- أول الرسل:
الأنبياء والرسل دينهم واحد، وشرائعهم مختلفة، أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به.
وأول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض نوح ﷺ ، أرسله الله لقوم كافرين، ليدعوهم إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران/٨١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء/١٦٣].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً - في حديث الشفاعة، وفيه أن آدم ﷺ قال: «اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوْحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسلِ إلَى أَهْلِ الأرْضِ». متفق عليه (١).
- آخر الرسل:
آخر الرسل محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب/٤٠].
- إلى مَنْ بعث الله الأنبياء والرسل:
١ - بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم خاصة كما قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد/٧].
٢ - وبعث الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم، فهو سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، أرسله الله رحمة للعالمين.
стр. 73
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ/٢٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/١٠٧].
- الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل:
١ - دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
٢ - بيان الطريق الموصل إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة/٢].
٣ - بيان حال الناس بعد الوصول إلى ربهم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ [الحج/٤٩ - ٥١].
٤ - إقامة الحجة على الناس.
كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء/١٦٥].
٥ - الرحمة.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/١٠٧].
- صفات الأنبياء والرسل:
١ - جميع الأنبياء والرسل رجال من البشر، اختارهم الله ، واصطفاهم واجتباهم من بين سائر عباده، فَضَّلهم بالنبوة والرسالة، وأيَّدهم بالمعجزات،
стр. 74
أكرمهم الله بالرسالة وكلفهم بها، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس ليعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، ووعدهم على ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلَّغوا عليهم الصلاة والسلام.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل/٤٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران/٣٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
٢ - أمر الله جميع الأنبياء والمرسلين بالدعوة إلى الله، وعبادته وحده لا شريك له، وشرع لكل قوم من الشرائع ما يناسب أحوالهم كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/٤٨].
٣ - أن الله تعالى لما اصطفى الأنبياء والرسل وصفهم بالعبودية له في أعلى مقاماتهم كما قال عن محمد ﷺ في مقام التنزيل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان/١].
وقال في عيسى بن مريم ﷺ : ﴿ ... إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف/٥٩].
٤ - أن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر مخلوقون يأكلون ويشربون، وينسون، وينامون، ويصيبهم المرض والموت، وهم كغيرهم لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئاً من خزائن الله، ولا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.
قال الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ
стр. 75
يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف/١٨٨].
- خصائص الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوباً، وأذكاهم عقولاً، وأصدقهم إيماناً، وأحسنهم أخلاقاً، وأكملهم ديناً، وأقواهم عبودية، وأكملهم أجساماً، وأحسنهم صورة، وقد خصهم الله بخصائص أهمها:
١ - أن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج/٧٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف/١١٠].
٢ - أنهم معصومون فيما يبلغونه للناس من العقيدة والأحكام، ولو أخطؤا فالله يردهم إلى الحق والصواب.
قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم/١ - ٥].
٣ - أنهم لا يورثون بعد موتهم.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقةً». متفق عليه (١).
٤ - أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
عن أنس ﵁ في قصة الإسراء -وفيه- فقال أنس: وَالنَّبِيُ ﷺ نَائِمَةٌ عَينَاهُ، وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ. أخرجه البخاري (٢).
стр. 76
٥ - أنهم يخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إلا خُيِّرَ بَينَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». متفق عليه (١).
٦ - أنهم يقبرون حيث ماتوا.
عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٌّ إلا حَيْثُ يَمُوتُ». أخرجه أحمد (٢).
٧ - أنهم أحياء في قبورهم يصلون.
١ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم يُصَلُّونَ». أخرجه أبو يعلى (٣).
٢ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الكثيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». أخرجه مسلم (٤).
٨ - أن أزواجهم لا تُنكح من بعدهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ ... [الأحزاب/٥٣].
- حكم الإيمان بالأنبياء والرسل:
يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ومَنْ كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعاً، ويجب تصديق ما صح عنهم من أخبارهم، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو خاتمهم وأفضلهم، المرسل إلى الناس كافة وإلى العالم قاطبة، محمد ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى
стр. 77
رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء/١٣٦].
- تفاضل الأنبياء والرسل:
الأنبياء سواء من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما يكون التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والآيات، والمعجزات، والألطاف.
ولهذا منهم رسل، ومنهم أنبياء، ومنهم أولو عزم، ومنهم من اتخذه الله خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات ونحو ذلك من الفضائل.
وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمد ﷺ .
١ - قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة/٢٥٣].
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء/٥٥].
٣ - قال الله تعالى: ﴿ ... وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء/١٢٥].
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». أخرجه مسلم (١).
٥ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الْأُولَى». متفق عليه (٢).
стр. 78
- ثمرات الإيمان بالأنبياء والرسل:
معرفة رحمة الله بعباده، وعنايته بهم، حيث أرسل إليهم الرسل يهدونهم إلى عبادة ربهم، وكيف يعبدونه.
ومنها: حمد الله وشكره على هذه النعمة.
ومنها: محبة الرسل والثناء عليهم من غير إطراء؛ لأنهم رسل الله، قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالته، والنصح لعباده.
стр. 79
أفضل الأنبياء والرسل
محمد رسول الله ﷺ -
- نسبه ونشأته ﷺ -:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه (آمنة بنت وهب).
ولد ﷺ بمكة عام الفيل الموافق لعام (٥٧٠م)، مات والده (عبد الله) وهو حمل في بطن أمه، ولما ولد كفله جده (عبد المطلب) وماتت والدته آمنة وهو ابن ست سنين، ولما مات جده كفله عمه (أبو طالب).
وعاش ﷺ عظيم الأخلاق، طيب الشمايل، حتى لقبه قومه (بالأمين)، وعلى رأس الأربعين من عمره نبئ محمد ﷺ ، إذ جاءه الحق وهو بغار حراء.
ثم بدأ ﷺ يدعو إلى الإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وحده، فلقي صنوفاً من الأذى، فصبر حتى أظهر الله دينه، وهاجر إلى المدينة، فشُرعت الأحكام، وعز الإسلام، وكَمُل الدين.
ثم مات ﷺ يوم الإثنين من ربيع الأول عام أحد عشر من الهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة، ولحق بالرفيق الأعلى بعدما بَلَّغ البلاغ المبين، ودَلَّ الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، فصلوات الله وسلامه عليه.
- خصائصه ﷺ -:
من خصائص النبي ﷺ أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسالته عامة للثقلين، أرسله الله رحمة للعالمين، وأُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وناداه الله بوصف النبوة والرسالة.
وقد خصه الله دون الأنبياء بخمس.
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ
стр. 80
يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوراً، فَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً». متفق عليه (١).
ومما يخصه ﷺ دون أمته: الوصال في الصيام، والزواج بلا مهر، ونكاح أكثر من أربع نساء، وعدم أكل الصدقة، وأنه يسمع ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرون كما رأى جبريل ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها، وأنه لا يورث.
- بدء الوحي إلى النبي ﷺ -:
عَنْ عَائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلَى أهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قال: «مَا أنَا بِقَارِئٍ».
قال: «فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قلت: «مَا أنَا بِقَارِئٍ»، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقلت: «مَا أنَا بِقَارِئٍ»، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾.
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ
стр. 81
اللهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أسَدِ ابْنِ عَبْدِالعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَءاً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأى.
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، لَيْتَنِي أكُونُ حيّاً إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ». قال: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إلا عُودِيَ، وَإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. متفق عليه (١).
- أفعاله ﷺ -:
حكم أفعال النبي ﷺ :
أفعال النبي ﷺ ثلاثة أقسام:
الأول: الفعل الجبلِّي المحض، الذي تقتضيه الطبيعة البشرية كالقيام والقعود، والأكل والشرب، والنوم والسهر، فهذا لم يفعله ﷺ للتشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أقوم وأقعد تقرباً إلى الله، واقتداء بنبيه ﷺ .
الثاني: الفعل التشريعي المحض كأفعال الصلاة، وأفعال الحج ونحو ذلك من أحكام الشريعة، فهذا وأمثاله فَعَله النبي ﷺ من أجل التأسي به فنفعله.
الثالث: الفعل المحتمل للتشريعي والجبلِّي.
وضابطه: أن تكون الجبلَّة البشرية تقتضيه، ولكنه وقع متعلقاً بعبادة أو في
стр. 82
وسيلتها كالركوب في الحج، وجلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع من صلاة العيد من طريق أخرى، والضجعة على الشق الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، والنزول بالمحصَّب بعد النفر من منى ونحو ذلك.
فهذا وأمثاله محتمل للأمرين، ولمن شاء فِعْله أو تَرْكه.
- أزواجه ﷺ -:
أمهات المؤمنين هن زوجات الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة، وكلهن مسلمات، طيبات، طاهرات، نقيات، مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن، وهن:
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وسَودة بنت زَمْعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث ﵅ أجمعين.
مات قبله منهن خديجة، وزينب بنت خزيمة، وتوفيت الباقيات بعده.
وأفضل أزواجه ﷺ خديجة وعائشة ﵅ أجمعين.
- أولاد الرسول ﷺ -:
١ - ولد للرسول ﷺ ثلاثة أبناء: (القاسم)، و (عبد الله)، من خديجة، و (إبراهيم) من سُرِّيَّته مارية القبطية، وجميعهم ماتوا صغاراً.
٢ - أما البنات: فولد له ﵊ أربع بنات (زينب) و (رقية) و (أم كلثوم) و (فاطمة) وكلهن وُلدن من خديجة، وتزوجن ومتن قبله إلا فاطمة، فماتت بعده، وجميعهن مسلمات طيبات طاهرات ﵅ أجمعين.
- أصحاب الرسول ﷺ -:
أصحاب النبي ﷺ هم خير القرون، ولهم فضل عظيم على جميع الأمة،
стр. 83
اختارهم الله لصحبة نبيه، فآمنوا بالله ورسوله، وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِيْنَهُ، وَيَمِيْنُهُ شَهَادَتَهُ». متفق عليه (١).
- محبة أصحابه ﷺ :
من علامات الإيمان: محبتهم جميعاً بالقلب، والثناء عليهم باللسان، والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والكف عما شجر بينهم، وعدم شتمهم؛ وذلك لما لهم من المحاسن والفضائل، والمعروف والإحسان، ونصرة الله ورسوله بالطاعة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، والهجرة والنصرة، وبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فرضي الله عنهم أجمعين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة/١٠٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال/٧٤].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ». متفق عليه (٢).
стр. 84
٥ - الإيمان باليوم الآخر
- اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق للحساب والجزاء، سمي بذلك: لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
- أشهر أسماء اليوم الآخر:
يوم القيامة، يوم البعث، يوم الفصل، يوم الخروج، يوم الدين، يوم الخلود، يوم الحساب، يوم الوعيد، يوم الجمع، يوم التغابن، يوم التلاق، يوم التناد، يوم الحسرة، الصاخة، الطامة الكبرى، الغاشية، الواقعة، الحاقة، القارعة.
وكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى.
- الإيمان باليوم الآخر:
هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم من البعث، والحشر، والحساب، والصراط، والميزان، والجنة، والنار وغير ذلك مما يجري في عرصات القيامة.
ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة وأشراطها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه.
- عظمة اليوم الآخر:
الإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، وعليهما مع بقية أركان الإيمان مدار استقامة الإنسان وفلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة.
ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيراً في آيات القرآن.
١ - قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق/٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء/٨٧].
стр. 85
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء/٥٩].
- فتنة القبر:
١ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة .. ... -وفيه- قال النبي ﷺ «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِيْنُكَ؟ فَيَقُولُ: دِيْنِيَ الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيْكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ... ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
٢ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «العَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقَولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ». قال النبي ﷺ : «فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً».
وَأَمَّا الكَافِرُ أَوِ المنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيْدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيْحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيْهِ إلا الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (٢).
- أنواع عذاب القبر:
عذاب القبر نوعان:
١ - عذاب دائم لا ينقطع إلى قيام الساعة، وهو عذاب الكفار والمنافقين كما قال سبحانه عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر/٤٦].
стр. 86
٢ - وعن أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْل الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفق عليه (١).
٢ - عذاب له أمد ثم ينقطع، وهو عذاب عصاة الموحدين فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه العذاب، أو ينقطع بسبب رحمة الله، أو حصول مكفرات للذنوب من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ونحو ذلك.
١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إلَيه يَومَ القِيَامَةِ». متفق عليه (٢).
٢ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا». متفق عليه (٣).
- نعيم القبر:
نعيم القبر للمؤمنين الصادقين.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت/٣٠].
стр. 87
٢ - وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره: « ... فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إلَى الجَنَّةِ، قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيْبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
- وينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه أمور كالشهادة في سبيل الله، والرباط، ومن قتله بطنه ونحو ذلك.
- مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة:
الأرواح في البرزخ متفاوتة تفاوتاً عظيماً: فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم متفاوتون في منازلهم.
ومنها أرواح في صورة طير يعلق في شجر الجنة، وهي أرواح المؤمنين.
ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وهي أرواح الشهداء.
ومنها أرواح محبوسة في القبر كالغالِّ من الغنيمة، ومنها ما يكون محبوساً على باب الجنة بسبب دين عليه، ومنها ما يكون محبوساً في الأرض بسبب روحه السفلية.
ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني.
ومنها أرواح تسبح في نهر الدم وتُلقم الحجارة، وهم أكلة الربا ... الخ.
عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﵌ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ قَالَ كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ فَقَالَ مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا
أشراط الساعة
- علم الساعة:
العلم بوقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب/٦٣].
- علامات الساعة:
أخبر النبي ﷺ بأمارات وعلامات تدل على قرب قيام الساعة، وهي: علامات صغرى، وعلامات كبرى.
١ - أشراط الساعة الصغرى
- علامات الساعة الصغرى ثلاثة أقسام:
١ - علامات وقعت وانتهت ، ومنها:
بعثة النبي ﷺ .. وموته .. وانشقاق القمر آية له ﷺ .. وفتح بيت المقدس .. وخروج نار من أرض الحجاز.
عن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اعْدُدْ سِتّاً بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ ... ». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ تُضيءُ أَعْنَاقَ الإبِلِ بِبُصْرَى». متفق عليه (٢).
٢ - علامات ظهرت وما زالت مستمرة ، ومنها:
ظهور الفتن .. ظهور مدعي النبوة .. انتشار الأمن .. قبض علم الشرع .. ظهور الجهل .. كثرة الشُّرَط وأعوان الظلمة .. ظهور المعازف واستحلالها .. ظهور
стр. 90
الزنى .. كثرة شرب الخمر واستحلالها .. تطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان .. تباهي الناس في المساجد وزخرفتها .. كثرة الهرج وهو القتل .. تقارب الزمان .. إسناد الأمر إلى غير أهله .. أن تُرفع الأشرار .. وتُوضع الأخيار .. ويُفتح القول .. ويُخزن العمل .. تقارب الأسواق .. ظهور الشرك في هذه الأمة .. كثرة الشح .. كثرة الكذب .. كثرة المال .. فشو التجارة .. كثرة الزلازل .. تخوين الأمين، وائتمان الخائن .. ظهور الفحش .. وقطيعة الرحم .. وسوء الجوار .. ارتفاع الأسافل .. بيع الحكم .. تسليم الخاصة .. التماس العلم عند الأصاغر .. ظهور القلم .. ظهور الكاسيات العاريات .. كثرة شهادة الزور .. كثرة موت الفجأة .. عدم تحري الرزق الحلال .. عَوْد أرض العرب مروجاً وأنهاراً .. تكليم السباع للإنس .. تكليم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما حَدَّث أهله بعده .. أن تُحاصَر العراقُ ويُمنع عنها الطعام والدرهم .. ثم تُحاصَر الشامُ ويُمنع عنها الطعام والدينار .. ثم تكون هدنة بين المسلمين والروم .. ثم يغدر الروم بالمسلمين.
عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسولَ الله ﷺ وهو مستقبلُ المشرقِ يقولُ: «أَلا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». متفق عليه (١).
٣ - علامات لم تظهر وستقع بلا شك كما أخبر النبي ﷺ ، ومنها:
انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب .. فتح القسطنطينية بدون سلاح .. قتال الترك .. قتال اليهود ونصر المسلمين عليهم .. خروج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ويدينون له بالطاعة .. قلة الرجال وكثرة النساء حتى يكون خمسين امرأة قَيِّم واحد .. نفي المدينة لشرارها ثم خرابها ..
ومنها: هدم الكعبة على يد رجل من الحبشة يقال له ذو السويقتين ثم لا تعمر بعده، وذلك آخر الزمان. والله أعلم.
- جميع ما ذكرنا من العلامات السابقة ثبتت بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
стр. 91
٢ - أشراط الساعة الكبرى
- عن حذيفة بن أَسيد الغفاري ﵁ قال: اطَّلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «مَا تَذَاكَرُوْنَ؟» قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنَّهَا لَنْ تَقُوْمَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» فذكر الدخانَ، والدجالَ، والدابةَ، وطلوعَ الشمس من مغربها، ونزولَ عيسى بن مريم ﷺ ، ويأجوجَ ومأجوج، وثلاثةَ خسوفٍ، خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. أخرجه مسلم (١).
١ - خروج الدجال:
الدجال رجل من بني آدم، يظهر في آخر الزمان ويدعي الربوبية، يخرج من المشرق من خراسان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلداً إلا دخله إلا مسجد المقدس والطور ومكة والمدينة فلا يستطيع دخولها؛ لأن الملائكة تحرسها، ينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق.
- عن عبدِاللهِ بنَ عُمرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً عندَ رسُول اللهِ فَذَكرَ الفتَنَ فأكثرَ في ذِكرهَا حَتَّى ذَكرَ فتْنةَ الأحلاسِ فَقالَ قائلٌ: يا رسُولَ اللهِ وما فتنةُ الأحلاسِ؟
قالَ: «هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّراء دَخَنُها من تحتِ قَدَمَي رَجُلٍ من أهلِ بيتي يَزعُمُ أنَّهُ مني وَلَيْس مِني وإنَّمَا أوليائي المُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصطَلحُ النَّاسُ على رجلٍ كَوَرِكٍ على ضِلَعٍ.
ثمَّ فِتنةُ الدُّهَيْماء لا تَدَعُ أحداً من هذِهِ الأمة إلا لَطَمَتْهُ لطمَة، فإذا قيلَ انقضَتْ تَمادتْ يُصبحُ الرَّجُلُ فيها مؤمِناً ويُمْسي كافِراً حتى يَصيرَ النَّاسُ إلى فُسطاطَينِ، فُسْطاطِ إيمانٍ لا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطاطِ نِفاقٍ لا إيمانَ فيهِ، فإذا كانَ ذَاكُمْ فانتظرُوا
стр. 92
الدَّجّال من يومِهِ أو منْ غَدِهِ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
- فتنة الدجال:
خروج الدجال فتنة عظيمة بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، فقد ثبت أن معه جنةً وناراً، ناره جنة، وجنته نار، وأن معه جبال الخبز، وأنهار الماء، يأمرُ السماء فتمطر، ويأمرُ الأرض فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كالغيث إذا استدبرته الريح.
يمكث في الأرض أربعين يوماً يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، ثم يقتله عيسى بن مريم ﷺ عند باب لُدّ بفلسطين.
- صفات الدجال:
حذرنا الرسول ﷺ من اتباع الدجال أو تصديقه، وبين لنا صفاته لنحذر منه، فبيّن أنه رجل شاب أحمر أعور لا يولد له، مكتوب بين عينيه «كافر» يقرؤه كل مسلم.
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ مَسِيْحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيْرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ، مَطْمُوسُ العَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا جَحْرَاءَ، فَإنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». أخرجه أحمد وأبو داود (٢).
- مكان خروج الدجال:
عن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجالَ وفيه: « ... إنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ فَعَاثَ يميناً وَعَاثَ شِمَالاً». أخرجه مسلم (٣).
- الأماكن التي لا يدخلها الدجال:
١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ
стр. 93
إلَّا مَكَّةَ وَالمدِيْنَةَ». متفق عليه (١).
٢ - وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ذكر الدّجّال -وفيه- قال: «وَلَا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ، مَسْجِدَ الحَرَامِ، وَمَسْجِدَ المَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ الطُّورِ، وَمَسْجِدَ الأَقْصَى». أخرجه أحمد (٢).
- أتباع الدجال:
أكثر أتباع الدجال من اليهود، والعجم، والترك، وأخلاط من الناس غالبهم من الأعراب والنساء.
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ». أخرجه مسلم (٣).
- الوقاية من فتنة الدجال:
تكون بالإيمان بالله ، والتعوذ من فتنة الدجال خاصة في الصلاة، والفرار منه و «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ»، وفي لفظ: «فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ». أخرجه مسلم (٤).
٢ - نزول عيسى بن مريم ﷺ -:
بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض يبعث الله عيسى بن مريم ﷺ فينزل إلى الأرض عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين فيقتل الدجال، ويحكم بالإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتذهب الشحناء، يمكث سبع سنين ليس بين اثنين
стр. 94
عداوة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون.
ثم يرسل الله ريحاً باردة طيبة من قِبَل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، يتهارجون تهارج الحمر، ثم يأمرهم الشيطان بعبادة الأوثان، وعليهم تقوم الساعة.
- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوْشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصّلِيبَ، وَيْقْتُلَ الخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا».
ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرؤا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. متفق عليه (١).
٣ - خروج يأجوج ومأجوج:
يأجوج ومأجوج أمتان عظيمتان من بني آدم، وهم رجال أقوياء لا طاقة لأحد بقتالهم، وخروجهم من أشراط الساعة الكبرى، يفسدون في الأرض، ثم يدعو عليهم عيسى بن مريم ﷺ وأصحابه فيموتون.
١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء /٩٦].
٢ - وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال وأن عيسى يقتله بباب لد ... -وفيه- «إذْ أَوْحَى اللهُ إلَى عِيْسَى: إنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَاداً لِي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلَى الطُّوْرِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيْهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذَهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيْسَى وَأَصْحَابُهُ
стр. 95
حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائَةِ دِيْنَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيْسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيْسَى وَأَصْحَابُهُ إلَى الأرْضِ ... ». أخرجه مسلم (١).
- بعد نزول عيسى ﷺ وأصحابه إلى الأرض يدعو الله، فيرسل الله طيوراً تحمل يأجوج ومأجوج وتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً يغسل الأرض، ثم تنزل البركة في الأرض، وتظهر البقول والثمار، وتحل البركة في النبات والحيوان.
٤ - ٥ - ٦ - الخسوفات الثلاثة:
الخسوفات الثلاثة من أشراط الساعة الكبرى، وهي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وهي لم تقع بعد.
٧ - الدخان: ظهور الدخان في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان/١٠ - ١١].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتاً: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَو الدُّخَانَ، أَو الدَّجَّالَ، أَو الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ العَامَّةِ». أخرجه مسلم (٢).
٨ - طلوع الشمس من مغربها:
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى، وهي أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، ومن أدلة خروجها:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ
стр. 96
كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام/١٥٨].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فيومئذ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾». متفق عليه (١).
٣ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجاً طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحَىً، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى إثْرِهَا قَرِيباً».
أخرجه مسلم (٢).
٩ - خروج الدابة:
خروج دابة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب قيام الساعة، فتخرج فتسم الناس على خراطيمهم، تخطم أنف الكافر، وتجلو وجه المؤمن، ومن أدلة خروجها:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل/٨٢].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلاثٌ إذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إيْمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيْمَانِهَا خَيراً: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ». أخرجه مسلم (٣).
١٠ - خروج النار التي تحشر الناس:
وهي نار عظيمة تخرج من المشرق من اليمن من قعر عدن، وهي آخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، فتخرج من اليمن ثم تنتشر
стр. 97
في الأرض وتسوق الناس إلى أرض المحشر في الشام.
- كيفية حشر النار للناس:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ، وَرَاهِبينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، ثَلاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، أَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، عَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، يَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالوُا، وَتَبيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».
متفق عليه (١).
- أول أشراط الساعة:
عن أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام لما أسلم سأل النبي ﷺ عن مسائل، ومنها: ما أول أشراط الساعة؟ فقال النبي ﷺ : «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلَى المَغْرِبِ». أخرجه البخاري (٢).
- تتابع الآيات وتغير الأحوال:
١ - إذا ظهر أول أشراط الساعة الكبرى تتابعت بعدها الآيات يتلو بعضها بعضاً كما قال النبي ﷺ : «الأمَارَات خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ بِسِلْكٍ، فَإذا انْقَطَعَ السِّلْكُ تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضاً». أخرجه الحاكم (٣).
٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرْضِ اللهُ اللهُ». أخرجه مسلم (٤).
٣ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ». أخرجه الترمذي (٥).
стр. 98
النفخ في الصور
- الصور قرن كالبوق، يأمر الله إسرافيل ﷺ أن ينفخ في الصور النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يأمره أن ينفخ النفخة الثانية وهي نفخة البعث.
- أحوال الخلائق عند النفخ في الصور:
١ - قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر/٦ - ٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر/٦٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل/٨٧].
- مقدار ما بين النفختين:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَينِ أَرْبَعُونَ» قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ. متفق عليه (١).
- متى تقوم الساعة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ طَرْفَ صَاحِبِ الصُّورِ مُنْذُ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ». أخرجه الحاكم (٢).
стр. 99
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَومُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا فِي يَومِ الجُمُعَةِ». أخرجه مسلم (١).
البعث والحشر
- الدور التي يمر بها العبد:
الدور ثلاث: دار الدنيا، ثم دار البرزخ، ثم دار القرار في الجنة أو النار، وقد جعل الله لكل دار أحكاماً تخصها، وَرَكَّبَ هذا الإنسان من بدن وروح، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعاً لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعاً لها، وجعل أحكام يوم القيامة من النعيم والعذاب على الأبدان والأرواح معاً.
- البعث: هو إحياء الموتى حين يُنفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً غير مختونين، ويُبعث كل عبد على ما مات عليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾
[يس/ ٥١ - ٥٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون/١٥ - ١٦].
- صفة البعث:
يُنزل الله من السماء ماءً فينبت الناس كما يَنبت البقل.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ
стр. 100
سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ
الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف/٥٧].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَينِ أَرْبَعُونَ» قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ «ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ، وَلَيْسَ مِنَ الإنْسَانِ شَيْءٌ إلَّا يَبْلَى إلَّا عَظْماً وَاحِداً وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيَامَةِ». متفق عليه (١).
- أول مَنْ ينشق عنه القبر:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أخرجه مسلم (٢).
- مَنْ يُحشر يوم القيامة:
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة/٤٩ - ٥٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم/٩٣ - ٩٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف/٤٧].
- صفة أرض المحشر:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [ابراهيم/٤٨].
٢ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ
стр. 101
القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيْهَا عَلَمٌ لأَحَدٍ». متفق عليه (١).
- صفة حشر الخلق يوم القيامة:
للحشر حالتان:
الأولى: حشر من القبور إلى محل القضاء، وهذا يكون بحشر الناس مشاة حفاة عراة غُرلاً.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلاً» قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعاً، ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : «يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ». متفق عليه (٢).
الثانية: حشر من محل القضاء إلى الجنة والنار كما يلي:
١ - يُحشر المؤمنون وفداً مكرمين كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم/٨٥].
٢ - ويُحشر الكافرون على وجوههم عمياً، وبكماً، وصماً، عطاشاً، زرقاً، يحبس أولهم على آخرهم فيساقون إلى النار مجتمعين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الإسراء/٩٧ - ٩٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم/٨٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه/١٠٢].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ [فصلت/١٩].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ
стр. 102
إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات/٢٢ - ٢٣].
٦ - وعن أنَسٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «ألَيْسَ الَّذِي أمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرًا عَلَى أنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟». متفق عليه (١).
يَحشرُ الله يوم القيامة الدواب، والبهائم، والوحوش، والطيور، ثم يحصل القصاص بين الدواب، فيقتص للشاة الجمَّاء من القرناء نطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام/٣٨].
- لقاء الله في الآخرة:
كل إنسان سوف يلاقي ربه يوم القيامة بما عمل من خير أو شر، المؤمن والكافر، والبر والفاجر.
١ - قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب/٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ ... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة/٢٢٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق /٦].
٤ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ». متفق عليه (٢).
стр. 103
أهوال يوم القيامة
- يوم القيامة يوم عظيم أمره، شديد هَوْلُه، يصاب فيه العباد بالرعب والفزع، وتشخص فيه أبصار الظلمة، جعله الله على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر، وعلى الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ومن أهواله:
١ - قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة/١٣ - ١٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير/١ - ٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار/١ - ٤].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الانشقاق/١ - ٥].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة/١ - ٦].
٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى يَومِ القِيَامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. أخرجه أحمد والترمذي (١).
- تبديل الأرض والسماء يوم القيامة:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم/٤٨].
стр. 104
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء/١٠٤].
- أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسماوات:
عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حَبرٌ من أَحبار اليهود .. - وفيه- فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ»، وفي رواية: «عَلَى الصِّرَاطِ». أخرجه مسلم (١).
- شدة الحرارة في الموقف وهوله:
يجمع الله الخلائق بعد بعثهم في ساحة واحدة في عرصات القيامة؛ وذلك لفصل القضاء حفاة عراة غرلاً، فتدنو الشمس في ذلك اليوم، ويذهب العرق سبعين ذراعاً، ويعرق الناس على قدر أعمالهم.
١ - عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي العَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إلْجَاماً» قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. أخرجه مسلم (٢).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟». متفق عليه (٣).
стр. 105
- من يظلهم الله في الموقف:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ؛ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (١).
٢ - وعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». أخرجه أحمد وابن خزيمة (٢).
- مجيء الله لفصل القضاء:
يَجيء الله يوم القيامة لفصل القضاء، فتشرق الأرض بنوره، وتصعق الخلائق لهيبته وعظمته وجلاله.
١ - قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر/٢١ - ٢٢].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لاتُخَيِّرُوْنِي عَلَى مُوسَى، فَإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَومَ القِيَامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيْمَنْ صَعِقَ فأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّن اسْتَثْنَى اللهُ». متفق عليه (٣).
стр. 106
فصل القضاء
- إذا حُشر الناس إلى ربهم يوم القيامة، وبَلغ العناء منهم مبلغاً عظيماً لشدة الهول وصعوبة الموقف، يرغبون إلى ربهم في أن يحكم فيهم، ويفصل بينهم، فإذا طال موقفهم وعظم كربهم، ذهبوا إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم ليفصل بينهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ ... [المرسلات/٣٥ - ٣٩].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُم الدَّاعِيُ، وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ، وَمَا لا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيْهِ؟ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ؟
فيَقَوُلُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوْحِهِ، وَأَمَرَ الملائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلا تَرَى إلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟.
فَيَقُولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَومَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي» فيأتون نوحاً، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فيعتذر كل واحدٍ، وكلهم يقولون: «إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَومَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَه مِثْلَه، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَه مِثْلَه ... نَفْسِي نَفْسِي».
ثم يقول عيسى: «اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِّي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا