← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 36181

الرد على اللمع

شحاتة صقر

Полный текст (260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «قوله: «باب من جعل لأهل العلم يوماً معلوماً» وكأنه أخذ من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباط عبد الله (يعني ابن مسعود) ذلك من الحديث الذي أورده» اهـ. وروى الإمام مسلم (٢٦٣٣) عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﵌ فقالت: «يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله»، قال: «اجتَمِعْنَ يوم كذا وكذا»، فاجتمَعْنَ فأتاهُن رسول الله ﵌ فعلمَهُنّ مما علمه الله، ورواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب: هل يُجعل للنساء يومٌ على حدة في العلم؟ حديث رقم (١٠١) - قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٦ رقم ١): «هل فرش المساجد بدعة فلم يكن ذلك على عهد رسول الله ﵌؟» * تعليق: ثبت في صحيح البخاري كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (رقم ٣٨٠) أن النبي ﵌ صلى على حصير. قال الحافظ ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث: «بل سيأتي عنده ـ البخاري ـ من طريق أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﵌ كان له حصير يبسطه ويصلي عليه»، وكأن الحافظ ﵀ يشير إلى ما رواه البخاري (٧٣٠) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل، فثاب إليه ناس فصلوا وراءه. قال الحافظ: «يحتجره: أي يتخذه مثل الحجرة، فثاب: أي اجتمعوا». وروى البخاري أيضاً (٧٣١) عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﵌ اتخذ حجرة وقال: حسبت أنه قال: «من حصير» في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: «قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة».

стр. 107

وقال الحافظ ابن حجر أيضاً تعليقاً على الحديث رقم ٣٨٠: «وفي مسلم من حديث أبى سعيد أنه رأي النبي ﵌ يصلى على حصير». خامساً: ملحوظة: كرر الأستاذ محمد حسين بعض الأمثلة كما في مسألة المراحيض ودورات المياه في المساجد ذكرها تحت رقم (٢٥، ٤٣)، وذكر المراوح تحت رقم (١٣) ثم ذكر تكييف المسجد تحت رقم (٤٦)، وذكر فرش المساجد تحت رقم (١) ثم ذكر فرش السجاجيد تحت رقم (٤٧). سادساً: في المقابل نسأل الأستاذ محمد حسين عن بعض ما نعتقده بدعة، ونظن أنه يعتقده كذلك، مثل إضافة لفظ (سيدنا) في الأذان بأن يقول المؤذن: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، فإن النبي ﵌ لم يَنْهَ المؤذنين عن ذلك، ولم يرِدْ عنه ﵌ دليل خاص في قَصْر المؤذنين على ذلك، مع كون النبي ﵌ هو سيدنا بحكم الواقع وبحكم الشرع (انظر سنن أبي داود ٤٨٠٦)، وقد اشترط الأستاذ محمد حسين (ص٢٠) في كون الشيء بدعة (ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله ﵌) لكي يُخْرج بذلك البدع الإضافية من بدع الضلالة، وبالتالي ـ حسب كلامه ـ لا يكون قول المؤذن: (أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله) من البدع، وبهذه الطريقة ينفتح الباب لكثير من البدع مثل قول الشيعة: (أشهد أن علياً وليّ الله) في الأذان فإنه من أولياء الله بلا شك، وكذلك ما يحدث في دولة كسوريا من الأذان الجماعي، حيث يؤذن مجموعة من الناس معاً ويردد مجموعة أخرى خلفهم. وهذه بعض الأمثلة لبدع إضافية نعتقد أن الأستاذ محمد حسين يوافقنا على أنها من البدع الضلالة، فإما أن يقول إن هذه البدع الإضافية بدع حسنة، وإما أن يقول إنها بدع ضلالة وعندئذ يُقِر بأن «كل بدعة ضلالة» كما قال النبي ﵌، ويقر بأنه ليس في الدين بدعة حسنة: ١ - الأذان لصلاة العيدين. ٢ - قول كثير من المصلين بين ركعات التراويح: «أبوبكر الصديق ﵁»

стр. 108

وغيرها من الأذكار بصوت واحد. ٣ - الصلاة والسلام على النبي ﵌ من المؤذن عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان. ٤ - صلاة تحية المسجد جماعة. ٥ - صلاة سنة الظهر جماعة في المسجد. ٦ - صيام يوم ذكرى غزوة بدر والخندق وفتح مكة ...

стр. 109

موقف الأستاذ محمد حسين من الأحاديث الضعيفة أصول ينبغي معرفتها قبل مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: أولاً: أثر الأحاديث الضعيفة في الابتداع في الدين: قال الشيخ الألباني: «إن تساهل العلماء برواية الأحاديث الضعيفة ساكتين عنها قد كان من أكبر الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين، فإن كثيراً من العبادات، التي عليها الناس اليوم، إنما أصلها اعتمادهم على الأحاديث الواهية، بل والموضوعة، كمثل التوسعة يوم عاشوراء، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم نهارها وغيرها وهي كثيرة جداً». (١) ذكر الإمام الشاطبي أن من طرق المبتدعة في الاستدلال: اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على رسول الله ﵌، ثم قال: «والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي ﵌ قالها، فلا يمكن أن يُسنَد إليها حكم، فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟ ... وهذا على فرض ألا يعارض الحديثَ أصلٌ من أصول الشريعة، وأما إذا كان له معارض فأحرى ألا يُؤخَذ به» (٢). ثانياً: قال الشيخ الألباني: «لا يجوز ذكر الحديث الضعيف إلا مع بيان ضعفه، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله ﵌: «من حدَّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذب فهو أحدُ الكاذبيْن» رواه مسلم. واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين: إما أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا يُنبّه على ضعفها فهو غاشّ للمسلمين وداخل حتماً في الوعيد المذكور، وإما أن لا

стр. 110

يعرف نسبتها فهو آثم أيضاً لإقدامه على نسبتها إليه ﵌ دون علم وقد قال ﵌: «كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع» (١)، وقد صرح النووي بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن لم يكن عارفاً» (٢). * قال الشيخ أحمد شاكر: «من نقل حديثاً صحيحاً بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلاً: «قال رسول الله ﵌» وأما إذا نقل حديثاً ضعيفاً أو حديثاً لا يعلم حاله، أصحيح أم ضعيف، فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: «رُوِى عنه كذا» أو «بلغنا كذا». وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف؛ لئلا يغتر به القارئ أو السامع، ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم» (٣). * هل تكفي كلمة «رُوي» أو «بلغنا» ونحوهما؟ قال الشيخ الألباني: «أرى أن هذا لا يكفي اليوم لغلبة الجهل، فإنه لا يكاد يفهم أحد من كتب المؤلف أو قول الخطيب على المنبر: «رُوي عن رسول الله ﵌ كذا وكذا» أنه حديث ضعيف، فلابد من التصريح بذلك كما جاء في أثر على ﵁ قال: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه» أخرجه البخاري (٤). ثالثاً: لا يجوز استحباب شيء لمجرد حديث ضعيف في الفضائل: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يُحتج به، فإن

стр. 111

الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع» (١). رابعاً: معنى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «مراد العلماء من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك، فإذا رُوي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها، فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا رُوي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً فهذا إن صدق نفعه، وإن كذب لم يضره» (٢). خامساً: لا يجوز التقدير والتحديد بأحاديث الفضائل الضعيفة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديراً وتحديداً، مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة لم يجُز ذلك، لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي» (٣). سادساً: شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال عند القائلين به: ١ - أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه.

стр. 112

٢ - أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يُخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً. ٣ - أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﵌ ما لم يَقُله (١). * قال الشيخ الألباني: «هذه الشروط توجب على أهل العلم والمعرفة بصحيح الحديث وسقيمه أن يميزوا للناس شيئين هامين: الأول: الأحاديث الضعيفة من الصحيحة، والآخر: الأحاديث الشديدة الضعف من غيرها» (٢). سابعاً: هل هناك إجماع من العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟ قال الشيخ الألباني: «الخلاف في ذلك معروف، فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يعمل به مطلقاً، لا في الأحكام ولا في الفضائل، قال الشيخ القاسمى ﵀ في (قواعد التحديث) (ص٩٤): «حكاه ابن سيِّد الناس في عيون الأثر عن يحيى بن معين، ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً ... وهو مذهب ابن حزم ... » قلت: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه عندي» (٣). * قال الحافظ ابن حجر: «لا فرق في العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أو في الفضائل إذا الكل شرع» (٤). * قال الشيخ أحمد شاكر: «لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ﵌ من حديث صحيح أو حسن» (٥).

стр. 113

مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين أولاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص٣٤) أن الاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع، فناقض نفسه حيث قال (ص٣٢): «جواز العمل بالحديث الضعيف في غير الأحكام والعقائد»، ونقل نحو هذا الكلام (ص٣٣)، مع العلم أن «الاستحباب حكم من الحكام الخمسة التي لابد لإثباتها من دليل تقوم به الحجة» (١)، وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الأصل الثالث فراجعه. ثانياً: نقل (ص٣٤) أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقاً (راجع الأصل السابع: هل هناك إجماع من العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟) حيث نقلنا أنه خالف في ذلك الأئمة يحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبو بكر بن العربي ونقلنا كلام الحافظ ابن حجر والشيخين الألباني وأحمد شاكر. ثالثاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص٣٥) عن الإمام ابن قيم الجوزية (في كتاب إعلام الموقعين) أن الإمام أحمد يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره وفي رواية: ضعيف الحديث عندنا أحب مِنْ رَأْي الرجال. * الرد: ١ - بتر الأستاذ محمد حسين ما نقله، وكان الواجب عليه ـ من باب الأمانة العلمية ـ نقل الكلام كاملاً. قال الإمام ابن القيم عند بيان ترجيح الإمام أحمد الحديث الضعيف والمرسل على القياس بشرطه ما نصه: «وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا

стр. 114

ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب في العمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من اقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب» (١). ٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو شيخ ابن قيم الجوزية: «من نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه، ولكن كان في عُرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مخوّف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك. وأول من عُرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام ـ صحيح وحسن وضعيف ـ هو أبو عيسى الترمذي في جامعه، والحسن عندهم ما تعددت طرقه، ولم يكن في رواته متهم، وليس بشاذ، فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به؛ ولهذا مثّل أحمد بن حنبل الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما» (٢). ٣ - قال الإمام الشاطبي: «روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: الحديث الضعيف خير من القياس، وظاهره يقتضى العمل بالحديث غير الصحيح؛ لأنه قدّمه على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين، بل هو إجماع السلف ﵃، فدل على أنه عنده أعلى رتبة من العمل بالقياس. والجواب عن هذا: أنه كلام مجتهد يُحتمل في اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له على ذلك دليل يقطع العذر، وإن سَلِم فيمكن حمله على خلاف ظاهره، لإجماعهم على طرح الضعيف الإسناد، فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن السند، وما

стр. 115

قاربه، على القول بإعماله، أو أراد «خير من القياس» لو كان مأخوذاً به، فكأنه يرد القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من اعتمده أصلاً حتى رد به الأحاديث ... أو أراد بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ففضّل عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به» (١). رابعاً: نقل (ص٣٥) أن الفقيه قد يعلم صحة الحديث ـ إذا لم يكن في سنده كذاب ـ بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. * الرد: ١ - إذا كان الحديث ضعيفاً ويوافق آية من كتاب الله فما يمنعه من الاستدلال بالآية وكذلك إذا كان يوافق بعض أصول الشريعة، فليستدل بأصول الشريعة، أما أن ينسب إلى رسول الله ﵌ ما لم يصح نسبته إليه فلا. قال الإمام مسلم: « ... الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثماً بفعله ذلك غاشَّاً لعوام المسلمين، إذ لا يُؤْمَن على من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة». (٢) ٢ - إذا فرض أن كل فقيه صحح الأحاديث لموافقتها لآية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فما فائدة علم الحديث أصلاً. خامساً: قوله (ص٣٥) وجوب العمل بالحديث الضعيف إذا تلقاه الناس بالقبول وعملوا بمدلوله ويكون ذلك تصحيحاً له.

стр. 116

* الرد: عمل العلماء بالحديث ليس لأنهم صححوه بل لعملهم بمدلوله بدليل آخر وهو الإجماع، ويوضح ذلك قول الإمام الصنعانى في (سبل السلام) بعد أن ذكر حديث «الماء الطهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه»: «قال النووي: «اتفق المحدِّثون على تضعيفه» والمراد تضعيف رواية الاستثناء (١) لا أصل الحديث (٢) فإنه قد ثبت في حديث بئر بضاعة، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها، قال ابن المنذر: «أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس»، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لا هذه الزيادة» (٣) ا. هـ. ويؤيد ذلك أيضاً ما نقله الأستاذ محمد حسين (ص٣٨): «هذا الحديث ضعيف بالاتفاق مع ثبوت حكمه بالإجماع» ا. هـ.، فالإجماع دليل على صحة المعنا، وليس على صحة لفظ الحديث، فلا يكون تصحيحًا له. تنبيه: بعض الأحاديث ـ التي ذكر الأستاذ محمد حسين أنها ضعيفة واستدل بها على هذا الرأي ـ صححها بعض العلماء فمثلاً: - حديث «لا وصية لوارث» نقل الأستاذ محمد حسين نفسه (ص٣٥) عن الكوثرى أن بعض المحققين صحح سنده، وذكر الشيخ الألباني ﵀ في (الإرواء): قول الترمذي عن هذا الحديث: «حسن صحيح»، وقول البوصيرى في الزوائد: «إسناده صحيح»، وذكر قول ابن عباس ﵁ في البخاري (٢٧٤٧): «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع،

стр. 117

وللزوج الشطر والربع»، ثم قال الشيخ الألباني: «الحديث صحيح لا شك فيه بل هو متواتر كما جزم بذلك السيوطى وغيْره» (١). - حديث «مَنْ ذَرَعَه القَيءُ وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فَلْيَقْضِ»، قال الإمام الدارقطني: «رواته ثقات كلهم»، وقال الإمام الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الإمام الذهبا، وصححه الشيخ الألباني (٢). - حديث «القاتل لا يرث» صححه الشيخ الألباني (٣). - حديث صلاة التسابيح: قال الحافظ المنذرى: وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجُرّى وشيخنا أبو محمد عبد الرحمن المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسى (٤) وقد صححه الشيخ الألباني (صحيح الترغيب: ٦٧٧، ٦٧٨). أما قول الأستاذ محمد حسين: «ولا يزال من يقول إن صلاة التسابيح بدعة محدثة» (ص٣٩) فالرد عليه: أن من قال هي بدعة فالحديث عنده غير صحيح. قال الشيخ ابن عثيمين: صلاة التسابيح لا تصح عن النبي ﵌، قال الإمام أحمد ﵀ في حديثها: «لا يصح»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنه كذب». (٥) * تنبيه: الرد على ما ذكره (ص٣٦، ٣٧) فيما يتعلق ببدعة تلقين الميت في قبره، سيأتي إن شاء الله أثناء الرد على البدع.

стр. 118

تجلية بدع وأخطاء (اللمع) أولاً: الذكر الجماعي (١) قواعد: ١ - الذكر عبادة والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها أو للاستحسان، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه. ٢ - الذكر من أفضل العبادات، وهو مأمور به شرعاً كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]. فالمسلم مطالب بذكر الله تعالى في كل وقت بقلبه ولسانه وجوارحه، لكن ينبغي للمسلم أن يكون في ذكره لله تعالى ملتزماً بحدود الشريعة ونصوصها وهدي النبي ﵌، لأن الاتباع شرط لصحة العمل. ٣ - الذكر الجماعي: هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع في أدبار الصلوات المكتوبة أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكاراً وأدعية وأوراداً وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية وبصوت واحد. ٤ - الذكر الجماعي لم يأمر به النبي ﵌ ولا حث عليه، ولو أمر به أو حث عليه لنُقل ذلك؛ وكذلك لم ينقل عنه الاجتماع للدعاء بعد الصلاة مع أصحابه. ٥ - إنكار الصحابة: عن أبي البختري قال أخبر رجل ابن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: «كبّروا الله كذا وسبحوا الله كذا

стр. 119

وكذا واحمدوه كذا وكذا»، قال عبد الله: «فإذا رأيتَهم فعلوا ذلك فأْتِنى فأَخْبِرنى بمجلسهم»، فلما جلسوا أتاه الرجل فأخْبَره، فجاء عبد الله بن مسعود فقال: «والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً أو قد فضلتم أصحاب محمد علماً» فقال عمر بن عتبة: «نستغفر الله»، فقال: «عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» (١). وأيضاً أنكر عمر ﵁ (٢)، وأنكر أيضاً خباب بن الأرت ﵁ (٣). ٦ - مفاسد الذكر الجماعي: - مخالفة هدي النبي ﵌. - التشويش على المصلين. - في هذا الذكر بصوت واحد تَشَبُّه بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية بصوت واحد. * تنبيه: ذكر الأستاذ محمد حسين (ص٨٣) حديث افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: «ومن هي يا رسول الله؟»، قال: «ما أنا عليه وأصحابي». ونقول: تبين من إنكار عبد الله بن مسعود وخباب وعمر بن الخطاب ﵃ أن الذكر الجماعي ليس مما عليه النبي ﵌ وأصحابه. الاجتماع على الذكر غير الذكر الجماعي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ

стр. 120

إِسْمَاعِيلَ وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً» (١). قد يفهم البعض من هذا الحديث استحباب الذكر الجماعي، وليس هذا بصحيح، وإنما فيه استحباب الاجتماع على الذكر، بمعنى أن يُعِينَ بعضنا بعضاً عليه بالتواجد في مكان واحد، ويوضح ذلك أن النبي ﵌ لما طبّق ذلك عملياً لم يكن يذْكُر الله مع أصحابه ذكرا جماعياً، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (٢). ورواه الإمام أبو داود بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ» (٣) وفي رواية للإمام مسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا. كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﵌ (٤)، فكان ﵌ يذكر الله ولم يكن الصحابة ﵃ يرددون خلفه أومعه ﵌. ويكون فائدة الاجتماع عندئذ أنه أنشط للنفس لكونها مجبولة على التأسي، كما قالت الخنساء: وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي ... عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي

стр. 121

الرد على الشبهات التي تعلق بها الأستاذ محمد حسين في استحباب الذكر الجماعي نذكر أولاً أثر ابن مسعود ﵁ في إنكار الذكر الجماعي، والذي ذكره الأستاذ محمد حسين في كتابه (ص١٦) روى الإمام الدارمي في سننه بسند صحيح (باب: ٢٣، باب في كراهية أخذ الرأي): أخبرنا الحكم بن المبارك أخبرنا عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمة قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: «كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرًا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشتَ فستراه. قال: رأيتُ في المسجد قوماً حِلَقا جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجُل وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﵌ متوافرون وهذه ثيابه لم تَبْلَ وآنيته لم تُكسر. والذي نفسي بيده إنكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﵌ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة

стр. 122

أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج» (سنن الدارمي ١/ ٧٩/٢٠٤) أولاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٦) عن أثر ابن مسعود ﵁: «فمثله لا يخفى عليه الأحاديث الصحيحة بكثرتها عن فضل حلق الذكر، إنما الناس كانوا زمن فتن أيام الخوارج، فهؤلاء قوم مخصوصون خشي عليهم ومنهم الفتنة»، وقال أيضاً: «قال العلماء: هذا يدل على أن هؤلاء كانوا مشهورين بالتشدد والخروج على الجماعة». * الرد: ١ - نعم لا يخفي على ابن مسعود ﵁ الأحاديث الصحيحة عن فضل حلق الذكر ولكنه فهم منها ما لم يفهمه الأستاذ محمد حسين، فليس في تلك الأحاديث ما يدل على الذكر الجماعي بأن يردد بعض الأشخاص بصوت جماعي وراء شخص معين ولذلك أنكر عليهم ابن مسعود ﵁ هذه الكيفية، وهي بعينها التي يدافع عنها الأستاذ محمد حسين. فمثل ابن مسعود ﵁ لا يجهل كونهم يذكرون الله، ولكنه أنكر عليهم إضافتهم لهيئة أو مقدار معين لم يأذن به الله ولا شرعه رسوله ﵌. ٢ - قال الأستاذ محمد حسين: «قال العلماء: هذا يدل على أن هؤلاء كانوا مشهورين بالتشدد والخروج على الجماعة». ونحن نسأله: من هم هؤلاء العلماء؟ فإن من خرّج هذا الأثر كالدارمي وابن وضاح ـ رحمهما الله ـ ذكروه في باب ذم الرأي والنهي عن البدع، ولم يفهموا منه ما فهمه الأستاذ محمد حسين. والعلة المذكورة في نَصّ الأثر كما ذكر ذلك الأستاذ محمدحسين (ص١٦) هي (اجتماعهم في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً) فهذه هي المخالفة التي وقعوا فيها. ٣ - قوله: «فهؤلاء قوم مخصوصون ... وكانوا مشهورين بالتشدد ... » إلخ،

стр. 123

نقول: ما دليلك على هذا الكلام؟ وكل من روى هذه الواقعة فهم منها إنكار ابن مسعود للذكر الجماعي، ومثله إنكار خباب وإنكار عمر ﵃ وكون هؤلاء المُنْكَر عليهم حاربوا الصحابة مع الخوارج ليس دليلاً على أن إنكار ابن مسعود ﵁ كان لأنهم من الخوارج، بل ليس في أثر ابن مسعود ﵁ أنه كان يعلم أصلاً أنهم من الخوارج أو من غيرهم، فقد كان ظهور أنهم من الخوارج بعد إنكار ابن مسعود عليهم. بل إن ابن مسعود ﵁ توفي سنة ٣٢ هـ أي قبل وفاة عثمان ﵁ بثلاث سنوات فأي فتن كانت في هذا العصر؟ وكلام ابن مسعود ﵁ ليس فيه أنه خشي الفتنة عليهم ومنهم، وإنما نص على أنها بدعة وأنهم ليسوا أفضل علماً من الصحابة الذين لم يفعلوا مثل ما فعل هؤلاء، وأرشدهم أن يلزموا طريق الصحابة حتى لا يضلوا، وكل ذلك يفيد أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك ولا يعرفونه. ثم إن ابن مسعود ﵁ أشار في آخر الحديث إلى وصف الخوارج، وأخبرهم أنه يتخوف أن يكون أكثرهم منهم، وهذا إشارة منه ﵁ إلى أن البدع يجر صغيرها إلى كبيرها. وقد حدث ما خافه ﵁ عليهم، ويدل على ذلك قول عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. ثانياً: قال (ص١٦، ١٠٩): «روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله بن مسعود كان ينهى عن الذكر، ما جالست عبد الله مجلسا ً قط إلا ذكر الله فيه». * الرد: في هذا الأثر ـ إن صح ـ أن ابن مسعود كان يذكر الله، ولكن ليس فيه أنه كان يذكر الله والقوم يرددون وراءه، فتنبه!! ثالثاً: استدلاله بعموم الأحاديث الدالة على فضل الاجتماع على ذكر الله ومجالس

стр. 124

الذكر مثل أحاديث: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة يبتغون مجالس الذكر ... » (١)، «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ... » (٢). * الرد: ١ - هذه الأحاديث لم تدل على الذكر الجماعي واستحبابه، وإنما هي دالة على استحباب الاجتماع على ذكر الله، وهناك فرق كبير بين هذا وذاك فالاجتماع على ذكر الله مستحب مندوب إليه بمقتضى الأحاديث الواردة في فضله، ولكن على الوجه المشروع الذي فهمه الصحابة وعملوا به، فقد كانوا يجتمعون على الذكر كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان أصحاب رسول الله ﵌ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والناس يستمعون، وكان عمر ﵁ يقول لأبى موسى ﵁: ذكِّرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون لقراءته» (٣)، وليس في الأحاديث أن في مجالس الذكر هذه أن أحد الأشخاص يذكر الله وبقية المجلس يرددون وراءه، وليس فيه أنهم يرددون بصوت جماعي. ٢ - ذكر الإمام الشاطبي أن البدعة مضادة للطريقة الشرعية من عدة أوجه، وذكر منها: «التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد» (٤). رابعاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١١٢) عن شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): «قال المروزى: «سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قاريء ويدعو حتى يصبحوا؟»، قال: «أرجو ألا يكون به بأس» ا. هـ. ثم قال: «وأقول: أليس هذا إقرار (٥) من الإمام أحمد ﵁ بالبدعة الإضافية؟»

стр. 125

* الرد: ١ - ليس في هذا إقرار من الإمام أحمد ﵁ بالبدعة الإضافية كما ظن الأستاذ محمد حسين حيث قال في (اللمع: ص١١٢): «إنه لم يعُرف عن الصحابة ومعهم النبي ﵌ أنهم فعلوا ذلك ولكن أصل الذكر والتلاوة والاجتماع مقرر في الشرع، والإضافة الحسنة التي لا تدفع سنة هي مبيتهم معاً طول الليل يقرؤون ويذكرون» ا. هـ. * ونقول: هذه ليست إضافة بل الليل وقت من الأوقات التي يجوز فيها الاجتماع على ذكر الله (ولكن ليس بالكيفية المبتدعة التي يرددون فيها بصوت جماعي) فلو اجتمعوا بالنهار لقال الأستاذ محمد حسين: حددوا وقت النهار. ٢ - اشترط الإمام أحمد في الاجتماع على الذكر (وليس الذكر الجماعي): - ألا يكون على عمد. - ألا يتخذ عادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) قبل ثلاثة أسطر من الموضع الذي نقل منه الأستاذ محمد حسين: «روى أبو بكر الخلال في كتاب الأدب عن إسحاق بن منصور الكوْسَج: أنه قال لأبي عبد الله ـ الإمام أحمد ـ: «يُكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟» قال: «ما أكره للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يُكْثِروا»، وقال إسحاق بن راهوية كما قال الإمام أحمد، وإنما معنى: «ألا يكثروا»، ألا يتخذوها عادة حتى يكثروا، هذا كلام إسحاق». ثم قال شيخ الإسلام بعد أسطر: «فقيَّد أحمد الاجتماع بما إذا لم يتخذ عادة» (١) ا. هـ. ٣ - مرة أخرى نذكّر أنه ليس في هذه النقول عن الإمام أحمد ولا في أحاديث

стр. 126

الرسول ﵌ أن الذين يجتمعون على الذكر يرددون بصوت جماعي وراء شخص معين، أو يرددون بصوت جماعي بدون قائد. خامساً: استدلاله (ص١١٢) بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يُتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع من الجمعة والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادا، وتطوع قصد بعض المشاهد ونحو ذلك كله من نوع واحد، يفرق بين الكثير الظاهر منه والقليل الخفي والمعتاد وغير المعتاد وكذلك كل ما كان مشروع الجنس لكن البدعة اتخاذه عادة لازمه حتى يصير كأنه واجب» (١)، ثم قال الأستاذ محمد حسين: «أليس ذلك موافقة وإقراراً بالذكر الجماعي وصلاة التطوع جماعة بشرط ألا يعتاد خوف الاعتقاد بأنه لازم وواجب؟». * الرد: كان الأوْلى بالأستاذ محمد حسين أن ينقل كلام شيخ الإسلام قبل الموضع الذي نقل منه بصفحتين حيث قال: « ... وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله ونحو ذلك إذا كان يفعل ذلك أحياناً، فهذا أحسن فقد صح عن النبي ﵌ أنه صلى التطوع في جماعة أحياناً (٢) وخرج إلى أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمع (٣) وكان أصحاب رسول الله ﵌ إذا اجتمعوا أمروا واحداً يقرأ وهم يستمعون وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله وسنة رسوله وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف ... فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرار الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة: فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس، وللجمعة، والعيدين

стр. 127

والحج وذلك هو المبتدع المحدث» (١). * هذا الكلام لشيخ الإسلام مفسر للذي نقله الأستاذ محمد حسين (ص١١٢) وليس فيه ما يدل على الذكر الجماعي حيث إن فيه أن الرسول ﵌ جلس معهم يستمع والصحابة كان يقرأ منهم واحد والباقون يستمعون، وليس في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم كانوا يقرؤون بصوت واحد أو يقرأ واحد والباقون يرددون وراءه، فأين في كلام شيخ الإسلام الموافقة والإقرار بالذكر الجماعي؟ * توضيح: المشاهد عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية في نفس الكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) بأنها الأمكنة التي قام فيها الأنبياء أو الصالحون أو أقاموا فيها أو عبدوا الله سبحانه فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد (٢) (كجبل ثور وجبل أحد وجبل حراء)، وليس المقصود ـ كما يتبادر لذهن بعض الناس ـ الأضرحة والمقامات التي على قبور الصالحين والتي اتخذها الناس مساجد مخالفين قوله ﵌: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا فيها وعبدوا الله سبحانه فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين: أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصْد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصْدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﵌ قصَدها للعبادة كما قصَد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة (٤) وكما كان يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك.

стр. 128

والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك كما نُقِل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﵌ (١) وإن كان النبي ﵌ قد سلكها اتفاقاً لا قصداً ... »، ثم قال شيخ الإسلام إن عمر ﵁ لما رجع من حجته رأي الناس ابتدروا المسجد، فقال: «ما هذا؟» قالوا: «مسجد صلى فيه رسول الله ﵌، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من عرضت له الصلاة فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض (٢)»، وفي رواية عنه: أنه رأي الناس يذهبون مذاهب فقال: «أين يذهب هؤلاء؟»، فقيل: «يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﵌ فهم يصلون فيه»، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها» (٣)، وروى ابن وضاح وغيره أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵌ بيعة الرضوان؛ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر عليهم الفتنة (٤)، ثم قال شيخ الإسلام: «إن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحداً منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزل فيها النبي ﵌ والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﵌ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قَصَد النبي ﵌ العبادة في مكان كان قَصْد العبادة فيه متابعة له، كقصْد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما

стр. 129

يُعلم أنه لم يتحرّ ذلك المكان: فإذا (١) تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له؛ فإن الأعمال بالنيات ... فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقاً فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعليّ وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يذهبون إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﵌ ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا ًلكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتْبع لها من غيرهم، وقد قال ﵌: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢). وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتُدع، وقول الصحابي إذا خالف نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد عن جماهير الصحابة؟ أيضاً فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب مما (٣) نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد: فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً للذريعة، فكيف يستحب قصد الصلاة فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟ ولو ساغ هذا لاستُحب قصْد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه» (٤). تنبيه: قال الأستاذ محمد حسين (ص ٨): «ما فعله ابن عمر ليس إلا من قِبَل

стр. 130

التبرك بالآثار، وليس على سبيل العمل بالسنة المتبعة». الرد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا من ابن عمر تحرٍّ لمثل فعله ﵌، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها (١). * تنبيه هام: الأذكار والأوراد الثابتة في النصوص توقيفية: عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﵌: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلت»، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتهُا على النبي ﵌ فلما بلغتُ «آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلتُ: «ورسولك»! قال: «لا، ونبيّك الذي أرسلت» رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر: «ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب» (٢). قال الشيخ الألباني: «فيه ـ أي في هذا الحديث ـ تنبيه قوي على أن الأوراد والأذكار توقيفية وأنه لا يجوز التصرف فيها بزيادة أو نقص، ولو بتغيير لفظ لا يفسد المعنا، فإن لفظ «الرسول» أعم من لفظة «النبي» ومع ذلك رده النبي ﵌ مع أن البراء ﵁ قاله سهواً لم يتعمده! فأين منه أولئك المبتدعة الذين لا يتحرجون من أي زيادة في الذكر أو نقص منه؟» (٣) وقال الإمام النووي: « ... واختار المازري أن سبب الإنكار أن هذا ذكر

стр. 131

ودعاء، فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه» (١). * وبعد هذا الرد تتضح مخالفات الإخوان المسلمين في الذكر: ١ - الذكر الجماعي حيث يجتمعون أحياناً ويقول أحدهم أذكار الصباح أو المساء ويردد الآخرون خلفه في صوت واحد. ٢ - في رسالة (المأثورات) للشيخ حسن البنا ﵀ تخصيص بعض الأذكار بالصباح والمساء رغم أن ذلك لم يَرِد عن الرسول ﵌ مثل الفاتحة، والكافرون، والزلزلة، والنصر ... إلخ (٢) ٣ - الاعتماد في بعض الأذكار على الأحاديث الضعيفة. ٤ - تحديد أذكار معينة بأعداد محددة في أوقات محددة لم يرد في الشرع تحديدها بهذه الكيفية مثل ورد الدعاء (٣). ٥ - ورد الرابطة ووقته ساعة الغروب تماماً من كل ليلة، وفيه: «ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوانه في ذهنه ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرفه منهم ثم يدعو لهم بمثل هذا الدعاء: «اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك ... فوثق اللهم رابطتها ... إلخ» (٤) وتحديد هذا الوقت بمثل هذا الدعاء وبهذه الكيفية من استحضار صورة الناس في ذهنه لم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع. ولو كان خيراً لسبقنا إليه الرسول ﵌ وأصحابه ﵃. والدعاء عبادة، وألفاظ الأذكار توقيفية، فهذه المخالفات تُعدّ من البدع الإضافية.

стр. 132

ثانياً: صلاة النافلة مطلقاً جماعة وفي المساجد استدل الأستاذ محمد حسين (ص٢٢) بفعل عمر ﵁ بإحياء سنة التراويح ـ وهو خليفة راشد أُمِرنا باتباع سنته ـ استدل على أن صلاة النافلة مطلقا وفي المساجد متفق عليها وليست من البدع المحدثة. * الرد: ١ - يرد الأستاذ محمد حسين على نفسه حيث اشترط (ص١١٢) ألا يُعتاد خوف الاعتقاد بأنه لازم وواجب، ونقل (ص١١٤) كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: أن الاجتماع لصلاة، أو استماع قرآن أو ذكر، ونحو ذلك إذا كان يفعل ذلك أحياناً فهذا أحسن (١). ٢ - ما ذهب إليه الأستاذ محمد حسين إنما هو نتيجة لاستدلاله بالعمومات دون النظر إلى بيان النبي ﵌ بفعله وتركه، ويدل على ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال بعد هذا الكلام الذي نقله الأستاذ محمد حسين (ص١١٤): «فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة: فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات، وللجمعة وللعيدين والحج، وذلك هو المبتدع المحدث» (٢). ٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: «روى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس أن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهراً ويجمع له الناس فلا» (٣). ٤ - قال الإمام الشاطبي ﵀ بعد أن تحدث عن فضل صلاة النافلة في البيوت:

стр. 133

« ... ومع ذلك فلم يَثْبُت فيها إذا عُمِل بها في البيوت دائماً أن تقام جماعة في المساجد البتة ـ وما عدا رمضان ـ ولا في البيوت دائما، وإن وقع ذلك في الزمان الأول في الفرط كقيام ابن عباس ﵄ مع رسول الله ﵌ عندما بات عند خالته ميمونة (١)، وما ثبت من قوله ﵌: «قوموا فلْأُصل لكم» (٢) ... فمن فعله في بيته وقتاً ما فلا حرج، ونص العلماء على جواز ذلك بهذا القيد المذكور ... فإذا اجتمع في النافلة أن تُلتَزَم التزام السنن الرواتب إما دائما وإما في أوقات محدودة وعلى وجه محدود، وأقيمت في الجماعة في المساجد التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب فذلك ابتداع، والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله ﵌، ولا عن أصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان فعل هذا المجموع هكذا مجموعاً، وإن أتى مطلقاً من غير تلك التقييدات فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها: رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهوالأمر بإخفاء النوافل مثلاً» (٣).

стр. 134

ثالثاً: إحياء عشر ذي الحجة جماعة في المساجد أولاً: استدل الأستاذ محمد حسين على ذلك (ص١١٣) بالتعريف بالأمصار وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، وذكر أنّ العلماء اختلفوا فيه، ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين، ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبه، هذا هو المشهور عنه وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم، ومن كرهه قال: «هو من البدع»، ومن رخص فيه قال: «فعله ابن عباس ﵄ بالبصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب ﵁ ولم ينكر عليه، وما يفعله في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة» (١). * الرد: ١ - ذكر الأستاذ محمد حسين (ص١١٣) أن الذي كان يفعله ابن عباس في مسجد البصرة بالعراق عشية عرفة هو قراءة سورة البقرة يفّسرها آية آية، والفرق كبير بين تفسير القرآن عشية عرفة (فقط) وإحياء العشر جماعة في المساجد (العشر وليس عشية عرفة فقط). ٢ - هذا الذي استدل به ـ الأصل الذي بنى عليه رغم أنه ليس له فيه دليل ـ اختلف فيه العلماء فمنهم من قال إنه بدعة. ثانياً: نقل (ص١١٤) عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن، أو ذكر الله ونحو ذلك إذا كان يفعل ذلك أحياناً فهذا أحسن، فقد صح عن النبي ﵌ أنه صلى التطوع في جماعة أحياناً ... » ثم ذكر بعض الأحاديث

стр. 135

التي ترغب في الاجتماع على الذكر ثم قال الأستاذ محمد حسين: «انتهى كلام ابن تيمية ﵀». * الرد: ١ - لم ينته كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان على الأستاذ محمد حسين ـ من باب الأمانة العلمية ـ أن ينقل باقي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وها هو بنَصِّه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس وللجمعة والعيدين والحج، وذلك هو المبتدع المحدث». (١) ونسأل الأستاذ محمد حسين: أليس إحياء العشر جماعة في المساجد اجتماعاً راتباً يتكرر بتكرر الأعوام؟ أليس يضاهي صلاة التراويح؟ أليس يضاهي الاجتماعات المشروعة للصلوات الخمس وللجمعة والعيدين والحج؟ أليس ذلك هو المبتدع المحدث؟ ٢ - راجع كلام الإمام الشاطبي الذي سبق في الرد على البدعة الثانية حيث قال: «إن صلاة النافلة لم يثبت فيها أن تقام جماعة في المساجد البتة ما عدا رمضان». ثالثاً: استدل (ص١١٤) بقول الحكم وحماد عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد: «هو محدث». * الرد: هذا استدلال عجيب حيث إنه إنكار لاجتماع الناس يوم عرفة في المساجد وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. فكيف يستدل به على أنهم سكتوا عن الإنكار. أما قوله (ص١١٣): «كل ما فعلوه أنهم لم يشاركوهم في ذلك وكرهوه» فيرده ما نقله عن الحكم وحماد حيث قالوا: «هو محدث».

стр. 136

* لم ينقل الأستاذ محمد حسين أن أحدًا من العلماء أجاز إحياء العشر جماعة في المسجد فهو قول شاذ محدث؛ حيث إنه أول من قال بهذا القول فيما نعلم، فمن أين له هذا القول؟ ولو كان خيراً لسبقنا إليه الرسول ﵌ وأصحابه ﵃ حيث إن فضل هذه الأيام معلوم منذ زمن النبي ﵌، ومع ذلك فقد تركه ﵌ مع وجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فهذا الترك دليل على أنه بدعة. * تنبيه: ثبت فضل العمل الصالح في أيام العشر من ذى الحجة من صيام وصدقة وصلاة وذكر وتكبير وقراءة قرآن، وصلة أرحام وغير ذلك، انظر: البخاري (٩٦٩)، سنن أبى داود (٢٤٣٨)، وهذا يختلف عن بدعة إحياء العشر جماعة في المسجد.

стр. 137

رابعاً: الاحتفال بمولد النبي ﵌ - * قواعد: ١ - لا يجوز الاحتفال بمولد النبي ﵌ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين (١)، ويرجع ذلك ـ كما يقول الشيخ رشيد رضا ـ إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص شرعي بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنة أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعاً، وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تُعَد مِن شرْع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم (٢). ٢ - بدعة المولد النبوي حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة، نقل ذلك أيضاً الأستاذ محمد حسين (ص١٠٢) عن الحافظ ابن حجر، و (ص١٠٤) عن الحافظ السخاوي. ٣ - أول من أحدث بدعة المولد هو الحاكم العبيدي الملقب بالمعز لدين الله في القرن الرابع الهجري، ومعلوم ما يكنه العبيديون لأهل الإسلام من كراهية وحقد، وما يبطنونه من عقائد فاسدة يسترونها بإظهار محبة آل البيت والولاء لهم. ٤ - الاحتفال بالمولد مخالف لأمر الله ـ تعالى ـ بطاعة رسوله ﵌، ومخالف لأمر الرسول ﵌ بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وفيه وقوع في المحدثات التي حذر منها النبي ﵌ وبيّنَ أنها طريق إلى النار. ٥ - الاحتفال بالمولد فيه مشابهة للنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح ﵇.

стр. 138

الرد على الشبهات التي تعلق بها الأستاذ محمد حسين في أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة أولاً: نقل (ص١٠٢، ١٠٣، ١٠٥) عن بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، ونقل (ص١٠٣) عن السبكي أنه من البدع الحسنة إذا خلا عن المنكرات شرعاً. * الرد: ١ - من المعلوم أن رسول الله ﵌ قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وقد سبق توضيح ذلك بالتفصيل. ٢ - الاحتفال نفسه من المنكرات شرعاً لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة. ثانياً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٢) عن الحافظ ابن حجر العسقلانى تخريج الاحتفال بالمولد على صيام الرسول ﵌ يوم عاشوراء حيث إن الرسول ﵌ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: «هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى فنحن نصومُه شكراً لله تعالا»، فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم فَصامَه وأمَرَ بصيامِه» فيستفاد من فعل ذلك شكراً لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم. * الرد: ١ - تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة ـ كما نقل

стр. 139

ذلك الأستاذ محمد حسين (ص ١٠٢) ـ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً، إذ لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه إذ لو كان دليلاً لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي ـ ما دام الأمر كذلك ـ من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدا، وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه (١). ٢ - حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى ﵇ فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي ﵌ صامه وأمر بصيامه (٢). ٣ - الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵇ لا سبيل إليه (٣)، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول ﵌ فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة. ٤ - نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) أن النبي ﵌ لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئاً من العبادات، فهل نحن أعلم وأحرص على الدين من رسول الله ﵌ وأصحابه؟ وخير الهدي هدي محمد ﵌.

стр. 140

ونُذَكّر هنا بما نقله الأستاذ محمد حسين (ص١٠٨) عن ابن مسعود ﵁: «لقد جئتم ببدعة ظلما، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﵌ علماً أو إنكم لتمسكون بذَنَبِ ضلالة». ثالثاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) قول الإمام السيوطى إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي ﵌ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف. * الرد: ١ - ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيماً لقدر النبي ﵌ منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. ٢ - تعظيم قدر النبي ﵌ يكون باتباع هديه وليس باختراع عبادات لم يشرعها فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي ﵌؟ ٣ - قال ابن الحاج: توفي النبي ﵌ يوم الاثنين ١٢ربيع الأول سنة ١١هجرية (١) في نفس الشهر الذي ولد فيه فكيف يحتفلون ويأكلون ويشربون، ولا يبكون ولا يحزنون من أجل فَقْد النبي ﵌ في ذلك اليوم، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان بدعة أيضاً، وإن كان الحزن عليه ﵌ واجباً على كل مسلم دائماً لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك (٢). رابعاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣ - ١٠٤) عن ابن الحاج في المدخل أن النبي ﵌ أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم

стр. 141

الاثنين: «ذاك يوم وُلِدتُ فيه» رواه مسلم، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه ﵌ ولد فيه؟ * الرد: ١ - كلام ابن الحاج عن صيام يوم الاثنين وليس إقراراً للمولد ولكن الأستاذ محمد حسين لم ينقل الكلام كاملاً؛ فابن الحاج له كلام شديد في الإنكار على بدعة المولد فراجع ما نقلناه عنه قبل أسطر، وقال أيضاً بعد أن ذكر المفاسد المترتبة على عمله ما نصه: «فإن خلا ـ أي عمل المولد النبوى ـ منه ـ أي من السماع ـ وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد، ودعا إليه الإخوان وسَلِم من كل ما تقدم ذكره ـ أي من المفاسد ـ فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ إن ذلك زيادة في الدين ليس من عمل الماضين، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﵌ وتعظيماً له ولسنته ... ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم» (١). ٢ - صوم النبي ﵌ يوم الاثنين ليس دليلاً على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (٢)، فقد كان ﵌ يصوم ذلك اليوم من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟ ولو كان احتفالاً كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع رسول الله ﵌، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. خامساً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) عن الإمام السيوطى أن النبي

стр. 142

- ﵌ عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله ﵌ إظهاراً للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده ﵌ بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات. * الرد: ١ - ما روى أن النبي ﵌ عق عن نفسه غير صحيح ولم يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي ـ الذي نقل عنه السيوطي هذا الحديث ـ، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر (١). ٢ - لو ثبت هذا عن النبي ﵌ لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعق عن نفسه شكراً لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبياً. ٣ - على فرض صحة الحديث ـ رغم وضوح ضعفه ـ فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه. سادساً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٥) أن وجود الرسول ﵌ سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته ﵌، فمن المناسب إظهار السرور. * الرد: ١ - اتباع النبي ﵌ سبب النجاة وليس ابتداع أعياد ما أنزل الله بها من سلطان. ٢ - يشير بقوله: «تقليل حظ جهنم لمن أعد لها لفرحه بولادته ﵌» إلى قول عروة ابن الزبير: « ... وثويبة مولاة لأبى لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﵌، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرّ حِيبَة (أي سوء حال)، قال له: «ماذا

стр. 143

لقيتَ؟» قال أبو لهب: «لم ألق بعدكم غير أني سُقِيَتْ فيَّ هذه بعتاقتى ثويبة». - هذا الخبر رواه البخاري (٥١٠١)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به» (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي ﵌ والذي لم نذكره فلا). - ذلك الخبر لو كان موصولاً لا حجة فيه لأنه رؤيا منام فلا حجة فيه كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري). - ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي ﵌ يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١). ٣ - نُذكّر الأستاذ محمد حسين بقول شيخه الشيخ حسن البنا ﵀ حيث قال: «الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية» (٢). سادساً: نقل (ص١٦) عن الحافظ ابن كثير أن أول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل، وكان شهماً شجاعاً عاقلاً عادلاً. * الرد: البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان، وعدالته لا توجب عصمته (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك ليس يصلح أن يكون معارضاً لكلام رسول الله ﵌ حتى يعارض به» (٤). وأبو بكر ومَن بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ سنتهم أولى بالاتباع من صاحب إربل.

стр. 144

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﵌، وتعظيماً، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ــ لا على البدع ــ من اتخاذ مولد النبي ﵌ عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضا، أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵌ وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصاً على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها» (١). قال الشيخ عطية سالم في تفسير سورة الإنسان من (تتمة أضواء البيان): «من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقاً سلفياً ولا عمل القرون المشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرا، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين. وهنا يمكن أن يقال: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله ﵌ فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره ﵌ مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل

стр. 145

أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهراً وسراً، جهراً يملأ الأفق، وسراً يملأ القلب والحس. ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النَّبي ﵌، وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (١) فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه. وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور. ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية».
следующие страницы →