أمثلة على البدع الإضافية:
- صلاة الرغائب وهي اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة.
- صلاة ليلة النصف من شعبان وهي مائة ركعة بكيفية خاصة.
- صلاة بر الوالدين وصلاة مؤنس القبر وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، فأنت إذا نظرت إلى الصلاة تجدها مشروعة في الأصل وإذا نظرت إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة تجدها بدعة.
- التأذين للعيدين أو للكسوف فإن الأذان من حيث هو: قربة، وباعتبار كونه للعيدين أو للكسوفين بدعة.
- الاستغفار عقب الصلاة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار في ذاته سنة وباعتبار هيئته من رفع الصوت واجتماع المستغفرين وفي المسجد بدعة.
- تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم، أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام، كصيام يوم النصف من شعبان (١) وصيام يوم المولد النبوي ويوم السابع والعشرين من رجب وتخصيص لياليهم بالقيام فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصهما بيوم أو بليلة بدعة.
- رفع الصوت بالذكر أو القرآن أمام الجنازة، فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا القرآن باعتبار ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع وكذا وضعه في ذلك الموضع غير مشروع، فهو مبتدَع من جهتين: من جهة موضعه ومن جهة كيفيته.
- خَتْم الصلاة المعروف على الوجه المعروف (في غير المساجد التي تلتزم بالسنة
стр. 37
في إقامة العبادات) فإنه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاء مشروع، ومن جهة ما عرض له من الاجتماع عليه بصوت واحد وترديده خلف أحدهم غير مشروع.
- الصلاة والسلام على النبي ﵌ من المؤذن عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان.
стр. 38
القاعدة الثامنة
هل في الدين بدعة حسنة ؟
* قال عبد الله بن عمر ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١)
* من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطاء ومخالف لقوله ﵌: «كل بدعة ضلالة» (٢)، لأن رسول الله ﵌ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة (٣).
* قال الإمام مالك: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» (٤).
* قال الإمام الشاطبي ـ رحمة الله ـ: «ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ... »، ثم قال: «الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:
أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شيء مما يقتضى أن منها ما هو هدا، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هناك محدثة يقتضى النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد.
والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلى إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن
стр. 39
بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرارها، وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: ﴿أََلّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَا * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَا﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] وما أشبه ذلك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف، فهوـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.
والرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشرع واطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يُمدح ومنه ما يُذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع» (١).
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: « ... البدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة ـ لابد أن يستحبّها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله ﵌ في الحديث الصحيح: «كل بدعة ضلالة» (٢)، ويقول قول عمر في التراويح:
стр. 40
«نعمت البدعة هذه» (١) إنما أسماها بدعة باعتبار وضع اللغة، فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه، ومآل القولين واحد، إذ هم متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب، فمن اتخذ عملاً من الأعمال عبادة وديناً وليس ذلك في الشريعة واجباً ولا مستحباً فهو ضال باتفاق المسلمين (٢) وسيأتي إن شاء الله الرد على شبهات المبتدعة التي احتجوا بها.
* يلزم من القول بالبدع الحسنة لوازم سيئة جدًا:
أحدها: أن تكون هذه البدع المستحبة ـ حسب زعمهم ـ من الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم.
وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن الله تعالى لم يأمر عباده بتلك البدع، ولم يأمر بها رسول الله ﵌، ولم يفعلها ولا فعلها أحد من الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم بإحسان، وعلى هذا فمن زعم أنه توجد بدع حسنة في الدين فقد قال على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﵌ بغير علم.
الثاني: أن يكون النبي ﵌ وأصحابه ﵃ قد تركوا العمل بسنن حسنة مباركة محمودة، وهذا مما يُنَزَّه عنه رسول الله ﵌، وأصحابه ﵃.
الثالث: أن يكون القائمون بالبدع الحسنة المزعومة قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة لم تحصل للنبي ﵌ ولا لأصحابه ﵃.
стр. 41
القاعدة التاسعة
حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها
كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله ﵌: « ... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١)، وقوله ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢)، وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، فدل الحديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة:
- فمنها ما هو كفر صراح كالطواف بالقبور تقرباً إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة.
- ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها.
- ومنها ما هو فسق اعتقادي، كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية.
- ومنها ما هو معصية، كبدعة التبتل والصيام قائماً في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع؟ (٤) (أي تفرغاً للعبادة وتقرباً إلى الله)
* قال الإمام الشاطبي: « ... البدع من جملة المعاصا، وقد ثبت التفاوت في المعاصى فكذلك يتصور مثله في البدع ... وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة فذلك
стр. 42
بشروط:
أحدها: أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشيء عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيّرها كبيرة، فكذلك البدعة من غير فرق.
والشرط الثاني: ألا يدعو إليها، فإن البدعة قد تكون صغيرة، ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه.
والشرط الثالث: ألا تُفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس، أو المواضع التي تقام فيها السنة، وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يُقتدى به أو ممن يُحسَن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو أمرين: إما أن يُقتدى بصاحبها فيها، فإن العوام أتباع كل ناعق، وإذا اقتُدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه؛ لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حَسَب كثرة الأتباع يعظم الوزر، وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنة فهو كالدعاء إليها بالتصريح؛ لأن عمل إظهار الشعائر الإسلامية يوهم أن كل ما أظهر فيها فهو من الشعائر، فكأن المُظهِر لها يقول: هذه سنة فاتبعوها.
الشرط الرابع: ألا يستصغرها ولا يستحقرها ـ وإن فرضناها صغيرة ـ فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فكان ذلك سبباً لعظم ما هو صغير.
فإذا تحصلت هذه الشروط فإن ذلك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة، فإن تخلف شرط منها أو أكثر صارت كبيرة، أو خيف أن تصير كبيرة، كما أن المعاصي كذلك، والله أعلم» (١).
стр. 43
* هل هناك بدعة مكروهة؟
قال الإمام الشاطبي ﵀: «وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح المتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك.
وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحاً أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون العبارة خوفاً مما في الآية من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وحكى مالك عمن تقدم هذا المعنا، فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزية؟» (١).
ومما يوضح كلام الإمام الشاطبي أن الإمام الترمذي قال في سننه: «باب كراهية إتيان الحائض»، وذكر فيه قول رسول الله ﵌: «من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أُنزِل على محمد ﵌» (٢) فهل يُعقل أن يستدل الإمام الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية؟!!
* الدليل على أن البدع لا تكون مكروهة تنزيهاً (٣):
١ - قوله ﵌: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٤) رداً على من قال من الصحابة: «أما أنا فأقوم ولا أنام» وعلى من قال: «أما أنا فلا أنكح النساء» فأتى
стр. 44
بهذه العبارة وهي أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب أخر.
٢ - دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال: «ما لها لا تكلمّ؟» قالوا: «حجتْ مُصْمتة»، قال لها: «تكلمي فإن هذا لا يحل، وهذا من عمل الجاهلية»، فتكلمت (١). فتأمل كيف جعل ترك الكلام من المعاصي مع أنه في نفسه من المباحات، لأنه جرى مجرى ما يتشرع به ويدان لله به.
٣ - قوله ﵌: «كل بدعة ضلالة» وكل ما ورد في ذم البدع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم.
٤ - إذا تأملنا حقيقة البدعة ـ دقَّتْ أو جلّت ـ وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة، وبيان ذلك:
أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلاً على العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان.
ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه يعد ما دخل فيه حسناً، بل يراه أولى بما حدَّ له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه؟ وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلاً، ونحلته أولى بالاتباع.
* إذا ثبت أن المبتدع آثم فليس الإثم الواقع عليه على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، من جهة كون البدعة حقيقية أو اضافية، فإن الحقيقية أعظم وزراً؛ لأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهر.
стр. 45
القاعدة العاشرة
الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة
* كثير من الناس عدّوا أكثر المصالح المرسلة بدعاً، ونسبوها إلى الصحابة والتابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات (١).
* قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «والمصالح منها ما شهد الشارع له بالاعتبار، ومنها ما شهد له بالإلغاء، ومنها ما سكت عنه، فالأُولى هي المصالح المعتبرة، والثانية هي المصالح الملغاة، والثالثة هي المصالح المرسلة:
١ - المصالح المعتبرة: وهي ما اعتبرها الشارع بأن شرع لها الأحكام الموصلة إليها: كحفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فقد شرع الشارع الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحدّ الشرب لحفظ العقل، وحدّ الزنى والقذف لحفظ العرض، وحدّ السرقة لحفظ المال.
وعلى أساس هذه المصالح المعتبرة وربطها بعللها وجوداً وعدماً جاء دليل القياس، فكل واقعة لم ينص على حكمها، وهي تساوي واقعة أخرا نص الشارع على حكمها في علة الحكم، فإنها تأخذ نفس الحكم المنصوص عليه.
٢ - المصالح الملغاة: مصالح متوهمة غير حقيقية أو مرجوحة أهدرها الشارع ولم يعتد بها بما شرعه من أحكام تدل على عدم اعتبارها.
ومن أمثلة هذا النوع مصلحة الأنثى في مساواتها لأخيها في الميراث فقد ألغاها الشارع بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ومثل مصلحة الجبناء القاعدين عن الجهاد في حفظ نفوسهم من
стр. 46
الهلاك، فقد ألغى الشارع هذه المصلحة المرجوحة بما شرعه من أحكام الجهاد، وهكذا، ولا خلاف بين العلماء في أن المصالح الملغاة لا يصح بناء الأحكام عليها.
٣ - المصالح المرسلة: مصالح لم ينص الشارع على إلغائها ولا على اعتبارها، فهي مصلحة، لأنها تجلب نفعاً وتدفع ضرراً، وهي مرسلة؛ لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فهي إذن تكون في الوقائع المسكوت عنها وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى نقيسها عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن وتدوين الدواوين وتضمين الصُنَّاع وقتل الجماعة بالواحد» (١).
- جمع القرآن: اتفق أصحاب رسول الله ﵌ على جمع المصحف ولم يرد نص عن النبي ﵌ بما صنعوا من ذلك ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعاً، فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد عُلِم النهي عن الاختلاف في ذلك، وإذا استقام هذا الأصل فاحمل عليه كتب العلم من السنة وغيرها إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث من الأمر بكَتْب العلم (٢).
- تضمين الصُنَّاع: قضى الخلفاء الراشدون بتضمين الصناع ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك على أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع فتضيع الأموال ويقل الاحتراز وتتطرق الخيانة فكانت المصلحة التضمين.
стр. 47
- قتل الجماعة بالواحد إذ لا نص على عين المسألة، ولكنه منقول عن عمر بن الخطاب ﵁ (١) ووجه المصلحة أن دم القتيل معصوم وقد قتل عمداً فإهداره داع إلى حزم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه، وليس أصله قتل المنفرد، فإنه قاتل تحقيقاً والمشترك ليس بقاتل تحقيقاً، فإن قيل هذا أمر بديع في الشرع وهو قَتْل غير القاتل، قلنا: ليس كذلك، بل لم يقتل إلا القاتل وهم الجماعة من حيث الاجتماع، فهو مضاف إليهم تحقيقاً إضافته إلى الشخص الواحد، وإنما التعيين في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد، وقد دعت إليه المصلحة، فلم يكن مبتدعاً مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء (٢).
* هل يعمل بالمصالح المرسلة في العبادات؟
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة، لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم، فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أما في المعاملات فقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام، والقول الراجح هو القول بحجية المصالح المرسلة» (٣).
قال الدكتور محمد بن حسين الجيزاني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية: «إن الاستصلاح أو المصلحة المرسلة نوع دقيق من أنواع الاجتهاد، وباب واسع من أبواب الرأي، وهذا الرأي ليس رأياً مجرداً عن الدليل، بل هو مقيد بضوابط، وذلك أن المصلحة المرسلة لا تعتبر حجة إلا إذا كانت مندرجة تحت مقاصد الشريعة، محققة لها.
стр. 48
ومن هنا يمكن أن نقول: إن المصلحة المرسلة لا مدخل لها في التعبدات المحضة، كأفعال الصلاة وأفعال الحج وأنصبة المواريث ومقادير الكفارات والعِدَد والحدود.
فجميع هذه المسائل تعبدية توقيفية، لا مجال فيها للرأي، ولا مدخل فيها للاجتهاد، إلا أن الاستصلاح ربما يقع في بعض العبادات، لكنه إنما يقع في وسائلها المطلقة لا في ذات العبادة وأصلها، ولا يقع أيضاً في وسائلها التوقيفية التي ورد بها الشارع.
ومن الأمثلة على ذلك أن استقبال القبلة ودخول الوقت أمور تعبدية لابد من تحقيقها بالنسبة إلى الصلاة، وقد يستعان في معرفة القبلة بالبوصلة أو غيرها، وبالساعة في معرفة وقت الصلاة، فكل هذا من قبيل الوسائل التي أطلقها الشارع، وتندرج تحت قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به).
ومن ذلك أيضاً: إنشاء طابق ثانٍ للطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام، ومثل إنشاء جسر متعدد الأدوار للجمرات.
وإذا تأملنا ما ورد عن الصحابة ﵃ في المصلحة المرسلة وجدناه في أحد بابين:
إما في أمور ليست من قبيل العبادات، وإنما هي مصالح عامة وأمور عادية، مثل تدوين الدواوين وتضمين الصناع، وإما في أمور تتعلق بالعبادة لكنها من قبيل الوسائل التي لا يتحقق مقصود الشارع إلا بها، كجمع القرآن وكتابة السنة المطهرة.
وبهذا يظهر الفرق جلياً بين الاستصلاح والابتداع، حيث إن الابتداع إنما يكون في الأمور التعبدية» (١).
* شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
١ - أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشرع فلا تخالف أصلاً من أصوله، ولا
стр. 49
تنافي دليلاً من أدلة أحكامه، بل تكون من جنس المصالح التي قصد الشارع تحصيلها, أو قريبة منها ليست غريبة عنها.
٢ - أن تكون معقولة بذاتها، بحيث لو عرضت على العقول السليمة لتلقتها بالقبول.
٣ - أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري أو لدفع حرج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
٤ - أن تكون المصلحة التي تترتب على تشريع الحكم مصلحة حقيقية لا وهمية.
٥ - أن تكون المصلحة عامة لا خاصة، أي أن يوضع الحكم لمصلحة عموم الناس لا لمصلحة فرد معين أو فئة معينة (١).
* والضابط الذي تتميز به المصلحة المرسلة عن البدع المحدثة هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: «والضابط في هذا ـ والله أعلم ـ أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحةً، إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين، فما رآه الناس مصلحةً؛ نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث بعد النبي ﵌ لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه.
وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله ﵌، لكن تركه النبي ﵌ لعارضٍ زال بموته وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث.
فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﵌ موجوداً، لو كان مصلحةٍ ولم يُفْعَل: يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً» (٢) ا. هـ.
стр. 50
وخلاصةُ القول: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروري، أو رفع حرجٍ لازم في الدين، وليست البدع ـ عند من يدعيها ـ هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرب إلى الله وإن لم يكن هناك حاجة لإحداث ذلك الفعل.
قال الإمام الشاطبي: «فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف؛ فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات؛ لأن البدع من باب الوسائل، لأنها متعبد بها بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف.
فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغي باتفاق العلماء، وبذلك كله يُعلم مِن قصْد الشارع أنه لم يَكِلْ شيئاً من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة؛ كما أن النقصان منه بدعة» (١).
стр. 51
القاعدة الحادية عشرة
الفرق بين البدع والاستحسان
لأهل البدع تعلق بالاستحسان، فإن الاستحسان لا يكون إلا بمُسْتَحْسِن، وهو إما العقل أو الشرع، أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فُرغ منهما؛ لأن الأدلة اقتضت ذلك فلا فائدة لتسميته استحساناً، فلم يبق إلا العقل هو المستحسن، فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التي تُستحسَن (١).
* تعريف الاستحسان: الاستحسان له ثلاثة معان:
١ - العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة.
٢ - ما يستحسنه المجتهد بعقله.
٣ - دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه، وبطلان هذين التعريفين ـ الأخيرين ـ ظاهر، لأن المجتهد ليس له الاستناد على مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويعرض على الشرع (٢).
مثالان:
- أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فظاهر اللفظ العموم في جميع ما يُتَمَول به.
- الإمام مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف، فإنه ردَّ الأيْمان إلى
стр. 52
العرف، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف، كقوله: «والله لا دخلت مع فلان بيتاً»، فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتاً في اللغة، والمسجد يسمى بيتاً فيحنث على ذلك إلا أنّ عُرف الناس ألا يطلقوا هذا اللفظ عليه فخرج العرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث (١).
* هل الاستحسان حجة؟
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: «أخذ كثير من العلماء بالاستحسان واعتبروه دليلاً من أدلة الأحكام وأنكره بعضهم كالشافعية، حتى نقل عن الإمام الشافعي أنه قال: «الاستحسان تلذذ وقول بالهوا»، وقال: «من استحسن فقد شرّع».
والظاهر أن إطلاق لفظ الاستحسان أثار عند بعض العلماء معنى التشريع بالهوى فأنكروه، ولم يتبينوا حقيقته عند القائلين به، فظنوه من التشريع بلا دليل فشَنّوا عليه الغارة وقالوا فيه ما قالوا، فالاستحسان بالهوى وبلا دليل ليس بدليل بلا خلاف بين العلماء، والاستحسان عند القائلين لا يعدو أن يكون ترجيحاً لدليل على دليل، ومثل هذا لا ينبغي أن يكون محل خلاف بين العلماء، ومع هذا فنحن نؤثر أن نسمى الحكم الثابت استحساناً بالنص: حكماً ثابتاً بالنص لا بالاستحسان» (٢).
قال الإمام الشاطبي ﵀: «إن الاستحسان يراه معتبراً في الأحكام مالك وأبو حنيفة، بخلاف الشافعي فإنه منكر له جداً، حتى قال: «من استحسن فقد شرع» والذي يستقرئ من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبى حنيفة فليس بخارج عن الأدلة البتة؛ لأن الأدلة يقيد بعضها بعضاً، كما في الأدلة السُّنية مع القرآنية، ولا يردّ الشافعي مثل هذا أصلاً فلا حجة في تسميته استحساناً لمبتدع على حال» (٣).
стр. 53
القاعدة الثانية عشرة
المبتدع يتبع المتشابه وينصر به بدعته
* قال الإمام الشاطبي: «لا تجد مبتدعاً ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦] وقال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [المدثر: ٣١] لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح» (١).
* عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﵌ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قالت: قال رسول الله ﵌: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٢).
* تفسير الآية: يخبر تعالى أن في القرآن ﴿آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى ومن عكس انعكس.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه.
стр. 54
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً أخر، من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: أي الإضلال لأتباعهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أي تحريفه على ما يريدون (١).
* قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم» (٢).
стр. 55
القاعدة الثالثة عشرة
المبتدع يتخذ من زلات العلماء حجة لبدعته على الشرع
* قال الدكتور جاسم محمد مهلل الياسين: «كثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة؛ إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم» (١).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول ﵌ أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيراً له من رأي أو كشف أو نحو ذلك» (٢).
وقال أيضاً: «دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقاً، رواية وفقها، من غير تعيين شخص أو طائفة، غير الرسول ﵌» (٣).
وقال أيضاً: «قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً له، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، نَعَم قد يكون متأولاً في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يُعْفي فيه عن المخطاء، ويثاب أيضاً على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولاً قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجوراً أو معذوراً» (٤).
وقال أيضاً: «من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسناً لفعله المتقدمون ولم يفعلوه وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة، وإجماع المتقدمين نصاً واستنباطاً» (٥).
العِلمُ قال اللهُ قال رسولُه ... قال الصحابةُ ليسَ بالتَمْويهِ
ما العلمُ نصْبُك للخلافِ سفاهةً ... بينَ الرسولِ وبينَ قولِ فَقيهِ
* قال الإمام الشاطبي ﵀: « ... الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَد على عمله يعمل على خلاف السُنّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأي فلاناً يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهياً» (٦).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء، أو العبّاد، أو أكثرهم، ونحو ذلك ليس مما يصلح أن يكون معارضاً لكلام الرسول ﵌ حتى يعارض به» (٧).
* قال الشيخ سلمان العودة: «ما من عالم إلا وله زلة، أبى الله أن تكون العصمة لغير نبيه ﵌ ومن الخطير الولوع بالغرائب والزلات والتعلق بها، باعتبارها رأي فلان أو فلان ممن يشار إليهم بالبنان، وما فتيء العلماء يحذّرون من مسقطة يجريها الشيطان على لسان فاضل عليم، فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قال: قلت: «لا»، قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين» (٨)، ولو أن إنساناً أخذ بكل شواذ الأقوال
стр. 56
وغرائبها لربما خرج من الدين وهو لم يخرج بعدُ من أقوال العلماء! ولذلك قيل:
وَلَيْسَ كلُّ خِلافٍ جاءَ مُعتَبَراً ... إِلا خِلافٌ لَه حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ» (١)
стр. 57
القاعدة الرابعة عشرة
هل كل خلاف معتبر ؟
* قال الشيخ ياسر برهامي: (١) «أنواع الاختلاف الواقع بين المسلمين:
١ - اختلاف التنوع: وهو ما لا يكون فيه أحد الأقوال منافياً للأقوال الأخرى بل كل الأقوال صحيحة، وهذا مثل القراءات وأنواع التشهدات والأذكار، فمن يقرأ في التشهد بتشهد ابن مسعود لا يرى مانعاً من تشهد ابن عباس ﵄ أو تشهد عمر ﵁ أو غيره من الصيغ، بل اتفق العلماء على جواز كل منها، وإنما اختلافهم في اختيار كل منهم لما يراه الأفضل لاعتبارات يراها.
٢ - اختلاف التضاد: وهو أن يكون كل قول من أقوال المختلفين يضاد الآخر ويحكم بخطئه أو بطلانه، وهو يكون في الشيء الواحد يقول البعض بحرمته والبعض بحله ـ من جهة الحكم لا من جهة الفتوى ـ فالحكم بأن هذا الفعل حرام كشرب قليل النبيذ المسْكر كثيره غير عصير العنب، والمخالف يقول: قليله حلال، وليس من جهة الفتوى كإنسان في حالة ضرورة ومخمصة لم يجد إلا ذلك النبيذ ليسد رمقه فهو حلال في هذه الحالة كفتوا، أما الحكم العام فهو حرمته عند من يقول بذلك.
وأما وقوع اختلاف التضاد بين المسلمين وأن الحق واحد في قول أحد المجتهدين، ومن خالفه مخطاء في الأصول والفروع، في العقائد والأعمال، في الأمور العلمية والأمور العملية، فهو الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ وعليه أئمة العلم.
стр. 58
وينقسم اختلاف التضاد إلى:
أولاً: اختلاف سائغ غير مذموم: وهو ما لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة صحيحة، أو إجماعاً أو قياساً جلياً.
أمثلة الاختلاف السائغ:
- وجوب المضمضة والاستنشاق أو استحبابهما.
- وجوب الترتيب في الوضوء أو استحبابه.
- وضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الركوع أو إرسالهما.
- النزول على الركبتين أو على اليدين في السجود.
- قراءة الفاتحة خلف الإمام خاصة في الجهرية.
ثانياً: اختلاف غير سائغ مذموم: وهو ما خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جَلاّ لا يختلف فيه.
أمثلة للاختلاف غير السائغ:
- القول بجواز شرب النبيذ المسْكِر كثيره من غير عصير العنب وهو خلاف نص الحديث الصحيح: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» (١).
- القول بصحة النكاح دون ولاّ وهو مصادم لنص الحديث الصحيح: «أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» ثلاثاً (٢).
- القول بجواز المعازف وسماعها وهو مصادم لنص الحديث الصحيح: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» رواه البخاري (٣).
- القول بجواز حلق اللحى في الواقع الحالي على سبيل الفتوى لعموم الملتزمين كما تقوله وتفعله بعض الجماعات؛ فإنه خلاف نص الحديث الصحيح في
стр. 59
وجوب إعفائها (١).
- تهنئة الكفار من النصارى وغيرهم بأعيادهم الكفرية أو بمناصبهم الطاغوتية بزعم سماحة الإسلام أو مصلحة الدعوة؛ فإن هذا عند كل أهل العلم من موالاتهم وهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
- الاحتفال بالموالد والأعياد البدعية، والمشاركة فيها بزعم الاختلاط بالناس لدعوتهم، دون إنكار.
- الصلاة بالمساجد التي بنيت على القبور، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المستفيضة في لعن من اتخذ القبور مساجد.
- القول بجواز رسم ذوات الأرواح باليد وهو خلاف نص حديث النبي ﵌ في النمرقة، وهي غير مجسمة: «إن أشدّ الناسِ عذابا ً يومَ القيامة المصوّرون» (٢).
تنبيه هام جداً
ليس معنى أن الخلاف في المسألة خلاف سائغ أنه يجوز لكل واحد أن ينتقي بالتشهي أياً من القولين دون اجتهاد، فهذا سبيل إلى الزندقة والانحلال، وقد أجمع العلماء فيما نقل الإمام أبو عمر بن عبد البر أنه: «لا يجوز تتبع رخص العلماء فضلاً عن الزلات والسقطات» (٣) ا. هـ.
فالواجب على الإنسان على حسب مرتبته في العلم:
١ - العالم المجتهد يلزمه البحث والاجتهاد وجمْع الأدلة والنظر في الراجح منها، فما ترجّح عنده قال به وعمل به وأفتا، وما أحراه في المسائل التي تعم بها البلوى أن يشير إلى الخلاف فيها مع بيان ما يراه صواباً.
стр. 60
٢ - طالب العلم المميِّز القادر على الترجيح عليه أن يعمل بما ظهر له دليله من أقوال العلماء.
٣ - العامّيّ المقلد العاجز عن معرفة الراجح بنفسه عليه أن يستفتي الأوثق الأعلم من أهل العلم عنده ويسأله عن الراجح، فيعمل به في نفسه، ويجوز نقله لغيره من غير إلزام لهم به، ومن غير إنكار على من خالفه بأي من درجات الإنكار، أما ما يفعله يفعله كثير من أهل زماننا في مسائل الخلاف السائغ وغير السائغ، يأخذ ما يشتهي، بل يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم، ويفتي البعض بجواز التلفيق بين المذاهب، لا بحسب الأدلة والاجتهاد، بل بمجرد موافقته ما يظنونه مصلحة أو تيسيراً على الناس (١)، أو أن الرسول لم يُخَيَّر بين أمْرَيْن إلا اختار أيسرهما، فهذا من الجهل العظيم المخالف للإجماع القديم كما نقله أبو عمر بن عبد البر، فإن اختيار الأيسر هو في الأمور الاختيارية، أما ما كان فيه إثم وحلال وحرام وواجب ومندوب فلابد من الترجيح والاجتهاد على حسب درجة كل واحد كما سبق بيانه، وهذا في مسائل الخلاف السائغ، فما بالك بالخلاف غير السائغ.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: «قال بعض أهل العلم: هذا المذهب ـ يعني أن الاجتهاد لا ينقسم إلى خطأ وصواب ـ أولُه سفسطة وآخرُه زندقة؛ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقاً، وبالآخرة يُخَيِّر المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها» (٢).
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد علِمْتُه من فقهاء الأمة إلا مَنْ لا بصرَ له ولا معرفة عنده ولا حجة في قوله. قال المزني: يقال لمن جوّز الاختلاف وزعم أن العالمِيْن إذا اجتهدا في الحادثة، فقال أحدهما: حلال، وقال
стр. 61
الآخر: حرام، فقد أدى كل واحد منهما جهده وما كُلّف به، وهو في اجتهاده مصيب للحق، يقال له: أبأصل قلت هذا أم بقياس؟ فإن قال: بأصل، قيل: كيف يكون أصلا ً والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ وإن قال: بقياس، قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يُجوّزه عاقل فضلاً عن عالم.
ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله ﵌ في معنى واحد أحَلّه أحدهما وحَرّمه الآخر، وفي كتاب الله أو في سنة رسول الله ﵌ دليلٌ على إثبات أحدهما ونَفْي الآخر، أليس يَثْبُت الذي يُثْبِته الدليل ويَبْطُل الآخر ويبطل الحكم به؟ فإن خفي الدليل على أحدهما وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف، فإن قال: نعم ـ ولابد مِنْ نعم وإلا خالف جماعة العلماء ـ، قيل له: فلِمَ لا تصنع هذا برأي العالميْن المختلفَيْن فيثبت منهما ما يثبته الدليل ويبطل ما أبطله الدليل» (١) ا. هـ.
* ليس من الاختلاف السائغ مصادمة السنة بآراء الرجال:
قد تكون المسألة اجتهادية، وفيها جملة من الأدلة تختلف طرق الجمع بينها، وليس واحد من الأدلة قاطعاً على غيره فتكون المسألة من مسائل الخلاف السائغ، ولكن قد يكون البعض قد استبانت له فيها سنة رسول الله ﵌ فلا يقول بها بل يعارضها بأقوال العلماء المجردة عن الدليل عنده، فهو يعرف السنة، ويعرف أن بعض أهل العلم خالفها، ولا يعرف وجهه ولا دليله فيعارض مَنْ خالفه بمجرد آراء العلماء، فهذا مخالف للإجماع، قال الإمام الشافعي ﵀: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﵌ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس».
وقد تكون المسألة اجتهادية في حق عالم لعدم علمه بالسنة فيها؛ فيجتهد، ويكون مَن تبعه على اجتهاده غير معذور إذا كان قد علم السنة واستبانت له؛ لأنه في هذه الحالة خالف الإجماع بعد مخالفته لأدلة الكتاب والسنة بوجوب اتباع رسول الله ﵌.
стр. 62
القاعدة الخامسة عشرة
أسباب الخطأ من أهل العلم (١)
إذا وُجِد لأحد من الأئمة ـ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً ـ قولٌ قد جاء حديث بخلافه، فلابد له من عذر في تركه ومن أسباب الخطأ:
١ - أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه، أو بلغه على وجه لا يطمئن به.
٢ - أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه.
٣ - أن يكون الدليل بلغه ولكنه فهم منه خلاف المراد.
٤ - أن يكون قد بلغه الحديث ولكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ.
٥ - أن يعتقد أنه معارَض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع.
٦ - أن يأخذ العالم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالاً ضعيفاً.
стр. 63
القاعدة السادسة عشرة
أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها (١)
* الإمام أبو حنيفة ﵀:
١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٢ - «إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله وخبر الرسول ﵌ فاتركوا قولي».
* الإمام مالك بن أنس ﵀:
١ - «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
٢ - «ليس أحد بعد النبي ﵌ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﵌».
* الإمام الشافعي ﵀:
١ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌ فقولوا بسنة رسول الله ﵌ ودعوا ما قلت».
٢ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٣ - «كل حديث عن النبي ﵌ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منا».
* الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
١ - «لا تقلدني ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا».
٢ - من رد حديث رسول الله ﵌ فهو على شفا هلكة.
стр. 64
القاعدة السابعة عشرة
قواعد عامة لمعرفة البدعة
١ - كل عبادة ليس لها مستندٌ إلاَّ حديث مكذوب على رسول الله ﵌ فهي بدعة مثل صلاة الرغائب.
٢ - إذا ترك الرسول ﵌ فعل عبادة من العبادات مع كون موجبها وسببها المقتضي لها قائماً ثابتاً، والمانع منتفياً؛ فإن فعلها بدعة. مثل التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة، والأذان لغير الصلوات الخمس، والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة.
٣ - كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة، مثل اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقة إلى الله، والتقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن الخبز واللحم وشرب الماء البارد، أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال.
٤ - كل تقرب إلى الله بفعل ما نَهى عنه ـ سبحانه ـ فهو بدعة، مثل التقرب إلى الله تعالى بالغناء.
٥ - قال الشيخ ابن عثيمين: الاتباع لا يتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشرع في ستة أمور، هي:
١ - السبب: فإذا تعبد الإنسان لله ـ تعالى ـ بعبادة مقرونة بسبب ليس شرعياً فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد يدّعون أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد في أصله عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة، لكونه بُنِيَ على سبب لم يثبت شرعاً.
٢ - الجنس: فإذا تعبد الإنسان لله ـ تعالى ـ بعبادة لم يُشرع جنسها فهي غير
стр. 65
مقبولة، كالتضحية بفرس، لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام وهي الإبل ـ البقر ـ الغنم.
٣ - القَدْر: فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة أو ركعة في فريضة، فعمله ذلك بدعة مردودة، لأنها مخالفة للشرع في المقدار أو العدد.
٤ - الكيفية: فلو نكس إنسان الصلاة لما صحت صلاته؛ لأن عمله مخالف للشرع في الكيفية.
٥ - الزمان: فلو ضحى إنسان في رجب، أو صام رمضان في شوال، أو وقف بعرفات في التاسع من ذي القعدة لما صح ذلك منه، لمخالفته للشرع في الزمان.
٦ - المكان: فلو اعتكف إنسان في منزله لا في المسجد أو وقف يوم التاسع من ذي الحجة بمزدلفة لما صح ذلك منه لمخالفته للشرع في المكان (١).
стр. 66
القاعدة الثامنة عشرة
الخلاف في بعض البدع
قد يوجد خلاف معتبر في أمر ما هل هو من البدع أم لا؟ إما باعتبار الخلاف في فهم الأدلة مثل إهداء ثواب قراءة القرآن للأموات، أو باعتبار الخلاف في صحة الدليل أو ضعفه مثل استخدام الخطوط في المسجد لتسوية الصفوف ومثل الخلاف في السُّبْحة (المسبحة) أي الخرزات المنظومة لعد الأذكار.
* مثال: مسألة التسبيح بالمسبحة:
أولاً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عد التسبيح بالأصابع سنة» (١).
* عن حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله ﵌: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فَتَنْسَيْنَ الرحمة» (٢).
* التسبيح باليد أفضل، ولم يثبت عن النبي ﵌ أنه اتخذ مسبحة يسبح الله بها
стр. 67
فيما نعلم والخير كل الخير في اتباعه (١).
ثانياً: من ذهب من العلماء إلى جواز التسبيح بالمسبحة قال إن التسبيح باليد أفضل.
ثالثاً: من قال من العلماء بجواز العد بالنوى والحصى استدل بفعل الصحابة وإقرار الرسول على ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي ﵌ للنساء: «واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات» وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك، فحسن وكان من الصحابة ﵃ من يفعل ذلك، وقد رأي النبي ﵌ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة كان يسبح به (٢).
وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز، فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أُحسِنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه من غير حاجة، أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك ـ فهذا إما رياء الناس، أو مظنة الرياء ومشابهة المرائين من غير حاجة.
الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة؛ فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب» (٣).
رابعاً: ذهب بعض العلماء إلى أن السُّبْحة بدعة مضافة في التعبد بالأذكار والأوراد لم تكن في عهد النبي ﵌ وضعفوا الأحاديث والآثار التي استدل بها المجوّزون، واستدلوا بما رواه ابن وضاح القرطبي في البدع عن ابن مسعود أنه مر بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجْله ثم قال: «لقد سبقتم! ركبتم البدعة ظلما! ولقد غلبتم أصحاب محمد ﵌ علماً».
وقالوا بأن التسبيح بالمسبحة مخالف لهديه ﵌ حيث كان يعقد التسبيح بيمينه (٤)، وقالوا بأن استعمال المسبحة يقضي على سنة العد بالأصابع (٥).
стр. 68
القاعدة التاسعة عشرة
الفرق بين البدعة والمبتدع
الحكم على العمل الحادث أنه بدعة إنما هو حكم جارٍ على وفق القواعد العلمية والضوابط الأصولية التي يصدر عن دراستها وتطبيقها ذلك الحكم بوضوح وبيان.
أما صاحب هذه البدعة فقد يكون مجتهدًا، فمثل هذا الاجتهاد ـ ولو أنه خطأـ فإنه يدرأ عنه الوصف بالابتداع. وقد يكون جاهلًا فيُنفى عنه ـ لجهله ـ الوصف بسمة الابتداع، مع ترتيب الإثم عليه؛ لتقصيره في طلب العلم. وقد تكون هناك موانع أخرى من الحكم على مرتكب البدعة بالابتداع.
أما من أصر على بدعته بعد ظهور الحق له؛ اتباعًا للآباء والأجداد، وجريًا وراء المألوف والمعتاد، فمثل هذا يليق به الوصف بالانتداع؛ لإعراضه عن الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً له، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، نَعَم قد يكون متأولاً في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يُعْفي فيه عن المخطاء، ويثاب أيضاً على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولاً قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجوراً أو معذوراً» (١).
стр. 69
الرد على الشبهات التي استدل بها الأستاذ محمد حسين على جواز الابتداع في الدين وأن في الإسلام بدعة حسنة
الشبهة الأولى
نقل (ص١٢) أن الأشياء المسكوت عنها على العفو حتى يرِدَ حكم بشأنها.
الرد:
هذا الكلام صحيح فيما يتعلق بالعادات، أما العبادات فالأصل فيها المنع لقول النبي ﵌: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ» (١)، وقوله ﵌: «كلُّ بدعة ضلالة» (٢).
الشبهة الثانية
قال (ص١٢): «الأمور التي تتصل بالأحكام الشرعية من ناحية الحل والحرمة وما يجب فعله وما يجب تركه، فكل ما سكت عنه الرسول ﵌ مندرج في الأصول العامة التي تدرك بالتأمل والنظر في الشريعة ككل مترابط لا اختلاف فيه، وسواء في ذلك ما حدث في عصره ﵌ وما حدث بعد عصره، حيث اجتهد الصحابة وسعهم في مثل هذه الأمور ثم عرضوا اجتهادهم عليه فأخذه أو صححه، ولم يعنفهم أو ينهاهم علا (٣) مثل هذا الاجتهاد ... »، وذكر أمثلة لذلك:
стр. 70
١ - أخذ خالد بن الوليد ﵁ الراية يوم مؤتة من غير انتظار أمر، لأنه رأي المصلحة في ذلك.
٢ - تيمم عمرو بن العاص ﵁ في يوم برد وخشيته أن يغتسل بالماء البارد.
٣ - صلاة بلال ﵁ ركعتين بعد الأذان وبعد الوضوء ... الخ.
٤ - قول أحد الصحابة في مجلس النبي ﵌: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ...
الرد:
١ - قوله: «كل ما سكت عنه الرسول ﵌ مندرج في الأصول العامة التي تُدْرَك بالتأمل والنظر في الشريعة ككل مترابط لا اختلاف فيه»، هذا في أمور العادات أما العبادات فالأصل أن ما سكت عنه الرسول ﵌ المنع (١).
٢ - أما اجتهادات الصحابة فقد أقرها الرسول ﵌، وهذا من قبيل السنة التقريرية وليست دليلاً على جواز الابتداع، لأن الدليل فيها ليس اجتهادهم، بل إقرار الرسول ﵌ بدليل أن بعض الصحابة اجتهدوا ولم يقر الرسول ﵌ اجتهادهم.
قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث جابر ﵁: «كنا نعزل والقرآن ينزل» (٢): «فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نُقَرّ عليه» ا. هـ. وفي أثر جابر ﵁ دلالة واضحة على عصمة عصر التشريع من الإقرار على الخطأ، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وليست هذه الميزة لأحد بعد وفاة النبي ﵌ وانقطاع الوحي، وفي مقابل إقرار الرسول ﵌ للصحابة على العزل فقد أنكر ﵌ على الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فأنا أصلى الليل أبداً»، وقال آخر: «أنا أصوم الدهر ولا أفطر»، وقال آخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً» فجاء إليهم رسول الله ﵌ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكنى
стр. 71
أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) رغم أن اجتهادهم كان في طاعة الله، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر.
٣ - أخْذ خالد ﵁ الراية يوم مؤتة ليس من باب العبادات أصلاً بل الأصل فيه تحقيق المصلحة فإن الرسول ﵌ قال: «الحرب خدعة» (٢).
٤ - تيمم عمرو بن العاص ﵁ في يوم برد وخشيته أن يغتسل بالماء البارد ليس استناداً إلى سكوت الرسول ﵌ بل استنباطاً من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
٥ - قول أحد الصحابة ﵃ في مجلس النبي ﵌: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ... » لا يعدو أن يكون ثناءً عاماً على الله وليس في ذلك حدّ يُنتَهى إليه لا يجوز تعديه بل الأصل فيه السعة بخلاف ما إذا كان هناك أثر عن النبي ﵌ بصيغة مخصوصة في حال مخصوص كما روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﵌: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت»، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتهُا على النبي ﵌ فلما بلغتُ «آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلتُ: «ورسولك»! قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (٣)، قال الحافظ ابن حجر: «ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير
стр. 72
الثواب» (١).
* سؤال: لو أن أحد العلماء استحب صلاة ركعتين أو أربع ركعات بعد كل أكل مثلاً شكراً لله على نعمة الأكل هل يجوز هذا على اعتبار أن هذا مسكوت عنه (حيث لم يرد في الشرع ما يبيح أو يمنع) وقياساً على فعل بلال ﵁ في صلاة ركعتين بعد كل أذان ووضوء؟ الإجابة: هو بدعة، لأنه أحدث في الشرع ما لم يفعله الرسول ﵌، ولا يقاس على فعل بلال ﵁، لأن فعل بلال ﵁ أقره النبي ﵌ فهو سنة.
الشبهة الثالثة
تقسيم بعض العلماء البدع إلى حسنة وقبيحة ، أو محمودة ومذمومة: (من ص ١٨ - ص ٢٠).
الرد:
١ - ذكر الأستاذ محمد حسين أقوالاً للأئمة الشافعي وابن حزم وابن رجب الحنبلي وغيرهم، والكلام قد يكون فيه إجمال ويحتاج إلى تفصيل، وأحياناً ينقل الأستاذ محمد حسين من الكلام ما يؤيد رأيه ويترك باقي الكلام ويوضح ذلك أنه نقل كلام الإمام الشافعي ونقل كلام الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) وسأنقل هنا للقارئ الكريم كلاماً للحافظ ابن رجب الحنبلي وأيضاً في (جامع العلوم والحكم) يرد كلام الأستاذ محمد حسين في هذه الشبهة وغيرها.
قال الحافظ ابن رجب: «فقوله ﵌: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن
стр. 73
له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين برئ منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية» ثم ذكر أمثلة على ذلك، منها جمع عمر الناس في قيام رمضان، وجمع المصحف في كتاب واحد (١).
٢ - قول الإمام الشافعي ﵀: «البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة، فهو محمود، وما خالف السنة، فهو مذموم» واحتج بقول عمر ﵁ في قيام رمضان: «نعمت البدعة هذه» (٢).
وقوله: «المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه بدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: «نعمت البدعة هذه»
يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى» (٣).
الرد:
قال الشيخ سليم الهلالي (٤) راداً على من يستدل بهذا القول للإمام الشافعي: «أولاً: بالنسبة لما أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣) ففي سنده عبد الله بن محمد العطشي، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه والسمعاني في (الأنساب) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأما بالنسبة لما أخرجه البيهقي ففيه محمد بن موسى الفضل، لم أجد له ترجمة.
ثانياً: قول الإمام الشافعي ـ إن صح ـ لا يصح أن يكون معارضاً أو مخصصاً لعموم حديث رسول الله ﵌، والإمام الشافعي نفسه ﵀ نقل عنه أصحابه أن قول
стр. 74
الصحابي إذا انفرد ليس حجة، ولا يجب على من بعده تقليده، فكيف يكون قول الإمام الشافعي حجة، وقول الصحابي ليس بحجة؟!
ثالثاً: كيف يقول الإمام الشافعي ﵀ بالبدعة الحسنة وهو القائل: «من استحسن فقد شرع»، والقائل في (الرسالة: ص٥٠٧): «إنما الاستحسان تلذذ»،
وعقد فصلاً في كتابه (الأم: ٧/ ٢٩٣ - ٣٠٤) بعنوان: «إبطال الاستحسان»، لذلك من أراد أن يفسر كلام الإمام الشافعي ﵀ فلْيفعل ضمن قواعد وأصول الإمام الشافعي، وهذا يقتضي أن يفهم أصوله، وهذا الأمر مشهود في كل العلوم، فمن جهل اصطلاحات أربابها جهل معنى أقاويلهم، وإن المتأمل في كلام الإمام الشافعي ﵀ لا يشك أنه قصد بالبدعة المحمودة البدعة في اللغة، وهذا واضح في احتجاج الشافعي ﵀ بقول عمر ﵁ وعلى هذا الأصل يفسر كلام الإمام الشافعي، وأنه أراد ما أراده عمر بن الخطاب ﵁ أي: البدعة اللغوية لا الشرعية؛ فإنها كلها ضلالة؛ لأنها تخالف الكتاب والسنة والإجماع والأثر» ا. هـ بتصرف.
٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﵌ الكُليّة، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال: «ليست كل بدعة ضلالة»، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل» (١).
٥ - إذا كان رسول الله ﵌ قال: «كل بدعة ضلالة»، وقال بعض العلماء: «ليست كل بدعة ضلالة، هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة» فمع من تكون؟ قال الإمام الشافعي ﵀: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌ فقولوا بسنة رسول الله ﵌ ودعوا ما قلت».
٦ - من قسم البدعة إلى مذمومة ومحمودة نقول له: ما مقياس الذم والحمد؟ ما
стр. 75
مقياس أن هذه بدعة حسنة وهذه بدعة سيئة؟ المقياس هو الشرع وقد قال ﵌: «كل بدعة ضلالة» (١).
٧ - كثيرٌ من الذين قالوا بالبدع الحسنة قد أنكروا أعمالا في ظاهرها الحُسْن، بل إنك تجد أحد العلماء يقول في بدعةٍ ما إنها حسنة بينما تجد عالماً آخر وهو ممن يقول بالبدع الحسنة ينكرها أشد الإنكار وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
أ- العز بن عبد السلام وهو من أشهر من قال بتقسيم البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة يقول: «فإن الشريعة لم ترِد بالتقرب إلى الله تعالى بسجدةٍ منفردةٍ لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب، وشرائط، وأوقات، وأركان، لا تصح بدونها.
فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسكٍ واقعٍ في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدةٍ منفردةٍ، وإن كانت قربةً، إذا لم يكن لها سبب صحيح.
وكذلك لا يتقرب إلى الله بالصلاة والصيام في كل وقتٍ وأوانٍ، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه، من حيث لا يشعرون» (٢) اهـ.
وهذا الكلام صدر من العز بن عبد السلام ﵀ أثناء إنكاره لصلاة الرغائب المبتدعة؛ وقد أنكر هذه الصلاة بالإضافة إلى العز بن عبد السلام كثير من العلماء القائلين بالبدعة الحسنة مثل الإمام النووي في فتاويه (ص٥٧) مع العلم أن بعض العلماء قال باستحبابها وعدوها من البدع الحسنة.
ب - الإمام أبو شامة ﵀ أنكر في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) كثيراً من بدع الجنائز مثل قول القائل أثناء حمل الجنازة: استغفروا له غفر الله لكم، كما أنكر أن يكون للجمعة سنة قبلية (ص٢٥٨ - ٣٠٤)، وأنكر كذلك صلاة الرغائب (ص١٣٨ - ١٩٦)، وأنكر كذلك صلاة ليلة النصف من شعبان (ص١٣٤ - ١٣٨)،