← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 36181

الرد على اللمع

شحاتة صقر

Полный текст (260 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]. * قال رسول الله ﵌: « ... إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١)، «عَضُّوا عليها بالنواجذ»: كناية عن شدة التمسك بها، و «النواجذ»: الأضراس. * قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢). * قال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» (٣). * قال الإمام الزهري ﵀: «الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة ـ كما قال مالك ـ مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك».

стр. 2

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد .. فمن فضل الله على هذه الأمة أنه أكمل هذا الدين، وما قُبِض رسول الله ﵌ إلا وقد بلغ الرسالة، فكل ما يحتاجه الناس في دينهم فهو في كتاب الله وسنة الرسول ﵌ ولذلك حذر النبي ﵌ من البدع فقال: «كل بدعة ضلالة» (١)، وأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (٢). ولكن أهل البدع من حيث يشعرون أو لا يشعرون يحاولون زعزعة أصل من أصول أهل السنة والجماعة، وهو الاقتصار في أمور الدين على اتباع النبي ﵌، واعتمادهم في ذلك إما على شبهات لا دليل فيها أو على آراء رجال يجب أن نترك أقوالهم إذا خالفت كتاب الله أو سنة رسوله ﵌. والغرض من هذا الكتاب كشف البدع وأثرها السيئ في هدم دين الإسلام، والرد على كتاب (اللمع في تجلية البدع) لمؤلفه الأستاذ محمد حسين وهو أحد رموز جماعة الإخوان المسلمين، وقد حاول فيه تبرير مقولة: «إن في الإسلام بدعة حسنة» وهذا ينتج عنه هدم الكثير من السنن وفتح باب الابتداع في الدين، وقد احتوى الكتاب على بعض البدع والأخطاء التي رد عليها العلماء وفندوا الشبهات التي اعتمد عليها من سبقوه في تلك البدع والأخطاء. ومن الواجب الرد على هذا الكتاب لسببين: ١ - كثرة الشبهات التي أوردها.

стр. 3

٢ - أن مؤلفه أحد رموز جماعة الإخوان المسلمين، ومعنى ذلك أن هذا الكتاب سيكون مصدراً من مصادرهم الثقافية التي يعتمدون عليها في عباداتهم ومعاملاتهم وسلوكياتهم ودعوتهم، بل إن بعضهم ينشره في أوساط الشباب ويعتبره حجة على أصحاب المنهج السلفي الذين يدْعون إلى هدم البدع. * ويحتوى هذا الرد على: ١ - منهج الأستاذ محمد حسين في كتابه. ٢ - مقدمة بها قواعد أساسية في السنن والبدع. ٣ - الرد على الشبهات التي استدل بها الأستاذ محمد حسين على أن في الإسلام بدعة حسنة. ٤ - بيان موقف الأستاذ محمد حسين من الأحاديث الضعيفة. ٥ - الرد على البدع والأخطاء التي ذكرها الأستاذ محمد حسين في كتابه. ٦ - مناقشة بعض أراء الأستاذ محمد حسين في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم). ونسأل الله سبحانه أن يهدي المسلمين للتمسك بسنة النبي ﵌ بفهم السلف الصالح، وأن يجعلنا لَبِنات صالحات في بنيان التمكين لدين الإسلام، وأن يرزقنا الانتصار على أنفسنا والتغلب على الهوا، وأن يؤلف بين قلوب العاملين للإسلام، وأن يوحد كلمتهم على كلمة التوحيد واتباع النبي ﵌، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ونشكر كل من ساهم في نشر هذا الكتاب بإضافة شيء أو تصويب خطأ، ونسأل كل من له تعقيب على شيء في هذا الكتاب أن يبادر بإرساله؛ فالدين النصيحة.

стр. 4

* تنبيه: الاعتماد في الرد على كتاب (اللمع) على أول طبعة للكتاب وقد صدرت طبعة أخرى تزيد أربع صفحات، فإن كان لدى القارئ الطبعة الجديدة وأراد الرجوع إلى المصدر فليُضف إلى كل رقم صفحة أحيل إليها في الكتاب أربع صفحات فمثلاً إذا كانت الإحالة إلى (ص٥٥) فسيجدها في نسخته (ص٥٩) وهكذا. شحاتة محمد صقر أبو حمص في ٢٦ من ذي القعدة ١٤٢٦ هجرية saqrmhm@gawab.com

стр. 5

كيف تناقش مبتدعاً ؟ لسان حال المبتدع أنه مُفْترٍ على الله تعالى مُدَّعٍ أن الدين لم يكمل وأنه ببدعته يكمله، ويمكن ضَرْب مثل للمبتدع به تنقطع حجته ويسقط دليله وهذا المثل هو: أن المريض إذا ذهب إلى الطبيب يشكو إليه داء فإن الطبيب بعد أن يشخص الداء يصف الدواء، ويوصيه بأن يتناول الدواء بحسب وصْفة معينة مثلاً في الصباح مرة وفي المساء مرة، وهذا يبلعه وهذا يشربه، وثالث يأخذه في الوريد، ولا تجد المريض مهما بلغ حمقه معترضاً على الطبيب فيما وصفه له، ولا تجد عاقلاً يقول: لِمَ لا أتبع طريقة أخرا، فبدل أن آخذ الدواء كل صباح ومساء آخذه مرة واحدة، وبدل أن أكتفي بهذا النوع أزيد أنواعاً أخرا. . لا أحد من المرضى ولا من الناس يقول مثل ذلك، لماذا؟ لأن الكل يسلم للطبيب تخصصه، ويعلم أنه بدراسته وتجربته أعرَف بطرق العلاج. هذا التسليم من الناس جميعاً للطبيب لا نجد مثله منهم تجاه طبيب القلوب محمد ﵌ فتجد كل من هب ودب يفترى ويقول: لِمَ لا أزيد هذه العبادة؟ لِمَ لا أخترع هذه العبادة؟ لِمَ لا أخترع هذه الكيفية؟ أليست كلها قربة إلى الله؟ فقل لمثل هذا: لِمَ لا تترك دواء الطبيب وتتناول دواء آخر؟ لِمَ لا تزيد على الدواء نوعاً آخر؟ لِمَ لا تغير كيفية تناول الدواء وتتناول الدواء مرة واحدة؟ لن يفعل من ذلك شيئاً، لأنه يرى الطبيب أدرى بما وصف، ونحن نرى أن رسول الله ﵌ أدرى بما شرع بإذن الله تعالا. وإنكار ابن مسعود ﵁ للذكر الجماعي أبرز مثال لإنكار السلف لمثل هذه المحدثات.

стр. 6

منهج الأستاذ محمد حسين في كتابه ١ - عدم الاعتماد في الترجيح على الكتاب والسنة بل الاعتماد على ما ينتقيه من أقوال العلماء والتي تؤيد رأيه، وبالتالي اعتبار المسألة خلافية ويجوز الأخذ بأي القولين، مع عدم اعتبار أن من الخلاف ما هو سائغ معتبر وما هو غير سائغ وغير معتبر لمخالفته الصريحة للكتاب والسنة. ٢ - ينتقى من آراء العالم الواحد ما يشتهيه من آراء تؤيد قوله في مسألة ما، وقد يضرب بقوله عرض الحائط في مسألة أخرا، فقد نقل (ص٧٥) نقولاً عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد رأى أنها تؤيد رأيه ثم قال: «هؤلاء أئمة الإسلام والفقه ... فمن نأخذ عن غيرهم؟»، وفي مسألة أخرى (ص٨١) ترك قولهم جميعاً وأخذ بقول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم قال: «انظر رعاك الله وشرح صدرك لقبول فقه العلماء إلى قول الإمام ابن تيمية ... » ثم لما كان كلام الإمام!!! ابن تيمية في التوسل بذات الرسول ﵌ يخالف رأيه ضرب بكلام الإمام!!! عرض الحائط بل رد عليه (ص١٣٠ - ١٣٣) واتهم الإمام!!! ابن تيمية (ص١٣٠) برد الحديث الصحيح وأعمال الصحابة. ٣ - الاستدلال بأحاديث ضعيفة وبناء أحكام عليها رغم أنه اشترط (ص٣٢) ألا يعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد، بل أحيانا يذكر أحاديث أو آثاراً ويبني عليها أحكاماً دون أن يذكر الذي أخرجها من أهل العلم ولا درجتها من الصحة أو الضعف اكتفاء بأن العالم الفلاني ذكرها حتى وإن كان هذا العالم لا يشترط ذكر ما هو صحيح في كتابه، فمثلاً ذكر حديثاً (ص١٠٨) ثم قال: «ذكره القرطبي في التفسير» ولم يذكر من الذي رواه أو درجته من الصحة أو الضعف، بل إنه ذكر أثراً عن عمر بن الخطاب ﵁ ونسبه للإمام الغزالي في (إحياء علوم الدين) ولم يذكر من

стр. 7

الذي أخرجه حتى يبني عليه حكماً، ومعلوم أن الإحياء مليء بالضعيف بل والموضوع وما لا أصل له. ٤ - بتْر النقول التي ينقلها أحيانا وعدم ذكر بقية الكلام إن كان يخالف ما ذهب إليه، ومن أمثلة ذلك: أ- نقل (ص١٢٠ - ١٢١) تعريف الإمام الشاطبي للبدعة الإضافية ثم قال: «وضرب ـ أي الشاطبي ـ لذلك أمثلة» اهـ، ولم يذكر الأمثلة لأنها تهدم كثيراً من البدع التي ذكرها في الكتاب، ولم يكمل شرح الإمام الشاطبي للتعريف وهو قوله: «والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة» (١) هذا الكلام يهدم كثيراً من البدع التي ذكرها الأستاذ محمد حسين في كتابه. ب- نقل (ص٢٠) عن الحافظ ابن رجب الحنبلي ما يوهم أنه يؤيد رأيه ولم ينقل توضيح ابن رجب لهذا الكلام في نفس الكتاب (٢). جـ- نقل (ص١١٤) كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رأى أنه يؤيد رأيه ولم ينقل بقية الكلام لأنه يهدم ما ذهب إليه (٣). د - نقل (ص١٠٣ - ١٠٤) كلاماً لابن الحاج في (المدخل) عن صيام النبي ﵌ يوم الاثنين اليوم الذي ولد فيه، ولم ينقل كلام ابن الحاج في الإنكار الشديد على بدعة المولد (٤). هـ- ذكر (ص١٣٣) حديث الأعمى واستدل به على جواز التوسل بذات

стр. 8

الرسول ﵌ وحذف منه قول الأعمى: «اللهم شفعني فيه»؛ لأنه دليل على أن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي ﵌ وليس بذاته (١). ونقل (ص٣٥) عن الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب (إعلام الموقعين) أن الإمام أحمد يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره وفي رواية: ضعيف الحديث عندنا أحب مِنْ رَأْي الرجال، ولم يذكر توضيح الإمام ابن القيم لهذا الكلام في (إعلام الموقعين: ١/ ٣٣) حيث قال «وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب في العمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من اقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب». ز- نقل (ص٧٣) عن (الآداب الشرعية) لابن مفلح: «وقال صاحب المحيط من الحنفية: إن أبا حنيفة ﵀ ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار وكان يجره على الأرض، فقيل له: أوَلَسْنا نُهينا عن هذا؟! قال: إنما ذلك لذوي الخيلاء ولسنا منهم»، وبالرجوع إلى مصدر نقله نجد أن صاحب المحيط ﵀ قد نقل هذا الكلام بدون إسناد، بصيغة التمريض التي توحي بضعف الرواية، لا بصيغة الجزم كما ذكر الأستاذ محمد حسين، قال ابن مفلح ﵀: «وقال صاحب المحيط من الحنفية: ورُوِيَ أن أبا حنيفة ﵀ ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار وكان يجره على الأرض، فقيل له: أوَلَسْنا نُهينا عن هذا؟! قال: إنما ذلك لذوي الخيلاء ولسنا منهم» (٢).

стр. 9

أقوال للشيخ حسن البنا ﵀ في وجوب اتباع النبي ﵌ نهديها لأتباعه أولاً: « ... فأول واجباتنا نحن الإخوان أن نبين للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقص ولا لبس معها، وذلك هو الجزء النظري من فكرتنا، وأن نطالبهم بتحقيقها ونحملهم على إنفاذها ونأخذهم بالعمل بها، وذلك هو الجزء العملي من هذه الفكرة، وعمادنا في ذلك كله كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنة الصحيحة الثابتة عن الرسول ﵌، والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة» (١). ثانياً: «القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعريف أحكام الإسلام ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكليف ولا تعسف ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات» (٢). ثالثاً: «الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية» (٣). رابعاً: «كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﵌ وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه وإلا فكتاب الله وسنة رسوله ﵌ أولى بالاتباع» (٤). خامساً: «العرف الخاطئ لا يغير حقيقة الألفاظ الشرعية بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها والوقوف عندها» (٥).

стр. 10

سادساً: «وإذا صح الحديث فقد وجب العمل به، وإن لم يخرجه الشيخان، ولا يترك العمل به لرأي ولا تقليد إمام ولا لتوهم اجتماع، قال ابن القيم في (إعلام الموقعين): والذي ندين الله عليه، ولا يسعنا غيره، أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﵌ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس، كائنا من كان، لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، ولا يحضره وقت الفتيا، أو يفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول تأويلاً مرجوحاً، أو يكون في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قُدّر انتفاء ذلك كله ـ ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه ـ لم يكن الراوي معصوماً» (١).

стр. 11

قواعد أساسية في السنن والبدع ينبغي معرفتها القاعدة الأولى تعريف البدعة (١) قال الشيخ صالح الفوزان: «البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله ـ تعالى ـ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي مخترعها على غير مثال سابق، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يُسبَق إليها. والابتداع على قسمين: ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة. وابتداع في الدين وهذا مُحرَّم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢)، وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله ﵌، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعُلِم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وسواء

стр. 12

كان هذا مفعولاً على عهد النبي ﵌ أو لم يكن، فما فُعِل بعده بأمره ـ من قتال المرتدين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وغير ذلك ـ هو من سنته. ولهذا كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: سن رسول الله ﵌ سننًا، الأخذ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله. ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، فسنة خلفائه الراشدين هي: مما أمر الله به ورسوله، وعليه أدلة شرعية مفصلة». قال الإمام الشاطبي: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، (تضاهى: تشابه). فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تُسَمّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم. * ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها، خُصّ منها القسم المخترع، أي طريقة ابتُدِعت على غير مثال تقدمها من الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترَع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول، فأصولها موجودة في الشرع، إذ علوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذاً أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية كيف تُؤْخَذ وتُؤَدَّا. * البدعة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة، منها: ١ - وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار في المأكل والمشرب على صنف دون

стр. 13

صنف من غير علة. ٢ - التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﵌ عيداً، وما أشبه ذلك. ٣ - التزام العبادات المعيَّنة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صوم يوم النصف من شعبان (١) وقيام ليلته. فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة، لأنها تصير من باب الأفعال العادية». * هل البدع تدخل في العادات؟ قال الإمام الشاطبي: «العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يُتَعَبَّد بها أو توضع وضع التعبد ـ تدخلها البدعة، وأفعال المكلفين ـ بحسب النظر الشرعي فيها ـ على ضَرْبين: أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات، والثاني: أن تكون من قبيل العادات. وثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لم يُعقَل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي وما عُقِل معناه وعُرِفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي؛ لأن أحكامها معقولة المعنا، ومع أنها معقولة المعنى لابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأُمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعبادات، وإلا فلا».

стр. 14

فالأفعال العادية قد تدخل في نطاق البدع بنية صاحبها سواء في الفعل (كلبس الصوف بقصد التقرب إلى الله)، أو في الترك (كالتقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن الخبز واللحم وشرب الماء البارد، أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال).

стр. 15

القاعدة الثانية الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة والتحذير من الابتداع قال الشيخ على محفوظ: * قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإذا كان الله سبحانه قد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الأمين وبين لنا من حلال وحرام، فمن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو الحقيق بهذا الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. * قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً يحتاج إليه من الأشياء المهمة، فقد نفى سبحانه التقصير فيما شرع من كتابه الحكيم الذي هو متن السنة، وقد أمر تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم، ونهى عن اتباع غير سبيل المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فذكر تعالى أن له سبيلاً واحداً سماه صراطاً مستقيماً لأنه أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلاً متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط، وهي طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة حثاً مقروناً بالنهي عن اتباع السبل مبيناً أن ذلك سبب للتفرق، ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلاً واحداً أمروا بسلوكه وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. * قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال العلماء: معناه: إلى الكتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر في حالة النزاع إلى كتابه

стр. 16

العزيز وسنة نبيه ﵌ ففي حالة الوفاق أولا. * قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد جعل علامة محبته اتباع الرسول ﵌ فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب في دعواه فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالا، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] وعصيان الله تعالى ينافي محبته، فالخيرة في اتباع الرسول ﵌ والشر في مخالفة سنته، فإذاً الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله والتأسي به في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وما أخبث رجلاً ترك سبيل السُنة الشارحة للكتاب واستبدل العذب بالعذاب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١). * قال الحافظ ابن كثير: «﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﵌، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائناً من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﵌ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) أي: فليحذر ولْيَخْش من خالف شريعة الرسول باطناً أو ظاهراً ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا، بقتل أو حد أو حبس، أو نحو ذلك» (٣). * قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. قال مجاهد: «تبيانًا للحلال والحرام» (٤).

стр. 17

قال الإمام القرطبيُّ: «أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلاَّ وقد دللنا عليه في القرآن، إمَّا دلالة مبيَّنة مشروحة، وإمَّا مجملة يُتَلقَّى بيانُها من الرسول ﵊، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فأجْمَلَ في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيءٍ إلاَّ ذكره، إمَّا تفصيلاً وإمَّا تأصيلاً، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]» (١). * قال ﵌: «إنِّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين» (٣). * قال ﵌: « ... ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤). قال الإمام الشاطبي: «والرأيُ إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة» (٥). * قال رسول الله ﵌: « ... إنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٦)، عضوا عليها

стр. 18

بالنواجذ: كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس. قال الإمام الشاطبي: «يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولاً عن النبي ﵌ على الخصوص مما لم يُنَصّ عليه في الكتاب العزيز، بل إنّ ما نُصَّ عليه من جهته ﵌ كان بياناً لما في الكتاب أولاً. ويُطلَق أيضاً في مقابلة البدعة، فيقال: فلان على سنة، إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﵌، ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك. ويطلق أيضاً لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة ﵃، وُجِد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم، لم تُنْقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع، من جهة حَمْل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حَدّ الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك، ويدل على هذا الإطلاق قوله ﵌: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (١) اهـ. قال الشيخ عبد الله دراز ـ تعليقاً على قول الإمام الشاطبي السابق ـ: «فقد أضاف ﵌ السنّة إليهم كما أضافها إلى نفسه، فسُنّتهم هي ما عملوه استناداً لسنته، وإن لم تطلع عليها منقولة عنه، وكذا ما استنبطوه بما اقتضاه نظرهم في المصلحة». * قال رسول الله ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (٢). قال الإمام النوويُّ: «قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به». وقال: «وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﵌، فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات»، وقال: «وهذا

стр. 19

الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به» (١). قال الحافظ ابن رجب: «فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود» (٢). وقال الحافظ ابن حجر: «وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده؛ فإن من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه» (٣). * قال ﵌: «إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلاَّ كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم» (٤). قيل لسلمان ﵁: قد علَّمكم نبيُّكم ﵌ كلَّ شيء؛ حتى الخراءة!!. فقال: «أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (٥). * قال رسول الله ﵌: «من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة فعُمِل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً» (٦).

стр. 20

القاعدة الثالثة الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع (١) ١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة قَلّ العلم وفشا الجهل، كما أخبر بذلك النبي ﵌ بقوله: « ... من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً» (٢)، وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (٣) (انتزاعاً: أي محواً من الصدر). ٢ - اتباع الهوى: من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ﴾ [القصص: ٥٠] والبدع إنما هي من نسيج الهوى المتبع. ٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض اتباع المذاهب والصوفية والقبوريّين إذا دُعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونَبْذ ما هم عليه مما يخالفها، احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم. ٤ - التشبه بالكفار: وهو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث أبى واقد الليثى: أن رسول الله ﵌ لما خرج إلى حنين مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات

стр. 21

أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا: «يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، فقال النبي ﵌: «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، والذي نفسي بيده لتركبُنَّ سنّة من كان قبلكم» (١). ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب محمد ﵌ أن يطلبوا هذا الطلب القبيح من نبيهم، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبرَّكون بها من دون الله، وهذا هو نفس الواقع اليوم، فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المآتم وبدع الجنائز والبناء على القبور وغير ذلك. ٥ - اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة من العلماء المبتدعين، وابتغاء تأويله من العلماء المتعالمين. ٦ - الجهل بالسنة: ويشمل الجهل بمكانة السنة من التشريع، ويشمل الجهل بمصطلح الحديث، وعدم التفريق بين الأحاديث الصحيحة وبين الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

стр. 22

القاعدة الرابعة تقسيم السنة إلى فعلية وتركية (١) سنة النبي ﵌ كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكما كلفنا الله تعالى باتباع النبي ﵌ في فعله الذي يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة، وكما لا نتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل، لا نتقرب إليه بفعل ما ترك فلا فرق بين الفاعل لما ترك والتارك لما فعل. والكلام في ترك شيء لم يكن في زمنه ﵌ مانع منه وتوفرت الدواعي على فعله، كتركه الأذان للعيدين، والغسل لكل صلاة، وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح، والقراءة على الموتا، فهذه أمور تُركت في عهد النبي ﵌ السنين الطوال مع عدم المانع من فعلها ووجود مقتضيها، لأنها عبادات والمقتضي لها موجود وهو التقرب إلى الله تعالا، والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كانت ديناً وعبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى ما تركها السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان، فتركه ﵌ لها ومواظبته على الترك ـ مع عدم المانع ووجود المقتضي ومع أن الوقت وقت تشريع ـ دليل على أن المشروع فيها هو الترك، وأن الفعل خلاف المشروع، فلا يتقرب بها؛ لأن القربة لابد أن تكون مشروعة. وأما ما فعله الخلفاء ولم يكن موجوداً من قبلُ فهو لا يخرج عن أمور لم يوجد لها المقتضي في عهد الرسول ﵌ بل في عهد الخلفاء كجمع المصحف، أو كان المقتضي موجوداً في عهد الرسول ولكن كان هناك مانع كصلاة التراويح في جماعة فإن المانع من

стр. 23

إقامتها جماعة والمواظبة عليها خوف أن تُفْرَض، فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحي صح الرجوع فيها إلى ما رسمه النبي ﵌ في حال حياته. * ما تركه النبي ﵌ مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، لأن النبي ﵌ لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. * عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً، إذ لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه؛ إذ لو كان دليلاً لعمل به السلف الصالح. *قال الإمام الشافعي ﵀: «ولكنا نتبع السنة فعلًا وتركًا» (١).

стр. 24

القاعدة الخامسة الأصل في العبادات المنع قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينًا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله» (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: «ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دينًا إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله؛ فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرَعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها؛ ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين: وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه. وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما

стр. 25

أحله الله والحرام ما حرمه وما سكت عنه فهو عفوٌ» (١). وقال أيضًا: «ولا حرام إلا ما حرمه الله كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله» (٢) * التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول ﵌ بفعله وتركه هو من اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه، ولو عوّلنا على العمومات وصرَفْنا النظر عن البيان لانفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده. مثال: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يُتقرب إلى الله بالصلاة والسلام على النبي في قيام الصلاة وركوعها واعتدالها وسجودها إلى غير ذلك من المواضع التي لم يضعها الرسول ﵌ فيها، ومَن الذي يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة؟ وكيف هذا مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلا» (٣)، فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع. * كان الصحابة ﵃ يرون في ترك الرسول ﵌ للفعل، مع وجود المقتضي له، الحظر وأنه منهي عنه، دليل ذلك أنه لما قُدِّم الضب إلى رسول الله ﵌ رفع يده عنه وترك أكْله فقال خالد بن الوليد: «أحرامٌ الضبّ يا رسول الله؟» قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، قال خالد: «فاجتززته فأكلته ورسول الله ﵌ ينظر إلا» (٤)، فلو لم يكن الرسول ﵌ متبَّعاً في تركه كما هو متبع في فعله، لما كان لتوقف الصحابة وترْك الأكل من الضب وجه وقد فهموا، وهم أدرى الناس بالدين،

стр. 26

أولاً أنه امتنع عنه فتركوه، وبعد أن أخبرهم بأن هناك سبباً أخر ـ وهو عدم الإلف ـ أكلوا منه ولم يروا بذلك بأساً (١). * قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال الحافظ ابن كثير ﵀: «أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالاً وعماراً وصهيباً وخباباً ﵃ وأشباهم من المستضعفين والعبيد والإماء ... وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة، لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها» (٢). قال ابن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٣). قال حذيفة ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً» (٤). * يستدل كثير من الناس بالنصوص العامة لتسويغ بدعهم، والتدليل على واقعهم! وهذا خطأ كبير. فمثلاً: لو أن عدداً من الناس دخلوا مسجداً للصلاة فيه، فما أن دخلوا حتى اقترح أحدُهم عليهم أن يصلوا تحية المسجد جماعة!! فجابهه بعض أصحابه بالإنكار والرد!! فاستدل عليهم المقترِح بأحاديث فضل صلاة الجماعة!! فافترقوا رأيين!! بعضهم وافق على هذا الاستدلال، والبعض الآخر خالف؛ لأن هذا الدليل إنما مورده في غير هذا المقام! فما هو القول الفصل؟ قال الإمام الشاطبي رداً على من يستدل بالأدلة العامة على خلاف فهم السلف

стр. 27

والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به ما ملخصه: «لو كان دليلاً عليه؛ لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارِض له، ولو كان ترك العمل. فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماعِ الأولين، وكل من خالف الإجماع؛ فهو مخطئ، وأمة محمد ﵌ لا تجتمع على ضلالةٍ، فما كانوا عليه من فعلٍ أو تركٍ؛ فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدا، وليس ثَمَّ إلاَ صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين؛ فهو على خطأ، وهذا كافٍ ... » (١). ثم قال: «فلهذا كله؛ يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل» (٢). وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي ﵀: «ولا يجوز إحداث تأويل في آيةٍ أو سنةٍ لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهِلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر» (٣) ا. هـ. فإذا وضحت هذه القاعدة، ظهر لك أي الفريقين أهدى في المثال الذي صدرنا لك الكلام به (صلاة تحية المسجد جماعة)؛ إذ ذاك الدليل العام لم يجرِ عليه عمل السلف ﵃ أو فهمهم؛ استدلالاً به على الجماعة في غيرِ الوارد؛ كالفرائض أو التراويح ونحوهما، فهو جرى ـ إذاً ـ على جزءٍ من أجزاء عمومه لا على جميع أجزائه. ومثال آخر: روى الإمام أبو داود في سننه بسند حسن عن مجاهد؛ قال: «كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهرِ أو العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة» (٤).

стр. 28

ومعنى التثويب: هؤلاء الَذين يقومون على أبواب المساجد، فينادون: الصلاة، الصلاة، فلو جاء أحد قائلاً: هل من ضيرٍ على من ذكّر بالصلاة والله يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]؟! لمَاَ قُبِلَ قولُه، بل رُدَّ عليه فهمُه، إذ لم يفهم السلف ﵃ من هذه الآية هذا الإطلاق وهذا العموم، ومعلوم عن ابن عمر ﵄ شدة اتباعه، ودقة التزامه. مثال آخر: عن نافع أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر ﵄، فقال: «الحمد لله، والسلام على رسوله»، قال ابن عمر: «وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﵌، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حالٍ» (١)، فقد أنكر ابن عمر ﵄ على هذا الرجل مع أن عموم قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] تدخل فيه تلك الصلاة، ولكن ما هكذا فهمها الصحابة فمَن بعدهم وما هكذا طبقها السلف الصالح ﵃، وفهمُهم أوْلا، ومرتبتهم أعلا. مثال آخر: رأى سعيد بن المسيب ﵀ رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة؟ قال: «لا ... ولكن يعذبك على خلاف السنة» (٢). مثال آخر: قال رجل للإمام مالك بن أنس: «يا أبا عبد الله، من أين أُحْرِم؟» فقال الإمام مالك: «من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﵌» فقال: «إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر» قال: «لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة» فقال: «وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها!» قال: «وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله ﵌؟! إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ

стр. 29

الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]» (١). ونلاحظ في هذه الأمثلة أن الدافع إلى البدعة ومخالفة السنة كان الحرص علا الخير والزيادة في الطاعة ومع ذلك فقد أكد الأئمة على ضرورة الوقوف عند حدود السنن، وهم في ذلك على قاعدة عظيمة في تجريد الاتباع ذكرها التابعي الجليل سعيد بن جبير ﵀ وهي قوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع» (٢).

стр. 30

القاعدة السادسة مفاسد البدع ١ - البدع ضلال: قال رسول الله ﵌: «كل بدعة ضلالة» (١). ٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره: «إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يُتاب منها، والمعصية يتاب منها»، ومعنى قولهم: «إن البدعة لا يتاب منها»: أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسناً مأموراً به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسناً وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق، كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال» (٢). ٣ - قال الإمام ابن القيم: «ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه والمذنب ليس كذلك، والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله والمذنب ليس كذلك، والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول ﵌ والعاصي ليس كذلك، والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة والعاصي بطيء السير

стр. 31

بسبب ذنوبه» (١). ٤ - يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: «البدعة كيفما كانت صفتها استدراك على الشرع وافْتِيات عليه» (٢). ٥ - الطرد عن حوض النبي ﵌، قال ﵌: « ... ألا ليُذادَنّ رجالٌ عن حوضي كما يُذَاد البعيرُ الضالّ، أناديهم: ألا هلُم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً» (٣)، «أناديهم ألا هلم»: تعالوا، «سحقاً سحقاً»: بُعداً بعداً. ٦ - القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيراً من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس (٤). ٧ - مصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وما يترتب على ذلك من جهالة الناس بدين المرسلين، وانتشار زرع الجاهلية (٥). ٨ - مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابورى ﵀: «ما ترك أحد شيئاً من السُنَّة إلا لكِبْر في نفسه» (٦). ٩ - قال التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي ﵀: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سُنَّتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» (٧).

стр. 32

القاعدة السابعة أقسام البدع (١) ١ - تنقسم البدع إلى فعلية وتركية: فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل مثلاً قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصداً بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يُعتبر مثله شرعاً أو لا: فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من اجل أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، وكالذي يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصاباً بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه فلا مانع من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض كان الترك هنا مطلوب، فهذا راجع إلى العزم على الحِمْيَة (٢) من المضرات، وأصله قوله ﵌: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلْيتزوج، فإنه أغَض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٣) ذلك أنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان، فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذراً من الوقوع في الحرام واستبراءً للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعاماً لا يدرى أهو له أو لغيره. * وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تديناً أو لا: فإن لم يكن تديناً فالتارك

стр. 33

عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة لكن التارك يصير عاصياً بتركه أو اعتقاده التحريم فيما أحل الله. وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين إذ قد فرضنا الفعل جائزاً شرعاً فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل كترك كثير من العُبّاد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكاً وتعبداً لله بتعذيب النفس وحرمانها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] فنهى أولاً عن تحريم الحلال وأشعر ثانياً بأن ذلك اعتداء وأن من اعتدى لا يحبه الله. * وكذلك ترك المطلوبات الشرعية وجوباً أو ندباً يسمى بدعة إن كان الترك تديناً، لأنه تدين بضد ما شرع الله، أما تركها كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر فإن كان في واجب فمعصية، وإلا فلا، مثال الترك تديناً: أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدُّوه وذلك هو الضلال البعيد فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين. ٢ - تنقسم البدع إلى اعتقادية وعملية: البدعة في الدين نوعان: النوع الأول: بدعة قوليّة اعتقاديّة: كمقالات الجهميّة والمعتزلة والرّافضة (الشيعة) وسائر الفرق الضّالّة واعتقاداتهم. النوع الثاني: بدعة في العبادات: كالتّعبّد لله بعبادة لم يشرعها، كالطواف حول الأضرحة والذكر أمام الجنائز وكصلاة الرغائب وصلاة ليلة النصف من شعبان، أو من أعمال القلب التي ليست اعتقادية كالنية في صلاة ركعتين بنية طول العمر مثلاً. وهذا النوع أقسام: أ- ما يكون في أصل العبادة: بأن يُحْدِث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يُحْدِث صلاة غير مشروعة، أو صياماً غير مشروع أصلًا، أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد

стр. 34

الموالد وغيرها. ب- ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلاً. جـ - ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مُطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﵌. د- ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل. ٣ - تنقسم البدع إلى حقيقية وإضافية: * البدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال معتبر عن أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ومن أمثلتها: - التقرب إلى الله بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعي إليه وفقد المانع الشرعي كرهبانية النصارا. - نِحَل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع كالإحراق بالنار، ومن ذلك ما يفعله الشيعة يوم عاشوراء من خدش الرؤوس والوجوه واللطم والنواح لكون الحسين ﵁ قتل في هذا اليوم، يفعلون تلك المآتم زاعمين أنها تقربهم من الله تعالا. - تحكيم العقل ورفض النصوص في دين الله وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧، يوسف: ٤٠، ٦٧]. - الطواف بغير البيت كالأضرحة، والوقوف على غير عرفة بدل عرفة، ووضع

стр. 35

الهياكل على القبور وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة. * البدعة الإضافية: هي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلَّق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مِثْل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء. والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه، لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة. * من البدع الإضافية التي تَقْرُبُ من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعاً إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حُدَّ لها. ومثال ذلك: أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زماناً دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خص منه يوماً من الجمعة بعينه، أو أياماً من الشهر بأعيانها لا من جهة ما عينه الشارع، فلا شك أنه رأْيٌ محض بغير دليل، ضاهَى به تخصيص الشارع أياماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة، إذ هي تشريع بغير مستند. ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقَصْد يَقْصِد مثلَه أهلُ العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعاً زائداً، وهذا كله إن فرضْنا أصل العبادة مشروعاً، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة.

стр. 36

أمثلة على البدع الإضافية: - صلاة الرغائب وهي اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة. - صلاة ليلة النصف من شعبان وهي مائة ركعة بكيفية خاصة. - صلاة بر الوالدين وصلاة مؤنس القبر وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، فأنت إذا نظرت إلى الصلاة تجدها مشروعة في الأصل وإذا نظرت إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة تجدها بدعة. - التأذين للعيدين أو للكسوف فإن الأذان من حيث هو: قربة، وباعتبار كونه للعيدين أو للكسوفين بدعة. - الاستغفار عقب الصلاة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار في ذاته سنة وباعتبار هيئته من رفع الصوت واجتماع المستغفرين وفي المسجد بدعة. - تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم، أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام، كصيام يوم النصف من شعبان (١) وصيام يوم المولد النبوي ويوم السابع والعشرين من رجب وتخصيص لياليهم بالقيام فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصهما بيوم أو بليلة بدعة. - رفع الصوت بالذكر أو القرآن أمام الجنازة، فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا القرآن باعتبار ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع وكذا وضعه في ذلك الموضع غير مشروع، فهو مبتدَع من جهتين: من جهة موضعه ومن جهة كيفيته. - خَتْم الصلاة المعروف على الوجه المعروف (في غير المساجد التي تلتزم بالسنة

стр. 37

في إقامة العبادات) فإنه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاء مشروع، ومن جهة ما عرض له من الاجتماع عليه بصوت واحد وترديده خلف أحدهم غير مشروع. - الصلاة والسلام على النبي ﵌ من المؤذن عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان.

стр. 38

القاعدة الثامنة هل في الدين بدعة حسنة ؟ * قال عبد الله بن عمر ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١) * من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطاء ومخالف لقوله ﵌: «كل بدعة ضلالة» (٢)، لأن رسول الله ﵌ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة (٣). * قال الإمام مالك: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» (٤). * قال الإمام الشاطبي ـ رحمة الله ـ: «ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ... »، ثم قال: «الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه: أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شيء مما يقتضى أن منها ما هو هدا، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هناك محدثة يقتضى النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد. والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلى إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن

стр. 39

بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرارها، وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: ﴿أََلّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَا * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَا﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] وما أشبه ذلك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها. والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف، فهوـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل. والرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشرع واطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يُمدح ومنه ما يُذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع» (١). * يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: « ... البدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة ـ لابد أن يستحبّها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله ﵌ في الحديث الصحيح: «كل بدعة ضلالة» (٢)، ويقول قول عمر في التراويح:

стр. 40

«نعمت البدعة هذه» (١) إنما أسماها بدعة باعتبار وضع اللغة، فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه، ومآل القولين واحد، إذ هم متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب، فمن اتخذ عملاً من الأعمال عبادة وديناً وليس ذلك في الشريعة واجباً ولا مستحباً فهو ضال باتفاق المسلمين (٢) وسيأتي إن شاء الله الرد على شبهات المبتدعة التي احتجوا بها. * يلزم من القول بالبدع الحسنة لوازم سيئة جدًا: أحدها: أن تكون هذه البدع المستحبة ـ حسب زعمهم ـ من الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم. وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن الله تعالى لم يأمر عباده بتلك البدع، ولم يأمر بها رسول الله ﵌، ولم يفعلها ولا فعلها أحد من الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم بإحسان، وعلى هذا فمن زعم أنه توجد بدع حسنة في الدين فقد قال على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﵌ بغير علم. الثاني: أن يكون النبي ﵌ وأصحابه ﵃ قد تركوا العمل بسنن حسنة مباركة محمودة، وهذا مما يُنَزَّه عنه رسول الله ﵌، وأصحابه ﵃. الثالث: أن يكون القائمون بالبدع الحسنة المزعومة قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة لم تحصل للنبي ﵌ ولا لأصحابه ﵃.
следующие страницы →