الروح ليست من أمر الغيب
أرواح بني آدم ليست من الغيب وقد تكلم بها العلماء من هذه الأمة وغيرها.
أما الروح المسئول عنها في الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فليست أرواح بني آدم بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة وهو ملَك عظيم، قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ) الآية.
فعن هذا الروح سأل اليهود وقد جاءهم الجواب: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
وقيل أنها الروح المذكور في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم).
стр. 37
روح الله
الروح المضافة إلى الرب روح مخلوقة، وإنما أضافها إلى نفسه إضافة تخصيص وتشريف مثل بيت الله ناقة الله مع أن البيوت والنوق كلها لله، كذلك الأرواح كلها مخلوقة لله وهي ملكه سواء عيسى ﵇ أو غيره.
فالروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى الله الذي اختصه لنفسه وأضافه إليه، وهو روح خاص من بين سائر الأرواح وليس بالملَك الموكّل بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار، فإن الله سبحانه وكّل بالرحم ملكا ينفخ الروح في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته.
وأما هذا الروح المرسَل إلى مريم فهو روح الله الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه، فكان بمنزلة الأب لسائر النوع، فإن نفخته لما دخلت في فرجها كان ذلك بمنزلة لِقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء.
стр. 38
أما آدم ﵇ فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه فالروح مخلوقة واليد غير مخلوقة.
إذا تبين ما تقدم عُلم أن ما نسب إلى الله وهو قائم بنفسه فليس هو من ذات الله فقوله تعالى: (وَرُوحٌ مِّنْهُ) مثل قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ).
وقوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) مثل قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) الآية. انتهى.
стр. 39
(العقلانيون/ الجاهليون)
إن تسمية من حمّلوا عقولهم السخيفة مالا تحتمل بـ (العقلانيين) تسمية خاطئة، وإنما هم (الجاهليون) وهم الضُّلال حيث حمّلوا عقولهم السخيفة ما لا تحتمل كما تقدم، وذلك بعرضهم النصوص عليها، فهي الميزان عندهم للقبول والرد!!
وقد تبين أن الرسل لا تأتي بالمحال، ولكنها تأتي في بعض ما تأتي من الأمور الغيبية بما يُحَيِّر العقول، وهذا مجال الإيمان بالغيب ومناط التكليف في أمور الكثيرة برزخية وأخروية.
وحَسْب العقول من الكمال تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، واعلم أن من حكّم عقله في نصوص الكتاب والسنة كمن يُحَكِّم بصره في الموجودات، فيقول: كل ما لا أُبْصره لا وجود له.
إن كل واحد منا يعلم أن بصره محدود بل قواه كلها محدودة فما بال العقل شذ عن هذه القاعدة؟
لقد شذ عنها من شذ لأنه لا يعقل، فهو مهووس، والجنون ألوان وأنواع وفنون، بل إنه عقل تافه حقير صاحبه قاصر مأفون، إذ
стр. 40
ما الظن بمن يسمع النبي ﷺ يتلو آية من كتاب ربه أو يحدث بكلامه الذي هو وحي ثم يعارضه شخص ويقول: عرضتُ ما جئت به على عقلي فردّه ولم يقبله؟، فهذا يردّ أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ وما أكثر من يحذو حذو هذا في هذا الزمان السوء لا كثرهم الله فبعداً وسحقاً لأهل الخزي والضلال.
стр. 41
لا يتم الإسلام إلا على ظهر التسليم
النبي ﷺ علمنا السلام على أهل القبور، وكان الصحابة يسلمون على شهداء أحد وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت.
ولا يضيق عقلك عن كَوْن الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها وتدنو حتى ترد ﵇.
وللروح شأن آخر غير شأن البدن، وهذا جبريل صلوات الله وسلامه عليه رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح منها جناحان قد سدّ بهما ما بين المشرق والمغرب، وكان من النبي ﷺ حتى يضع ركبتيه بين ركبتيه ويديه على فخذيه، وما أظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو مستقره. وقد دنا من النبي ﷺ هذا الدنو، فإن التصديق بهذا له قلوب خُلِقَت له وأُهِّلَتْ لمعرفته، ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو أضيق من أن يتّسع للإيمان بالنزول الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق سمواته على عرشه
стр. 42
لا يكون فوقه شيء ألبته بل هو العالي على كل شيء، وعلوه من لوازم ذاته، وكذلك دُنوّه عشيّة عرفة من أهل الموقف، وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره، وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها وسوّاها ومدّها وبسطها وهيأها لما يُراد منها، وكذلك مجيئه يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى بها أحد كما قال النبي ﷺ : (فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خَلَتْ عليه البلاد) هذا وهو فوق سماواته على عرشه فما يقول الجاهليون في هذا؟!!.
стр. 43
الثواب والأجر
والفروق بين أجر الخالق وأجر المخلوق
إن الإنسان إذا أدّى عملاً لغيره من المخلوقين فله عليه ثواب وأجر مستحق سواء كان معيناً قبل العمل أو لم يُعيّن.
هذا في عامة الأحوال وهو بديهي معلوم ليس المراد بيانه إذ أن ذلك تحصيل حاصل.
وإنما المراد ما ورد من ذلك في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وأنه يختلف عن هذا اختلافاً كلياً وإنما يتفق معه في التسمية فقط يوضح ذلك فروق كثيرة بين الأول والثاني منها، وهي كالآتي:
стр. 44
الفرق الأول
من فروق ما بين أجر الخالق وأجر المخلوق
الإنسان عبد مملوك لربه والعبد المملوك لا يستحق على مالكه أجراً مهما عمل له لأن عمله مستحق لمالكه بمقتضى العبودية، لكن إن تفضّل عليه مالِكه وأثابه فهذا فضل منه لاستحقاق المملوك ذلك.
أما ثواب وأجر المخلوق لمخلوق مثله على عمل أداه فإنما هو لاستحقاق العامل الأجير الأجر مقابل ما عمل ومعاوضة لعمله.
стр. 45
الفرق الثاني
من فروق ما بين أجر الخالق وأجر المخلوق
الإنسان إذا عمل لربه فهو على الحقيقة يعمل لنفسه لأن النفع عائد له في الدنيا والآخرة.
أما في الآخرة فظاهر وهو نجاته من النار ودخوله الجنة، وهذا منتهى زوال الرهبة وتحقق الرغبة، وغاية ما سمَتْ إليه همم الأنبياء ﵈ وأتباعهم على الحقيقة.
وأما في الدنيا فهذا الذي قد لا يعرفه كثير من المعرضين، وقد يعرفه مجملاً من غير تفصيل كثير من المتعبدين.
وهنا لا بد من الكلام في علة التكليف وحكمته ليتبين هذا الأمر.
وحيث أنه قد اختلفت طرق الناس في ذلك مع كون الرب سبحانه لا ينتفع بالطاعة ولا تضره المعصية فقد ذكر ابن القيم ﵀ هذه الطرق وهي: طريق الجبرية والقدرية والفلاسفة، ثم ذكر الرابع وهو طريق أتباع الرسل، قال:
وأما أتباع الرسل الذين هم أهل البصائر فحكمة الله عز وجل
стр. 46
في تكليفهم ما كلفهم به أعظم وأجلّ عندهم مما يخطر بالبال أو يجري به المقال، ويشهدون له سبحانه في ذلك بالحِكَم الباهرة والأسرار العظيمة أكثر مما يشهدونه في مخلوقاته وما تضمنته من الأسرار والحِكَم.
فهم يعبدونه سبحانه بأمره ونهيه لأنه تعالى أهل أن يُعبد وأهل أن يكون الحب كله له والعبادة كلها له حتى لو لم يخلق جنة ولا ناراً ولا وضع ثواباً ولا عقاباً لكان أهلاً أن يعبد أقصى ما تناله قدرة خلقه من العبادة.
وفي بعض الآثار الإلهية: لو لم أخلق جنة ولا ناراً لم أكن أهلاً أن أُعْبَد.
فإن الله فطر خليقته على محبته والإقبال عليه وابتغاء الوسيلة إليه، وأنه لا شيء على الإطلاق أحب إليها منه وإن فسدت فِطَر أكثر الخلق بما طرأ عليها مما اقتطعها واجتالها عما خُلِق فيها.
فكونه سبحانه أهلاً أن يعبد ويُحَب ويُحمد ويثنى عليه أمر ثابت له لذاته فلا يكون إلا كذلك.
فأولياؤه وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يُعبد وإن لم يرسل إليهم رسولاً ولم ينزل عليه كتاباً ولو لم يخلق جنة
стр. 47
ولا ناراً علموا أنه لا شيء في العقول والفطر أحسن من عبادته ولا أقبح من الإعراض عنه، وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك وتكميله وتفصيله وزيادته حسناً إلى حسنه.
فاتفقت شريعته وفطرته وتطابقا وتوافقا وظهر أنهما من مشكاة واحدة فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الفطرة وداعي الشرع وداعي العقل فاجتمعت لهم الدواعي ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى وليهم وإلههم وفاطرهم فأقبلوا إليه بقلوب سليمة لم يُعارض خبره عندها شبهة توجب ريباً وشكاً ولا أمره شهوة توجب رغبتها عنه وإيثارها سواه.
فأجابوا دواعي المحبة والطاعة إذ نادت بهم: حي على الفلاح، وبذلوا أنفسهم في مرضاة مولاهم الحق بذل أخي السماح، وحمدوا عند الوصول إليه مسراهم وإنما يحمد القوم السّرى عند الصباح.
فدينهم دين الحب وهو الدين الذي لا إكراه فيه، وسيرهم سير المحبين وهو الذي لا وقفة تعتريه:
إني أدين بدين الحب ويْحَكُم ... فذاك ديني ولا إكراه في الدين ...
ومن يكن دينه كرهاً فليس له ... إلا العناء وإلا السير في الطين ...
وما استوى سَيْر عبد في محبته ... وسير خال من الأشواق في دين ...
стр. 48
قل لغير أخي الأشواق ويحك قد ... غُبْنت حظك لا تغتر بالدون ...
نجائب الحب تعلوا بالمحب إلى ... أعلى المراتب من فوق السلاطين ...
وأطيب العيش في الدارين قد رغبت ... عنه التّجار فباعت بيع مغبون ...
فإن ترد علمه فاقرأه ويحك في ... آيات (طه) وفي آيات (يس)
يبين ما تقدم ويوضحه ما ذكر ﵀ من أدلة الكتاب والسنة على ذلك وهو قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).
قال: فبين سبحانه أن إقامة الوجه وهو إخلاص القصد وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته حنيفاً مقبلاً عليه معرضاً عما سواه هو فطرته التي فطر عليها عباده فلو خُلّوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك ولا اختاروا سواه. ولكن غيّرت الفطر وأفسدت كما قال النبي ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم يقول أبو هريرة: إقرأوا إن شئتم: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ). إنتهى.
стр. 49
مما تقدم تظهر حكمة التكليف وهو أن الشريعة النازلة تفصيل وبيان لما في الفطرة المخلوقة وأن صلاح حال العبد في الدنيا بتوافق الشرعة مع الفطرة، ويأتي إن شاء الله زيادة توضيح لهذا الأصل العظيم الذي هو أصل الدين وأساسه.
стр. 50
الفرق الثالث
من فروق ما بين أجر الخالق وأجر المخلوق
الله هو الخالق لطاعة العبد بخلاف المتسأجر من المخلوقين فإنه لا تأثير له في عمل الأجير.
وإذا كان الرب سبحانه هو الخالق لأفعال العباد فهذا أيضاً فارق بين ثوابه وأجره وثواب المخلوق للمخلوق وأجره فإنه سبحانه هو المحرّك لعبده في طاعته وهو الذي يجعله مريداً لذلك وهو الذي قوّاه على طاعته ووفقه لها.
стр. 51
الفرق الرابع
من فروق ما بين أجر الخالق وأجر المخلوق
المخلوق محتاج إلى عمل الأجير ينتفع بحصوله ويتضرر بفقده، والرب لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ففي حديث أبي ذر ﵁: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).
لكنه يرضى من عبده الطاعة ويحبها كما أنه يسخط منه المعصية (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).
стр. 52
العمل لله ليس كالعمل لغيره
من المخلوقين
بمعرفة ما تقدم يظهر جلياً أن العمل لله ليس كالعمل للمخلوقين فكما أنه سبحانه لا يماثل بذاته وصفاته فالعمل له أيضاً لا يماثَل بالعمل لغيره.
إذ العمل لغيره يكون مع عدم المِلْكِيّة ويكون بعدم انتفاع العامل غير ما يُعاوَض به من معاوضات دنيوية وبعدم التأثير على العامل بالتخليق، وبانتفاع صاحب العمل، وهذا كله لا يماثل العمل لله وينزه الله عنه.
يوضح ما تقدم أنه لو كان الذي بين العباد وبين ربهم أجر ومعاوضات مستحقة كما بين المخلوقين لما استطاع أحد أن يؤدّي لله حقاً مطلقاً. وسوف يظهر ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
стр. 53
نعمة النفس تستوعب الأعمال
الصالحة كلها
قال ابن القيم ﵀: ويكفي أن النفس من أدنى نِعمه التي لا يكادون يعدونها، ثم ذكر آلافاً مؤلفة لعدد الأنفاس التي يتنفسها الإنسان في اليوم والليلة.
قال: ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وُزّعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جداً لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه، إنتهى.
لقد ظهر أنه لو وزّعت طاعات العبد كلها على نعمة النفس لاستوعبتها دون استكمال واستيفاء لحقها.
فهذا يبين إفلاس العبد من ثمن للجنة يُعاوض به ربه.
стр. 54
نعمة البصر تأخذ عبادة
خمسمائة سنة
وفي صحيح الحاكم حديث صاحب الرمانة الذي عبد الله خمسمائة سنة يأكل كل يوم رمانة تخرج له من شجرة ثم يقوم إلى صلاته، فسأل ربه وقت الأجل أن يقبضه ساجداً وأن لا يجعل للأرض عليه سبيلاً حتى يُبْعَث وهو ساجد، فإذا كان يوم القيامة وُقِف بين يدي الرب فيقول تعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب بل بعملي، فيقول الرب ﷻ ، قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتؤخذ نعمة البصر بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد فضلاً عليه، فيقول: أدخلوا عبدي النار، فيُجر إلى النار فينادي: رب برحمتك رب برحمتك أدخلني الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي من خلقك ولم تكن شيئاً؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من قوّاك على عبادة خمسمائة سنة؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح، وأخرج لك كل يوم رمانة
стр. 55
وإنما تخرج مرة في السنة، وسألتني أن أقبضك ساجداً ففعلت ذلك بك؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول الله: فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة).
قال ابن القيم ﵀: إسناده إلى النبي ﷺ صحيح ومعناه صحيح لا ريب فيه، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (لن ينجو أحد منكم بعمله) وفي لفظ: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل). إنتهى.
بتأمل ما تقدم يتضح بزيادة الفرق بين أجر الخالق وأجر المخلوق، فالأول فضل سمّاه سبحانه ثواباً وأجراً، والثاني معاوضة على مصالح ومكاسب مشتركة بين المخلوقين.
ومما يوضح ما تقدم ما قاله ابن القيم ﵀ أن من تمكّن في قلبه شهود الأسماء والصفات وصفى له علمه وحاله: اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقلّ من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا.
فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه لاحتقاره له وقلّته عنده وصغره في عينه.
стр. 56
ثم ذكر الأثر الذي رواه الإمام أحمد (أن الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود أنذر عبادي الصادقين فلا يعجبن بأنفسهم ولا يتكلنّ على أعمالهم فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب وأقيم عليه عدلي إلا عذّبته من غير أن أظلمه، وبشر عبادي الخطائين أنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأتجاوز عنه).
والأثر الآخر أيضاً أن رجلاً تعبّد سبعين سنة، وكان يقول في دعائه: رب اجزني بعملي، فمات فأُدخل الجنة فكان فيها سبعين عاماً فلما فرغ وقته قيل له: أخرج فقد استوفيت عملك.
فقلّب أمره: أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه؟ فلم يجد شيئاً أوثق في نفسه من دعاء الله والرغبة إليه، فأقبل يقول في دعائه: رب سمعتك وأنا في الدنيا وأنت تُقيل العشرات فأقل عثرتي فتُرك في الجنة.
وروى الإمام أحمد أيضاً أن موسى ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا يُجازيها عملي كله؟ فأوحى الله تعالى إليه الآن شكرتني.
قال ابن القيم: لو فُرض أن العبد يأتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهراً وباطناً فالذي ينبغي لربه فوق ذلك وأضعاف أضعافه، فإذا
стр. 57
عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء، والذي أتى به لا يقابل أقل النعم. إنتهى.
كيف إذا علم العبد يقيناً لا مرية فيه أن طاعته لربه أفضل وأجلّ نعمة أوتيها في الدنيا لا لما يترتّب على ذلك من ثواب الآخرة فقط وإنما لأن صلاحه ونعيمه وسرور قلبه في طاعة ربه في الدنيا، ولا تُدفع الهموم والغموم بغير ذلك.
стр. 58
الدواوين الثلاثة
ذكر ابن القيم أثر أنس بن مالك ﵁: (يُنشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين؛ ديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه النعم فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتسْتوعب عمله كله، ثم تقول: أي رب وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني، وقد بقيت الذنوب والنعم فإذا أراد الله بعبد خيراً قال: ابن آدم ضعّفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمي فيما بيني وبينك). انتهى.
إن من يوفق لمعرفة ما تقدم لا يبقى له التفات إلى عمله ونفسه وإنما يجرّد تعلق رجائه برحمة ربه، وليس معنى هذا تقليل وتهوين شأن الأعمال الصالحة بل يجتهد فيها العبد باعتبار أنها سبب لا ثمن.
كذلك فهي غذاء القلب وقوته في الدنيا وهو مأمور بذلك.
стр. 59
حق الله على عبده
قال ابن القيم ﵀: فإن من حق الله على عبده أن يعبده لا يشرك به شيئاً وأن يذكره ولا ينساه وأن يشكره ولا يكفره، وأن يرضى به رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولا.
وليس الرضى بذلك مجرد إطلاق هذا اللفظ وحاله وإرادته تكذّبه وتخالفه.
فكيف يرضى به رباً من يسخط ما يقضيه له إذا لم يكن موافقاً لإرادته وهواه، فيظل ساخطاً به متبرّماً، يرضى وربه غضبان ويغضب وربه راض، فهذا إنما رضي من ربه حظاً لم يرض بالله ربا.
وكيف يدّعي الرضى بالإسلام ديناً من ينبذ أصوله خلف ظهره إذا خالفت بدعته وهواه، وفروعه وراءه إذا لم يوافق غرضه وشهوته.
وكيف يصح الرضى بمحمد رسولاً لمن لم يُحكّمه على ظاهره وباطنه ويتلقّ أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده، وكيف يرضى
стр. 60
به رسولاً من يترك ما جاء به لقول غيره ولا يترك قول غيره لقوله، ثم قال:
والمقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يكون حبه كله لله وبغضه في الله وقوله لله وتركه لله وأن يذكره ولا ينساه ويطيعه ولا يعصيه ويشكره ولا يكفره، وإذا قام بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله، بل ذلك نفسه من نعم الله عليه حيث وفقه له ويسّره، وأعانه عليه وجعله من أهله، واختصّه به على غيره، فهو يستدعي شكراً آخر عليه ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبداً.
فنعم الله تطالبه بالشكر وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله.
فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها. إنتهى.
تأمل قوله: (ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبداً) وذلك لأن الثمن المزغوم من العبد هو أجلّ نعم الرب سبحانه عليه وهو الذي وفقه له وجعله من أهله، وهو طاعته.
стр. 61
أعمال العبد مستحقة عليه
بموجب العبودية
قال ابن القيم ﵀: هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبداً مملوكاً مستعملاً فيما يأمره به سيده.
فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس له شيء من أعماله كما أنه ليس له ذرّة من نفسه، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه أعظم استحقاقاً من سيد اشترى عبداً بخالص ماله ثم قال: إعمل وأدّ إليّ، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء، فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده وحق من حقوقه عليه.
فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة الذي لا تُعَدّ نعمه وحقوقه على عبده ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه فلو عذّبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمناً لرحمته ألبتّه. إنتهى.
стр. 62
أنظر قوله: (فنفسه مملوكه وأعماله مستحقه بموجب العبودية فليس له شيء من أعماله).
فهذا يظهر به المراد جلياً وهو أنه كما أن نفس العبد مملوكه فكذلك أعماله مملوكه.
وتأمل قوله في المثال السابق: (فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده وحق من حقوقه عليه فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة).
إن تأمل هذا وكونه يصير حالاً للعبد فيه من المنفعة وشفاء القلب من قواطعه عن ربه مالا يُقدّر؛ قال ابن القيم: فإذا أعطاه الثواب كان مجرّد صدقة منه وفضل تصدق به عليه لا ينالها عمله بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر ليست معاوضة عليه والله أعلم.
стр. 63
النظر في حق الله على العبد
قال ابن القيم ﵀:
ومن فوائد محاسبة النفس أنه يعرف بذلك حق الله تعالى ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جداً.
ثم ذكر الأثر الذي في مسند الإمام أحمد عن وهب قال: (بلغني أن نبي الله موسى ﵇ مر برجل يدعو ويتضرع فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى ينقطع فؤاده ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه).
فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد فإن ذلك يورثه مقت نفسه والإزراء عليها ويخلّصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والإنكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ثم قال: فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عَلِم علم اليقين أنه غير مؤدّ له كما ينبغي وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك.
стр. 64
ومن له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يُبْقِ له نظره في سيئاته حسنة ألبته، فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصِّرف لأنه إذا فتّش عن عيوب نفسه وعيوب عمله عَلِم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تُشْترى بها النجاة من عذاب الله فضلاً عن الفوز بعظيم ثواب الله.
فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفى له معه وقت شاهد مِنَّة الله عليه به ومجرد فضله.
وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك، فهو دائماً مشاد لمِنّة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلّبها رآها.
وهذا من أجلّ المعارف وأنفعها للعبد.
стр. 65
الفرق بين نظر أهل المعرفة ونظر الجهال
قال ابن القيم –﵀: فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيْأسهم من أنفسهم وعلّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن ههنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه، فمحاسبة النفس هي نظر العبد في حق الله عليه أولاً ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانياً.
وأفضل الفكر: الفكر في ذلك فإنه يُسَيِّر القلب إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلاً خاضعاً منكسراً كَسْراً فيه جبره، ومفتقراً فقراً فيه غناه، وذليلاً ذلاً فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. انتهى.
стр. 66
تأمل قوله: (فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى) مع أن هذا ليس بعمل جوارح وإنما هو فكر وعمل قلب.
ومما تقدم يظهر معنى قول بعض السلف: قليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة.
ثم اعلم أن إحسان ظن الإنسان بنفسه جهالة وضلاله، ولقد ساءت ظنون سادات الأولياء بنفوسهم ومقتوها في ذات الإله ومن دعاء النبي ﷺ (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)، وما تمكن الشيطان من الإنسان إلا من غروره وإحسانه الظن بنفسه.
قال ابن القيم: وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبّس عليه فيرى المساوئ محاسن والعيوب كمالاً فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك.
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه.
стр. 67
وقال ﵀: رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية وعدم علمه بما يستحقه الرب جل جلالته ويليق أن يعامَل به.
وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولّد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولّد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها.
فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، إنتهى.
تأمل هذا فإنه نافع بإذن الله لمن فهمه وعمل بمقتضاه، وإذا كان هذا فعل أرباب العزائم والبصائر في الطاعات فكيف تكون حالنا إذاً؟
ثم ذكر ﵀ قول بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله بنفسه
стр. 68
وعمله؟، ولله در الشيخ أبي مدْين حيث يقول: من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الإفتراء وكلما عظم المطلوب في قلبك صفرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله.
وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق،، ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضاً بكرمه وجوده وتفضله. إنتهى.
فالمؤمن جمع إحساناً في مخافة وسوء ظن بنفسه، والمغرور حسن الظن بنفسه مع إساءته.
ثم ذكر ﵀ بعد ذلك الأثر الذي في مسند الإمام أحمد أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: (إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذُمّ نفسك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وَجِلٍ ولسان صادق).
стр. 69
من فوائد نظر العبد في حق الله عليه
وقال ابن القيم ﵀: ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه أن لا يتركه ذلك يُدلّ (١) بعمل أصلا كائناً ما كان.
ومن أدلّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي فأبكي حتى يكاد ينبت البقل من دموعي.
فقال له: إنك أن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مُدِلّ بعملك فإن صلاة الدال لا تصعد فوقه.
ثم ذكر ﵀ الأثر الذي في مسند الإمام أحمد أن رجلاً من بني إسرائيل كانت له إلى الله حاجة فتعبّد واجتهد ثم طلب إلى الله تعالى حاجته فلم ير نجاحاً، فبات ليلة مُزْرياً على نفسه، وقال: يا نفس مالك لا تقضى حاجتك؟ فبات محزوناً قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه فقال: أما والله ما مِن قِبَل ربي أُتيت ولكن من قِبَل نفسي أُتيت، وألزم نفسه الملامة فقضيت حاجته.
стр. 70
فوائد محاسبة النفس
ذكر ابن القيم ﵀: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والإسترسال معها.
ومن مصالح محاسبتها الإطلاع على عيوبها ومن لم يطالع عيب نفسه لم يمكنه إزالته.
فإذا اطّلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى، وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ قال: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً). انتهى.
تأمل فقه الصحابة ﵃ فإن مقت الناس في ذات الله هو من علامات صحة السلوك وليس من باب من يقول: هلك الناس وهو أهلكهم، لأن الفقيه ماقت لنفسه أعظم من مقته للناس، وذاك معجب بنفسه وبعمله، والإعجاب حجاب.
قال بكر بن عبد الله المزني: (لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفِر لهم لولا أني كنت فيهم).
стр. 71
وقال أيوب السختياني: (إذا ذُكر الصالحون كنت عنهم بمعزل).
ولما احتُضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد: يا أبا عبد الله، أليس قد أمِنْتَ مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين فقال: يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟
قال: إي والله إني لأرجو لك ذلك.
وقال يونس بن عبيد: (إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة).
قال أبو حفص [النيسابوري] (من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يُجْرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغروراً، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها).
ثم قال ابن القيم: فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
стр. 72
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها والتخلص من رِقّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها ومقتاً لها.
ثم ذكر دعاء عمر بن الخطاب ﵁: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري) فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم فما بال الكفر؟ قال: (إن الإنسان لظلوم كفار).
ثم قال ﵀: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصّدّيقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل، وترك المحاسبة والإسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها فإن هذا يؤول به إلى الهلاك.
وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويُمَشِّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مُواقعة الذنوب وأنِسَ بها، وعسر عليه فطامها.
ولو حضره رشده لعلم أن الحُمْية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.
стр. 73
قال الحسن: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من هِمَّته).
وقال ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه).
ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان إن لم تحاسبه ذهب بمالك.
وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألْهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة).
قال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً).
ثم ذكر ابن القيم: أن الذي يُعين العبد على نفسه معرفته أن ربح هذه التجارة سُكْنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم، فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر
стр. 74
أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها.
فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خطر لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم وأقلّهم عقلاً.
وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً). إنتهى.
ذكر ابن القيم أن توبة بن الصّمّة كان محاسباً لنفيه، فحسب يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى ربي بإحدى وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرّ مغشياً عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلاً يقول: (يا لك ركْضة إلى الفردوس الأعلى).
стр. 75
التوبة
الحقيقة أن أحوالنا مزرية وقد لا تخطر هذه الأمور لنا على بال فضلاً أن تكون لنا حالاً كما كانت للسلف. والأسباب القاطعة المانعة كثيرة لكن أهمها عدم الصدق والإخلاص اللذان يقول عنهما الإمام أحمد: بهما ارتفع القوم.
إن تحقيق التوبة النصوح والعبودية الحقة للإله الحق سبحانه أمر شاق وصعب إلا على من يسره الله عليه، وكثير من الناس يظن أن التوبة إنما هي من الفواحش ونحوها من كبائر الذنوب، والصحيح أنها مطلوبة من كل عبد كما قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالعباد إما تائب أو ظالم.
ومن عرف ما تقدم تبين له أن التوبة حتى من الأعمال الصالحة من نقصها والغفلة فيها والتفريط وعدم صلاحيتها لرب العالمين.
ومما يوضح أن التوبة غاية كل أحد ما قرّره ابن القيم ﵀ بقوله: