب منفردة عن البدن. وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها. فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون على الروح منفردة عن البدن. فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعّمة أو مُعذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، ويحصل له معها النعيم أو العذاب. ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أُعيدت الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم لرب العالمين.

стр. 24

الميت في البرزخ ولو لم يُقبر ومما ينب أن يُعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيب منه قُبِر أو لم يُقْبَر. فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رماداً ونُسِفَ في الهواء أو صُلِب أو غَرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، (ومثله ما يحفظ بالتحنيط والتبريد).

стр. 25

هل تُخبر الرسل بالمستحيل ؟ لِيُعْلَم أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته بل أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفِطَر. الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالاً في العقول أصلاً. وكل خبر يُظَن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الخبر كذباً عليهم أو يكون ذلك العقل فاسداً، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح، قال تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). وقال تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى).

стр. 26

خلط الحق بالباطل الملَك الموكّل بأرواح العباد يُريَ الإنسان ما أراد أن يريه فإذا كان الإنسان في اليقظة غافلاً ذكياً صدوقاً لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه فأدّى إلى قلبه الصدق مما أراه الله . وإن كان خفيفاً نَزِقاً يحب الباطل والنظر إليه فإذا نام وأراه الله أمراً من خير أو شر رجعت روحه إليه فحيث ما رأى شيئاً من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفت روحه عليه كما تقف في يقظته، فكذلك لا يؤدي إلى قلبه فلا يعقل ما رأى لأنه خلط الحق بالباطل. قال ابن القيم بعد هذا الكلام: وهذا من أحسن الكلام وهو دليل على معرفة قائله وبصيرته بالأرواح وأحكامها. وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له ثم يمر بباطل ولهو من غناء أو شبهة أو زور أو غيره فيُصْغي إليه ويفتح له قلبه حتى يتأدّى إليه فيتخبط عليه ذلك الذي سمعه من العلم والحكمة ويلتبس عليه الحق بالباطل. إنتهى.

стр. 27

وفيه من الفائدة أن الإصغاء إلى الباطل والشُّبه وفتح القلب لذلك يُسبب التباس الحق بالباطل والتخبط في الحق، وهذا مطابق لما فُتح في زماننا من علوم دخيلة على علم الرسول مزاحمة له فقد أحدثت من التخبيط ما يُناسب هذا التخليط. ثم ذكر ﵀ أن الروح تعذب بتلك الاعتقادات والشُّبه الباطلة وينضاف إلى ذلك عذابها بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينها وبينها، وينضاف إلى ذلك عذاب آخر يُنشئه الله لها ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها، وهذه هي المعيشة الضنك في البرزخ والزاد الذي تزوّد به إليه. والروح الزكية العلوية المحقة التي لا تحب الباطل ولا تألفه بضد ذلك كله تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقتها من مشكاة النبوة، وتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سبحانه لها من أعمالها نعيماً يُنعمها به في البرزخ فتصير لها روضة من رياض الجنة ولتلك حفرة من حفر النار. إنتهى. أنظر قوله: (الإعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقتها من مشكاة النبوة) يتبين لك ما هو العلم الذي تَسْعد الأرواح وتُنَعَّم به، وأنه المتلقى من مشكاة النبوة والعلوم والاعتقادات التي تعذب بها وأنها ما سوى ذلك.

стр. 28

مواعظ القبور قال ابن القيم ﵀: لما كان أكثر الناس أهل معاصي وذنوب كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب. ظواهرها بالتراب والحجارة مَبْنيات، وفي بواطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها. تالله لقد وَعَظَتْ فما تركت لواعظ مقالاً، ونادت: يا عُمار الدنيا لقد عمرتم داراً موشكة بكم زوالا، وخزيتم داراً أنتم مسرعون إليها انتقالا، عمرتم بيوتاً لغيركم منافعها وسكناها، وخربتم بيوتاً ليس لكم مساكن سواها، هذه دار الإستباق ومستودع الأعمال وبَذْر الزرع، وهذه محل للعير، رياض من رياض الجنة أو حفر من حفر النار. إنتهى. وإذا كان هذا شأن القبور ووعظها فما الظن بما آلت إليه أحوال

стр. 29

كثير من أهل وقتنا عند حضورهم الجنائز والقبور. لقد أصبحنا نسمع العجائب من أقوالهم، كما أنه يُرى من أفعالهم ما إن دل على شيء فإنما يدل على أن القلوب في مرض خطير أو أنها ميّتة والعياذ بالله. وقد كتبت أبياتاً في هذا الموضوع بعنوان (القبور الواعظة) وهي كالآتي: عجائب الوقت لا نُحصي لها عدداً ... وإنما بعضها نَذْكُرُه للعجب قبورنا حولنا والميت مُنْجدل ... وضحكنا حاضر في البال لم يغِبِ أمَحْفَل العرس أم ميتاً نشيّعه ... نقارب الأمر .. واغوثاه من كُرب وصفقة البيع عند القبر نعقدها ... وصعقة الموت تدنينا من العطب كأننا بعد هذا الميت في أمد ... من الحياة بدار اللهو واللعب قساوة القلب داء لا دواء له ... إلا الرجوع إلى درب لنا رَحِب هذي القبور بها الذكرى لمتعظ ... صوامت .. إنما نادتك بالطلب كم في القبور نعيماً لستَ تدركُهُ ... وكم بها حفر للنار واللهب ما مؤمن ينظر الأجداث معتبراً ... إلا تغيّر مِنْ همّ ومِن نَصَب وميت القلب عند القبر في عَمَهٍ (١) ... وليس يَنفذ خلف الستر والحجب وغافل القلب عند القبر في مَرَح ... سيماه تخبر .. لا تسأل عن السبب وكيف يغفل والأيام تنقله ... إلى المقابر لو قد جدّ بالهرب

стр. 30

إن القبور مزار سوف تسكنه ... عما قليل وما الأعمار كالحُقُب فروضة من رياض الخلد مشرقة ... أو الجحيم .. ويا بؤساً لمنقلب هذا النعيم إذا تطلب له شبهاً ... كذا العذاب، فأَمْر غاية العجب كنائم سُرّ في أحلام نومته ... وآخر كم رأى في النوم من كُرَب هذا يشابه بالتقريب برزخنا ... وما المشبَّه كالمرئي عن كثب إذا رأيت أناساً عند مقبرة ... في شُغْلِ دُنْياهمو فالدين في عطب جوّالهم جال في هَذْر يروق لهم ... وسامع الهذر ظن القوم في طرب أسلافنا كلهم بالغم مشتمل ... عند القبور لأمر ليس باللعب تذكّروا الموت إذ يأتي فيفجؤهم ... لأنهم بالدُّنى كانوا كمغترب إن مات ميْتٌ ترى الأحزان شاملة ... أين المعزّى فكل القوم في رهب-!! في داخل القبر أهوال مهوِّلة ... من عاين القبر لم يرغب بمنقلب إلا ليعمل أعمالاً تكون له ... ذُخْراً إذا جاء وعد ليس بالكذب من لم تعظه قبور سوف يسكنها ... فعقله تائه لاه بمستلب حال الجنائز -يا من غُرَّ- قائلة: ... إحذر!! فإنك يا مغرور بالطلب لا تُلْهِينّك دنياً سوف تتركها ... وآخر الأمر محمول على الخشب من حين جئت إلى الدنيا فمُتَّجه ... نحو القبور ولو أمعَنْت بالهرب هذي الحقيقة يا من غرّه أمل ... قد جاوز الأجل المخطوط بالكتب أنفاسنا والخُطى عدّا بلا خطأ ... معاول هادمات عُمرنا الخرب من كان يضحك والأجداث ترقبه ... فأمره عجب يدعو إلى العجب! (١)

стр. 31

عذاب القبر نوعان: دائم ومنقطع المنقطع من عذاب القبر عذاب بعض العصاة الذين خفّت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب، ونوع دائم لا ينقطع.

стр. 32

الروح ذات مستقلة لقد خاطب الله سبحانه النفس بالرجوع والدخول والخروج ودلت النصوص الصحيحة الصريحة على أنها تصعد وتنزل وتُقبض وتُمسك وترسل وتستفتح لها أبواب السماء وتسجد وتتكلم، وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة، وتكفّن وتحنط في أكفان الجنة والنار، وأن ملك الموت يأخذها بيده ثم تتناولها الملائكة من يده ويُشم لها كأطيب نفحة مسك أو أنتن جيفة، وتشيّع من سماء إلى سماء ثم تُعاد إلى الأرض مع الملائكة، وأنها إذا خرجت تبعها البصر بحيث يراها وهي خارجة، ودل القرآن على أنها تنتقل من مكان إلى مكان حتى تبلغ الحلقوم في حركتها.

стр. 33

هل النفس والروح شيء واحد أم شيئان متغايران ؟ الروح غير النفس، والنفس غير الروح، وقوام النفس بالروح والنفس صورة العبد، والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها، ولاعدو أعدى لابن آدم من نفسه. فالنفس لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها. وجُعل الهوى تبعاً للنفس، والشيطان تبع النفس والهوى، والملك مع العقل والروح، والله تعالى يُمدّهما بإلهامه وتوفيقه. والنصوص دالة على أن الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديته واقعة على بدنه دون روحه بل عبودية الروح أصل وعبودية البدن تبع كما أنه تبع لها في الأحكام، وهي التي تحركه وتستعمله وهو تبع لها في العبودية.

стр. 34

الروح تخلق من نفخة الملك يظن الغالطون أن الملَك يُرسَل إلى الجنين، بروح قديمة أزلية ينفخها فيه كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يُلْبِسه إياه، وهذا ضلال وخطأ، وإنما يرسل الله سبحانه إليه الملَك فينفخ فيه نفخة تحدث له الروح بواسطة تلك النفخة. فتكون النفخة هي سبب حصول الروح وحدوثها له كما كان الوطء والإنزال سبب تكوين جسمه، والغذاء سبب نموه. فمادة الروح من نفخة الملَك، ومادة الجسم من صبّ الماء في الرحم، فهذه مادة سماوية وهذه مادة أرضية. فمن الناس من تغلب عليه المادة السماوية فتصير روحه علوية شريفة تناسب الملائكة. ومنهم من تغلب عليه المادة الأرضية فتصير روحه سفلية ترابية مهينة تناسب الأرواح السفلية. فالملَك أب لروحه، والتراب أب لبدنه وجسمه.

стр. 35

يوضّح ما تقدم أنه ثبت بالحديث الصحيح أن خلق ابن آدم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل إليه الملَك فينفخ فيه الروح. فالملَك وحده يرسل إليه فينفخ فيه، فإذا نفخ فيه كان ذلك سبب حدوث الروح فيه. ولم يقل يرسل الملَك إليه بالروح فيُدخلها في بدنه، وإنما أرسل إليه الملَك فأحدث فيه الروح بنفخته فيه، لا أن الله سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان الطويل مع الملَك. فَفَرْق بين أن يُرسل إليه ملَك ينفخ فيها الروح وبين أن يُرسل إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملَك، وتأمل ما دل عليه النص من هذين المعنيين وبالله التوفيق.

стр. 36

الروح ليست من أمر الغيب أرواح بني آدم ليست من الغيب وقد تكلم بها العلماء من هذه الأمة وغيرها. أما الروح المسئول عنها في الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فليست أرواح بني آدم بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة وهو ملَك عظيم، قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ) الآية. فعن هذا الروح سأل اليهود وقد جاءهم الجواب: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي). وقيل أنها الروح المذكور في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم).

стр. 37

روح الله الروح المضافة إلى الرب روح مخلوقة، وإنما أضافها إلى نفسه إضافة تخصيص وتشريف مثل بيت الله ناقة الله مع أن البيوت والنوق كلها لله، كذلك الأرواح كلها مخلوقة لله وهي ملكه سواء عيسى ﵇ أو غيره. فالروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى الله الذي اختصه لنفسه وأضافه إليه، وهو روح خاص من بين سائر الأرواح وليس بالملَك الموكّل بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار، فإن الله سبحانه وكّل بالرحم ملكا ينفخ الروح في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. وأما هذا الروح المرسَل إلى مريم فهو روح الله الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه، فكان بمنزلة الأب لسائر النوع، فإن نفخته لما دخلت في فرجها كان ذلك بمنزلة لِقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء.

стр. 38

أما آدم ﵇ فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه فالروح مخلوقة واليد غير مخلوقة. إذا تبين ما تقدم عُلم أن ما نسب إلى الله وهو قائم بنفسه فليس هو من ذات الله فقوله تعالى: (وَرُوحٌ مِّنْهُ) مثل قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ). وقوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) مثل قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) الآية. انتهى.

стр. 39

(العقلانيون/ الجاهليون) إن تسمية من حمّلوا عقولهم السخيفة مالا تحتمل بـ (العقلانيين) تسمية خاطئة، وإنما هم (الجاهليون) وهم الضُّلال حيث حمّلوا عقولهم السخيفة ما لا تحتمل كما تقدم، وذلك بعرضهم النصوص عليها، فهي الميزان عندهم للقبول والرد!! وقد تبين أن الرسل لا تأتي بالمحال، ولكنها تأتي في بعض ما تأتي من الأمور الغيبية بما يُحَيِّر العقول، وهذا مجال الإيمان بالغيب ومناط التكليف في أمور الكثيرة برزخية وأخروية. وحَسْب العقول من الكمال تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، واعلم أن من حكّم عقله في نصوص الكتاب والسنة كمن يُحَكِّم بصره في الموجودات، فيقول: كل ما لا أُبْصره لا وجود له. إن كل واحد منا يعلم أن بصره محدود بل قواه كلها محدودة فما بال العقل شذ عن هذه القاعدة؟ لقد شذ عنها من شذ لأنه لا يعقل، فهو مهووس، والجنون ألوان وأنواع وفنون، بل إنه عقل تافه حقير صاحبه قاصر مأفون، إذ

стр. 40

ما الظن بمن يسمع النبي ﷺ يتلو آية من كتاب ربه أو يحدث بكلامه الذي هو وحي ثم يعارضه شخص ويقول: عرضتُ ما جئت به على عقلي فردّه ولم يقبله؟، فهذا يردّ أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ وما أكثر من يحذو حذو هذا في هذا الزمان السوء لا كثرهم الله فبعداً وسحقاً لأهل الخزي والضلال.
следующие страницы →