Полный текст (209 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا صُورًا وَاحِدًا. وَإِنَّمَا هِيَ نفختان: نَفْخَةُ الصَّعْقِ وَنَفْخَةُ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ لِي: يَا فَاجِرُ ﴿إِنَّمَا يُحَدِّثُنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ. وَتَرُدُّ عَلَيَّ؟ ثُمَّ رَفَعَ نَعْلَهُ فَضَرَبَنِي بِهَا، وَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَيَّ ضَرْبًا مَعَهُ. فَوَاللَّهِ﴾ مَا أَقْلَعُوا عَنِّي حَتَّى حَلَفْتُ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ ثَلَاثِينَ صُورًا، لَهُ فِي كُلِّ صُورٍ نَفْخَةٌ. فَأَقْلَعُوا عَنِّي. فَرَحَلْتُ حَتَّى دَخَلْتُ دِمَشْقَ وَدخلت عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: يَا شَعْبِيُّ ﴿بِاللَّهِ حَدَّثَنِي بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ فِي سَفَرِكِ﴾ فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَ التَّدْمُرِيِّينَ. فَضَحِكَ حَتَّى ضَرَبَ بِرِجْلَيْهِ.
١٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمِّرِ الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 142
عَبْدِ اللَّهِ / بْنِ حَمْدُوَيْهِ. وَأَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّسَفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي، قَالَا: أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّيَالِسِيُّ يَقُولُ: صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خلق اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا طائرا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانٍ ". وَأَخَذَ فِي قَصِّهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً. فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنِ معِين، وَيحيى ينظر إِلَى أَحْمد ابْن حَنْبَلٍ. فَقَالَ: أَنْتَ حَدَّثْتَهُ بِهَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ. قَالَ: فَسَكَتَا جَمِيعًا حَتَّى فَرَغَ / مِنْ قَصَصِهِ. وَأَخَذَ الْقُطَيْعَاتِ، ثُمَّ قَعَدَ يَنْتَظِرُ بَقِيَّتَهَا. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِيَدِهِ: تَعَالَ! فَجَاءَ مُتَوَهِّمًا لِنَوَالٍ يُجِيزُهُ. فَقَالَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. فَقَالَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيث رَسُول الله. فَإِن كَانَ لَا بُد وَالْكَذِبُ فَعَلى غَيْرِنَا. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ مَا تَحَقَّقْتُهُ إِلَّا السَّاعَةَ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَيْفَ عَلِمْتَ أَنِّي أَحْمَقٌ؟ قَالَ: كَأَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا. قَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ. فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: دَعْهُ يَقُومُ. فَقَامَ كالمستهزىء بهما.
стр. 143
١٦٥ - وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَكْذَبُ النَّاسِ الْقُصَّاصُ وَالسُّؤَّالُ.
١٦٦ - أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ / قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسْنُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكَدِيمِيُّ قَالَ: كُنْتُ بِالْأَهْوَازِ فَسَمِعْتُ شَيْخًا يَقُصُّ. فَقَالَ: لَمَّا زَوَّجَ النَّبِيُّ
стр. 144
عَلِيًّا [فَاطِمَةَ] أَمَرَ [اللَّهُ] طُوبَى أَنْ تَنْثُرَ اللُّؤْلُؤَ الرَّطْبَ يَتَهَادَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَيْنَهُمْ فِي الْأَطْبَاقِ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ ﴿هَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇. فَقَالَ: وَيْحَكَ﴾ اسْكُتْ. حَدَّثَنِيهِ النَّاسُ. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي يَمَانٌ الْبَحْرِيُّ عَنْ حَفْصٍ التَّسْتُرِيِّ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
١٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمِّرِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بن عبد الْوَهَّاب ابْن مَنْدَهٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا / أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ هَارُونَ بْنِ رَوْحٍ الْبَرَدِيجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَسْبَاطٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْجُرْجَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ الصَّنَعَانِيَّ يَقُولُ: الْجُلُوسُ إِلَى الْقصاص فِيهِ ثَلَاث خِصَال: الرِّضَا،
стр. 145
وَاسْتِخْفَافٌ بِالْعَقْلِ، وَذَهَابُ الْمُرُوءَةِ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ شَدَّدْتَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ ﴿لَوْ أَنِي مَلَكْتُ شَيْئًا من أُمُور الْمُسلمين لنكلت بهم﴾ قلت: بِأَيِّ حُجَّةٍ؟ قَالَ: هُمْ أَكْذَبُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ. وَمَنْ يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ شَرٌّ مِنْهُمْ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ . إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّوَاضُعَ وَمَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عَلَى رَسُولِهِ ﵇. قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ لَا يَسْأَلُ الدَّرَاهِمَ؟ أَجْلِسُ إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ بَصيرًا بالناسخ والمنسوخ، والمكي وَالْمَدَنِي، وَالْخَاص من الْعَام، يُوَافِقُ / قَوْلُهُ فِعْلُهُ، فَاجْلِسْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ؛ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسْوُلِهِ. فَتُشَارِكُهُ فِي كَذِبِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِنَا قَاصٌّ حَدَّثَنِي عَنْهُ فَقِيهَانِ ثِقَتَانِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمَا قَالَ: صَعَدْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ عَاشُورَاء فَقلت: قَالَ رَسُول الله: " مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ لَهُ وَكَانَ لَهُ … وَسَرَدْتُ مِنْ هَذَا كَثِيرًا، كُلُّهُ وَضَعْتُهُ فِي الْوَقْتِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي الْقُصَّاصِ من يسمع الحَدِيث فيخلطه إِذا رَوَاهُ، وَيزِيد فِيهِ.
стр. 146
١٦٨ - أخبرنَا الْمُبَارَكِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عُمَرَ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّقَّاشِ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ قَالَ: كنت مَعَ شُعْبَة، فَدَنَا مِنْهُ شَابٌّ. فَسَأَلَ عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ: أَقَاصٌّ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ؛ فَإِنَّا لَا نُحَدِّثُ الْقُصَّاصَ. فَقُلْتُ / لَهُ: لِمَ يَا أَبَا بِسْطَامٍ؟ قَالَ: يَأْخُذُونَ الْحَدِيثَ مِنَّا شِبْرًا فَيَجْعَلُونَهُ ذِرَاعًا.
١٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنِ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: مَا أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ حَدِيثَهُمْ إِلَّا الْقُصَّاصِ.
стр. 147
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي الْقُصَّاصِ مَنْ يَسْمَعُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةِ فَيَرْوِيهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا كَذِبٌ. فَيُؤْذِي بِهَا النَّاسَ. وَرُبَّمَا سَمِعَهَا مِنْ أَفْوَاهِ الْعَوَامِّ فَرَوَاهَا. وَرُبَّمَا سَمِعَ كَلَامَ الْحَسَنِ أَوْ سَرِيِّ السَّقَطِيِّ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. وَقَدْ صَنَّفَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالنَّقْلِ كُتُبًا فِيهَا الْمَوْضُوعُ
وَالْمُحَالُ.
فَتَرَى الْقُصَّاصَ يُورِدُونَ مِنْهَا وَيَزِيدُونَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْسِينًا لَهَا. وَمِمَّنْ صَنَّفَ لَهُمْ / فِي هَذَا، الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ الطُّوسِيُّ. فَإِنَّهُمْ أَدْرَجُوا فِي كُتُبِهِمْ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا كذب.
стр. 148
وصنف جمَاعَة من الْأَعَاجِم كتبا فِي الْوَعْظ ملؤوها بِالْأَحَادِيِثِ الْمُحَالَةِ وَالْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ. وَفِي التَّفَاسِيرِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ قَدْ ذَكَرَ مِنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ قِطْعَةً. فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ ذِي الْكِفْلِ حَدِيثَ الْكِفْلِ وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَوَرَّعُ من مَعْصِيَةٍ، وَالْكِفْلُ رَجُلٌ مِنْ فُسَّاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَضَافَ حَدِيثَهُ إِلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ.
وَفِي التَّفَاسِيرِ أَن دَاوُد تدرق بأوريا حَتَّى قُتِلَ وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَأَنَّ
стр. 149
يُوسُفَ حَلَّ تِكَّتَهُ فَلَاحَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى يَدِهِ فَانْتَهَى، وَأَنَّهُ جَرَى
стр. 150
عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى.
وَمِمَّا يَرْوِيهِ الْقُصَّاصُ صَلَاةً تُسَمَّى صَلَاةَ الْخَصْمَاءِ تُسْقِطُ الْمَظَالِمَ. فَيُغْرُونَ النَّاسَ بِالظُّلْمِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ. وَمَا أَحَدٌ إِلَّا وَسَهَّلَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْرِقَ وَيُصَلِّي / رَكْعَتَيْنِ يُسْقِطُ بِهِمَا مَا فَعَلَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ مِنْ هَذَا كَثِيرًا فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ.
وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرِيمِيُّ فِي سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ فَوَعَظَ. فَأَتَى بِمُحَالَاتٍ قَبِيحَةٍ. فَكَانَ مِمَّا قَالَ: تزوج النَّبِي امْرَأَةً. فَرَأَى بِكُشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا. فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: الْعَلِيُّ الْأَعْلَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: بِنَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعَيْبِ تَرُدُّ عَقْدَ النِّكَاحِ وَنَحْنُ بِعُيُوبٍ كَثِيرَةٍ لَا نَفْسَخُ عَقْدَ الْإِيمَانِ مَعَ أُمَّتِكَ. لَكَ نِسْوَةٌ تُمْسِكُهُنَّ لِأَجْلِكَ، أَمْسِكْ هَذِهِ لِأَجْلِي. وَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْكَذِبِ وأقبح
стр. 151
الْمُحَالِ ﴿فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا رَدَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَمْ يُعَاتَبْ، وَلَا جَاءَ جِبْرِيلُ، وَلَا جَرَى مِنْ هَذَا شَيْءٌ. وَالْعَجَبُ كَيْفَ يَجْرِي هَذَا بِبَغْدَادَ وَهِيَ دَارُ الْعِلْمِ؟﴾
وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ فَوَعَظَ، وَنَفَقَ. وَكُتِبَ كَلَامُهُ فَنَظَرْتُ فِيمَا كُتِبَ عَنْهُ وَقَدْ كَتَبَ عَلَى الْجُزْءِ / بِخَطِّهِ: هَذَا كَلَامِي. فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ الْتَقَى إِبْلِيسُ بِمُوسَى فِي عَقَبَةِ الطُّورِ فَقَالَ: يَا إِبْلِيسُ ﴿لِم لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ؟ قَالَ: كَلَّا مَا كُنْتُ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ. يَا مُوسَى﴾ ادَّعَيْتَ التَّوْحِيدَ وَأَنَا مُوَحِّدٌ. لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ وَقُلْتَ أَنْتَ: أَرِنِي ﴿فَنَظَرْتَ إِلَى الْجَبَلِ. أَنَا أَصْدَقُ مِنْكَ فِي التَّوْحِيدِ. قَالَ: اسْجُدْ لِلْغَيْرِ. مَا سَجَدْتُ وَأَنْتَ الْتَفَتَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ التَّوْحِيدَ مِنْ إِبْلِيسَ فَهُوَ زِنْدِيقٌ﴾ قَالَ لَهُ مُوسَى: قَدْ غَيَّرْتَ لِبْسَتَكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الشَّيْطَنَةِ. فَقَالَ: ذَلِكَ حَالٌ يَحُولُ وَسَيَتَغَيَّرُ يَا مُوسَى! كُلَّمَا ازْدَادَ مَحَبَّةً لِغَيْرِي ازْدَدْتُ عِشْقًا لَهُ. فَقَالَ لَهُ:
стр. 152
تَذَكُرُهُ؟ قَالَ: أَنَا مَذْكُورُ ذِكْرِهِ (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) . أَلَيْسَ أَقَامَ فِي لَعْنَتِي كَافًا، وَيَاءً؟
وَقَالَ: لَمَّا طُرِدَ إِبْلِيسُ مَا نَقَصَ مِنْ خَدْمَتِهِ، وَلَا مَحَبَّتِهِ، وَلَا ذِكْرِهِ، شَيْئًا.
وَمِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قِيلَ لِمُوسَى (لَنْ تَرَانِي) قَالَ: هَذَا شَأْنُكَ. تَصْطَفِي آدَمَ ثُمَّ تُسَوِّدُ وَجْهَهُ وَتُخْرِجُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَدْعُونِي / إِلَى الطُّورِ ثُمَّ تُشْمِتُ بِيَ الْأَعْدَاءَ ﴿هَذَا فَعِلُكَ بِالْأَحِبَّاءِ، فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالِأَعْدَاءِ؟
قَالَ: وَجَاءَ إِسْرَافِيلُ بِمَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ إِلَى مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ، فَاصْفَرَّ وَجْهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ اللَّهَ مُنْذُ خَلَقَ الدُّنْيَا مَا نَظَرَ إِلَيْهَا. يُرْسِلُ إِلَيَّ مَفَاتِيحَهَا؟ مَاذَا أصنع بهَا؟ إِن كَانَ وَلَا بُد فَمَفَاتِيحُ نَفْسِ صُهَيْبٍ وَأُوَيْسٍ﴾ يَا إِسْرَافِيلُ ﴿هَذِهِ الْمَفَاتِيحُ تُنْقِصُه شَيْئًا؟ قَالَ: لَا﴾ فَقَالَ: مَا لَا يَنْقُصُ الْوَاهِبَ مَا أُرِيدُهُ.
وَقَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَجِبْ رَبِّكَ. فَمَا رَأَى
стр. 153
فِيهِ اهْتِزَازًا. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ﴿مُوسَى اهْتَزَّ لسيره إِلَى الطُّورِ وَأَنْتَ مَا تَهْتَزُّ لِلْمِعْرَاجِ؟ فَقَالَ: أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَمَّا رُفِعَ عِيسَى قَعَدَ وَخَرَقَ مُرَقَّعَتَهُ ثَلَاثَ مِائَةِ خِرْقَةٍ. فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا﴾ مَا سَاوَى عِيسَى قَمِيصًا صَحِيحًا؟ قَالَ: لَا ﴿الدُّنْيَا مَا سَوَّيْتُ أَنْ تَكُونَ لَهُ. فَفَتِّشُوا جُبَّتَهُ، فَوَجَدُوا إِبْرَةً. فَقَالَ: وَعِزَّتِي﴾ لَوْلَا الْإِبْرَةُ / لَرَفَعْتُهُ إِلَى حَظِيرَةِ قُدْسِي. وَمَا ارْتَضَيْتُ لَهُ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، إِنَّمَا حُجِبَ بِإِبْرَةٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمُحَالِ الْبَارِدِ وَالْكَذِبِ الشَّنِيعِ. كَيْفَ كَانَ يَجْرِي بِمَدِينَةِ السَّلَامِ وَسُكِتَ عَنْهُ؟ وَلَوْ ذُكِرَ هَذَا فِي قَرْيَةٍ لَأُنْكِرَ، وَالْعَجَبُ التَّعَصُّبُ لِإِبْلِيسَ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) وَادِّعَاءُ أَنَّهُ كَثِيرُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا شُغْلَ لَهُ إِلَّا الصَّدُّ عَنِ الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
١٧٠ - أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيِّ قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي الْكَذِبِ يَتَوَصَّلُ إِلَى الدُّنْيَا بِالْوَعْظِ.
سَمِعْتُهُ يَوْمًا بِهَمَذَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ إِبْلِيسَ فِي وَسْطِ هَذَا الرِّبَاطِ سَجَدَ لِي. فَقُلْتُ: وَيْحَكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأَبَى. فَقَالَ: وَاللَّهِ﴾ لَقَدْ سَجَدَ لِي أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى دِينٍ وَمُعْتَقَدٍ.
стр. 154
وَكَانَ يزْعم أَنه يرى رَسُول الله فِي يَقَظَتِهِ / لَا فِي نَوْمِهِ. وَكَانَ يَذْكُرُ فِي وَعْظِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمُشْكِلِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَحْكِي حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. فَلَمَّا نَزَلَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَنَا وَضَعتهَا فِي الْوَقْت.
وَله من هَذِه الْجَهَالَاتِ وَالْحَمَاقَاتِ مَا لَا يُحْصَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَانَ عِنْدَنَا وَاعِظٌ يُقَالُ [لَهُ] مَسْعُودٌ الدِّمَشْقِيُّ. فَحَضَرْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا فِي حَالِ صَبْوَتِي فَسَمِعْتُهُ يَقُول: أول قرشي أسلم الْعَبَّاس. وَقَالَ: لَمَّا جِيءَ رَسُولُ اللَّهِ بِصُورَةِ عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ الدُّرُوبَ وَالسِّكَكَ لِيَرَى تِلْكَ الصُّورَةَ فَلَا يَرَى. وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمًا عَائِشَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِطَبَقٍ فِيهِ رُطَبٌ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ. فَيَتَزَوَّجُهَا، فَقَالَ النَّبِي: مَا أَجْوَدَ هَذَا الرُّطَبَ ﴿فَقَالَتْ: هَذَا مِنْ بُسْتَان لنا وَلكنه متاخم لِلْمُنَافِقين. وَإِنَّمَا قَالَت: هَذَا مِنْ بُسْتَانٍ لَنَا وَلَكِنَّهُ مُتَاخِمٌ لِلْمُنَافِقِينَ، لِتَعْلَمَهُ وَتُقَرِّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ / سَيَتَكَلَّمُونَ فِيَّ. فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا وَقُذِفَتْ قَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَمَضَتْ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، فَقَالَ لَهَا: إِذَا لَمْ يُرِدْكِ الرَّسُولُ، فَاخْرُجِي عَنِّي﴾ فَقَالَتْ: أَيْنَ أَذْهَبُ؟ فَمَضَتْ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا، فَقَالَتْ: إِذَا لَمْ يُرِدْكِ الرَّسُولُ، فَاخْرُجِي عَنِّي ﴿فَقَالَتْ: أَيْنَ أَذْهَبُ؟ فَقَالَت: اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ خَالَتِكِ أُمِّ مِسْطَحٍ﴾ فَذَهَبَتْ.
стр. 155
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَا زَالَ يَذْكُرُ مِنْ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكَذِبِ الْبَارِدِ حَتَّى بَهَتُّ أَنَا مَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ.
وَقَدِمَ أَبُو الْفُتُوحِ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فَوَعَظَ بِبَغْدَادَ، فَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " أَصْبَحْتُ ضَالًّا بَيْنَ الضُّلَّالِ وَأَعْمَى بَيْنَ الْعُمْيَانِ " فَأُحْضِرَ الدِّيوَانَ وَأَحْضَرُوا الْفُقَهَاءَ فَقَالَ ابْنُ سَلْمَانَ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ: لَوْ قَالَ هَذَا الشَّافِعِيُّ مَا قَبِلْنَاهُ فَمُنِعَ مِنَ الْجُلُوسِ.
وَقَدِمَ عَلَيْنَا صِهْرٌ الْعَبَّادِيُّ فَوَعَظَ. وَصَنَّفَ كِتَابًا فَحَمَلَهُ إِلَيَّ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ دَخَلَا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ مَشْغُولٌ. / ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمَا فَقَامَ فَقَبَّلَهُمَا وَوَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا. فَرَجَعَا، فَأَخْبَرَا أَبَاهُمَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " عُمَرُ نُورُ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا
стр. 156
وَسِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّهِ فِي الْجَنَّةِ ". فَرَجَعَا إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَاهُ. فَاسْتَدْعَى دَوَاةً وَقِرْطَاسًا وَكَتَبَ: حَدَّثَنِي سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ رَسُول الله أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَأَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَأَصْبَحُوا وَإِذَا الْقِرْطَاسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَفِيهِ: صَدَقَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِذَا كَانَ الْقُصَّاصُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَكَيْفَ لَا يُذَمُّونَ؟ .
قَالَ: وَقَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ فَوَعَظَ بِبَغْدَادَ. فَكَانَ يَرْوِي مَا يَجِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ. فَإِذَا سُئِلْتُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمُحَالِ الَّذِي يَرْوِيهِ بَيَّنْتُهُ، فَعَاتَبَنِي عَلَى هَذَا. فَقُلْتُ: هَذِهِ أَمَانَةٌ لَا يَحِلُّ لِي كَتْمُهَا.
وَهَذَا فَنٌّ يَطُولُ وَأَكْثَرُ أَسْبَابِهِ / أَنَّهُ قَدْ تَعَانَى بِهَذَهِ الصَّنَاعَةِ جُهَّالٌ بِالنَّقْلِ، يَقُولُونَ مَا وَجَدُوهُ مَكْتُوبًا وَلَا يَعْلَمُونَ الصِّدْقَ مِنَ الْكَذِبِ. وَفِيهِمْ كَذَّابُونَ يَضَعُونَ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَهُمْ يَبِيعُونَ عَلَى سُوقِ الْوَقْتِ. وَاتُّفِقَ أَنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الْجُهَّالَ مِنَ الْعَوَامِّ الَّذِينَ هُمْ فِي عِدَادِ الْبَهَائِمِ. فَلَا يُنْكِرُونَ مَا يَقُولُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَيَقُولُونَ: قَالَ الْعَالِمُ؛ فَالْعَالِمُ عِنْدَ الْعَوَامِّ مَنْ صَعَدَ الْمِنْبَرَ.
стр. 157
١٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرِيرِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَاسٍ النَّخَعِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ زُرْعَةُ / فَأَرَادَتْ أُمُّ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تَسْتَفْتِي فِي شَيْءٍ فَأَفْتَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَمْ تقبل. وَقَالَت: لَا أقبل إِلَّا مَا يَقُول زُرْعَةُ الْقَاصُّ ﴿فَجَاءَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى زُرْعَةَ فَقَالَ: هَذِهِ أُمِّي، تَسْتَفْتِيكَ فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي وَأَفْقَهُ. فَأَفْتِهَا أَنْتَ﴾ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ أَفْتَيْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ زُرْعَةُ: الْقَوْلُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَرَضِيَتْ وَانْصَرَفَتْ.
١٧٢ - أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النِّعَالِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ [قَالَ حَدَّثَنَا] ابْنُ مهرويه قَالَ: حَدثنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ الْوَرَّاقُ قَالَ: رَأَيْتُ الْعُتَّابِيَّ يَأْكُلُ خُبْزًا عَلَى الطَّرِيقِ بِبَابِ الشَّامِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! أَمَا تَسْتَحِي؟ فَقَالَ لِي: أَرَأَيْتَ لَوْ
стр. 158
كُنَّا فِي دَارٍ فِيهَا بَقَرٌ أَكُنْتَ تَحْتَشِمُ أَنْ تَأْكُلَ / وَهِيَ تَرَاكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَاصْبِرْ حَتَّى أُعْلِمَكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ ﴿فَقَامَ فَوَعَظَ وَقَصَّ حَتَّى كَثُرَ الزِّحَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: رُوِيَ لَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَن مَنْ بَلَغَ لِسَانُهُ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ لَمْ يَدْخِلِ النَّارَ. قَالَ: فَمَا بَقِيَ مُنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أخرج لِسَانه يومىء بِهِ نَحْوَ أَرْنَبَتِهِ وَيُقَدِّرُهُ هَلْ يَبْلُغُهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ لِي الْعُتَّابِيُّ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ؟ .
١٧٣ - أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَة بن يُوسُف قَالَ: أخبرنَا أَبُو أَحْمد بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ حُسَيْنٍ يَقُولُ: كَانَ يُجَالِسُنَا رَجُلٌ حَمَّالٌ فَفَقَدْنَاهُ. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ﴾ مَا لِي لَيْسَ أَرَاكَ عِنْدَنَا؟ قَالَ: حَذَّرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْكُمْ - يَعْنِي غُلَامَ خَلِيلٍ - قُلْتُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ ﴿النَّبِيُّ ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُهُ ﵎﴾ قُلْتُ: أَكْثَرَ اللَّهُ فِي أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَكَ! .
قَالَ: وَسَجَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سَجَدَ وَجْهِي لِمَاصِّ بَظَرِ أُمِّهِ.
قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَسَمِعْتُ / الْحُسَيْنَ الْكَرَابِيسِيَّ يَقُولُ: كَانَ هَاهُنَا
стр. 159
بِبَغْدَادَ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَرْحُومٍ الْحَجَّامُ. كَانَ يَكُونُ فِي مَسْجِدٍ وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ. فَقَالَ يَوْمًا: سَلُونِي عَنِ التَّفْسِيرِ وَتَفْسِيرِ التَّفْسِيرِ ﴿فَقَامَ رَجُلٌ وَرَاءَ الدَّرَابِزِينِ فَقَالَ: يَا أَبَا مَرْحُومٍ﴾ فَقَالَ: طَعْنَةٌ يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ ﴿فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ دَعَا لَكَ ثُمَّ تَقُولُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ) قَالَ: مَاذَا تَقُولُ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ؟ قَالَ: الْمُحَاقَلَةِ حَلْقُ الثِّيَابِ عِنْدَ السِّمْسَارِ، وَالْمُزَابَنَةِ أَنْ تُسَمِيَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ زُبُونًا.
قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: وَأَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى بَابِ دَارِي مَرَّ بِي شَيْخٌ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ مَعَهُ زِنْبِيلٌ فِيهِ خِيَارٌ أَصْفَرُ. فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ﴾ لِمَ
стр. 160
حَلَقْتَ رَأْسَكَ وَلِحْيَتَكَ؟ قَالَ: حُكْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ … ... لَهُ: أيش من حكم الْكتاب السّنة؟ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو مَرْحُومٍ: إِنَّ هَذَا الشَّعْرَ نَبْتٌ عَلَى الضَّلَالَةِ / فَاحْلِقُوهَا عَلَى الطَّاعَةِ ﴿قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسَ عَلَى أَنْ حَلَقُوا لِحَاهُمْ.
فصل
قَالَ المُصَنّف: وَقد كَانَ فِي الْقُصَّاصِ مُغَفَّلُونَ. فَمِنْهُمْ سَيْفُوَيْهِ كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي التَّغْفِيلِ.
١٧٤ - أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَحْظَةُ قَالَ: قِيلَ لِسَيْفُوَيْهِ الْقَاصِّ: قَدْ أَدْرَكْتَ النَّاسَ، فَلِمَ لَا تُحِدِّثُ؟ فَقَالَ: اكْتُبُوا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ سَوَاءً﴾ قَالُوا: لَهُ مِثْلُ أَيْشِ؟ قَالَ: كَذَا سَمِعْنَا، وَكَذَا نُحَدِّثُ.
١٧٥ - أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ سَيْفُوَيْهِ:
стр. 161
(لَيْتَ) أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْنِي وَأَنِّي السَّاعَةَ أَعْوَرُ بِعَيْنٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَبَلَغَنَا عَنْ سَيْفُوَيْهِ أَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا حِمَارًا فَمَرَّ بِمَقْبَرَةٍ فَنَفَرَ حِمَارُهُ عِنْدَ قَبْرٍ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ بَيْطَارًا.
وَقَرَأَ يَوْمًا / (ثُمَّ فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه) فَقَالَ: هَذِه خلقت لبغا وَوَصِيفٍ. فَأَمَّا أَنْتُمْ فَيَكْفِيكُمْ شَرِيطٌ بِدَانِقٍ وَنِصْفٍ.
وَسُئِلَ: إِن اشْتَهَى أَهْلُ الْجَنَّةِ عَصِيدَةً كَيْفَ تُعْمَلُ؟ فَقَالَ: يُبْعَثُ لَهُمْ أَنَهارُ دِبْسٍ وَدَقِيقٍ وَأُرْزٍ وَيُقَالُ: اعْمَلُوا وَكُلُوا وَاعْذُرُونَا.
١٧٦ - أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ: قَالَ أَبُو أَحْمَدَ التَّمَارُ فِي قَصَصِهِ: لَقَدْ عَظَّمَ رَسُولُ اللَّهِ حَقَّ الْجَارِ حَتَّى قَالَ فِيهِ قَوْلًا أستحيي وَاللَّهِ أَنْ أَذْكُرَهُ!
١٧٧ - قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَجَاءٍ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ:
стр. 162
سَمِعْتُ الْعَلَاءِ بْنَ صَالِحٍ يُحَدِّثُ قالَ: كَانَ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عُمَرَ قَاصًّا. فَقَصَّ يَوْمًا، فَلَمَّا كَادَ مَجْلِسُهُ يَنْقَضِي قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعمُونَ أَنِّي لَا أَقرَأ من الْقُرْآن شَيْئًا. وَإِنِّي لَأَقْرَأُ مِنْهُ الْكَثِيرَ بِحَمْدِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قُلْ هُوَ الله أحد) ثُمَّ أُرْتُجَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَشْهَدَ خَاتِمَةَ / هَذِهِ السُّورَةِ فَلْيَحْضُرْنَا فِي مَجْلِسِ فُلَانٍ.
١٧٨ - أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو كَعْبٍ الْقَاصُّ فِي قَصَصِهِ يَوْمًا: كَانَ اسْمُ الذِّئْبِ الَّذِي أَكَلَ يُوسُفَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالُوا لَهُ: فَإِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ﴾ قَالَ: فَهُوَ اسْمُ الذِّئْبِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ يُوسُفَ.
فصل
قَالَ المُصَنّف: وَكثير من الْقصاص يملؤون الْمَجْلِسَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَصَلَاةِ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا
стр. 163
يَحُثُّونَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ. وَفِيهِمْ مَنْ يَرْوِي أَحَادِيثَ التَّخْوِيفِ الْمَوْضُوَعَةَ إِلَى أَنْ يُقَنِّطَ النَّاسَ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَفِيهِمْ مَنْ يَرْوِي أَحَادِيثَ الرَّجَاءِ الْمَصْنُوعَةَ أَوِ الَّتِي لَهَا مَعْنًى كَقَوْلِهِ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ دَخَلَ الْجَنَّةَ " وَلَا يُبَيِّنُونَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي بِدَايَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ / لَا يَكْفِي الْقَوْلُ حَتَّى يُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ. وَفِيهِمْ مَنْ يُورِدُ فَضْلَ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا وَأَنَّ السُّنِّيَّ نَاجٍ مَغْفُورٌ لَهُ حَتَّى يَظُنَّ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَنْبٌ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنَ الْقُصَّاصِ مَنْ يَأْمُرُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ. وَيُدْرِجُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارَ الْمُتَزَهِّدِينَ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ، وَمَنْ كَانَ يَطْوِي أَيَّامًا وَلَا يَنَامُ اللَّيْلَ وَيَهْرَبُ مِنَ الْخَلْقِ. فَيَرَى الْعَامَّةُ تَرْكَ عَائِلَتَهُ وَيَهْرَبُ إِلَى السِّيَاحَةِ أَوْ يَنْقَطِعُ فِي الْمَسْجِدِ. فَإِنْ طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ فَرْضَهَا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، لَعَنَ امْرَأَتَهُ وَتَسَخَّطَ عَلَى الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الشَّرْعِ. وَلَوْ أَنَّ الْقَاصَّ فَهِمَ، لَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْمَذْمُومَ فُضُولُ الدُّنْيَا الشَّاغِلَةُ عَنِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ. ثُمَّ إِنَّ الْعَوَامَّ مُحْتَاجُونَ إِلَى تَعْرِيفِ الْفَرَائِضِ. وَمَنْ هُوَ مُفَرِّطٌ فِي الصَّلَاةِ، مُخِلٌّ بِالْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ، مُتَقَاعِدٌ عَنِ الْحَجِّ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَعَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ / مَعَ الْجِدَّةِ. فَأَيْنَ هُوَ والنوافل.
стр. 164
فصل
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنَ الْقُصَّاصِ مَنْ يَذْكُرُ فِي مَجْلِسِهِ ذَمَّ الدُّنْيَا وَيَقُولُ: فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ. وَيُبَالِغُ فِي ذَمِّ الدَّهْرِ وَمَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ، كَأَنَّهُ مَا سَمِعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِن الله هِوَ الدَّهْرُ "، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَفْعَلُ، إِنَّمَا هُوَ ظرف.
قَالَ [المُصَنّف] : وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَوْتَ، وَالْفِرَاقَ، وَتَخْرِيقَ الْبِلَى. فَيُجَدِّدُ مَصَائِبَ النِّسَاءِ وَالضِّعَافِ الْقُلُوبِ. وَيُحَرِّكُهُمْ إِلَى التَّسَخُّطِ بِالْأَقْدَارِ. وَهَذَا جُمْهُورُ مَا يَقُولُونَهُ فِي الْأَعْزِيَةِ، وَهُوَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ أَهْلُ الْمَصَائِبِ بِالصَّبْرِ، وَهُمْ يَحُثُّونَ عَلَى الْجَزَعِ. قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: حَضَرْنَا فِي بَعْضِ الْأَعْزِيَةِ عِنْدَ شَيْخٍ قَدْ مَاتَ ابْنُهُ فَقَرَأَ قاريء: (إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا) فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ. فَقُلْتُ: هَذِهِ نِيَاحَةٌ بِالْقُرْآنِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنَ الْقُصَّاصِ مَنْ يُوِردُ عَلَى أَقْوَامٍ قَدْ سَكَنَتِ الْقُلُوبَ إِلَى تَعْظِيمِهِمْ مَا لَا يَحْسُنُ، فَيَقْتَدِي / بِذَلِكَ الْجَاهِلُ، وَالْغَلَطُ قد
стр. 165
وَقَعَ مِمَّنْ فَعَلَهُ وَمِنْ مُورِدِهِ إِذَا لَمْ يَفْهَمْ أَنَّهُ خَطَأٌ. قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: وَذَلِكَ مِثْلُ مَا يُرْوَى أَنَّ أَبَا يَزِيدَ تَرَاعَنَتْ عَلَيْهِ نَفسه فَحلف أَن لَا يَشْرَبَ الْمَاءَ سَنَةً. وَمِثْلُ مَا يُنْقَلُ أَنَّ امْرَأَةً نَظَرَ إِلَيْهَا رَجُلٌ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا الَّذِي أَعْجَبَكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: عَيْنَاكِ. فَدَخَلَتْ بَيْتَهَا وَقَلَعَتْ عَيْنَيْهَا وَأَنْفَذَتْهُمَا إِلَيْهِ فِي قِرْطَاسٍ.
وَأَنَّ قوما قيروا أَعينهم حَتَّى لَا ينْظرُوا إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا. فَيَبْكِي عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْأَغْمَارُ الْجُهَّالُ بِالشَّرْعِ، وَيَحْسَبُونَ ذَلِكَ مَقَامًا مِنَ الْمَقَامَاتِ. وَلَوْ فَطِنَ الْمُورِدُونَ لِهَذَا أَنَّهُ طَعْنٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ لَمَا سَرَدُوا هَذِهِ الْقَبَائِحَ عَلَى الْجُهَّالِ. وَوَجْهُ الْقُبْحِ أَنَّ الْهَيَاكِلَ وَالْأَنْفُسَ مِلْكٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَوَدَائِعُ عِنْدَنَا. فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَضَعَ عُقُوبَةً مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا وَلَا نَسْتَوْفِيهَا مِنَّا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ لَا يُجْزِي، وَإِنْ فَعَلَهُ أَعَادَهُ الْإِمَامُ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنَ الْقُصَّاصِ مَنْ يَمْضِي أَكْثَرَ مَجْلِسِهِ فِي الْعِشْقِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِنْشَادِ الْغَزَلِ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَى وَصْفِ الْمَعْشُوقِ وَجَمَالِهِ، وَشَكْوَى أَلَمِ الْفِرَاقِ، حَتَّى أَنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ الْقُصَّاصِ يُنْشِدُ عَلَى الْمِنْبَرِ:
(أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الْخَمْرُ … وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا فَقَدْ أَمْكَنَ الْجَهْرُ)
стр. 166
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يُنْشِدُ:
(أُعَانِقُهَا وَالنَّفْسُ بَعْدُ مَشُوقَةٌ … إِلَيْهَا، وَهَلْ بَعْدَ الْعِنَاقِ تَدَانِي)
(وَأَلْثِمُ فَاهَا كَيْ تَزُولَ صَبَابَتِي … فَيَزْدَادُ مَا أَلْقَى مَنَ الْهَيَمَانِ)
وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ الْحَاضِرِينَ أَجْلَافٌ، بَوَاطِنُهُمْ مَحْشُوَّةٌ بِالْهَوَى، مُمْتَلِئَةٌ بِحُبُّ الصِّوَرٍ. وَلَا تَخْلُو الْمَجَالِسُ مِنَ النِّسَاءِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ. وَمِثْلُ هَذَا يُحَرِّكُ مَا فِي النُّفُوسِ. فِإِنْ كَانَ الْقَاصُّ شَابًّا مُسْتَحْسَنًا، قَلِيلَ الدِّينِ، كَانَ الْحَدِيثُ مَعَهُ!
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصِنِّفُ: وَمِنَ الْقُصَّاصِ مَنْ يُخْرِجُ الْكَلَامَ فِي الْمَحَبَّةِ إِلَى فَنٍّ آخَرَ. فَيَحْمِلُ صِفَةَ الْحَقِّ عَلَى حَدِيثِ سُعْدَى وَلُبْنَى، وَيُشِيرُ بِهَذَا إِلَى ذَاكَ، وَالْعَامِيُّ / لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ. فَإِنْ أَفْلَحَ وَفَهِمَ تَخَايَلَ وُجُودَ صُورَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ يَشْتَاقُ إِلَيْهَا. فَيَطِيشُ، وَيَصِيحُ، وَيُمَزِّقُ ثِيَابَهُ.
стр. 167
قَالَ ابْن عقيل: أَخذ بعض الوعاظ الْأَعَاجِم يَقُولُ: يَا مُوسَى ﴿مَنْ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَخِي هَارُونُ. يَا مُحَمَّدُ﴾ مَنْ تُرِيدُ؟ قَالَ: عَمِّي وَأُمِّيِّ. يَا نُوحُ ﴿مَنْ تُرِيدُ؟ قَالَ: ابْنِي. يَا يَعْقُوبُ﴾ مَنْ تُرِيدُ؟ قَالَ: يُوسُفُ. ثُمَّ قَالَ: كُلُّكُمْ يُرِيدُ مِنِّي؟ أَيْنَ مَنْ يُرِيدُنِي؟ ثمَّ احتد وصك الْكُرْسِيّ صَكَّة وَقَالَ: يَا قارىء ﴿اقْرَأ (يُرِيدُونَ وَجهه) فَقَرَأَ القارىء وَضَجَّ الْمَجْلِسُ وَصَعِقَ قَوْمٌ، وَخُرِقَتْ ثِيَابُ قَوْمٍ بِشَعْبَذَةِ ذَاكَ. فَاعْتَقَدَ قَوْمٌ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لُبَابَ الْحَقِّ وَعَيْنَ الْعِلْمِ. فَحُكِيَ ذَاكَ الْمَجْلِسُ لِحَنْبَلِيٍّ، يَعْنِي ابْنَ عُقَيْلٍ نَفْسَهُ، فَأَخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَأْخُذُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْجُهَّالِ بِهِ. فَاحْتَدَّ وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ وَمَا الَّذِي بَيْنَ الطِّينِ وَالْمَاءِ، وَبَيْنَ خَالِقِ السَّمَاءِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ حَتَّى يكون بَينه وَبَين خلقه إِرَادَة لَهُ، لَا إِرَادَةَ مِنْهُ؟ يَا مُتَوَهِّمَةَ الْأَشْكَالِ / فِي النُّفُوس ﴿يَا مصورين الباريء بِصُورَةٍ تَثْبُتُ فِي الْقُلُوبِ﴾ مَا ذَاكَ اللَّهَ. ذَاكَ صَنَمٌ شَكَّلَهُ الطَّبْعُ وَالشَّيْطَانُ، وَالتَّوَهُّمُ لِلْمُحَالِ. فَعَبَدْتُمُوهُ، لَيْسَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَصْفٌ تَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ وَلَا تَشْتَاقُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ. بَلْ مُبَايَنَةُ الْإِلَهِيَّةِ لِلْحَدَثِيَّةِ أَوْجَبَتْ فِي النُّفُوسِ هَيْبَةً وَحِشْمَةً. إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجَلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّمَا صَوَّرَ أَقْوَامٌ صُورَةً تَجَدَّدَ لَهُمْ بِهَا أُنْسٌ. فَأَقْلَقَهُمُ الشوق إِلَيْهَا فَنَالَهُمْ مَا يَنَالُ الْهَائِمُ فِي الْعِشْقِ. وَهَذِهِ الْهَوَاجِسُ الرَّدِيَّةِ يَجِبُ مَحْوُهَا عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَجِبُ كَسْرُ الْأَصْنَامِ.
стр. 168
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِحُسَيْنٍ الْحَلَّاجِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ. وَالرَّجُلُ إِنَّمَا قُتِلَ بِفَتَاوَى الْفُقَهَاءِ، وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِلْحَادِ، وَإِنَّمَا وَجَدُوا فِي كَلَامِهِ مَا يُلَائِمُ مَا يُؤْثِرُونَهُ مِنَ الْإِشَارَاتِ الرَّدِيَّةِ. فَمَالُوا إِلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْفِقُ مَجْلِسَهُ بِذِكْرِ مُوسَى وَالْجَبَلِ، / وَيُوسُفَ وزليخا، وَيخرجُونَ الْكَلَام إِلَى الْإِشَارَاتِ الَّتِي تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. وَفِيهِمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْهَذَيَانِ وَيَتَلَاعَبُ بِالْقُرْآنِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَ الْقُصَّاصِ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَابَ مُوسَى؟ فَقَالَ: مِنْ مِثْلِ فُضُولِكَ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ (يَا أسفى على يُوسُف) أَيْ كَيْفَ عَلَا. وَهَذَا تَلَاعُبٌ بِالْقُرْآنِ.
стр. 169
وَقَدْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَزْرَفِيُّ قَالَ: حَكَى لَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ السَّمَّاكِ الْوَاعِظَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ يَوْمًا وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَبَابِيلَ. فَقَالَ: فِي أَيِّ شَيْء أَنْتُم؟ فَقَالُوا نَحن فِي ألف أَبَابِيلَ. هَلْ هُوَ أَلِفُ وَصْلٍ أَوْ أَلِفُ قَطْعٍ؟ فَقَالَ: لَا أَلِفُ وَصْلٍ وَلَا أَلِفُ قَطْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَلِفُ سُخْطٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَلْبَلَ عَلَيْهِمْ عَيْشَهُمْ؟ فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الصَّادِرُ مِنَ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْقَاصِّ: فَمِنْهُ اسْتَغَاثَةُ مَنْ يَدَّعِي الْوَجْدَ. وَرُبَّمَا صَاحَتِ الْمَرْأَةُ كَصِيَاحِ الْحَامِلِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَرُبَّمَا رَمَتْ إِزَارَهَا وَقَامَتْ.
١٧٩ - أَخْبَرَنَا / ابْنُ نَاصِرٍ وَسَعْدُ الْخَيْرِ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْبَطَرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي عُمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ إِذا قرىء عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ. فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُهُمْ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ بَاسِطًا رِجْلَهُ ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنْ رَمَى نَفْسَهُ فَهُوَ صَادِقٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْحَدِّ الْمَأْلُوفِ وَقَدْ جَعَلُوهَا كَالْغِنَاءِ الَّذِي يُوَقَّعُ عَلَيْهِ وَبِهِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُنْكِرُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَادَةِ. فَكَيْفَ لَوْ سَمِعُوا الْأَلْحَانَ؟
١٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ
стр. 170
قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ / قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ زِيَادًا النُّمَيْرِيَّ جَاءَ مَعَ الْقُرَّاءِ إِلَى أَنَسٍ. فَقِيلَ لَهُ: اقْرَأْ! فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَكَشَفَ أَنَسٌ عَنْ وَجْهِهِ الْخِرْقَةَ وَكَانَ عَلَى وَجْهِهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ - فَقَالَ: مَا هَذَا؟ مَا هَذَا؟ مَا هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَكَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ كَشَفَ الْخِرْقَةَ عَنْ وَجْهِهِ.
١٨١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْحُسْيَنِ بْنِ يُوسَفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بن الْفَتْح قَالَ: أخبرنَا عمر ابْن شَاهِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ زَاذَان عَن عَابس الْغِفَارِيّ عَن النَّبِي قَالَ: " يَكُونُ نَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لَيْسَ بِأَفْقَهِهِمْ وَلَا بِأَفْضَلِهِمْ إِلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ بِهِ غِنَاءً ".
١٨٢ - وَقَالَ ابْنُ شَاهِينَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَسْكَرِيُّ
стр. 171
قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبد الله الترقفي قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ حَتَّى كَأَنَّهُ حَادٍ أَوْ غِنَاءٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذُوا هَذَا مِنَ الْغِنَاءِ.
١٨٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ سَالِمٍ قَالَ: قَدِمَ سَلَمَةُ الْبَيْدَقُ فَقَامَ يُصَلِّي بِهِمْ. فَقِيلَ لِسَالِمٍ: لَوْ جِئْت فَسمِعت قِرَاءَته. قَالَ: فجَاء فَلَمَّا كَانَ بِالْبَابِ سمع قِرَاءَته. فَرَجَعَ وَقَالَ: غِنَاءٌ ﴿غِنَاءٌ﴾ .
١٨٤ - قَالَ حَنْبَلٌ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي بِنَا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَطَرِبَ لَيْلَةً. فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ / لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا من خَلفه) قَالَ: وَكَرِهَ ذَلِكَ.
стр. 172
١٨٥ - قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْبَسْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ دَاوُدَ: أَمُرُّ بِالَّرُجِلِ يَقْرَأُ، فَأَجْلِسُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: يَقُولُ: يُطْرِبُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: هَذَا قَدْ أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ. لَا تَجْلِسْ إِلَيْهِ.
١٨٦ - قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: كُنَّا عِنْدَ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ وَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ. فَسَأَلُوهُ أَنْ يَقْرَأَ، فَقَالَ: لَا أَقْرَأُ أَوْ يَأْمُرُنِي أَحْمَدُ. قَالَ: فَلَمْ أَفْعَلْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ. فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ: لِم لَمْ تَقْرَأْ قَالَ: خِفْتُ أَنْ لَا تُعْجِبَهُ قِرَاءَتِي فَيَكُونُ عَلَيَّ وَصْمَةٌ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ. فَكَرِهَهَا، وَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ / طَبْعُ قِرَاءَةِ أَبِي مُوسَى حَدْرًا.
١٨٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ
стр. 173
الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَكْرَهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ الْمُحْدَثَةَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْأَلْحَانُ.
١٨٨ - قَالَ حَنْبَلٌ: وَسَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ. . يَقُولُ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ الْمُحْدَثَةُ الَّتِي تُسَمَّى الْأَلْحَانَ أَكْرَهُهَا. وَشَدَّدَ فِيهَا. وَقَالَ: هِيَ عِنْدِي تُشْبِهُ الْغِنَاءَ، الْقُرْآنُ يُنَزَّهُ عَنْ هَذَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَاعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ تُكْرَهُ لِوُجُوهٍ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يُدْغِمُونَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْغَمَ، وَيَمُدُّونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَدِّ، وَيُسْقِطُونَ الْهَمْزَ وَالتَّشْدِيدَ لِيَصِحَّ اللَّحْنُ. ثُمَّ إِنَّهَا تُطْرِبُ وَتُهَيِّجُ الطِّبَاعَ، وَتُلْهِي عَنِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ.
قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَرَّمَ الْأَلْحَانَ وَاسْتِمَاعَهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْأَلْحَانِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ.
/ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ طَرِيقَهُ يَسِيرًا. فَأَمَّا مَا أَحْدَثُوا عَلَى مِثَالِ
стр. 174
الْأَغَانِي فَكَلَّا، لَوْ سَمِعَهُ الشَّافِعِيُّ لَبَالَغَ فِي إِنْكَارِهِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ فَجُمْهُورُ الْقَوْمِ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا وَيَحْتَالُونَ بِالْقَصَصِ وَالْوَعْظِ عَلَيْهَا. وَرُبَّمَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمْ مِنْ أَخْذِ الْعَطَاءِ تَصَنُّعًا لِيُقَالَ: زَاهِدٌ، لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا رَدَّ. وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ الظَّلَمَةِ. ثُمَّ يَطْلُبُونَ وَعِنْدَهُمْ مَا يَكْفِي. وَأَكْثَرُ النَّاسِ إِنَّمَا يُعْطُونَ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ أَخْذَ الزَّكَاةِ مَنْ لَهُ مَا يُغْنِيهِ؟ .
١٨٩ - وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزَجِيُّ: قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: قَدِمَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ مِصْرَ، وَجَلَسَ يَقُصُّ عَلَى النَّاس. فَسمع كَلَامه اللَّيْث ابْن سَعْدٍ، فَاسْتَحْسَنَ / قَصَصَهُ وَفَصَاحَتَهُ. فَذُكِرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا! مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ إِلَى بَلَدِنَا؟ قَالَ: طَلَبْتُ أَنْ أَكْسِبَ بِهَا أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَالَ لَهُ اللَّيْثُ: فَهِيَ لَكَ على وصن كَلَامِكَ هَذَا الْحَسَنِ، وَلَا تَتَبَذَّلْ. فَأَقَامَ
стр. 175
بِمصْر فِي جملَة اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَفِي جِرَايَتِهِ إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْ مِصْرَ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ وَدَفَعَ إِلَيْهِ بَنُو اللَّيْثِ أَيْضًا أَلْفَ دِينَارٍ.
١٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمد قَالَ: أَنبأَنَا رزق الله ابْن عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْقَاصَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ السَّعْدَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَمَّارٍ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تُزَهِّدُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغَبُ فِيهَا؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَا اتَّخَذْتُ مَجْلِسًا إِلَّا وَبَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَثَنَّيْتُ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّكَ وَثَلَّثْتُ بِالنَّصِيحَةِ لِعِبَادِكَ. فَقَالَ: / صَدَقَ. ضَعُوا لَهُ كُرْسِيًّا فِي سَمَائِي، فَيُمَجِّدُنِي فِي سَمَائِي بَيْنَ مَلَائِكَتِي كَمَا مَجَّدَنِي فِي أرضي بَين عبَادي.
١٩١ - وَأخْبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ إِذْنًا قَالَ: أَنْبَأَنَا ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْبَرْدَعِيُّ قَالَ: شهِدت أَبَا زرْعَة وَأَتَاهُ أَبُو الْعَبَّاسُ الْهِسِنْجَانِيُّ يُكَلِّمُهُ أَنْ يَقْبَلَ يَحْيَى بْنَ
стр. 176
معَاذ [وَهُوَ] رَجُلٌ كَانَ بِالرَّيِّ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا عَلَى مَذْهَبِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ نَوَّاحٌ، أَنُوحُ وَأُنَوِّحُ. فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا النَّوْحُ لِمَنْ يَدْخُلُ بَيْتَهُ وَيُغْلِقُ بَابَهُ وَيَنُوحُ عَلَى ذُنُوبِهِ. فَأَمَّا مَنْ يَخْرُجُ إِلَى أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ، وَيَجُولُ الْأَمْصَارَ فِي النَّوْحِ، فَأَنَا لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْهُ. هَذَا من أَفعَال المستأكلة الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قُلْتُ: وَلَقَدْ صَدَقَ [أَبُو] زُرْعَةَ فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَجُولُ فِي الْبِلَادِ وَيَأْخُذُ الْأَمْوَالَ / مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَصْلَحِ الْقَوْمِ.
١٩٢ - أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّرَّامُ: دَخَلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ عَلَى عَلَوِيٍّ بِبَلْخَ زَائِرًا لَهُ وَمُسَلِّمًا عَلَيْهِ. فَقَالَ الْعَلَوِيُّ لِيَحْيَي: أَيَّدَ اللَّهُ الْأُسْتَاذَ! مَا تَقُولُ فِينَا، أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: مَا أَقُولُ فِي طِينٍ عُجِنَ بِمَاءِ الْوَحْي وغرس غرسا بِمَاءِ الرِّسَالَةِ؟ فَهَلْ يَفُوحُ مِنْهَا إِلَّا مِسْكُ الْهُدَى وَعَنْبَرُ التُّقَى؟ قَالَ: فَحَشَا الْعَلَوِيُّ فَاهُ بالدر.
стр. 177
١٩٣ - أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَزِيزِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوْزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَنْصُورٍ عَبْدَ الْجَبَّارِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَيْسٍ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكَرْمَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا زُهَيْرٍ عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول: جَاءَ إِلَى شِيَرازَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ / وَلَهُ شَيْبَةٌ حَسَنَةٌ، فَلَبِسَ دُشْتَ ثِيَابٍ سُودٍ، وَكَانَ أَحْسَنَ شَيْءٍ. فَصَعَدَ الْكُرْسِيَّ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ. فَأَوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ أَنْشَأَ يَقُولُ:
(مَوَاعِظُ الْوَاعِظِ لَنْ تُقْبَلَا … حَتَّى يَعِيَهَا قَلْبُهُ أَوَّلَا)
(يَا قَوْمُ مَنْ أَظْلَمُ مِنْ وَاعِظٍ … خَالَفَ مَا قَدْ قَالَهُ فِي الْمَلَا)
(أَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ إِحْسَانَهُ … وَبَارَزَ الرَّحْمَنَ لَمَّا خَلَا؟)
وَسَقَطَ عَنِ الْكُرْسِيِّ وَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ إِنَّهُ مَلَكَ قُلُوبَ أَهْلِ شِيرَازَ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضْحِكَهُمْ أَضْحَكَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْكِيَهُمْ أَبْكَاهُمْ. وَأَخَذَ سَبْعَةَ آلَافِ دِينَارٍ مِنَ الْبَلَدِ.
وَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الشِّيرْجَانَ فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فِي عِلْمِ الْأَسْرَارِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهَا فَقَالَتْ: كَمْ تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَصْرِفُهَا فِي دَيْنٍ عَلَيَّ بِخُرَاسَانَ. فَقَالَتْ: لَكَ ذَلِكَ عَلَيَّ
стр. 178
عَلَى أَنْ تَأْخُذَ وَتَخْرُجَ / مِنْ سَاعَتِكَ. فَرَضِيَ بِهِ، وَحَمَلَتْهُ إِلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ غَدٍ. فَعُوتِبَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِيمَا فَعَلَتْ، فَقَالَتْ: لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ أَسْرَارَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ لِلسُّوقَةِ وَالْعَامَّةِ. فَغِرْتُ على ذَلِك.
قَالَ المُصَنّف: قُلْتُ: فَهَذَا وَمَنْصُورٌ من أصلح الْقَوْم وَقد سَمِعْتُ مَا حَصَّلَا بِالْوَعْظِ. فَكَيْفَ بِرَذَالَةٍ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الطَّلَبِ مِنَ الظَّلَمَةِ.
١٩٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن عَليّ ابْن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ السَّرَّاجُ قَالَ: قَامَ أَبُو مَرْحُومٍ الْقَاصُّ بِالْبَصْرَةِ. فَقَصَّ عَلَى النَّاسِ فَأَبْكَى. فَلَمَّا فَرَغَ من قصصه قَالَ: من يطعمنا ارزة فِي اللَّهِ؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: أَنا. فَقَالَ: اجْلِسْ فقد عَرَفْنَا / مَوْضِعَكَ. ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ ذَلِكَ الشَّابُّ. فَقَالَ: اجْلِسْ فقد عَرَفْنَا مَوْضِعَكَ. فَقَامَ الثَّالِثَةَ. فَقَالَ أَبُو مَرْحُومٍ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ. فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَوْا مَعَه منزله: قَالَ: فأتينا بِقدر من باقلا فَأَكَلْنَاهُ بِلَا مِلْحٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو مَرْحُومٍ: عَلَيَّ بِخَوَانٍ خُمَاسِيٍّ. وَخَمْسِ
стр. 179
مَكَاكِيِّ أُرْزٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ سَمْنٍ، وَعَشْرَةِ أَمْنَاءِ سُكَّرٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ صُنُوبَرٍ، وَخَمْسَةِ أَمْنَاءِ فُسْتُقٍ. فَجِيءَ بِهَا كُلُّهَا. فَقَالَ أَبُو مَرْحُومٍ لِأَصْحَابِهِ: يَا إِخْوَانِي ﴿كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا. قَالَ: أَجْرُوا فِيهَا أَنْهَارَهَا﴾ قَالَ: فَأُتِيَ بِذَلِكَ السَّمْنِ فَأُجْرِيَ فِيهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو مَرْحُومٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي ﴿كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنُهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا، مَجْرِيَّةٌ أَنْهَارُهَا. فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي﴾ اغْرِسُوا فِيهَا أَشْجَارَهَا ﴿قَالَ: فَأُتِي بِذَلِكَ الْفُسْتُقِ وَالصُّنُوبَرِ فَأُلْقِيَ فِيهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو مَرْحُومٍ عَلَى أَصْحَابِهِ / فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي﴾ كَيْفَ أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا؟ قَالُوا: مُشْرِقٌ لَوْنُهَا، مُبَيَّضَةٌ شَمْسُهَا، مَجْرِيَّةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا، وَقَدْ غُرِسَ فِيهَا أَشْجَارُهَا، وَقَدْ تَدَلَّى لَنَا ثِمَارُهَا. قَالَ: يَا إِخْوَانِي، أُمُورُ الدُّنْيَا مالنا وَلِلدُّنْيَا. اضْرِبوُا فِيهَا بِرَاحَتِهَا ﴿قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَضْرِبُ فِيهَا بِرَاحَتِهِ وَيَدْفَعُهُ بِالْخَمْسِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَحَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ أَنَّ أَحْمَدَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ بِالتَّاجِيَّةِ: أُرِيدُ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَامُوا فَجَمَعُوا، فَقَالَ الَّذِي تَصَدَّى لِلْجَمْعِ وَكِتَابَةِ أَسْمَاءِ النَّاسِ قَدِ اجْتَمَعَ سَبْعُ مِائَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ﴾ لَا أَتَكَلَّمُ إِلَّا بِتَمَامِ الْأَلْفِ. فَرَمَتِ امْرَأَةٌ خُلْخَالًا وَزْنُهُ سَبْعُونَ دِينَارًا. فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: أَيْن
стр. 180
أَخُوهُ؟ فَرَمَتِ الْآخَرَ. فَاجْتَمَعَتْ أَلْفُ دِينَارٍ. فَأَخَذَهَا وَعَبَرَ إِلَى رِبَاطِ الْبَسْطَامِيِّ عَلَى نَهْرِ عِيسَى فَعَمِلَ بَهَا دَعْوَةً لِلصُّوفِيَّةِ. فَأَكَلُوا وَرَقَصُوا، وَمَضَى وَخرج أَحْمد الْغَزالِيّ إِلَى الْمُحَوَّلِ. فَمَرَّ بِنَاعُورَةٍ تَئِنُّ. فَرَمَى طَيْلَسَانَهُ عَلَيْهَا، فَدَارَتْ / فَتَمَزَّقَ قِطَعًا.
وَاسْتَدْعَاهُ السُّلْطَانُ فَتَكَلَّمَ فِي دَارِهِ. فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَنَزَلَ مِنَ الْمَجْلِسِ بَوَجْدِهِ فَرَكِبَ فَرَسَ وَزِيرِ السُّلْطَانِ وَعَلَيْهَا الْمَرْكَبُ الذَّهَب. فَأَخَذَ الْفَرَسَ بِمَا عَلَيْهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ ذُكِرَتْ مِنْ أَخْبَارِهِ عَجَائِبُ فِي التَّارِيخِ.
وَرَأَيْنَا مِنْ رَذَالَتِهِمْ مَنْ يَقُولُ: " عِنْدَنَا عَجُوزٌ فَقِيرَةٌ "! فَيجمع لنَفسِهِ بِهَذِهِ الْحجَّة.
следующие страницы →