وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». متفق عليه (١).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيْمَانِ». أخرجه مسلم (٢).
- النصيحة:
عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَأَئِمَّةِ المسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٣).
- الإيمان أفضل الأعمال:
عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» قِيْلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». متفق عليه (٤).
- الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي:
١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح/٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة/١٢٤].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي
стр. 37
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١).
٤ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ»، وفي رواية: «مِنْ إيمَانٍ» مكان «مِنْ خَيْرٍ». متفق عليه (٢).
- حكم أعمال الكافر التي عملها قبل إسلامه:
١ - إذا أسلم الكافر ثم أحسن فالسيئات تُغفر له لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال/٣٨].
٢ - وأعمال الخير يثاب عليها؛ لما ثبت أن حكيم بن حزام ﵁ قال لرسول الله ﷺ : أرأيتَ أموراً كنتُ أَتَحَنَّثُ بها في الجاهلية هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ». متفق عليه (٣).
٣ - ومن أسلم ثم أساء فيؤاخذ بالأول والآخر؛ لقوله ﷺ : «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ». متفق عليه (٤).
стр. 38
١٠ - أركان الإيمان
أركان الإيمان ستة، وهي المذكورة في حديث جبريل ﵊ حينما سأل النبي ﷺ عن الإيمان؟ فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». متفق عليه (١).
- قوة رابطة الإيمان:
رابطة الإيمان أعظم الروابط على الإطلاق، ولشدة قوتها ربطت بين الخالق والمخلوق، وربطت بين السماء والأرض، وربطت يبن الأمة ورسولها العظيم، وربطت بين بني آدم في الأرض، وربطت بين بني آدم والملائكة، وربطت بين بني آدم والجن، وربطت بين الدنيا والآخرة.
ومن أجلها خلق الله السماوات والأرض وما فيهن، وخلق الجنة والنار.
ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين، ومن أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الجهاد في سبيل الله.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة/٢٥٧].
стр. 39
١ - الإيمان بالله
- الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
١ - الإيمان بوجود الله تعالى:
- فقد فطر الله كل مخلوق على الإيمان بخالقه كما قال : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم/٣٠].
- ودَلَّ العقلُ على أن لهذا الكون خالقاً، فإن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أَوْجَدَها، وهي لا يمكن أن تُوْجِدَ نفسها بنفسها، ولا أن تُوْجَدَ صدفة، فتعيَّن أن يكون لها مُوجِد وهو الله رب العالمين كما قال : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور/٣٥ - ٣٦].
- ودَلَّ الحسُّ على وجود الله سبحانه، فإننا نرى تقليب الليل والنهار، ورزق الإنسان والحيوان، وتدبير أمور الخلائق، مما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور/٤٤].
- والله أيّد رسله وأنبياءه بآيات ومعجزات رآها الناس، أو سمعوا بها، وهي أمور خارجة عن قدرة البشر، ينصر الله بها رسله ويؤيدهم بها، وهذا برهان قاطع على وجود مرسلهم وهو الله ، كما جعل الله النار برداً وسلاماً على إبراهيم ﷺ ، وفلق البحر لموسى ﷺ ، وأحيا الموتى لعيسى ﷺ ، وشق القمر لمحمد ﷺ .
- وكم أجاب الله من الداعين، وأعطى السائلين، وأغاث المكروبين، مما يدل بلا ريب على وجوده، وعلمه، وقدرته سبحانه.
١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال /٩].
стр. 40
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء/٨٣ - ٨٤].
- ودَلَّ الشرعُ على وجود الله ، فالأحكام المتضمنة لمصالح الخلق، والتي أنزلها الله في كتبه على أنبيائه ورسله دليل على أنها من رب حكيم قادر، عليم بمصالح عباده.
٢ - الإيمان بأن الله هو الرب وحده لا شريك له:
والرب من له الخلق والملك والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، والأمر كله للهِ وحده، الخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره، العزيز الرحيم، الغني الحميد، يرحم إذا استُرْحِم، ويغفر إذا اسْتُغْفِر، ويعطي إذا سُئل، ويجيب إذا دُعي، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف/٥٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾
[المائدة/ ١٢٠].
- فنعلم ونتيقن أن الله خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات، وصوَّر الكائنات، وخلق الأرض والسماوات، خلق الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، والماء والنبات، والإنسان والحيوان، والجبال والبحار ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان/٢].
- خلق الله كل شئ بقدرته، ليس له وزير ولا مشير ولا معين، سبحانه هو الواحد القهار، استوى على العرش بقدرته، ودحا الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإرادته، وقهر العباد بقوته، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو الحي القيوم.
- ونعلم ونتيقن أن الله سبحانه قدير على كل شيء، محيط بكل شيء، مالك لكل شيء، عليم بكل شيء، قاهر فوق كل شيء، خضعت الأعناق لعظمته،
стр. 41
وخشعت الأصوات لهيبته، وذل الأقوياء لقوته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس/٨٢].
- يعلم سبحانه ما في السماوات وما في الأرض، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، يعلم مثاقيل الجبال، ويعلم مكاييل البحار، ويعلم عدد قطر الأمطار، ويعلم عدد ورق الأشجار، وعدد ذرات الرمال، ويعلم ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام/٥٩].
- ونعلم ونتيقن أن الله ﷻ كل يوم هو في شأن، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يدبر الأمر، ويرسل الرياح، وينزل الغيث، ويحيي الأرض بعد موتها، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويضع ويرفع ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد/٣].
- ونعلم ونتيقن أن خزائن السماوات والأرض كلها للهِ، وكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله: خزائن المياه، خزائن النبات، خزائن الهواء، خزائن المعادن، خزائن الصحة، خزائن الأمن، خزائن النعيم، خزائن العذاب، خزائن الرحمة، خزائن الهداية، خزائن القوة، خزائن العزة، كل هذه الخزائن وغيرها عند الله وبيد الله وحده ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر/٢١].
- وإذا علمنا ذلك وتيقنا على قدرة الله، وعظمة الله، وقوة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، وخزائن الله، ورحمة الله، ووحدانية الله أقبلت القلوب إليه، وانشرحت الصدور لعبادته، وانقادت الجوارح لطاعته، ولهجت الألسن بذكره تعظيماً وتكبيراً، وتسبيحاً وتحميداً، فلا تسأل إلا إياه، ولا تستعين إلا به، ولا تتوكل
стр. 42
إلا عليه، ولا تخاف إلا منه، ولا تعبد إلا إياه ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام /١٠٢].
٣ - الإيمان بألوهيته سبحانه:
- أن نعلم ونتيقن أن الله وحده هو الإله الحق لا شريك له.
وأنه وحده المستحق للعبادة، فهو رب العالمين، وإله العالمين، ونعبده بما شرع، مع كمال الذل له، وكمال الحب، وكمال التعظيم.
- ونعلم ونتيقن أن الله كما أنه واحد في ربوبيته لا شريك له، فكذلك هو واحد في ألوهيته لا شريك له، فنعبده وحده لا شريك له، ونجتنب عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة/١٦٣].
- والله هو الإله الحق، وكل معبود من دون الله فألوهيته باطلة، وعبادته باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج/٦٢].
٤ - الإيمان بأسماء الله وصفاته:
ومعناه: فهمها وحفظها والاعتراف بها، والتعبد للهِ بها، والعمل بمقتضاها، فمعرفة أوصاف العظمة للهِ والكبرياء والمجد والجلال تملأ قلوب العباد هيبة للهِ وتعظيماً له.
ومعرفة أوصاف العزة والقدرة والجبروت تملأ القلوب ذلة وانكساراً وخضوعاً بين يدي ربها.
ومعرفة أوصاف الرحمة والبر والجود والكرم تملأ القلوب رغبة وطمعاً في فضل الله وإحسانه وجوده.
ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة ربه في حركاته وسكناته.
ومجموع هذه الصفات توجب للعبد محبة الله، والشوق إليه، والأنس به، والتوكل عليه، والتقرب إليه بعبادته وحده لا شريك له.
стр. 43
- ونثبت للهِ سبحانه ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ونؤمن بها، وبما دلت عليه من المعاني والآثار.
فنؤمن بأن الله (رحيم) ومعناه أنه ذو رحمة، ومن آثار هذا الاسم: أنه يرحم من يشاء، وهكذا القول في بقية الأسماء، ونثبت ذلك على ما يليق بجلاله سبحانه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل على حد قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى/١١].
- ونعلم ونتيقن أن الله وحده له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وندعوه بها:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف/١٨٠].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ اسْماً، مِائَةً إلَّا وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». متفق عليه (١).
- أركان الإيمان بأسماء الله وصفاته:
الإيمان بأسماء الله وصفاته يقوم على ثلاثة أصول:
الأول: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة المخلوقين في الذات والأسماء والصفات.
الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من الأسماء الصفات.
الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية أسماء الله وصفاته، فكما لا نعلم كيفية ذاته كذلك لا نعلم كيفية أسمائه وصفاته كما قال سبحانه: ﴿ ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى/١١].
стр. 44
أسماء الله الحسنى
أسماء الله دالة على أوصاف كماله، وهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى.
والعلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم، وأعظمها وأوجبها.
ومن أسماء الله :
الله: وهو المألوه المعبود الذي تأْلَهه الخلائق وتحبه، وتعظمه، وتخضع له، وتفزع إليه في الحوائج.
وهو الرحمن الرحيم: الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصلت رحمته إلى كل مخلوق.
وهو الملك: الذي ملك الخلائق كلها، المالك: الذي ملك الممالك والملوك والعبيد، المليك: النافذ أمره في ملكه، بيده الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
وهو القدوس: المنزه عن النقائص والعيوب، الموصوف بصفات الكمال.
وهو السلام: الذي سلم من كل عيب وآفة ونقص.
وهو المؤمن: الذي أَمِنَ خلقه من أن يظلمهم، خلق الأمن ومنَّ به على من شاء من عباده.
وهو المهيمن: الشاهد على خلقه بما يصدر منهم، لا يغيب عنه شيء.
وهو العزيز: الذي له العزة كلها، فهو العزيز الذي لا يرام جنابه، والقاهر الذي لا يُغلب، والقوي الشديد الذي خضعت له المخلوقات.
وهو الجبار: العالي على خلقه، القاهر لهم على ما أراد، ذو الجبروت والعظمة الذي يجبر عباده ويصلح أحوالهم.
وهو المتكبر: الذي تكبر عن صفات الخلق فلا شيء مثله، الذي تكبر عن كل سوء وظلم.
стр. 45
وهو الكبير: الذي كل شيء دونه صغير، وله الكبرياء في السماوات والأرض.
وهو الخالق: المبدع للخلق على غير مثال سبق.
الخلاق: الذي خلق ويخلق كل شيء بقدرته.
وهو البارئ: الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته، وميز بعض خلقه عن بعض، وجعلهم أبرياء.
وهو المصور: الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، من الطول والقصر، والكبر والصغر.
وهو الوهاب: الذي يجود بالعطاء والنعم على الدوام.
وهو الرزاق: الذي وسع الخلق كلهم رزقه.
الرازق: الذي خلق الأرزاق وأوصلها الى خلقه.
وهو الغفور الغفار: المعروف بالغفران والعفو والصفح.
الغافر: الساتر لذنوب عباده.
وهو القاهر: العالي والقاهر فوق عباده، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة.
وهو القهار: الذي قهر الخلائق كلها على ما أراد، فهو القاهر وما سواه مقهور.
وهو الفتاح: الذي يحكم بين عباده بالحق والعدل، ويفتح لهم أبواب الرحمة والرزق، الناصر لعباده المؤمنين، المتفرد بعلم مفاتح الغيب.
وهو العليم: الذي لا يخفى عليه شيء، العالم بالسر والخفيات، والظواهر والبواطن، والأقوال والأفعال، والغيب والشهادة، علام الغيوب.
وهو المجيد: الذي تمجَّد بأفعاله، ومجَّده خلقه لعظمته، فهو المحمود على مجده، وعظمته، وإحسانه.
وهو الرب: المالك المتصرف، رب الأرباب، ومالك الخلائق، الذي يربي خلقه ويقوم بأمورهم في الدنيا والآخرة، لا إله غيره، ولا رب سواه.
وهو العظيم: ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه.
стр. 46
وهو الواسع: الذي وسعت رحمته كل شيء، ووسع رزقه الخلق أجمعين، واسع العظمة والملك والسلطان، واسع الفضل والإحسان.
وهو الكريم: الذي له قدر عظيم، الكثير الخير دائمه، المنزه عن النقائص والآفات، الأكرم: الذي عمَّ الجميع بعطائه وفضله.
وهو الودود: المحب لمن أطاعه وأناب إليه، المثني عليهم، المحسن إليهم وإلى غيرهم.
وهو المقيت: الحافظ لكل شيء، القائم على كل شيء، المعطي لأقوات الخلق.
وهو الشكور: الذي يضاعف الحسنات، ويمحو السيئات.
الشاكر: الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيعطي الثواب الجزيل، ويعطي الكثير من النعم، ويرضى باليسير من الشكر.
وهو اللطيف: الذي لا يخفى عليه شيء، البَرُّ بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، لطيف لا تدركه الأبصار.
وهو الحليم: الذي لا يَعْجَل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم، بل يمهلهم ليتوبوا.
وهو الخبير: الذي لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه، من متحرك وساكن، وناطق وصامت، وصغير وكبير.
وهو الحفيظ: الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بكل شيء.
الحافظ: الذي حفظ أعمال العباد، وحفظ أولياءه من الوقوع في الذنوب، الذي لا يغيب عما يحفظه.
وهو السميع: الذي يسمع جميع الأصوات، وسع سمعه الأصوات، لا يشغله سمع عن سمع مع اختلاف الألسنة واللغات والحاجات، يستوي عنده السر والعلانية، والقريب والبعيد.
وهو البصير: الذي يبصر كل شيء، العليم بحاجات وأعمال العباد، ومن يستحق
стр. 47
الهداية، ومن يستحق الضلالة، لا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء.
وهو العلي الأعلى المتعال: ذو العلو والارتفاع، الذي كل شيء تحت قهره وسلطانه، فهو العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه.
وهو الحكيم: الذي يضع الأشياء في محلها بحكمته وعدله، الحكيم في أقواله وأفعاله.
الحكم الحاكم: الذي سلم له الحكم فلا يجور ولا يظلم أحداً.
وهو القيوم: القائم بنفسه فلا يحتاج الى أحد، المقيم لغيره، القائم بتدبير الخلائق كلها لا تأخذه سنة ولا نوم.
وهو الواحد الأحد: الذي توحَّد بجميع الكمالات لا يشاركه فيها أحد.
وهو الحي: الباقي الذي لا يجوز عليه الموت ولا الفناء.
وهو الحاسب الحسيب: الكافي لعباده الذي لا غنى لهم عنه أبداً، المحاسب لعباده.
وهو الشهيد: المطَّلع على جميع الأشياء، الذي أحاط علمه بكل شيء، والذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه.
وهو القوي المتين: التام القوة، الذي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته.
وهو الولي: مالك التدبير، المولى: المحب الناصر المعين لعباده المؤمنين.
وهو الحميد: الذي يستحق الحمد، المحمود على أسمائه وصفاته، وأفعاله وأقواله، وإحسانه، وشرعه وقدره.
وهو الصمد: الذي بلغ الكمال في سؤدده وعظمته وجوده، الذي يُصمد إليه في الحوائج.
وهو القدير القادر المقتدر: كامل القدرة، لا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، الذي
стр. 48
له القدرة التامة الدائمة الشاملة.
وهو الوكيل: القائم بأمر الخلائق كلها.
وهو الكفيل: الحفيظ لكل شيء، القائم على كل نفس، المتكفل بأرزاق الخلائق، ورعاية مصالحهم.
وهو الغني: الذي استغنى عن الخلق، ولا حاجة له إلى أحد أصلاً.
وهو الحق المبين: الذي لا شك ولا ريب في وجوده، الذي لا يخفى على خلقه، المبين: الذي أوضح لخلقه سبل النجاة في الدنيا والآخرة.
وهو النور: الذي أنار السماوات والأرض، ونوَّر قلوب المؤمنين بمعرفته والإيمان به.
وهو ذو الجلال والإكرام: الذي يستحق أن يُهاب ويُثنى عليه وحده، ذو العظمة والكبرياء، وذو الرحمة والإحسان.
وهو البَرُّ: الرحيم بعباده، العطوف عليهم، المحسن إليهم.
وهو التواب: الذي يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، خلق التوبة وقَبِلها من عباده.
وهو العفو: الذي وسع عفوه ما يصدر من ذنوب عباده لا سيما مع التوبة والاستغفار.
وهو الرؤوف: ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة وأعلاها.
وهو الأول: الذي ليس قبله شيء، والآخر: الذي ليس بعده شيء.
والظاهر: الذي ليس فوقه شيء، والباطن: الذي ليس دونه شيء.
وهو الوارث: الباقي بعد فناء خلقه، وإليه مرجع كل شيء ومصيره، الحي الذي لا يموت.
وهو المحيط: الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، فلا يقدرون على فوته، أو الفرار منه، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
стр. 49
وهو القريب من كل أحد، القريب من الداعي، والمتقرَّب إليه بأنواع الطاعة والإحسان.
وهو الهادي: الذي هدى سائر الخلق إلى مصالحهم، الهادي عباده، المبين لهم طريق الحق من الباطل.
وهو البديع: الذي لا مثيل له ولا شبيه، الذي فطر المخلوقات على غير مثال سبق.
وهو الفاطر: الذي خلق المخلوقات، وفطر السماوات والأرض وقد كانتا عدماً.
وهو الكافي: الذي كفى عباده جميع ما يحتاجون إليه ويضطرون إليه.
وهو الغالب: القاهر أبداً، الغالب لكل طالب، لا يملك أحد أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
وهو الناصر النصير: الذي ينصر رسله وأتباعهم على أعدائهم، بيده النصر وحده لا شريك له.
وهو المستعان: الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه العون، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء.
وهو ذو المعارج: الذي تعرج إليه الملائكة والروح، وتصعد إليه الأعمال والأقوال الصالحة والطيبة.
وهو ذو الطَّول: الذي بسط الفضل والنعم والمنن على خلقه.
وهو ذو الفضل: الذي يملك كل شيء، ويتفضل على عباده بأنواع النعم.
وهو الرفيق: الذي يحب الرفق وأهله، رؤوف بالعباد، رحيم بهم.
وهو الجميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وهو الطيب: المنزه عن النقائص والعيوب.
وهو الشافي لكل آفة وعاهة ومرض وحده لا شريك له.
وهو السبوح: المنزه عن كل عيب ونقص، الذي تسبح له السماوات السبع
стр. 50
والأرض ومن فيهن، ويسبح بحمده كل شيء.
وهو الوتر: الذي لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، وتر يحب الوتر من الأعمال والطاعات.
وهو الديان: الذي يحاسب العباد ويجازيهم، ويحكم بينهم يوم المعاد.
وهو المقدِّم والمؤخِّر: يقدم من يشاء، ويؤخر من يشاء، ويرفع من شاء، ويضع من شاء.
وهو المَنَّان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، كثير العطاء، يمن على عباده بأنواع الإحسان والإنعام والأرزاق والعطايا.
وهو القابض: الذي يطوي بره ومعروفه عمن يريد.
الباسط: الذي ينشر فضله، ويوسع رزقه على من شاء من عباده.
وهو الحيي السِّتِّير: الذي يحب أهل الحياء والستر من عباده، ويستر على عباده الكثير من الذنوب والعيوب.
وهو السيد: الذي كمل في سؤدده وعظمته وقوته وسائر صفاته.
وهو المحسن: الذي غمر الخلق جميعاً بإحسانه وفضله.
стр. 51
زيادة الإيمان
- أساس الدين هو الإيمان بالله ، واليقين على ذاته وعلى أسمائه وصفاته، وأفعاله وخزائنه، ووعده ووعيده، وجميع الأعمال والعبادات مبناها وقبولها مبني على هذا الأصل العظيم، وإذا ضعف هذا الإيمان ونقص ضعفت الأعمال والعبادات فساءت الأحوال.
وحتى يأتي الإيمان في حياتنا ويزيد لا بد من العلم بأمور:
الأول: أن نعلم ونتيقن أن خالق كل شيء هو الله ظاهراً كان أو باطناً، صغيراً كان أو كبيراً، فخالق السماء هو الله، وخالق الأرض هو الله، وخالق العرش هو الله، وخالق الملائكة هو الله، وخالق النجوم هو الله، وخالق البحار والجبال هو الله، وخالق الإنسان والحيوان والنبات والجماد هو الله، وخالق الجنة هو الله، وخالق النار هو الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر/٦٢].
نتكلم بذلك، ونسمعه، ونفكر به، وننظر في الآيات الكونية والآيات القرآنية نظر اعتبار وتفكر حتى يرسخ الإيمان في قلوبنا، وقد أمرنا الله بذلك.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس/١٠١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد/٢٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة/١٢٤].
الثاني: أن نعلم ونتيقن أن الله خلق المخلوقات وخلق فيها الأثر، فخلق العين وخلق فيها الأثر: وهو البصر، وخلق الأذن وخلق فيها الأثر: وهو السمع، وخلق اللسان وخلق فيه الأثر: وهو الكلام، وخلق الشمس وخلق فيها الأثر: وهو النور، وخلق النار وخلق فيها الأثر: وهو الإحراق، وخلق الشجر وخلق فيه
стр. 52
الأثر: وهو الثمر وهكذا.
الثالث: أن نعلم ونتيقن أن الذي يملك جميع المخلوقات، ويتصرف فيها، ويدبرها هو الله وحده لا شريك له، فكل ما في السماء والأرض من المخلوقات كبيرهم وصغيرهم كلهم عبيد فقراء إلى الله، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا نصراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فالله مالكهم، وهم محتاجون إليه، وهو غني عنهم.
وهو سبحانه الذي يصرف الكون ويدبر أمور جميع خلقه، فالذي يتصرف في السماء والأرض، وفي المياه والبحار، وفي النار والرياح، وفي الأنفس والنباتات، وفي الكواكب والجمادات، وفي الرؤساء والوزراء، وفي الأغنياء والفقراء، وفي الأقوياء والضعفاء وغيرهم هو الله وحده لا شريك له.
فالله يتصرف بقدرته وحكمته وعلمه كيف يشاء، فقد يخلق الشيء ويسلب أثره بقدرته، فقد توجد العين ولا تبصر، والأذن ولا تسمع، واللسان ولا يتكلم، والبحر ولا يغرق، والنار ولا تحرق، وقد فعل ذلك سبحانه؛ لأنه الذي يتصرف في الخلق كيف يشاء، لا إله إلا هو الواحد القهار وهو على كل شيء قدير.
- وبعض القلوب تتأثر بالشيء أكثر من خالق الشيء، فتتعلق بالشيء وتغفل عن خالق الشيء سبحانه، والواجب أن نصل بهذا العلم وبهذا النظر من المخلوق إلى الخالق الذي خلقه وصوره، فنعبده وحده لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس/٣١ - ٣٢].
الرابع: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأشياء عند الله وحده لا عند غيره، فكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله، خزائن الطعام والشراب، والحبوب والثمار،
стр. 53
والمياه والرياح، والأموال والبحار، والجبال وغيرها كلها عند الله، فكل ما نحتاجه نطلبه من الله ونسأله إياه، ونكثر من العبادات والطاعات، فهو سبحانه قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، هو خير المسؤولين، وخير المعطين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ ... [الحجر/٢١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون/٧].
- قدرة الله :
الله له القدرة المطلقة:
١ - أحياناً يعطي ويرزق بالأسباب كما جعل الماء سبباً للإنبات، ووطء المرأة سبباً للإنجاب، ونحن في دار الأسباب فنأخذ بالأسباب المشروعة، ولا نتوكل إلا على الله.
٢ - وأحياناً يعطي ويرزق بدون الأسباب، يقول للشيء كن فيكون، كما رزق مريم طعاماً بلا شجر، وابناً بلا ذكر.
٣ - وأحياناً يستعمل قدرته سبحانه بضد الأسباب كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ﷺ ، وكما نجى موسى ﷺ وأغرق فرعون وقومه في البحر، وكما نجى يونس ﷺ في ظلمة بطن الحوت والبحر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس/٨٢].
هذا بالنسبة للمخلوقات، أما بالنسبة للأحوال:
١ - فنعلم ونتيقن أن خالق جميع الأحوال هو الله وحده من الغنى والفقر .. والصحة والمرض .. والفرح والحزن .. والضحك والبكاء .. والعزة والذلة .. والحياة والموت .. والأمن والخوف .. والبرد والحر .. والهداية والضلالة .. والسعادة
стр. 54
والشقاوة .. فهذه وغيرها من الأحوال خلقها الله سبحانه.
٢ - أن نعلم ونتيقن أن الذي يدبر الأمر ويُصَرِّف هذه الأحوال هو الله وحده، فلا يتبدل الفقر بالغنى إلا بأمر الله، ولا المرض بالصحة إلا بأمر الله، ولا تتغير الذلة بالعزة إلا بأمر الله، ولا الضحك بالبكاء إلا بأمر الله، ولا يموت حي إلا بإذن الله، ولا يتغير البرد بالحر إلا بأمر الله، ولا تتبدل الضلالة بالهداية إلا بأمر الله وهكذا.
فتأتي الأحوال بأمره سبحانه، وتزيد بأمره، وتنقص بأمره، وتبقى بأمره، وتنتهي بأمره، فعلينا أن نطلب تغيير الأحوال ممن يملكها بالتقرب إليه وحده بما شرع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران/٢٦].
٣ - أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأحوال السابقة وغيرها عند الله وحده لا شريك له، فلو أعطى الله سبحانه الصحة أو الغنى أو غيرهما كل الناس لم ينقص ما في خزائنه سبحانه إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، لا إله إلا هو الغني الحميد.
عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روَى عَنِ اللهِ ﵎ أنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي! إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.
يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ.
يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ
стр. 55
وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ.
يَا عِبَادِي! إنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١).
- فالذي يؤمن بالله، ويمتثل أوامر الله على هدي رسول الله ﷺ فالله يرضى عنه، ويعطيه من خزائنه - غنياً كان أو فقيراً -، ويؤيده وينصره، ويدخله الجنة، ويحفظه ويعزه بالإيمان، سواء كانت عنده أسباب العزة كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، أو لم تكن عنده أسباب العزة كبلال وعمار وسلمان ﵃ وغيرهم.
ومن لم يؤمن بالله: فإن كانت عنده أسباب العزة من الملك والمال أذله الله بها كما أذل فرعون وقارون وهامان، وغيرهم.
وإن كانت عنده أسباب الذلة أذله الله بها كفقراء المشركين.
- والله خلق الإنسان للإيمان والأعمال الصالحة، وعبادة ربه وحده لا شريك له، ولم يخلقه ليستكثر من الأموال والأشياء والشهوات، فإن شغل نفسه بهذه الأشياء عن عبادة ربه سلطها الله عليه، وجعلها سبباً في شقائه وهلاكه وخسارته في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة/٥٥].
стр. 56
- أسباب الفوز والفلاح:
أعطى الله كل إنسان أسباب الفوز والفلاح أياً كان غنياً أو فقيراً، والأسباب التي ليس فيها فوز ولا فلاح كالمال والجاه أعطى منها بعض الناس دون بعض، فالإيمان والأعمال الصالحة هي السبب الوحيد للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وهي حق مبذول لكل أحد، وكذلك مكان الإيمان وهي القلوب موجودة عند كل أحد، ومكان الأعمال وهي الجوارح مملوكة لكل أحد، فمن في قلبه الإيمان وصدرت من جوارحه الأعمال الصالحة فاز في الدنيا والآخرة وما سواه فهو من الخاسرين.
١ - يحصل الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة فقط بالإيمان والأعمال الصالحة، وقيمة الإنسان عند الله بقدر ما فيه من الإيمان، وما يقوم به من الأعمال الصالحة، لا بما يملك من الأموال والأشياء والمناصب.
وقد اعتقد قوم أن الفوز والفلاح في الملك والدولة كنمرود وفرعون، واعتقد آخرون أنه في القوة كقوم عاد، واعتقد آخرون أنه في التجارة كقوم شعيب، واعتقد آخرون أنه في الزراعة كقوم سبأ، واعتقد آخرون أنه في الصناعة كقوم ثمود، واعتقد آخرون أنه في المال كقارون.
وقد أرسل الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لهؤلاء الأقوام يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويبينون لهم أن الفوز والفلاح ليس في هذه الأشياء بل بالإيمان والأعمال الصالحة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور/٥٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ﴾ [البقرة/٣ - ٥].
٢ - وهؤلاء الأقوام لما كذبوا الرسل، واستمروا على كفرهم، واغتروا بما عندهم
стр. 57
دَمَّرهم الله وأنجى أنبياءه ورسله وأتباعهم، ونصرهم على أعدائهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت/٤٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ [هود/٦٦ - ٦٧].
- فقه تزكية النفوس:
التزكية: طهارة الظاهر والباطن من كل درن ونجاسة.
والتزكية لها ثلاث متعلقات:
١ - في حق الله: يتزكى الإنسان ويتطهر من الشرك والنفاق والرياء، فيعبد الله مخلصاً له الدين.
٢ - في حق الرسول ﷺ : يتزكى ويتطهر من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة الله ورسوله.
٣ - في حق الناس: يزكي نفسه ويطهرها من الأخلاق السيئة كالغل والحسد والكذب والغيبة والإعتداء على الخلق.
ومن رُزِق هذا فقد نال الدرجات العالية في الإيمان والعلم والعمل والخُلُق.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس/٩ - ١٠]
والفلاح هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
стр. 58
- تفاضل أهل الإيمان:
١ - إيمان الخلق درجات متفاوتة:
١ - فإيمان الملائكة ثابت لا يزيد ولا ينقص، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم درجات.
٢ - وإيمان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يزيد ولا ينقص؛ لكمال معرفتهم بالله، وهم درجات.
٣ - وإيمان سائر المسلمين يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم درجات في الإيمان، والإيمان درجات:
فأول درجات الإيمان تجعل المسلم يؤدي العبادة للهِ ويتلذذ بها ويحافظ عليها، ولحسن المعاملة مع من فوقه أو مثله من الناس يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لنفسه ولغيره، ولحسن المعاشرة لمن دونه من الخلق كالحاكم مع رعيته، والرجل مع أهله يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لمن دونه، وكلما زاد الإيمان زاد اليقين وزاد العمل الصالح، وصار العبد يؤدي حق الله وحقوق عباده، فهو حسن الخُلق مع الخالق ومع المخلوق، فهذا بأرفع المنازل في الدنيا والآخرة.
٢ - كل عبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق وإما الى أسفل، وإما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة.
فكل عبد ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف ألبتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء، فمن لم يتقدم إلى الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة فهو متأخر إلى النار بالكفر والأعمال السيئة.
قال الله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر/٣٦ - ٣٧].
стр. 59
٣ - أهل الإيمان متفاوتون فيه تفاوتاً عظيماً، فإيمان الأنبياء والرسل ليس كإيمان غيرهم، وإيمان الصحابة ﵃ ليس كإيمان غيرهم، وإيمان المؤمنين الصالحين ليس كإيمان الفاسقين.
وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وما شرعه لعباده، وخشية الله وتقواه، وتفاوت نور (لا إله إلا الله) في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى.
٤ - أعرف الخلق بالله أشدهم حبّاً له، ولهذا كانت الرسل أعظم الناس حباً للهِ، وتعظيماً له.
ومحبة الله لذاته وإحسانه وجماله وجلاله أصل العبادة، وكلما قويت المحبة كانت الطاعة أتم، والتعظيم أوفر، والسرور والأنس بالله أكمل.
стр. 60
وعد الله على الإيمان
- وعد الله المؤمنين بموعودات كثيرة في الدنيا والآخرة.
أ- موعودات المؤمنين في الدنيا منها:
١ - الفلاح كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون/١].
٢ - الهداية كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج/٥٤].
٣ - النصر كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم/٤٧].
٤ - العزة كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ... [المنافقون/٨].
٥ - الخلافة والتمكين في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور/٥٥].
٦ - الدفاع عنهم كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج/٣٨].
٧ - الأمن كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام/٨٢].
٨ - النجاة كما قال سبحانه ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يونس/١٠٣].
٩ - الحياة الطيبة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل/٩٧].
١٠ - عدم تسليط الكفار عليهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء/١٤١].
стр. 61
١١ - حصول البركات كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف/٩٦].
١٢ - معية الله الخاصة كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال/١٩].
ب - أما الموعودات في الآخرة فمنها:
١ - دخول المؤمنين الجنة والخلود فيها، والرضوان من الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة/٧٢].
٢ - رؤية الله والقرب منه كما قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة/٢٢ - ٢٣].
- الصفات الموعودة في الدنيا غير موجودة في حياة كثير من المسلمين اليوم، مما يدل على ضعف إيمانهم، ولا سبيل للحصول عليها أو رؤيتها إلا بتقوية الإيمان الموجود بالإيمان المطلوب؛ لنحصل على موعودات الله المذكورة في الدنيا على الإيمان، بأن يكون إيماننا وأعمالنا كإيمان الأنبياء والصحابة وأعمالهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة/١٣٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء/١٣٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة/٢٠٨].
стр. 62
٢ - الإيمان بالملائكة
- الإيمان بالملائكة: هو التصديق الجازم بأن للهِ ملائكةً موجودين، نؤمن بمن سمى الله منهم كجبريل ﷺ ، ومن لم نعلم اسمه منهم فنؤمن بهم إجمالاً، ونؤمن بما علمنا من صفاتهم وأعمالهم.
- وهم من حيث الرتبة: عباد مكرمون، عابدون للهِ تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، وهم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور.
- وهم من حيث العمل: يعبدون الله ويسبحونه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء/١٩ - ٢٠].
- وهم من حيث الطاعة للهِ: منحهم الله الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه، وهم مجبولون على الطاعة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ ... [التحريم/٦].
- عدد الملائكة:
الملائكة عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، منهم حملة العرش، وخزنة الجنة، وخزنة النار، والحفظة، والكتبة وغيرهم، يُصلي منهم كل يوم في البيت المعمور سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.
ففي قصة المعراج أن النبي ﷺ لما أتى السماء السابعة قال: « ... فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيهِمْ». متفق عليه (١).
- أسماء وأعمال الملائكة:
الملائكة عباد مكرمون، خلقهم الله لطاعته وعبادته، ولا يعلم عددهم إلا الله، منهم من أعلمنا الله بأسمائهم وأعمالهم، ومنهم من اختص الله بعلمهم، وقد
стр. 63
وَكَّلهم الله بأعمال، ومنهم:
١ - جبريل ﵊: وهو الموكل بالوحي إلى الأنبياء والرسل.
٢ - ميكائيل ﵊: وهو الموكل بالقطر والنبات.
٣ - إسرافيل ﵊: وهو الموكل بالنفخ في الصور.
وهؤلاء أعظم الملائكة، وهم موكلون بأسباب الحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض بعد موتها، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الأجساد بعد موتها.
٤ - مالك خازن النار: وهو الموكل بالنار.
٥ - رضوان خازن الجنة: وهو الموكل بالجنة.
ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومنهم حملة العرش، وخزنة الجنة، وخزنة النار.
ومنهم الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم، وحفظ أعمالهم وكتابتها لكل شخص، ومنهم الموكل بالعبد دائماً، ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، ومنهم ملائكة يتبعون مجالس الذكر.
ومنهم الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام يكتبون رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد بأمر الله.
ومنهم الملائكة الموكلون بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه.
وغيرهم كثير مما لا يحصيه إلا الله الذي أحصى كل شيء عدداً.
- وظيفة الكرام الكاتبين:
خلق الله الملائكة الكرام الكاتبين، وجعلهم علينا حافظين، يكتبون الأقوال والأعمال والنيات، مع كل إنسان ملكان: صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد
стр. 64
من ورائه، وواحد من أمامه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار/١٠ - ١٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق/١٧ - ١٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
[الرعد/ ١١].
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَقولُ اللهُ: إذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا له بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ». متفق عليه (١).
- عظمة خلق الملائكة:
١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن محمداً ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. متفق عليه (٢).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ». أخرجه أبو داود (٣).
- ثمرات الإيمان بالملائكة:
١ - العلم بعظمة الله تعالى، وقدرته، وقوته، وحكمته، فقد خلق الملائكة الذين لا
стр. 65
يعلم عددهم إلا الله، وجعل منهم حملة العرش الواحد منهم ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة، فكيف بعظمة العرش؟ وكيف عظمة من فوق العرش؟ فسبحان من له الملك: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية/٣٧].
٢ - حَمْد الله وشكره على عنايته ببني آدم حيث وكَّل من الملائكة من يقوم بحفظهم، ونصرتهم، وكتابة أعمالهم.
٣ - محبة الملائكة على ما يقومون به من عبادة الله تعالى، والدعاء، والاستغفار للمؤمنين كما قال الله عن حملة العرش ومن حوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر/٧ - ٩].
стр. 66
٣ - الإيمان بالكتب
- الإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى أنزل كتباً على أنبيائه ورسله هداية لعباده، وهي من كلامه حقيقة، وأن ما تضمنته حق لا ريب فيه، منها ما سمى الله في كتابه، ومنها ما لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله عزوجل.
- عدد الكتب السماوية المذكورة في القرآن:
بَيَّن الله في القرآن أنه أنزل الكتب الآتية:
١ - «صحف إبراهيم» ﷺ .
٢ - «التوراة»: وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ .
٣ - «الزبور»: وهو الكتاب الذي أنزله الله على داود ﷺ .
٤ - «الإنجيل»: وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﷺ .
٥ - «القرآن»: وهو الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ للناس كافة.
- حكم الإيمان والعمل بالكتب السماوية السابقة:
نؤمن بأن الله أنزل هذه الكتب، ونصدق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة، ونعمل بأحكام ما لم ينسخ منها مع الرضا والتسليم، وما لم نعلم اسمه من الكتب السماوية نؤمن به إجمالاً.
- جميع الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها منسوخة بالقرآن العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة/٤٨].
стр. 67
- حكم ما في أيدي أهل الكتاب من الكتب:
ما في أيدي أهل الكتاب مما يسمى بالتوراة والإنجيل لا تصح نسبته كله إلى أنبياء الله ورسله، فقد وقع فيهما التحريف والتبديل، كنسبتهم الولد إلى الله، وتأليه النصارى لعيسى بن مريم ﵇، ووصف الخالق بما لا يليق بجلاله، واتهام الأنبياء ونحو ذلك، فيجب رد ذلك كله، وعدم الإيمان إلا بما جاء في القرآن أو السنة تصديقه.
- إذا حدثنا أهل الكتاب فلا نصدقهم ولا نكذبهم، ونقول: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان ما قالوه حقاً لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلاً لم نصدقهم.
- حكم الإيمان والعمل بالقرآن الكريم:
القرآن الكريم الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء وأفضلهم محمد ﷺ هو آخر الكتب السماوية، وأعظمها، وأكملها، وأحكمها، أنزله الله تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين.
فهو أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل، على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ ، على أفضل أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها وهو اللسان العربي المبين، فيجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، تكفل الله بحفظه، فسلم من التحريف والتبديل، ومن الزيادة والنقصان.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر/٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء/١٩٢ - ١٩٥].
стр. 68
- دلالة آيات القرآن:
آيات القرآن فيها تبيان كل شيء، وهي إما خبر أو طلب:
والخبر قسمان:
١ - إما خبر عن الخالق وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله وهو الله .
٢ - وإما خبر عن المخلوق كالسماء والأرض، والعرش والكرسي، والإنسان والحيوان، والجماد والنبات، والجنة والنار، وأخبار الأنبياء والرسل وأتباعهم وأعدائهم، وجزاء كل فريق ونحو ذلك.
والطلب قسمان:
١ - إما أَمْر بعبادة الله وحده، وطاعة الله ورسوله، وفِعْل ما أمر الله به كالصلاة والصيام وغير ذلك من أوامر الله.
٢ - وإما نهي عن الشرك بالله، وتحذير مما حرم الله كالربا والفواحش وغير ذلك مما نهى الله عنه.
- فلله الحمد والشكر، وله المنة والفضل، حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس:
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر/٢٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/١٦٤].
стр. 69
٤ - الإيمان بالرسل
- الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم جميعاً مرسلون صادقون، وقد بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، منهم مَنْ أعلمنا الله باسمه، ومنهم مَنْ استأثر الله بعلمه.
- تربية الأنبياء وأتباعهم:
الله يربي الأنبياء وأتباعهم ليجتهدوا أولاً على أنفسهم للحصول على الإيمان بالعبادة والتزكية والنظر والتفكر، والصبر والتضحية بكل شيء من أجل الدين، والبذل والترك من أجل إعلاء كلمة الله حتى يكمل الإيمان في حياتهم، ويأتي اليقين في قلوبهم على أن الله خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وأنه المستحق للعبادة وحده، ثم يجتهدون على حفظ الإيمان بالبيئات الصالحة كالمساجد المعمورة بالإيمان والأعمال الصالحة.
ثم يجتهدون لقضاء حاجات الدين وحاجاتهم على الاستفادة من الإيمان، فيرون أن الله معهم حيثما كانوا ينصرهم ويرزقهم ويؤيدهم كما حصل من النصر للمسلمين في بدر وفتح مكة وحنين وغيرها، يتوكلون عليه سبحانه، ولا يتوكلون على أحد سواه، ثم يجتهدون على نشر الإيمان بين أقوامهم ومن أُرسلوا إليه؛ ليعبدوا الله وحده لا شريك له، ويعلمونهم أحكامه، ويتلون عليهم آيات ربهم.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة/ ٢ - ٤].
- الرسول: هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.
стр. 70
- النبي: هو من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليُعْلِم مَنْ حوله مِنْ أصحاب ذلك الشرع ويجدده، فكل رسول نبي ولا عكس.
- بعث الأنبياء والرسل:
لم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة مَنْ قبله ليجددها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة/٤٤].
- عدد الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرون.
١ - منهم مَنْ بَيَّنَ الله أسماءهم في القرآن وقص علينا أخبارهم، وهم خمسة وعشرون.
١ - آدم ﷺ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه/١١٥].
٢ - ١٩ قال الله تعالى ذاكراً بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام/٨٣ - ٨٩].
- أول الرسل:
الأنبياء والرسل دينهم واحد، وشرائعهم مختلفة، أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به.
وأول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض نوح ﷺ ، أرسله الله لقوم كافرين، ليدعوهم إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران/٨١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء/١٦٣].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً - في حديث الشفاعة، وفيه أن آدم ﷺ قال: «اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوْحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسلِ إلَى أَهْلِ الأرْضِ». متفق عليه (١).
- آخر الرسل:
آخر الرسل محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب/٤٠].
- إلى مَنْ بعث الله الأنبياء والرسل:
١ - بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم خاصة كما قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد/٧].
٢ - وبعث الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم، فهو سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، أرسله الله رحمة للعالمين.
стр. 73
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ/٢٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/١٠٧].
- الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل:
١ - دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
٢ - بيان الطريق الموصل إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة/٢].
٣ - بيان حال الناس بعد الوصول إلى ربهم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ [الحج/٤٩ - ٥١].
٤ - إقامة الحجة على الناس.
كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/١٦٥].
٥ - الرحمة.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/١٠٧].
- صفات الأنبياء والرسل:
١ - جميع الأنبياء والرسل رجال من البشر، اختارهم الله ، واصطفاهم واجتباهم من بين سائر عباده، فَضَّلهم بالنبوة والرسالة، وأيَّدهم بالمعجزات،
стр. 74
أكرمهم الله بالرسالة وكلفهم بها، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس ليعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، ووعدهم على ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلَّغوا عليهم الصلاة والسلام.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل/٤٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران/٣٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
٢ - أمر الله جميع الأنبياء والمرسلين بالدعوة إلى الله، وعبادته وحده لا شريك له، وشرع لكل قوم من الشرائع ما يناسب أحوالهم كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/٤٨].
٣ - أن الله تعالى لما اصطفى الأنبياء والرسل وصفهم بالعبودية له في أعلى مقاماتهم كما قال عن محمد ﷺ في مقام التنزيل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان/١].
وقال في عيسى بن مريم ﷺ : ﴿ ... إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف/٥٩].
٤ - أن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر مخلوقون يأكلون ويشربون، وينسون، وينامون، ويصيبهم المرض والموت، وهم كغيرهم لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئاً من خزائن الله، ولا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.
قال الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ
стр. 75
يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف/١٨٨].
- خصائص الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوباً، وأذكاهم عقولاً، وأصدقهم إيماناً، وأحسنهم أخلاقاً، وأكملهم ديناً، وأقواهم عبودية، وأكملهم أجساماً، وأحسنهم صورة، وقد خصهم الله بخصائص أهمها:
١ - أن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج/٧٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف/١١٠].
٢ - أنهم معصومون فيما يبلغونه للناس من العقيدة والأحكام، ولو أخطؤا فالله يردهم إلى الحق والصواب.
قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم/١ - ٥].
٣ - أنهم لا يورثون بعد موتهم.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقةً». متفق عليه (١).
٤ - أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
عن أنس ﵁ في قصة الإسراء -وفيه- فقال أنس: وَالنَّبِيُ ﷺ نَائِمَةٌ عَينَاهُ، وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ. أخرجه البخاري (٢).