وقال أيوب السختياني: (إذا ذُكر الصالحون كنت عنهم بمعزل).
ولما احتُضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد: يا أبا عبد الله، أليس قد أمِنْتَ مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين فقال: يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟
قال: إي والله إني لأرجو لك ذلك.
وقال يونس بن عبيد: (إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة).
قال أبو حفص [النيسابوري] (من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يُجْرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغروراً، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها).
ثم قال ابن القيم: فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
стр. 72
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها والتخلص من رِقّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها ومقتاً لها.
ثم ذكر دعاء عمر بن الخطاب ﵁: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري) فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم فما بال الكفر؟ قال: (إن الإنسان لظلوم كفار).
ثم قال ﵀: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصّدّيقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل، وترك المحاسبة والإسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها فإن هذا يؤول به إلى الهلاك.
وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويُمَشِّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مُواقعة الذنوب وأنِسَ بها، وعسر عليه فطامها.
ولو حضره رشده لعلم أن الحُمْية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.
стр. 73
قال الحسن: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من هِمَّته).
وقال ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه).
ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان إن لم تحاسبه ذهب بمالك.
وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألْهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة).
قال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً).
ثم ذكر ابن القيم: أن الذي يُعين العبد على نفسه معرفته أن ربح هذه التجارة سُكْنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم، فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر
стр. 74
أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها.
فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا خطر لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم وأقلّهم عقلاً.
وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً). إنتهى.
ذكر ابن القيم أن توبة بن الصّمّة كان محاسباً لنفيه، فحسب يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى ربي بإحدى وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرّ مغشياً عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلاً يقول: (يا لك ركْضة إلى الفردوس الأعلى).
стр. 75
التوبة
الحقيقة أن أحوالنا مزرية وقد لا تخطر هذه الأمور لنا على بال فضلاً أن تكون لنا حالاً كما كانت للسلف. والأسباب القاطعة المانعة كثيرة لكن أهمها عدم الصدق والإخلاص اللذان يقول عنهما الإمام أحمد: بهما ارتفع القوم.
إن تحقيق التوبة النصوح والعبودية الحقة للإله الحق سبحانه أمر شاق وصعب إلا على من يسره الله عليه، وكثير من الناس يظن أن التوبة إنما هي من الفواحش ونحوها من كبائر الذنوب، والصحيح أنها مطلوبة من كل عبد كما قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالعباد إما تائب أو ظالم.
ومن عرف ما تقدم تبين له أن التوبة حتى من الأعمال الصالحة من نقصها والغفلة فيها والتفريط وعدم صلاحيتها لرب العالمين.
ومما يوضح أن التوبة غاية كل أحد ما قرّره ابن القيم ﵀ بقوله:
стр. 76
وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يُتاب منه فيراه نقصاً ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد يعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب، ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ينفك منها البشر.
وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله.
فليس للعبد كمال بدون التوبة ألبتّة، كما أنه ليس له انفكاك عن سببها، فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار، فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته، ولو وُكِلَ إلى عمله لم ينج به ألبتّة. انتهى.
مِن عدم معرفة التوبة وشأنها يغتر كثير من الناس ممن نشأوا على الإسلام يصلون ويصومون ويحجون ويظنون أن التوبة لغيرهم من أهل الفواحش ونحوهم، ولم يعلم هؤلاء عِظَمَ ما فاتهم من معرفة حقيقة التوبة والسلوك عليها، فهم على دين العادة والمنشأ، ومما يُعلم به شأن التوبة ما ذكره أهل العلم من أن العبد يتوب من التوبة وهذا ظاهره خطأ فاحش لمن لم يعرف المراد، لأن التوبة أجل الأعمال فكيف يقال: التوبة من التوبة، وإنما مرادهم التوبة من رؤية
стр. 77
التوبة لأن العبد في البداية يشهد نفسه ورجوعه إلى ربه وتوبته إليه غائباً عن شهود من جعله كذلك ومنّ عليه به.
وليس الكلام في هذا فهو طويل عريض والإحالة فيه على كتاب (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) و (شفاء العليل) و (طريق الهجرتين) والكل لابن القيم.
لكن هنا إشارة فقط وهو أن التائب لم يتب بحوله وقوته استقلالاً ولا أن الله جعل الهدى في قلبه ثم اهتدى هو استقلالاً أيضاً بل ما يزال ربه يجعله مهتدياً بتخليقه له في كل آناته وأوقاته، فإذا استشعر العبد هذا وعرفه معرفة قلب تاب من شهود نفسه مستقلاً بالتوبة والهدى فهنا يتوب من التوبة.
وهذا إنما يظهر بمعرفة القدر والإيمان به، ويأتي الكلام عليه فيما بعد إن شاء الله.
ولتعلم أن التوبة ليست لأحد دون أحد وأنها كما قال ابن القيم بداية العبد ونهايته.
وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
стр. 78
وهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ثم علّق الفلاح بالتوبة تعليق المسبِّب بسببه. إنتهى.
تأمل هذا تعرف جهل كثير من الناس بالتوبة حيث يظن أنها مقصورة على من ترك الواجبات وفعل المحرمات وهذا غلط فأمر التوبة أجلّ من هذا وهي أشمل وأعمّ من ذلك وقد أمر الله بها سادات الأولياء أهل الإيمان وخيار الخلق ويأتي إن شاء الله زيادة بيان لهذا بل هذا الكتاب كله في شأن التوبة وتصحيحها.
ثم قال ﵀: قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) قسم العباد إلى تائب وظالم وما ثمّ قسم ثالث البتّه وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله، وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس توبوا إلى الله فو الله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة).
ومن علامات التوبة انخلاع قلبه وتقطعه ندماً وخوفاً، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قال: تقطّعها بالتوبة.
стр. 79
ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه.
وهذا هو تقطّعه، وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفاً من سوء عاقبته، فمن لم ينقطع قلبه في الدنيا على ما فرّط حسرة وخوفاً تقطع في الآخرة إذا حقّت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة.
ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضاً: كَسْرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب، لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرّد وإنما هي أمر وراء هذا كله، تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً كحال عبد جان آبق من سيده فأُخِذَ فأُحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بُدّاً ولا عنه غناء ولا منه مهربا، وعَلِمَ أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد عَلِم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وعز سيده.
стр. 80
فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجْدى عائدتها عليه وما أعظم جبْره بها وما أقربه بها من سيده فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين يديه والإستسلام له.
فلله ما أحلى قوله في هذه الحال:
أسألك بعزك وقوتك وغناك فأنا الذليل وأنا الضعيف وأنا الفقير هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته ورَغِم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذلّ لك قلبه.
يا من ألوذ به فيما أومّله ... ومن أعوذ به مما أحاذره ...
لا يخبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتّهم توبته وليرحع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق بشيء أشقّ عليه من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 81
وذكر ﵀ مقاماً من مقامات التوبة قال: لا يعرفه إلا الخواص المحبون الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، فلا يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها، ويرون شأن محبوبهم أعظم وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم لهم، فهم أشد شيء احتقاراً لها وإزراء عليها.
وإذا غفلوا من مراد محبوبهم منهم ولم يوفوه حقه تابوا إليه من ذلك توبة أرباب الكبائر منها فالتوبة لا تفارقهم أبداً. وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) وكلما ازدادوا حباً له ازدادوا معرفة بحقه وشهوداً لتقصيرهم فعظمت لذلك توبتهم ولذلك كان خوفهم أشد وإزراؤهم على أنفسهم أعظم، وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم.
وبالجملة فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه هي التوبة، وسواهم محجوب عنها.
وفوق هذه توبة أخرى الأَوْلى بنا الإضراب عنها صفحاً. إنتهى.
ونحن متى نعرف ما ذكر كما ينبغي فضلاً عن أن يكون مقاماً لنا وحالاً؟!! فكيف بهذا الذي فوقه؟!! فإنا لله وإنا إليه راجعون، واللهم اجبر مصيبتنا بعفوك عنا.
стр. 82
وبما تقدم يُعلم أن التوبة غاية العارفين ونهاية أولياء الله المقربين، ومن عَلِم أن الذنوب على القلوب كالسموم في الأبدان عرف شأن التوبة وقَدْرها.
قال شيخ الإسلام: ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله بحبه فهو كمن ظن أن السم لا يضره مع مداومته عليه لصحة مزاجه.
ولو تدبّر الأحمق ما قصّه الله في كتابه من توبة الأنبياء وما جرى لهم من البلاء الذي فيه تطهير لهم لاستدل على ضرر الذنوب بأصحابها ولو كانوا أرفع الناس.
стр. 83
من أسرار التوبة
قد ظهر مما تقدم أنه لا وصول إلى الله إلا بالتوبة وأنها لا تخص أحداً دون أحد بل هي طريق الأنبياء وأتباعهم على الحقيقة لعظم حق الرب على عبده واستحالة وفاء العبد به، وهنا يحسن ذكر بعض أسرارها ليزداد الأمر وضوحاً وجلاء.
فقد ذكر ابن القيم منها: أن يُكَمِّل لعبده مراتب الذل والخضوع والإنكسار بين يديه والإفتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية، ولو قَدِرَتْ لقالت كقول فرعون، ولكنه قدر فأظهر، وغيره عَجِز فأضْمر (١).
стр. 84
وإنما يُخلّصها من هذه المضاهاة (ذل العبودية) وهو أربع مراتب [ومنها تظهر بعض أسرار التوبة]:
المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعاً محتاجون إليه، فقراء إليه وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحداً.
المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الإختيار، وهو خاص بأهل طاعته، وهو سِر العبودية.
المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته يكون ذلّه، فالمحبة أُسِّسَت على الذلة للمحبوب كما قيل:
إخضع وذلَّ لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يُشال ويُعقدُ
وقال آخر:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذلّ بين المقابر
المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع، كان الذل لله والخضوع أكمل وأتم، إذ يذلّ له خوفً وخشية ومحبة وإنابة وطاعة وفقراً وفاقة.
стр. 85
وحقيقة ذلك: هو الفقر الذي يشير إليه القوم، وهذا المعنى أجلّ من أن يسمى بالفقر، بل هو لبّ العبودية وسرّها، وحصوله أنفع شيء للعبد وأحب شيء إلى الله، فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة وأسباب العبودية والطاعة وأسباب المحبة والإنابة وأسباب المعصية والمخالفة.
ومنها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خوّاص العباد، فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة به وشوقاً إليه ولهجاً بذكره وشهوداً لبرِّه ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافاً على على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت في الصحيحن من حديث أنس بن مالك ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : (لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيِسَ منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيِسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) هذا لفظ مسلم.
стр. 86
والقصد أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله.
ثم قال ﵀: وقد كان الأولى بنا طيُّ الكلام فيه إلا ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله، غير أنا نعلم أن الله سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها.
وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفاً بها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
فاعلم أن الله اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه وفضّله وشرّفه، وخلقه لنفسه، وخلق كل شيء له، وخصّه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلّمه منه إليه واتخذ منهم الخليل والكليم، والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم
стр. 87
معدن أسراره، ومحل حكمته، وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار.
فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني، فإنه خلاصة الخلق، وهو المقصود بالأمر والنهي، وعليه الثواب والعقاب.
فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة فمَنْ دونهم من جميع المخلوقات، وطرد إبليس عن قربه، وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين واتخذه عدواً له.
فالمؤمن من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق، وخيرة الله من العالمين فإنه خلقه ليتم نعمته عليه، وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنلْه أمنيته، ولم يخطر على باله ولم يشعر به، ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة، العاجلة والآجلة التي لا تُنال إلا بمحبته، ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوباً له وأعدّ له أفضل ما يُعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قَدِم عليه.
стр. 88
وعهد إليه عهداً تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه، ويزيده محبة له وكرامة عليه، وما يُبعده منه ويُسخطه عليه ويُسقطه من عينه، وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده، واتخذ منه حزباً ظاهروه ووالوْه على ربه، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه، ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى، فعرّفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم وحذّره موالاتهم والدخول في زمرتهم.
وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته وأنه قد أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة.
فإذا تعرّض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعدّ له أنواع كرامته وفضّله على غيره لغضبه وارتكب مساخطه وأبَق منه ووالى عدوه وظاهره عليه فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر وتعرّض لإغضابه، فبينما هو حبيبه المقرب المخصص بالكرامة إذ انقلب آبقاً شارداً راداً لكرامته
стр. 89
مائلاً عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسياً لسيده إذ عرضت له فكرة فتذكر برّ سيده وعطفه وجوده وكرمه وعَلِم أنه لا بد له منه وأن مصيره إليه وعرضه عليه وأنه إن لم يَقْدم عليه بنفسه قُدِمَ به عليه على أسوأ الأحوال، ففرّ إلى سيده من بلد عدوه وجدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللاً متضرعاً خاشعاً باكياً آسفاً يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه، قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قِياده وألقى إليه زمامه فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضاً عنه ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفواً وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلماً، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا فكيف يكون فرح سيده به؟ وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والإنتقام والعقوبة.
стр. 90
وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير يعيد ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أُخرج منه ولا من يؤيه غير والدته فرجع مكسور القلب حزيناً فوجد الباب مُرْتجاً فتوسّده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبّله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني، ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلْتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخَذَتْه ودخلت.
فتأمل قول الأم: (لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة) وتأمل قوله ﷺ : (لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها) وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء.
стр. 91
فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سِرّ فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفوا عنه العبارة وتدقّ عن إدراكه الأذهان. انتهى.
стр. 92
فقر العبد إلى ربه
ليس المراد بهذا الفقر الذي نعرفه من حاجة العبد إلى ربه في أمور دنياه، وإنما المراد به شيء آخر وأعظم من هذا، وسيتبين فيما بعد إن شاء الله، وهذا كالتقديم له.
قال ابن القيم ﵀: وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له. إنتهى.
هذا الفقر قد لا يجهله أحد وليس هو المراد هنا، وإنما المراد النوع الثاني من الفقر الذي مَنْ أحكم معرفته عرف سرّ عبوديته لربه وأنه بدون حصولها مُعذب القلب والروح في معاشه قبل معاده.
قال ﵀: وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه.
فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم.
стр. 93
وقال: (واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفاً بها مستلماً لأركانها واقفاً بملتزمها، فيا فَوْزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخُلَع إفضاله). والفقر الذي يتكلمون به ويمدحونه ليس هو الفقر الذي يقابله الغنى بالمال وإنما هو فقر كما قال ابن القيم نتيجة علمين شريفين أحدهما: معرفة العبد بربه والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقراً هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته.
قال: وهذا هو الفقر النافع والذي يشير إليه القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه.
ثم ذكر قول الأنصاري: الفقر إسم للبراءة من رؤية المِلكَة يعني أن الفقير هو الذي يجرّد رؤية الملْك لمالكه الحق فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكاً بوجه من الوجوه ويرى أعماله مستحقّة عليه بمقتضى كونه مملوكاً عبداً مستعملاً فيما أمره به سيده.
فنفسه مملوكه وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكاً لنفسه ولا لشيء من ذرّاته ولا لشيء من أعماله.
стр. 94
ثم قال: ولو عرف نفسه حق لمعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن في صورة مَلِك متصرّف.
ثم ذكر من لم تؤثّر فيهم ملكية المال لشهودهم لفقرهم وشهودهم ملكية الرب لهم ولأموالهم وأعمالهم وهم الأنبياء.
ثم ذكر أن من لم يُعافَ من رؤية المِلْكَة ادّعت نفسه ذلك وتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق فهو أكبر همه ومبلغ علمه، إن أُعطي رضي وإن مُنع سخط فهو عبد الدينار والدرهم.
يصبح مهموماً ويمسي كذلك، يبيت مضاجعاً له تفرح نفسه إذا ازداد وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء، بل يكاد يتلف إذا توهّمت نفسه الفقر، وقد يُؤثر الموت على الفقر.
والأول مستغن بمولاه المالك الحق الذي بيده خزائن السموات والأرض، وإذا أصاب المال الذي في يده نائبة رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه فما للعبد وما لِلْجزع والهلع وإنما تصرف مالك المال في مُلْكه الذي هو وديعة في يد مملوكه فله الحكم في ماله إن شاء أبقاه وإن شاء ذهب به وأفناه.
стр. 95
فلا يتّهم مولاه في تصرفه في ملْكه، ويرى تدبيره هو موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلّق ولا له به اكتراث لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق فهو غني به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه.
قد تبين بعض معاني الفقر فيما سبق وهنا زيادة بيان له لعظم أهميته وأنه كما قال ابن القيم: أشرف منازل القوم وأعلاها وأرفعها وأنه روح كل منزلة [من منازل إياك نعبد وإياك نستعين] وسرّها ولبّها وغايتها، وأنه تحقيق العبودية والإفتقار إلى الله تعالى في كل حالة.
وأنه عزل النفس عن مزاحمة الربوبية. إنتهى.
قد يسْتعظم الإنسان هذا الكلام ويقول: ومن يزاحم الربوبية؟ ولو فهم المراد حقيقة لعلم أننا نزاحم الربوبية وقد لا نشعر بذلك.
إن دعوانا ملكيتنا لنفوسنا وذواتنا ولو لم نتكلم بذلك هو مزاحمة الربوبية لأن التحقق بالفقر يُخرج العبد من كل دعوى، والمراد هنا معرفة القلب وحال القلب، وأما أن نقول: نحن مماليك لله بأحوال مخالفة فهذا لا يكلّفنا عناء.
стр. 96
ولعل تأمُّل بعض ما ورد بهذا المعنى يبين المراد فتحصل لنا يقظة نعلم منها ما نحن فيه قبلها.
قال بعضهم وقد سُئل: متى يستحق الفقير اسم الفقر؟
فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له.
قال ابن القيم: وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم، وهو أن يصير كله لله لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه، فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول.
ثم فسّر ذلك بقوله: (إذا كان له فليس له) أي إذا كان لنفسه فليس لله وإذا لم يكن لنفسه فهو لله.
فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمّ مِلْك، واستغناء مناف للفقر. انتهى.
قد ننظر في هذا الكلام فنرى أنه تحصيل حاصل فمَنْ منا لا يرى أنه كله لله؟ والواقع غير هذا، فاللسان يقول ولكن حال القلب
стр. 97
شيئ آخر، إننا نتصرف بأنفسنا كمُلاك لها ولذلك إن تفكرنا بالعبودية فعلى سبيل المعاوضة والإستحقاق، وقد تقدم بيان ذلك.
قال ابن القيم: وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تُنافيه الجِدّة ولا الأملاك، فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم فكانوا أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم. إنتهى.
تأمل كونهم فقراء في غناهم وذلك لتمام شهودهم ملكية الرب سبحانه لهم ولما في أيديهم.
قال ابن القيم: فالفقر ذاتي للعبد، وإنما يتجدد له شهوده ووجوده حالاً وإلا فهو حقيقة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه:
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً ... كما الغنى أبداً وصف له ذاتي
واتفقت كلمة القوم على أن دوام الإفتقار إلى الله مع التخليط خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما.
وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه عين الغنى بالله، وقالوا عن الفقر أنه: البراءة من المِلكة بحيث لا ينازع مالكه الحق.
стр. 98
ولما كانت نفس الإنسان ليست له وإنما هي ملك لله فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها الحق لم يثبت له في الفقر قدم، فالوصول إلى الله من طريق الفقر ولا دخول عليه إلا من بابه.
ومما يحقق شهود العبد لفقره التفاته إلى ما سبقت به السابقة من الله بمطالعة فضله وجوده ومنّته وأن العبد وكل ما فيه من خير فهو محض جود الله وإحسانه، وليس للعبد من ذاته سوى العُدْم، وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل الله عليه.
فإذا شَهِد هذا وأحضره قلبه وتحقق به خلّصه من رؤية أعماله فإنه لا يراها إلا من الله وبالله وليست منه هو ولا به.
ورؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله ويخلصه منها شهود السبق ومطالعة الفضل.
لأنه إذا طالع سبق فضل الله علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده، فلا يشهد له حالاً مع الله ولا مقاماً كما لم يشهد له عملاً.
فقد جعل عُدَّته للقاء ربه فقره من أعماله وأحواله فهو لا يَقْدم عليه إلا بالفقر المحض.
стр. 99
فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه، والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه.
ويُحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكّن من الدخول حتى جئت من باب الذل والإفتقار فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا مُعوّق. فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية ولا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد.
لزوم عتبة العبودية إنما يتخقق بالإفتقار، فالفقر إلى الله على ما تقدم بيانه هو العبودية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ).
وقال: فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته، فلا يرى لغيره شيئاً إلا به وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع
стр. 100
ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهم من مهماته، فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل.
والإنسان ظلوم جهول، فمن جَلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمّل فطرته ووقْفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كالمفلس حقاً من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي من انتسابي إليهما وغيْبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك.
فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبْق منته ودوامه. إنتهى.
стр. 101
الغنى السافل
تقدم ذكر فقر العبد إلى ربه وهنا يأتي ذكر الغنى وأنه قسمان: عال وسافل.
قال ابن القيم ﵀: فالغنى السافل الغني بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث.
وهذا أضعف الغنى فإنه غِنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها وكأن الغنى بها كان حلماً فانقضى. إنتهى.
وصف الغنى السافل بالعواري المستردة من أبلغ الوصف فالمعنى مطابق غاية المطابقة.
فالإنسان إذا تفكر في نفسه وغيره حين وُلد وليس معه شيء فكبر فأتاه ما أتاه من هذه الأعراض الدنيوية وتصرّف بها ثم جاءه الموت فخرج من الدنيا كما جاء.
стр. 102
فالذي يغتر بهذه العواري ويربط أسباب سعادته بها وأن غناه بها هو الغنى هو الهارب حقيقة من الغنى إلى الفقر لأنها أولاً: عارية بيده وليست مُلْكاً له بل هو وإياها مملوكين لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن، وهو الوارث سبحانه الذي يرث الأرض ومن عليها.
وثانياً: لأن فقره الحقيقي الملازم لذاته لا تَسُدّه وتغنيه هذه العواري بل هو فقير مع وجودها وتوفرها.
ثالثاً: هذا خلاف الفطرة لأن الذي في الفطرة إرادة الله وحده لا لإحسانه إليه فقط من إعداده وإمداده وإنما إرادة ذات الإله سبحانه محبة وشوقاً وطلباً وإرادة لا ينفك عنها العبد لا في الدنيا ولا في الآخرة، لكن في الآخرة تحصل الغاية من ذلك بالزلفى للمؤمن والرؤية، إذا تبين هذا ظهر اختلال الموازين عند أكثر الخلق والجهل بالفقر والغنى وأن هذا لا يعرفه من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، قال تعالى: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) وقال تعالى لنبيه ﷺ وهو لا يخصّه بل للأمة كلها: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) بعد أن أمره أن يصبر نفسه مع الذين
стр. 103
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتأمل تعلق إرادتهم بماذا؟.
وبعد أن نهاه أن يَعْدُ عيناه عنهم ملتفتاً إلى زينة الحياة الدنيا، وأخبر سبحانه أن من تلك حاله فقد انفرط عليه أمره فهو يسير خلاف فطرته وخلاف ما خُلق له.
والمؤمن الصادق يضع الدنيا موضعها الذي وضعها الله به ورسوله ﷺ .
فهي في اعتقاده وعمله وسيلة لا غاية ومركب يوصله إلى ربه ليس أن تركبه هي كما تفعل بمن تعبّدها قلبه فصار عبداً للدينار والدرهم.
وهي لما صارت كذلك طُلبت من أي وجه.
وحيث أنه قد تبين شأن الغنى السافل والذي عليه يتنافس المتنافسون فقد ذكر ابن القيم أنه لا هِمة أضعف من همّة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل، وهذا غِنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، وإياه يطلبون، وحوله يحومون.
ولا أحب إلى الشيطان وأبعد من الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده.
стр. 104
قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمناً، ورجل يموت على الكفر وقلب فيه خوف الفقر.
وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله وفقر بعده وهو كالغفوة بينهما.
فحقيق لمن تصح نفسه أن لا يغترّ به ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سبباً لغناه سبباً لغناه الأكبر ووسيلة إليه، ويجعله خادماً من خدمة لا مخدوماً له وتكون نفسه أعزّ عليه أن يُعبِّدها لغير مولاه الحق أو يجعلها خادمة لغيره. إنتهى.
إعلم أن قوله: (بل إذا حصل له جعله سبباً لغناه الأكبر ووسيلة إليه) ليس المراد هنا بالغنى الأكبر إلا الغنى بالله بمحبته والشوق إليه والعمل بطاعته، وإنما ذكرت هذا التنبيه لئلا يصرف الفهم إلى أن الغنى الأكبر أن يعطي الله العبد في الآخرة ما يعطيه فقط لأن هذا وإن كان يحصل للمؤمن في الآخرة وهو يريده أيضاً وإنما المقصود التنبيه هنا لما يَسُدُّ فاقة القلب ويغني فقره وأنه الإله الحق سبحانه، فالغنى به بذاته ولو قُدّر أنه لم يخلق الجنة، وهذا معنى الإله، وهو مألوه القلب ليس معناه فقط الخالق بل المألوه بغاية المحبة
стр. 105
والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء. ومما يقرب هذا للفهم حال الملائكة ﵈ حيث أنهم في نعيم لا يبلغه الوصف ليس لأجل الجنة المخلوقة فهي لم تخلق لهم وليسوا كبني آدم يأكلون ويشربون ويتلذذون بالنكاح ونحو ذلك وإنما نعيمهم بتحقيق عبوديتهم لإلههم الحق سبحانه ومحبتهم له وقربهم منه.
وحالهم هذه تشبهها فطرتنا التي فطرنا عليها وإنما انصراف قلوبنا وأرواحنا عن هذا النعيم طارئ دخيل ليس هو في أصل الفطرة.
إن الشيطان لا يحتاج معنا إلى جهد وعناء فلكثافة جهلنا بما أتى به نبينا ﷺ –وأعني الفقه فيه ليس مجرد قراءته-، وكذلك لإيثارنا العاجل أصبحنا بهذا وذاك صيداً هيّناً سهلاً بخلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم والسلف من عدم تمكّنه منهم، فاللهم أعِذْنا من الشيطان الرجيم.
стр. 106
الغنى العالي
والآن يحسن ذكر الغنى العالي الذي سمَت إليه همم أولياء الله.
قال ابن القيم ﵀: فالغني إنما يصير غنياً بحصول ما يسدّ فاقته ويدفع حاجته.
وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدّها إلا فوْزه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. إنتهى.
أنظر قوله: (لا يسدّها –يعني فاقته- وضرورته وحاجته إلا فوزه بحصول الغني الحميد) ولأن أفكارنا وهممنا لا تزال هنا فنظن أن فوزنا بالغني الحميد ليعطينا ويغنينا بالأعراض المخلوقة في الدنيا وفي الآخرة، وهذا يريده المؤمن ويطلبه من ربه لئلا نشطح لكن القوم في كلامهم عن الفقر والغِنَى في واد غير وادينا فتعلقهم بذات الإله سبحانه.
ثم قال ﵀: فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره البته، فمن لم
стр. 107
يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السّوي حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضَره كل سرور وفرح.
وحقيقة غنى القلب تعلقه بالله وحده، وحقيقة فقره المذوم تعلقه بغيره. إنتهى.
وكمال المخلوق إنما هو بتحقيقه لهذه المقامات السامية العليّة إذ كماله في تحقيقه عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعَلَتْ درجته.
стр. 108
معرفة المعبود الحق بلا جنة ولا نار
قال ابن القيم ﵀: وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يُعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه.
فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه.
وفي بعض الآثار: لو لم أخلق جنة ولا ناراً لكنت أهلاً أن أُعْبَد ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فمِن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يُعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه، فلا نسبه للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه، فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه. إنتهى.
إن كون الرب معبوداً لذاته ولو لم يخلق جنة ولا ناراً لاتّصافه بصفات الجلال والكمال والجمال بما لم تُحِطْ به عقول خلقه؛ ومن هنا يظهر جلياً سِرُّ عبادته سبحانه وأنه لا يكون إلا معبوداً لذاته.
стр. 109
ولذلك فلو تجلى الله لخلقه في الدنيا لَذَهِلوا عن كل شيء سواه لما يجدونه في رؤيته سبحانه من لذة يستحيل أن يجدوا مثلها أو ما يقاربها في شيء آخر مهما يكون، ولذلك صارت رؤيته وسماع كلامه في الجنة أعلى نعيمهم وأعظم ما يلتذون به.
غير أن رؤيته في الدنيا مستحيلة لضعف البشر، ولأنها ليست دار جزاء بل امتحان وابتلاء وإيمان بغيب.
ولذلك فإن أصل العبادة المحبة وهي تابعة للشعور بالمحبوب فلما كان الشعور بالمحبوب في الجنة معاينة وسماعاً على الكمال كَمُلَت اللذة، وفي دعاء النبي ﷺ : (واسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك).
стр. 110
أقسام القلوب
ذكر ابن القيم قول المسيح ﵇ للحواريين: إنكم لن تلحوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين.
وذكر أن أرواح المؤمنين وقلوبهم وُلِدَت بالنبي ﷺ ولادة أخرى غير ولادة الأمهات.
فإنه أخرج أرواجهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم والإيمان وقضاء المعرفة والتوحيد فشاهدت حقائق أُخر وأموراً لم يكن لها بها شعور قبله قال تعالى: (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
ثم قال: والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلب لا يولد ولم يأنِ له بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال.
وقلب قد وُلِد وخرج إلى قضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى فقرتْ عينه بالله وقرّت عيون به وقلوب، وأنِسَت بقربه الأرواح، وذكّرَتْ رؤيته بالله فاطمأن