Полный текст (209 стр.). Показаны 176–209 · переход к 181.
стр. 176
معَاذ [وَهُوَ] رَجُلٌ كَانَ بِالرَّيِّ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا عَلَى مَذْهَبِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ نَوَّاحٌ، أَنُوحُ وَأُنَوِّحُ. فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا النَّوْحُ لِمَنْ يَدْخُلُ بَيْتَهُ وَيُغْلِقُ بَابَهُ وَيَنُوحُ عَلَى ذُنُوبِهِ. فَأَمَّا مَنْ يَخْرُجُ إِلَى أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ، وَيَجُولُ الْأَمْصَارَ فِي النَّوْحِ، فَأَنَا لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْهُ. هَذَا من أَفعَال المستأكلة الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَلَقَدْ صَدَقَ [أَبُو] زُرْعَةَ فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَجُولُ فِي الْبِلَادِ وَيَأْخُذُ الْأَمْوَالَ / مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَصْلَحِ الْقَوْمِ.
١٩٢ - أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّرَّامُ: دَخَلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ عَلَى عَلَوِيٍّ بِبَلْخَ زَائِرًا لَهُ وَمُسَلِّمًا عَلَيْهِ. فَقَالَ الْعَلَوِيُّ لِيَحْيَي: أَيَّدَ اللَّهُ الْأُسْتَاذَ! مَا تَقُولُ فِينَا، أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: مَا أَقُولُ فِي طِينٍ عُجِنَ بِمَاءِ الْوَحْي وغرس غرسا بِمَاءِ الرِّسَالَةِ؟ فَهَلْ يَفُوحُ مِنْهَا إِلَّا مِسْكُ الْهُدَى وَعَنْبَرُ التُّقَى؟ قَالَ: فَحَشَا الْعَلَوِيُّ فَاهُ بالدر.
стр. 177
١٩٣ - أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَزِيزِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوْزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَنْصُورٍ عَبْدَ الْجَبَّارِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَيْسٍ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكَرْمَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا زُهَيْرٍ عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول: جَاءَ إِلَى شِيَرازَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ / وَلَهُ شَيْبَةٌ حَسَنَةٌ، فَلَبِسَ دُشْتَ ثِيَابٍ سُودٍ، وَكَانَ أَحْسَنَ شَيْءٍ. فَصَعَدَ الْكُرْسِيَّ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ. فَأَوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مَوَاعِظُ الْوَاعِظِ لَنْ تُقْبَلَا … حَتَّى يَعِيَهَا قَلْبُهُ أَوَّلَا)
(يَا قَوْمُ مَنْ أَظْلَمُ مِنْ وَاعِظٍ … خَالَفَ مَا قَدْ قَالَهُ فِي الْمَلَا)
(أَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ إِحْسَانَهُ … وَبَارَزَ الرَّحْمَنَ لَمَّا خَلَا؟)
وَسَقَطَ عَنِ الْكُرْسِيِّ وَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ إِنَّهُ مَلَكَ قُلُوبَ أَهْلِ شِيرَازَ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضْحِكَهُمْ أَضْحَكَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْكِيَهُمْ أَبْكَاهُمْ. وَأَخَذَ سَبْعَةَ آلَافِ دِينَارٍ مِنَ الْبَلَدِ.
وَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الشِّيرْجَانَ فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فِي عِلْمِ الْأَسْرَارِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهَا فَقَالَتْ: كَمْ تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَصْرِفُهَا فِي دَيْنٍ عَلَيَّ بِخُرَاسَانَ. فَقَالَتْ: لَكَ ذَلِكَ عَلَيَّ
стр. 178
عَلَى أَنْ تَأْخُذَ وَتَخْرُجَ / مِنْ سَاعَتِكَ. فَرَضِيَ بِهِ، وَحَمَلَتْهُ إِلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ غَدٍ. فَعُوتِبَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِيمَا فَعَلَتْ، فَقَالَتْ: لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ أَسْرَارَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ لِلسُّوقَةِ وَالْعَامَّةِ. فَغِرْتُ على ذَلِك.
قَالَ المُصَنّف: قُلْتُ: فَهَذَا وَمَنْصُورٌ من أصلح الْقَوْم وَقد سَمِعْتُ مَا حَصَّلَا بِالْوَعْظِ. فَكَيْفَ بِرَذَالَةٍ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الطَّلَبِ مِنَ الظَّلَمَةِ.
١٩٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن عَليّ ابْن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ السَّرَّاجُ قَالَ: قَامَ أَبُو مَرْحُومٍ الْقَاصُّ بِالْبَصْرَةِ. فَقَصَّ عَلَى النَّاسِ فَأَبْكَى. فَلَمَّا فَرَغَ من قصصه قَالَ: من يطعمنا ارزة فِي اللَّهِ؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: أَنا. فَقَالَ: اجْلِسْ فقد عَرَفْنَا / مَوْضِعَكَ. ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ ذَلِكَ الشَّابُّ. فَقَالَ: اجْلِسْ فقد عَرَفْنَا مَوْضِعَكَ. فَقَامَ الثَّالِثَةَ. فَقَالَ أَبُو مَرْحُومٍ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ. فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَوْا مَعَه منزله: قَالَ: فأتينا بِقدر من باقلا فَأَكَلْنَاهُ بِلَا مِلْحٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو مَرْحُومٍ: عَلَيَّ بِخَوَانٍ خُمَاسِيٍّ. وَخَمْسِ
стр. 179
مَكَاكِيِّ أُرْزٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ سَمْنٍ، وَعَشْرَةِ أَمْنَاءِ سُكَّرٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ صُنُوبَرٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ فُسْتُقٍ. فَجِيءَ بِهَا كُلُّهَا. فَقَالَ أَبُو مَرْحُومٍ لِأَصْحَابِهِ: يَا إِخْوَانِي ﴿كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا. قَالَ: أَجْرُوا فِيهَا أَنْهَارَهَا﴾ قَالَ: فَأُتِيَ بِذَلِكَ السَّمْنِ فَأُجْرِيَ فِيهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو مَرْحُومٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي ﴿كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنُهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا، مَجْرِيَّةٌ أَنْهَارُهَا. فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي﴾ اغْرِسُوا فِيهَا أَشْجَارَهَا ﴿قَالَ: فَأُتِي بِذَلِكَ الْفُسْتُقِ وَالصُّنُوبَرِ فَأُلْقِيَ فِيهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو مَرْحُومٍ عَلَى أَصْحَابِهِ / فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي﴾ كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنُهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا، مَجْرِيَّةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا، وَقَدْ غُرِسَ فِيهَا أَشْجَارُهَا، وَقَدْ تَدَلَّى لَنَا ثِمَارُهَا. قَالَ: يَا إِخْوَانِي، أُمُورُ الدُّنْيَا مالنا وَلِلدُّنْيَا. اضْرِبوُا فِيهَا بِرَاحَتِهَا ﴿قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَضْرِبُ فِيهَا بِرَاحَتِهِ وَيَدْفَعُهُ بِالْخَمْسِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَحَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ أَنَّ أَحْمَدَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ بِالتَّاجِيَّةِ: أُرِيدُ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَامُوا فَجَمَعُوا، فَقَالَ الَّذِي تَصَدَّى لِلْجَمْعِ وَكِتَابَةِ أَسْمَاءِ النَّاسِ قَدِ اجْتَمَعَ سَبْعُ مِائَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ﴾ لَا أَتَكَلَّمُ إِلَّا بِتَمَامِ الْأَلْفِ. فَرَمَتِ امْرَأَةٌ خُلْخَالًا وَزْنُهُ سَبْعُونَ دِينَارًا. فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: أَيْن
стр. 180
أَخُوهُ؟ فَرَمَتِ الْآخَرَ. فَاجْتَمَعَتْ أَلْفُ دِينَارٍ. فَأَخَذَهَا وَعَبَرَ إِلَى رِبَاطِ الْبَسْطَامِيِّ عَلَى نَهْرِ عِيسَى فَعَمِلَ بَهَا دَعْوَةً لِلصُّوفِيَّةِ. فَأَكَلُوا وَرَقَصُوا، وَمَضَى وَخرج أَحْمد الْغَزالِيّ إِلَى الْمُحَوَّلِ. فَمَرَّ بِنَاعُورَةٍ تَئِنُّ. فَرَمَى طَيْلَسَانَهُ عَلَيْهَا، فَدَارَتْ / فَتَمَزَّقَ قِطَعًا.
وَاسْتَدْعَاهُ السُّلْطَانُ فَتَكَلَّمَ فِي دَارِهِ. فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَنَزَلَ مِنَ الْمَجْلِسِ بَوَجْدِهِ فَرَكِبَ فَرَسَ وَزِيرِ السُّلْطَانِ وَعَلَيْهَا الْمَرْكَبُ الذَّهَب. فَأَخَذَ الْفَرَسَ بِمَا عَلَيْهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ ذُكِرَتْ مِنْ أَخْبَارِهِ عَجَائِبُ فِي التَّارِيخِ.
وَرَأَيْنَا مِنْ رَذَالَتِهِمْ مَنْ يَقُولُ: " عِنْدَنَا عَجُوزٌ فَقِيرَةٌ "! فَيجمع لنَفسِهِ بِهَذِهِ الْحجَّة.
стр. 181
- ﷺ َ - الْبَابُ الْحَادِي عَشَرَ فِيمَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ من ذمّ الْقَصَص وَبَيَان وُجُوه ذَلِك ﷺ َ -
١٩٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن الْحباب المقرىء قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله /: " أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا [هَلَكُوا] قَصُّوا ". قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو أَحْمَدَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَإِنَّمَا وَقَعَ الذَّمُّ لِهَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَاشْتَغَلُوا بِالْقَصَصِ عَنْهُ.
١٩٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 182
إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ عَنِ الْقَصَصِ، فَقَالَ: بِدعَة! إِن أول مَا أحدث الْحَرُورِيَّةُ الْقَصَصُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: اشْتَغَلَتِ الْحَرُورِيَّةُ بِالْقَصَصِ عَنْ حُكْمِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِهِ، وَمَالُوا إِلَى آرَائِهِمْ. فَوَقَعَ لِذَلِكَ ذَمُّهُمْ.
١٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ النُّرْسِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ / بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَنْدَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن المقرىء قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ شَدَّاد أَن
стр. 183
أَبَا صَالِحٍ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ أخبرهُ أَن سليم بْنَ عِتْرٍ التُّجِيبِيَّ كَانَ يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ صِلَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْغِفَارِيّ - وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله - وَالله مَا تَرَكْنَا عَهْدَ نَبِيِّنَا وَلَا قَطَعْنَا أَرْحَامَنَا حَتَّى قُمْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا.
١٩٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَيْرُونَ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلَّاوِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْن الصَّيْرَفِي قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانُ الْعَبَادَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ / بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: مَرَّ بِي أَبِي وَأَنَا عِنْد رجل
стр. 184
يَقُصُّ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا حَتَّى أَتَيْتُ الْبَيْتَ. فَاتَّزَرَ وَأَخَذَ السَّوْطَ يَضْرِبُنِي حَتَّى حَجَرَهُ الزِّنُوقَالُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَمَعَ الْعَمَالِقَةِ؟ أَمَعَ الْعَمَالِقَةِ ثَلَاثًا. إِنَّ هَذَا قَرْنٌ قَدْ طَلَعَ ﴿إِنَّ هَذَا قَرْنٌ قَدْ طَلَعَ﴾ يَقُولُهَا ثَلَاثًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: لَمَّا أَظْهَرَتِ الْخَوَارِجُ الْقَصَصَ وَأَكْثَرَتْ مِنْهُ كُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ.
١٩٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي
стр. 185
أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لوين قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُول الله /: " لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا ".
стр. 186
وَقَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أقبل عَليّ وَقَالَ: وَالله! مَا هُوَ بِالَّذِي تَصْنَعُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ.
٢٠٠ - قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَوَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْمَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ عَن ابْن حَيَّانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ / فَارْتَعُوا. أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي حِلَقَ الْقُصَّاصِ وَلَكِنِّي أَعْنِي حِلَقَ الْفِقْه ".
стр. 187
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ تَذْكِيرُ السَّلَفِ وَوَعْظُهُمْ بِالْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّشْوِيقِ. وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا الْمَيْلَ إِلَى الْقَصَصِ عَنِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ أَوْ أَنْ يَقُصَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵇ لِلْقَاصِّ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخ؟ قَالَ: نعم! قَالَ: قُصَّ
وَلَمَّا كَانَ الْقَصَصُ يُشْغِلُ فِي الْأَغْلَبِ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ مِنَ الْعَلْمِ، كَرِهَ مَا يَشْغَلُ عَنِ الْعَلْمِ خَلْقٌ مِنَ السَّلَفِ.
٢٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ ابْن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ - يَعْنِي الصَّبْغِيَّ - يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ السَّرَّاجَ يَقُولُ: قَالَ
стр. 188
لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمًا، يَبْلُغُنِي أَنَّ الْحَارِثَ هَذَا - يَعْنِي الْمُحَاسِبِيَّ - يُكْثِرُ الْكَوْنَ عِنْدَكَ / فَلَوْ أَحْضَرْتَهُ مَنْزِلَكَ وَأَجْلَسْتَنِي مِنْ حَيْثُ لَا يَرَانِي فَأَسْمَعَ كَلَامَهُ. فَقُلْتُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﴿وَسَرَّنِي هَذَا الِابْتَدَاءُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَصَدْتُ الْحَارِثَ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَحْضُرَنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ. فَقُلْتُ: وَتَسْأَلُ أَصْحَابَكَ أَنْ يَحْضُرُوا مَعَكَ﴾ فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ! فِيهِمْ كَثْرَةٌ فَلَا تَزِدْهُمْ عَلَى الْكُسْبِ وَالتَّمْرِ وَأَكْثِرْ مِنْهُمَا مَا اسْتَطَعْتَ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، وَانْصَرَفْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ. فَحَضَرَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَصَعَدَ غُرْفَةً فِي الدَّارِ، فَاجْتَهَدَ فِي ورده إِلَى أَن فرغ. وَحضر الْحَارِث وَأَصْحَابه فَأَكَلُوا. ثمَّ قَامُوا لِصَلَاةِ الْعَتْمَةِ، وَلَمْ يُصَلُّوا بَعْدَهَا. وَقَعَدُوا بَيْنَ يَدي الْحَارِث وهم سكُوت لَا يَنْطِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَابْتَدَأَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَسَأَلَ الْحَارِثَ عَنْ مَسْأَلَةٍ. فَأَخَذَ فِي الْكَلَامِ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَمِعُونَ، وَكَأن على رؤوسهم الطَّيْرَ. فَمِنْهُمْ / مَنْ يَبْكِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعَقُ وَهُوَ فِي كَلَامِهِ. فَصَعَدْتُ الْغُرْفَةَ لِأَتَعَرَّفَ حَالَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ بَكَى حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ. وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ حَالُهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا فَقَامُوا وَتَفَرَّقُوا. فَصَعَدْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مُتَغَيِّرُ الْحَالِ. فَقُلْتُ: كَيفَ رَأَيْت
стр. 189
هَؤُلَاءِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَلَا سَمِعْتُ فِي عِلْمِ الْحَقَائِقِ مِثْلَ كَلَامِ هَذَا الرجل. وعَلى مَا وصفت مِنْ أَحَوَالِهِمْ فَلَا أَرَى لَكَ صُحْبَتَهُمْ. ثُمَّ قَامَ وَخَرَجَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِاتِّبَاعِهِ الْآثَارِ يَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا.
وَكَانَ الْحَارِثُ يَتَكَلَّمُ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِأَشْيَاءَ لَمْ تُنْقَلْ عَنِ السَّلَفِ. وَكَانَ رُبَّمَا خَاضَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ، وَرَأَى أَحْمَدُ أَنَّ التَّشَاغُلَ بِذَلِكَ يَشْغَلُ عَنِ الْمَنْقُولَاتِ فَكَرِهَهُ.
٢٠٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي / بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا حمد بن أَحْمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: لَأَنْ أَرَى فِي طَائِفَةٍ الْمَسْجِدَ نَارًا تَقِدُ أَحَبُّ إِلَيَّ من
стр. 190
أَنْ أَرَى فِيهَا رَجُلًا يَقُصُّ لَيْسَ بِفَقِيهٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: نِعْمَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ يُؤْذِي وَلَا يَنْفَعُ.
٢٠٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بن عون قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ فَقَالَ: " لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ! "
٢٠٤ - / قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَحَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن عَن
стр. 191
سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - يَقُولُ: مَا أَحَدٌ يَبْتَغِي بِقَصَصِهِ وَجْهَ اللَّهِ غَيْرَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ انْفَلَتَ مِنْهُ كِفَافًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ خَطَرَ التَّذْكِيرِ شَدِيدٌ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
٢٠٥ - أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ ابْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فَهْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: لَمَّا قَصَّ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُوهُ يَزِيدُ.
٢٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قُلَابَةَ قَالَ: مَا أَمَاتَ الْعِلْمَ / إِلَّا
стр. 192
الْقُصَّاصُ. يُجَالِسُ الرَّجُلُ الْقَاصَّ سَنَةً فَلَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَيُجَالِسُ الْعَالِمَ فَلَا يَقُومُ حَتَّى يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: أَكْثَرُ كَلَامِ الْوَاعِظِ الرَّقَائِقُ. فَإِذَا تَشَاغَلَ الْإِنْسَانُ بِسَمَاعِهَا عَنِ الْفِقْهِ قَلَّ عِلْمُهُ.
٢٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَكِيمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ يَقُولُ: أَنَا كُنْتُ سَبَبَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي الْحَدِيثِ. كَانَ يَتَّبِعُ الْقُصَّاصَ فَقُلْتُ لَهُ: لَا يَحْصُلُ فِي يدك مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْءٌ.
٢٠٨ - أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلَّاوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بن مُوسَى
стр. 193
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ / قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ: أَقْرَأُ فِي مُصْحَفِي أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ أَجْلِسُ إِلَى قَاصٍّ؟ قَالَ: اقْرَأْ فِي مُصْحَفِكَ. قُلْتُ: أَعُودُ مَرِيضًا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ أَجْلِسُ إِلَى قَاصٍّ؟ [قَالَ: عُدْ مَرِيضَكَ. قُلْتُ: أُشَيِّعُ جَنَازَةً أحب إِلَيْك أم أَجْلِس إِلَى قاص؟] قَالَ: شَيِّعْ جَنَازَتَكَ. قُلْتُ: اسْتَعَانَ بِي رَجُلٌ عَلَى حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَذْهَبَ مَعَهُ أَمْ أَجْلِسُ إِلَى قَاصٍّ؟ قَالَ: اذْهَبْ فِي حَاجَةِ أَخِيكَ حَتَّى جَعَلَهُ خَيْرَ مَجَالِسِ الْفَرَاغِ.
٢٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي شُجَاعُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ: لَقِيَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأَنَا أُرِيدُ مَجْلِسَ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ فَقَالَ لِي: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا شُجَاعُ؟ ارْجِعِ! ارْجِعْ فَرَجَعْتُ.
٢١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَزْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ / قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
стр. 194
مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ: مَرَّ بِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأَنَا فِي مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ الْقَاصِّ وَأَنَا فِي آخِرِ النَّاسِ. فَمَرَّ بِشْرُ مُطْرِقًا فَنَظَرَ إِلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ وَأَنْتَ أَيْضًا يَا أَبَا الْفَضْلِ؟
٢١١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شُجَاعُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ: لَقِيَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأَنَا أُرِيدُ مَجْلِسَ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، فَقَالَ لِي: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا شُجَاعُ؟ وَأَنْتَ أَيْضًا؟ ارْجِعِ ﴿ارْجِعْ﴾ قَالَ: فَرَجَعْتُ. ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَوْ كَانَ فِي هَذَا خَيْرٌ لَسَبَقَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَوَكِيعٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ.
٢١٢ - أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَيْرُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَتِيقِيُّ / قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى قَاصٍّ، وَلَا إِلَى بَيْعَةٍ، وَلَا إِلَى كَنِيسَةٍ.
стр. 195
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ أَوْضَحْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَضِيلَةَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ. وَلَا يَخْفَى عُمُومُ نَفْعِهِ لِلْعَوَامِّ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ نَافِعًا أَنْ يَتَشَاغَلَ بِهِ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ وَالزُّهَّادُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَحْوَجَ النَّاسَ إِلَى قَاصٍّ صَدُوقٍ.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعِظُونَ. فَبَانَ أَنَّ مَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. ثُمَّ قَدْ غلب عَلَى أَرْبَابِهِ قِلَّةُ الْعِلْمِ وَعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَأَنْ يَجْتَلِبُوا بِهِ الدُّنْيَا وَأَكْثَرُهُمْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَلِأَنَّ الِانْعِكَافَ عَلَيْهِ يَشْغَلُ عَنْ مُهِمِّ الْعِلْمِ. فَمَتَى تخلص من هَذِه الْآفَات فَهُوَ ممدوح.
стр. 196
- ﷺ َ - الْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ فِي ذِكْرِ تَعْلِيمِ الْقَاصِّ كَيفَ يقص ﷺ َ -
قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحْكِمَ الْعُلُومَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الثَّالِثِ.
ثُمَّ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَعْظِهِ، وَيَتَعَفَّفُ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَسْبٌ وَقَنَاعَةٌ بِمَا يَمْلِكُ. وَمَتَى طَمِعَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ النِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ. ثُمَّ لَا يَقَعُ وَعْظُهُ مِنْهُمْ مَوْقِعًا.
وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ مُخَالَطَةَ النَّاسِ، وَأَنْ لَا يُرَى فِي سَاعَةِ وَعْظِهِ [إِلَّا] مُوَقَّرًا، فَإِنَّهُ مَتَى خَالَطَهُمْ أَوْ مَازَحَهُمْ ذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ مِنَ الْقُلُوبِ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵇ لَا تُخْلِطُوا الْعِلْمَ بِضَحِكٍ، فَتَمُجُّهُ الْقُلُوبُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كُنَّا نَضْحَكُ وَنَمْرَحُ، فَلَمَّا صِرْنَا يُقْتَدَى بِنَا، فَمَا يَسَعُنَا التَّبَسُّمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَيَنْبَغِي لِلْوَاعِظِ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ الدُّنْيَا، وَأَنْ يَقْنَعَ بِالْوَسَطِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ إِذَا رَأَى الطَّبِيبَ يَحْتَمِي / كَانَ لَهُ أَنْفَعُ مِنْ أَنْ يَصِفَ لَهُ الْحِمْيَةَ. وَهَذَا إِصْلَاحٌ لِلسَّامِعِينَ وَلَيْسَ بِرِيَاءٍ. فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ تَخَاشَعَ رِيَاءً فَقَدْ عَرَّضَ عَمَلَهُ للإحباط.
стр. 197
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وَعْظِهِ فَلْيَعْلَمْ أَن أَصْحَاب النَّبِي ﵇ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا الْمَوْعِظَةَ أَمَرُوا رَجُلًا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةً. ثُمَّ صَارَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْهُمْ يضم إِلَى الْقِرَاءَة أَحَادِيث رَسُول الله، وَكَلِمَاتٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَكَانَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَعِظُونَ بِكَلِمَاتٍ حِسَانٍ كَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ حَدَثَ الْإِحْدَاثُ وَأَدْخَلُوا فِي الْأَدْوِيَةِ السُّمُومَ عَلَى مَا سبق ذكره.
وسلوك الطَّرِيق الأول الْيَوْم فِيهِ صُعُوبَةٌ لِأَجْلِ الْفِطَامِ عَنِ الْعَادَةِ، وَسُلُوكُ الطَّرِيق الْمُحْدَثَةِ لَا يَصْلُحُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْمِحَنِ.
وَأَنَا أَتَخَيَّرُ لِلْوَعْظِ طَرِيقًا لَا بَأْسَ بِهَا. فَأَقُولُ: أَمَّا الْمِنْبَرُ فَلَا بَأْسَ بِارْتِقَائِهِ، فقد ارتقاه رَسُول الله ٤) . وَأَمَّا الْفَرْشُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ نَوْعَ احْتِرَامٍ / فِي النُّفُوسِ. أَلَا تَرَى إِلَى أُهْبَةِ الْخَطِيبِ وَدَقِّهِ الْمِنْبَرَ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّهُ يُزْعِجُ النُّفُوسَ فَتَتَأَهَّبُ لِتَلَقُّفِ الْإِنْذَارِ. فَأَمَّا إِلْبَاسُ الْمِنْبَرِ الْخِرَقَ الْمُلَوَّنَةَ فَإِنِّي أَكْرَهُهَا.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِذَا ارْتَقَى الْمِنْبَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وَلَا بَأْس أَن يقْرَأ
стр. 198
[من] الْقُرْآن آيَاتٍ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيلِ وَالتَّحْزِينِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْأَلْحَانِ.
٢١٣ - فَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَيَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الْقَوْمِ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَأُ لَهُم القارىء قِرَاءَةً حَزِينَةً. فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَقْرَأُ بِقَرَاءَةِ أَبِي مُوسَى فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي قِرَاءَةٍ الْأَلْحَانِ: أَخَذُوهَا مِنَ الْغِنَاءِ. لَا تَسْمَعْ مِنْهُمْ.
فَصْلٌ
فَإِذَا فَرَغَ الْقُرَّاءُ حَمِدَ الْوَاعِظُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى رَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَدَعَا لِلْإِمَامِ وَالرَّعِيَّةِ. فَإِنْ كَانَتْ لَهُ صِنَاعَةٌ فِي إِنْشَاءِ الْخُطْبَةِ، أَوْ كَانَ يَحْفَظُ / خُطْبَةً فَيَذْكُرُهَا، وَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ الْمُسْتَحْسَنَ لَهُ وَقْعٌ فِي النُّفُوسِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مُتَزَهِّدٍ جَاهِلٍ يَقُولُ: هَذَا تَصَنُّعٌ ﴿فَإِنَّ التَّصَنُّعَ الْمُبَاحَ لِاسْتِجْلَابِ الْقُلُوبِ لَا يُذَمُّ. وَقَدْ كَانَ لرَسُول الله خَطِيبٌ فَصِيحٌ يُقَالُ لَهُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وَشَاعِرٌ هُوَ حَسَّانٌ. فَإِذَا جَاءَهُ خَطِيبٌ أَوْ شَاعِرٌ مِنْ قِبَلِ الْمُشْرِكِينَ قَاوَمَاهُ.
وَلَوْ أَنَّ وَاعِظًا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فِي الْخُطْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ! وَاقْتَصَرَ عَلَى إِعَادَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ مَوْقِعَ مَنْ يَأْتِي بِالْكَلَامِ الْمُسْتَحْسَنِ وَاللَّفْظِ الرَّائِعِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ الْقُرْآنَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّجَوُّزِ وَالِاسْتِعَارَةِ، عَرَفَ مَوْقِعَ الْفَصَاحَةِ مِنَ الْقُلُوبِ.
стр. 199
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلْيَجْتَنِبِ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اجْتَنِبِ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِقَاصِّ الْمَدِينَةِ: اجْتَنِبِ السَّجْعَ من الدُّعَاء، فَإِن رَسُول الله - وَأَصْحَابُهُ / كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْبَغِي أَنْ تَبْعَثَهُ حُرْقَةُ الطَّلَبِ. فَإِذَا صَدَقْتَ شُغِلْتَ عَنِ التَّصَنُّعِ. وَمَتَى وَقَعَ لَا عَنْ تَصَنُّعٍ فَلَا بَأْسَ. فَقَدْ قَالَ ﵇: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ".
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِذَا أَنْهَى الْخُطْبَةَ وَالدُّعَاءَ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الْآيَاتِ الَّتِي
стр. 200
قُرِئت وأدرج فِي تَفْسِيرِهَا مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ وَالْأَخْبَارِ الْمُسْنَدَةِ وَالْحِكَايَاتِ اللَّائِقَةِ بِذَلِكَ.
فصل
قَالَ (المُصَنّف) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَيُظْهِرُ الْجَدَّ فِي تَحْذِيرِهِ وَوَعْظِهِ.
٢١٤ - فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سعد ابْن مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ / عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَكَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ (يَقُولُ) : صَبَّحَكُمْ أَوْ مَسَّاكُمْ.
٢١٥ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: حَدثنَا أَحْمد ابْن جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُول: سَمِعت رَسُول الله يخْطب
стр. 201
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلْيَكُنْ مَيْلُهُ إِلَى الْمُخَوِّفَاتِ أَكْثَرَ، فَإِنَّ الطَّبِيبَ يُقَاوِمُ الْمَرَضَ بِضِدِّهِ، وَقَدْ غَلَبَ الطَّمَعُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَقَوِيَ الرَّجَاءُ وَضَعُفَ الْخَوْفُ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْشِدَ الْأَبْيَاتِ الزُّهْدِيَّاتِ فَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ رَأَى مُدَّعِيًا لِلْوَجْدِ يَصِيحُ، حَذَّرَهُ، فَإِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ رَأَى رَجُلًا فِي مَجْلِسِهِ يَبْكِي فَقَالَ: لَيَسْأَلَنَّكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا؟ وَإِنْ رَأَى مُتَوَاجِدًا قَدْ مَزَّقَ ثَوْبَهُ أَعْلَمَهُ أَنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يُفْسَدُ.
٢١٦ - وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ ابْن خَلَفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ / الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد بن السَّمَّاكُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُتَعَالِي بْنُ طَالِبٍ - وَكَانَ صَالِحًا - قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبنانِيّ عَن أنس قَالَ: وعظ النَّبِي - يَوْمًا فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ صُعِقَ. فَقَالَ النَّبِيُّ: " مَنْ ذَا الْمُلَبِّسُ عَلَيْنَا دِينَنَا؟ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ شَهَرَ نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فمحقه الله "!
стр. 202
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا مَتْنٌ لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد من حَدِيث يُوسُف ابْن عَطِيَّةَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْوَاعِظَ فَصُعِقُوا، وَعَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ مَاتُوا.
٢١٧ - وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيّ يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلَى يَحْيَى فَسَقَطَ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، فَقَالَ / أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا لَدَفَعَهُ يَحْيَى فِي كَثْرَةِ عِلْمِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ هَذَا يَقَعُ لِلضَّعِيفِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ يَهْجِمُ عَلَيْهِ مِنَ التَّخْوِيفِ وَتَصْوِيرِ الْعِقَابِ مَا يُوجِبُ التَّلَفَ. إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَنْدُرُ. وَعَلَامَةُ الصَّادِقِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ أَو بِئْر وَقع فِيهَا إِذْ هُوَ مَغْلُوبٌ. فَأَمَّا الْأَقْوِيَاءُ فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ هَذَا. وَقَدْ صَارَ جُمْهُورُ مَا يَجْرِي الْيَوْمَ تَصَنُّعًا. وَرُبَّمَا وَقَعَتْ بِدَايَةُ الْوَجْدِ صَحِيحَةً، فَيَزِيدُ فِيهَا الشَّيْطَانُ مِثْلُ أَنْ يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ وَيُمْكِنُهُ فِي بَعْضِهِ أَنْ يَتَمَاسَكَ فَلَا يَتَمَاسَكَ. وَقَدْ كَانَ جَوَّابُ يُرْعِدُ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُهُ فَلَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْتَدَّ بِكَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَمْلِكُهُ فَقَدْ خَالَفْتَ مَنْ قَبْلَكَ.
стр. 203
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِذَا حَضَرَ مَجْلِسَهُ نِسْوَةٌ ضرب بَينهُنَّ وَبَين الرِّجَال حِجَابا، وَأَشَارَ إِلَى وَعْظِهِنَّ وَتَخْوِيفِهِنَّ / مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الصَّلَاةِ. وَنَهَاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ وَالْخُرُوجِ. وَذَكَرَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْوَاعِظِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأُصُولِ إِلَّا أَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَخْبَارُ الصِّفَاتِ تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ، وَمَهْمَا خَطَرَ عَلَى الْبَالِ مِنْ صِفَات الْحق أَنه كَذَلِكَ فَهُوَ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . وَإِنَّ أَقْوَامًا قَلَّ عِلْمُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ
стр. 204
وَالْمَوَاعِظِ، فَزَوَّقُوا مَجَالِسَهُمْ بِمَا يُوجِبُ الْعَصَبِيَّةَ مِنْ ذِكْرِ الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْجَزُونَ عَنْ تَحْقِيقِ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَكْيَفَ بِالْعَامِيِّ الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يفِيدهُ مَا يُقَال فِي هَذَا إِلَّا الْخُصُومَاتُ وَفَسَادُ الِاعْتِقَادِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَحَّمَ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَيَأْمُرُ بِالْكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَيُورِدُ الْأَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِهِمْ. / وَيَلْفِتُ السَّائِلَ إِلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْفُرُوضِ وَالْوَاجِبَاتِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ وَعْظَ سُلْطَانًا تَلَطَّفَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُ. وَلَمْ يُوَاجِهْهُ بِالْخِطَابِ، فَإِنَّ الْمُلُوكَ إِنَّمَا اعْتَزَلُوا النَّاسَ لِيَبْقَى جَاهُهُمْ. فَإِذَا وُوجِهُوا بِالْخِطَابِ رَأَوْا ذَلِكَ نَقْصًا. فَلْيَذْكُرِ الْوَعْظَ عَامًّا لِيَأْخُذَ السُّلْطَانُ مِنْهُ نَصِيبًا، وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَاطِينِ مَنْ يُوَاجَهُ بِالْإِنْكَارِ فَيِصْبِرُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ يَحْرُمُ فِي الرَّأْيِ، بَلِ التَّلَطُّفُ أَوْلَى. قَالَ : (فَقُولا لَهُ قولا لينًا) .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﵇: " أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ "؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْجَائِرُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ جَازَ أَنْ
стр. 205
يُوَرِّيَ عَنِ الْحَقِّ خَوْفًا عَلَى النَّفْسِ. وَالْأَفْضَلُ أَن يبدأه بِالْحَقِّ. وَمَتَى أَمْكَنَ التَّلَطُّفُ فَلَا وَجْهَ لِلْعُنْفِ.
وَكَانَ ابْنُ عُقَيْلٍ يَقُولُ: مَا أَسْتَحْسِنُ إِقْدَامَ الْحَسَنِ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ عِلْمِهِ بِجُرْأَةِ الْحَجَّاجِ على السَّيْف.
فَصْلٌ
قَالَ (الْمُصَنِّفُ) : وَلَا يَنْبَغِي لِلْوَاعِظِ أَنْ يُطِيلَ الْمَجْلِسَ. فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا أحب للقاص أَن يمل النَّاس. فَلَا يُطِيل الموعظة إِذَا وَعَظَ.
٢١٨ - وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: الْمَجْلِسُ إِذَا طَالَ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ.
فَصْلٌ
قَالَ (الْمُصَنِّفُ) : وَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي الْأُسْبُوعِ فَإِنْ رَأَى الْهِمَمَ مُتَشَوِّقَةً إِلَى الزِّيَادَةِ جَعَلَهَا مَجْلِسَيْنِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا
стр. 206
فَصْلٌ
قَالَ (الْمُصَنِّفُ) : وَمَتَى كَانَ الْوَاعِظُ عَالِمًا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، / وَالْحَدِيثِ، وَسِيَرِ السَّلَفِ وَالْفِقْهِ، عَرَفَ الْجَادَّةَ وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ مِنْ سُنَّةٍ، وَدَلَّهُ عِلْمُهُ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَصِحَّةِ النِّيَّةِ، وَمَتَى كَانَ قَاصِرَ الْعِلْمِ طَالِبًا لِلدُّنْيَا لَمْ ينفع غَيره وضر نَفْسَهُ.
فَصْلٌ
قَالَ (الْمُصَنِّفُ) : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَقَرَ أَمْرُ الْوَاعِظِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَامِلَ الْعِلْمِ، صَادِقَ الْقَصْدِ عَمَّ نَفْعُهُ، وَاجْتَلَبَ إِلَى بَابِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - عَدَدًا زَائِدًا عَلَى الْحَدِّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى اجْتِلَابِ عُشْرِ عُشَيْرَةٍ فَقِيه، وَلَا مُحدث، وَلَا قارىء؛ لِأَنَّ خِطَابَهُ بِالْوَعْظِ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَخُصُوصًَا الْعَوَامَّ الَّذِينَ [لَا] يُلْقُونَ فَقِيهًا إِلَّا فِي كُلِّ مُدَّةٍ، فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ كَلِمَةٍ. وَهَذَا الْوَاعِظُ كَالرَّائِضِ لَهْمُ يُثَقِّفُهُمْ وَيُقَوِّمُهُمْ وَيُؤَدِّبُهُمْ. فَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى مَنْ أَطْلَقَ ذَمَّ الْوَعْظِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الذَّمُّ للأسباب الَّتِي تقدم ذكرهَا.
فَأَما الدُّعَاء إِلَى الله - تَعَالَى - فمحمود ممدوح، وَلَا وَجه لذمه.
٢١٩ - أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب / قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سهل ابْن سعد أَن رَسُول الله قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
стр. 207
" وَاللَّهِ! لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
٢٢٠ - قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثام من تبعه، لَا ينقص ذَلِك مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنِّي مَا زِلْتُ أَعِظُ النَّاسَ / وَأُحَرِّضُهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ فَقَدْ تَابَ عَلَى يَدَيَّ إِلَى أَنْ جَمَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَقَدْ قَطَعْتُ مِنْ شُعُورِ الصِّبْيَانِ اللَّاهِينَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ طَائِلَةٍ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَدْ جَمَعْتُ فِي آلَاتِ الْوَعْظِ كُتُبًا لَمْ أُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهَا مِنْ تَفَاسِيرِ الْقُرْآنِ الْمُهَذَّبَةِ مِنَ الزَّلَلِ، السَّلِيمَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَصْنُوعَةِ، مِنْهَا كِتَابُ " زَادِ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ " وَأَكْبَرُ مِنْهُ " الْمُغْنِي "، وَكِتَابٌ مُتَوَسِّطٌ سَمَّيْتُهُ " بِإِيضَاحِ
стр. 208
الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ "، وَكِتَابُ " نَاسِخِ الْقُرْآنِ ومنسوخه "، و " مُخْتَصره "، وَكتاب " نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه "، و " مُخْتَصره "، وَكتاب " جَامع المسانيد " جمعت فِي مُسْنَدَ أَحْمَدَ، وَصَحِيحَ الْبُخَارِيِّ، وَصَحِيحَ مُسْلِمٍ، وَكِتَابُ التِّرْمِذِيِّ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ الْأَرْبَعَةُ تَكُونُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا - فَاخْتَصَرْتُهَا فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ مَعَ ذِكْرِ الْأَسَانِيدِ. / وَكِتَابُ " الْحَدَائِقِ " غَايَةٌ لِلْوَاعِظِ، وَمُخْتَصَرُهُ " نقي النَّقْل "، و " المدبج "، وَكِتَابُ " صِفَةِ الصَّفْوَةِ " تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ الزُّهَّادِ وَالصَّالِحِينَ من زمن نَبينَا إِلَى الْآنَ، وَكِتَابُ " مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ " فِي شَرْحِ الْمُعَامَلَاتِ.
وَصَنَّفْتُ كُتُبًا فِي أَخْبَارِ الْأَخْيَارِ، فَمِنْهَا كِتَابُ " فَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، وَكِتَابُ " فَضَائِلِ (عمر) بن عبد الْعَزِيز "، و " الْحسن "، و " الفضيل "، و " أَحْمد بن حَنْبَل "، و " مَعْرُوف "، و " بشر " و " إِبْرَاهِيم بْنِ أَدْهَمَ "، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكِتَابُ " عُيُونِ الْحِكَايَاتِ " فِيهِ خَمْسُ مِائَةِ حِكَايَةٍ مُسْنَدَةٍ.
وَأَمَّا كُتُبُ الْوَعْظِ فَكَثِيرَةٌ يَطُولُ تِعْدَادُهَا، مِنْهَا " تَبْصِرَةُ المبتدىء "، و " كنز الْمُذكر "، و " اللُّؤْلُؤ "، و " الْملح "، و " المدهش " و " الملهب "، و " صبا نجد "، و " نسيم الرياض "، و " الْمُنْتَخب " وَغَيْرُهَا.
وَبَعْضُ هَذِهِ الْكُتُبِ تُغْنِي الْوَاعِظَ وَتَكْفِيهِ طُولَ عُمْرِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى زَخَارِفَ قَدْ أَلَّفَهَا الْأَعَاجِمُ أَكْثَرُهَا كَذِبٌ وَهَذَيَانٌ.
فَصْلٌ
/ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِذَا رُزِقَ الْوَاعِظُ قَرِيحَةً وَفِطْنَةً، وَتَشَاغَلَ بِحِفْظِ هَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا رُزِقَ إِنْشَاءَ مَا يُجَانِسُهَا، وَصَارَ يَقُولُ مَا يُمَاثِلُهَا بديهة. وَليكن أَكْثَرَ اعْتِمَادِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَالْمَنْقُولَاتِ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحين.
стр. 209
فَإِنِّي - بِحَمْدِ اللَّهِ - لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ اشْتِغَالِي بِهَا وَبِعُلُومِ الْحَدِيثِ لَمْ يَكَدْ يُذْكَرُ لِي حَدِيثٌ إِلَّا وَيُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ: صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ مُحَالٌ، وَلِي فِي كُتُبِي الْوَعْظِيَّةِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - أَعْمَالٌ عَجَزَ عَنْهَا مَنْ تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا أُحَدِّثُ بِهَذِهِ النِّعَمِ شُكْرًا، لَا عَجَبًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ يَرَى عَمَلَهُ. وَأَنَا إِنَّمَا أَرَى فَضْلَ الْمُنْعِمِ وَقِلَّةَ شُكْرِي. وَلَقَدْ أَقْدَرَنِي عَلَى أَنْ أَرْتَجِلَ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ مَحْفُوظٍ. وَرُبَّمَا قُرِئَتْ عِنْدِي فِي الْمَجْلِسِ خَمْسُ عَشْرَةَ آيَةً فَآتِي عَلَى كُلِّ آيَةٍ بِخُطْبَةٍ تُنَاسِبُهَا فِي الْحَالِ. وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ إِخْلَاصًا فِي الْقَصْدِ، وَنَفْعًا بِالْعلمِ، إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ.