قال الإمام العز بن عبد السلام في رسالة "الواسطة" (ص٥): "ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذه الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبَّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أنداداً ... ".
الشبهة الخامسة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا استحباب؟
قد يقول القائل: صحيح أنه لم يثبت في السنة ما يدل على استحباب التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكن ما المانع منه إذا فعلناه على طريق الإباحة، لأنه لم يأتِ نهي عنه؟
فأقول: هذه شبهة طالما سمعناها ممن يريد أن يتخذ موقفاً وسطاً بين الفريقين لكي يرضي كلاً منهما، وينجو من حملاتهما عليه! والجواب: يجب أن لا ننسى في هذا المقام معنى الوسيلة إذ هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود كما تقدم بيانه.
ولا يخفى أن الذي يراد التوصل إليه إما أن يكون دينياً، أو دنيوياً، وعلى الأول لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل إلى الأمر الديني إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل ان توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل
стр. 1122
والنهار مثلاً سبب لاستجابة الدعاء لرد عليه ذلك إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضاً، إ أنك تسميه توسلاً، وهذا لم يثبت شرعاً، وليس له طريق آخر في إثباته، وهذا بخلاف القسم الثاني من القسمين المذكورين وهو الدنيوي، فإن أسبابه يمكن أن تعرف بالعقل أو بالعلم أو بالتجربة ونحو ذلك، مثل الرجل يتاجر ببيع الخمر، فهذا سبب معروف للحصول على المال، فهو وسيلة لتحقيق المقصود وهو المال، ولكن هذه الوسيلة نهى الله عنها، فلا يجوز اتباعها بخلاف ما لو تاجر بسبب لم يحرمه الله ، فهو مباح، أما السبب المدعى أن يقرب إلى الله وأنه أرجى في قبوله الدعاء، فهذا سبب لا يعرف إلا بطريق الشرع، فحين يقال: بأن الشرع لم يرد بذلك، لم يجز تسميته وسيلة حتى يمكن أن يقال إنه مباح التوسل به، وقد تقدم الكلام في هذا النوع مفصلاً في الفصل الثاني من هذه الرسالة.
وشيء ثان: وهو أن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه، وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها في أول البحث، فما الذي يحمل المسلم على اختيار هذا التوسل الذي لم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة فهي بدعة ضلالة اتفاقاً، وهذا التوسل من هذا القبيل، فلم يجز التوسل به، ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب!.
وأمر ثالث: وهو أن هذا التوسل بالذوات يشبه توسل الناس ببعض المقربين إلى الملوك والحكام، والله ﵎ ليس كمثله شيء باعتراف المتوسلين بذلك، فإذا توسل المسلم إليه تعالى بالأشخاص فقد شبهه عملاً بأولئك الملوك والحكام كما سبق بيانه، وهذا غير جائز.
стр. 1123
الشبهة السادسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح هذه شبهة أخرى يثيرها بعض أولئك المبتدعين (١) زينها لهم الشيطان، ولقنهم إياها حيث يقولون: قد قدمتم أن من التوسل المشروع اتفاقاً التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فإذا كان التوسل بهذا جائزاً فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز، وأحرى بالمشروعية، فلا ينبغي إنكاره.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا قياس، والقياس في العبادات باطل كما تقدم (ص١٣٠)، وما مثل من يقول هذا القول إلا كمثل من يقول: إذا جاز توسل المتوسل بعمله الصالح-وهو بلا شك دون عمل الولي والنبي-جاز أن يتوسل بعمل النبي والولي، وهذا وما لزم منه باطل فهو باطل.
الوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة، لأننا لم نقل-كما لم يقل أحد من السلف قبلنا-أنه يجوز للمسلم أن يتوسل بعمل غيره الصالح، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح نفسه، فإذا تبين هذا قلبنا عليهم كلامهم السابق فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته، وهذا بين لا يخفى والحمد لله.
الشبهة السابعة: قياس التوسل بذات النبي ﵌ على التبرك بآثاره:
وهذه شبهة أخرى لم تكن معروفة فيما مضى من القرون، ابتدعها ورَوّجها الدكتور البوطي ذاته، إذ قرر في كتابه "فقه السيرة" (ص٣٤٤ - ٤٥٥) خلال حديثه عن الدروس المستفادة من غزوة الحديبية مشروعية التبرك بآثاره النبي ﵌، ثم
стр. 1124
قاس على ذلك التوسل بذاته بعد وفاته، وأتى نتيجة لذلك برأي غريب وعجيب لم يقل به أحد من المشتغلين بالعلم، حتى من المغرقين في التقليد والجمود والتعصب والابتداع في الدين.
ولكي لا يظن أحد أننا نتقول عليه أو نظلمه ننقل نص كلامه بتمامه، ونعتذر إلى القراء لطوله، قال: " وإذا علمت أن التبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبي ﵌ أمر مندوب إليه ومشروع، فضلاً عن التوسل بذاته الشريفة، وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته ﵌ أو بعد وفاته، فآثار النبي ﵌ وفضلاته لا تتصف بالحياة مطلقاً، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أو بعد وفاته، ولقد توسل الصحابة بشعراته من بعد وفاته كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في باب شيب رسول الله ﵌.
ومع ذلك فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﵌، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﵌ بعد وفاته، بحجة أن تأثير النبي ﵌ قد انقطع بوفاته، فالتوسل به إنما هو توسل بشيء تأثير له البتة. وهذه حجة تدل على جهل عجيب جداً، فهل ثبت لرسول الله ﵌ تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته حتى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته؟ إن أحداً من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد، ومن اعتقد خلاف ذلك يكفر بإجماع المسلمين كلهم ... فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره ﵌ ليس هو إسناد أي تأثير إليه، وإنما المناط كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد، فهو التوسل بقربه ﵌ إلى ربه وبرحمته الكبرى للخلق، وبهذا المعنى توسل الأعمى به ﵌ في أن يرد عليه بصره، فرده الله عليه، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار. وقد مر بيان
стр. 1125
استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم.
والفرق بعد هذا بين حياته وموته ﵌ خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوغ له".
ولنا على هذا الكلام مؤاخذات كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
١ - لقد أشرنا (ص٧٧ - ٧٨) إلى تعريض البوطي بالسلفيين، واتهامه إياهم بأن أفئدتهم لا تشعر بمحبة رسول الله ﵌ والاستدلال على ذلك بإنكارهم التوسل به ﵌ بعد وفاته.
وهذه فرية باطلة، وبهتان ظالم لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه أشد الحساب ما لم يتبْ إليه التوبة النصوح. ذلك لأن فيها تكفيراً لآلاف المسلمين دونما دليل أو برهان إلا الظن والوهم اللذين لا يغنيان من الحق شيئاً.
٢ - إنه قد خلط في كلامه السابق بين الحق والباطل خلطاً عجيباً، فاستدل بحقه على باطله، فوصل من جرّاء ذلك إلى رأي لم يسبقه إليه أحد من العالمين.
وإذا أردنا أن نميز بين نوعي كلامه فإننا نقول:
إن الحق الذي تضمنه هو:
أ-أن النبي ﵌ قريب إلى الله ﵎، وأنه كان رحمة من الله تعالى للخلق.
ب-أنه لا تأثير لأحد حتى للنبي ﵌ تأثيراً ذاتياً في الأشياء، وإنما التأثير كله لله الواحد الأحد.
стр. 1126
ج-أنه يشرع التبرك بآثار النبي ﵌، وأن الصحابة فعلوا ذلك في حياته ﵌ وبإقرار منه.
هذه النقاط الثلاثة صحيحة لا خلاف فيها، ولو وقف الكاتب عندها لما كان ثمة حاجة للتعليق عليه.
وأما الباطل الذي تضمنه كلامه وفيه الخلاف العريض فهو:
أ-أن التوسل بآثار النبي ﵌ جائز، وأن الصحابة كانوا يتوسلون بآثاره ﵌ وفضلاته.
ب-تسويته بين التبرك والتوسل.
ج-أن التوسل بذاته ﵌ جائز كجواز التبرك بفضلاته.
د-أن مناط التوسل به ﵌ هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
هـ- جهله بمعنى كلمة الاستشفاع مما حمله على الاستدلال بها على التوسل المبتدع.
وافتراؤه على السلفيين بأنهم يرون أن النبي ﵌ كان له تأثير ذاتي في الأشياء خلال حياته، وقد انقطع ذاك التأثير بوفاته، وأن هذا هو سبب إنكارهم التوسل به ﵌ بعد وفاته!
ز-ادعاؤه أن الأعمى توسل بقربه ﵌ من ربه.
ح-ادعاؤه أن محمداً ﵌ أفضل الخلائق على الإطلاق.
وننتقل بعد هذا الإجمال إلى الشرح والتفصيل فنقول:
стр. 1127
١ - تخليط البوطي في التسوية بين التبرك والتوسل:
لقد قال الدكتور البوطي: "ان التوسل بآثار النبي ﵌ أمر مندوب إليه ومشروع فضلاً عن التوسل بذاته الشريفة".وظاهر كلامه أن يقيس التوسل بذاته ﵌ قياساً أولوياً على التبرك بآثاره، ويسمى هذا التبرك توسلاً، ويؤكد ما ذكرناه قوله في (ص١٩٦) من كتابه المذكور حيث ذكر بعض الروايات التي فيها تبرك بعض الصحابة بآثاره ﵌، ثم قال: "فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية، فكيف بالتوسل بمنزلته عند الله ﷻ ؟ وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين؟ ".
ولكنه سرعان ما تراجع عن كل ذلك زاعماً أن التبرك والتوسل معناهما واحد، منكراً أنه يقيس التوسل على التبرك، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالاً بالقياس، فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسل به، وكل من التوسل بجاهه ﵌ عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه أفراداً وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بتنقيح المناط عند علماء الأصول".
والحقيقة أن ظاهر كلام الدكتور الأول كان أهون بكثير من كلامه الأخير هذا، لأن التوسل يختلف اختلافاً بيناً عن التبرك، ومن يسوي بينهما فإنه يكون قد ارتكب خطأ شنيعاً، ووقع في جهل فظيع بالحقائق الشرعية، مما لا يجوز أن يقع في طالب علم يحترم نفسه.
إن التبرك هو التماس من حاز أثراً من آثار النبي ﵌ حصول خير به خصوصية له ﵌، وأما التوسل فهو إرفاق دعاء الله تعالى بشيء من الوسائل التي
стр. 1128
شرعها الله تعالى لعباده، كأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك ﵌ أن تغفر لي، ونحو ذلك. ويتبدى هذا الفرق في أمرين:
أولهما: أن التبرك يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب، بخلاف التوسل الذي يرجى به أي شيء من الخير الدنيوي والأخروي.
ثانيهما: أن التبرك هو التماس الخير العاجل كما سبق بيانه، بخلاف التوسل الذي هو مصاحب للدعاء ولا يستعمل إلا معه.
وبياناً لذلك نقول: يشرع للمسلم أن يتوسل في دعائه باسم من أسماء الله ﵎ الحسنى مثلاً، ويطلب بها تحقيق ما شاء من قضاء حاجة دنيوية كالتوسعة في الرزق، أو أخروية كالنجاة من النار، فيقول مثلاً: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد، الصمد، أن تشفيني أو تدخلني الجنة ... ، ولا أحد يستطيع أن ينكر عليه شيئاً من ذلك، بينما لا يجوز لهذا المسلم أن يفعل ذلك حينما يتبرك بأثر من آثاره ﵌، فهو لا يستطيع ولا يجوز له أن يقول مثلاً: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بثوب نبيك أو بصاقه أو بوله أن تغفر لي وترحمني .. " ومن يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه من غير ريب ليشك الناس في عقله وفهمه فضلاً عن عقيدته ودينه. وظاهر كلام الدكتور أنه يجيز هذا التوسل العجيب، ويعده هو والتبرك بأثر من آثار النبي ﵌ شيئاً واحداً، وهو بهذا يخلط خلطاً قبيحاً، ومع ذلك لا يخجل من اتهام السلفيين بأنهم يخلطون خلطاً عجيباً لا مسوغ له، فقد علم القراء من الذين يخلط ويخبط خبط عشواء.
إن هذا ليذكرنا حقاً بالمثل العربي القائل: رمتني بدائها وانسلّت. وصدق النبي الكريم ﵌ حيث يقول: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم
стр. 1129
تسنح فاصنع ما شئت " (١).
وثمة ملاحظة هامة وخطيرة في كلام الدكتور السابق، وهي أنه يدعي ثبوت مطلق التوسل بالأحاديث الصحيحة، وهذا باطل، لأنه ليس أكثر من افتراض ودعوى مجردة لا حقيقة لها إلا في ذهنه، إذ لم يثبت من التوسل المتعلق بالنبي ﵌ إلا دعاؤه ﵌ كما تقدم في ثنايا هذه الرسالة، وأما التوسل بجاهه ﵌ أو آثاره فلم يثبت منه شيء البتة في كتاب أو سنة، ونحن نطالب الدكتور أن يدلنا على حديث واحد ثابت، فيه هذه الدعوى، ونحن على يقين أنه لن يجد شيئاً من ذلك، فقد عوّدنا على تقرير أحكام ضخمة دونما دليل (خبط لزق)! وادعاء دعاوى عريضة لا تقوم على أساس إلا أنها بدت له هكذا، وحسب القارئ له أن يؤمن بما يقول ويسلم له تسليماً، وإياه ثم إياه أن يسأله عن الدليل، لأن ذلك من قلة الأدب، ورقة الدين، وطريقة السلفيين، والعياذ بالله. فتأمل!
٢ - بطلان التوسل بآثار النبي ﵌:
وبعد إثبات الفرق بين التوسل والتبرك نعلم أن آثار النبي ﵌ لا يتوسل بها إلى الله تعالى وإنما يتبرك بها فحسب، أي يرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي كما سبق بيانه.
إننا نرى أن التوسل بآثار النبي ﵌ غير مشروع البتة، وأن من الافتراء على الصحابة رضوان الله عليهم الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف رأينا فعليه الدليل، بأن يثبت أن الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلاً: اللهم ببصاق نبيك اشفِ مرضانا، أو: اللهم ببول نبيك أو غائطه أجرنا من النار!!
стр. 1130
إن أحداً من العقلاء لا يستسيغ رواية ذلك مجرد رواية فكيف باستعماله، وإذا كان الدكتور البوطي ما يزال في شك من ذلك، وإذا كان يرى جواز ذلك فعليه أن يثبته عملياً بأن يدعو من على منبره بمثل الدعوات السابقة، وإن لم يفعل-ولن يفعل إن شاء الله ما بقي فيه عقل، وفي قلبه ذرة من إيمان-فذلك دليل على أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد في قلبه.
هذا ولابد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﵌، ولا ننكره خلافاً لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطاً منها الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلماً صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلاً على أثر من آثاره ﵌ ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره ﵌ من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمراً غير ذي موضوع في زماننا هذا (١)، ويكون أمراً نظرياً محضاً، فلا ينبغي إطالة القول فيه، ولكن ثمة أمر يجب تبيانه،
стр. 1131
وهو أن النبي ﵌ وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي ﵌ بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله ، وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي:
عن عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ أن النبي ﵌ توضأ بوماً، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي ﵌: "ما يحملكم على هذا؟ " قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي ﵌: "من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره " (١).
٣ - افتراء عريض:
والظاهر أن الدكتور لا يطيب له عيش، ولا يهنأ له بال إلا إذا افترى على السلفيين، وكذب عليهم، كذباً مكشوفاً حيناً ومغطى حيناً آخر. وها هو هنا يفتري علينا حين يزعم أننا نحتج على منع التوسل بالنبي ﵌ بعد وفاته بالقول بأن تأثيره ﵌ في الحوادث قد انقطع بعد وفاته، ويتطوع بأن يثبت أن النبي ﵌ سواء في حياته أو بعد وفاته ليس له تأثير ذاتي في الأشياء في كل ظرف وفي كل حين، وأن
стр. 1132
المؤثر الوحيد فيها هو الله وحده سبحانه.
وواضح من هذا بجلاء أنه يتهم السلفيين بأنهم يعتقدون أن النبي ﵌ كان له تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته. وهذا كذب صراح، وافتراء مكشوف، لم يقل به سلفي قط، بل ولا خطر في بال أحد من السلفيين البتة، وكيف يقولونه وهم دعاة التوحيد الخالص، والدين الصحيح، والذين جعلوا أكبر همهم دعوة الناس إلى إخلاص عبوديتهم لله تعالى وحده، وتخليص عقائدهم من كل شائبة من شوائب الشرك، والتنديد بكل ما يخدش جناب التوحيد، ولو كان ذلك خطأ لفظياً. وقد تحملوا في سبيل ذلك الأذى من الناس والتشهير بهم والافتراء عليهم واتهامهم بأقبح التهم، وما نقم الناس-وفيهم الدكتور البوطي-عليهم إلا لدعوتهم الحقة هذه، ومع ذلك فلا يخجل من أن يرميهم بهذه التهمة الباطلة التي يعلم هو-فيما نرجح-قبل غيره أنها باطلة مفتراة، وإلا فليبين لنا-إن استطاع-مصدر هذا القول المزعوم، ومن قاله من السلفيين، وفي أي كتاب ورد من كتبهم أو نشراتهم، فإن لم يفعل-وهيهات أن يفعل-فإنه يكون قد ظهر لكل أحد كذبه وافتراؤه.
وشيء آخر نذكره هنا، وهو أن كلام البوطي السابق "ومن ادعى شيئاً من ذلك يكفر بإجماع المسلمين" يفيد لمن تأمله تكفير السلفيين عموماً، وهذا كذب آخر واتهام ظالم، لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه، لأن السلفيين هم مسلمون، بل هم أحق الناس بصفة الإسلام، وهم يعلمون حق العلم أن نسبة التأثير الذاتي للنبي ﵌ أو لغيره هو من الشرك في الربوبية المخرج من الملة، وهم من أشد الناس تنبهاً له وتحذيراً منه، بينما البوطي وأمثاله يلتمسون للواقعين فيه مختلف الأعذار والتبريرات.
ولا يفوتنا هنا أن نذكره وأمثاله بما بيناه في ثنايا هذه الرسالة من أن السبب
стр. 1133
الذي يدعونا إلى منع التوسل بذوات الصالحين ومكانتهم وجاههم إنما هو كونه لم يرد في الشريعة الغراء، ولم يستعمله النبي ﵌ ولا أصحابه، فهو لذلك محدَث مبتدع، وما ورد من النصوص التي يحتج بها المخالفون بعضها ثابت ولكنه لا يدل على ما يدعون، وبعضها الآخر غير ثابت، وقد مضى تفصيل ذلك.
إن هذا هو السبب الذي يحملنا على إنكار ذلك التوسل، ونقول بصراحة: إنه لو ورد في الشرع لقلنا به، ولم يمنعنا منه مانع، لأننا أسرى في يد الشريعة، فما أجازته أجزناه، وما منعته منعناه، والغريب أن الدكتور تغافل عن هذا السبب الأساسي، واختلق من عنده سبباً تخيله كما شاء له هواه قاصداً بذلك أن يتمكن من الطعن فينا والتشهير بنا، وإثارة الغوغاء علينا، فانظر-رحمك الله-إلى هذا الأسلوب الغريب المنافي للدين والعلم، واشتكِ معنا إلى الله من غربة الحق وأهله في هذا الزمان.
٤ - خطؤه في ادعائه أن مناط التوسل بالنبي ﵌ كونه أفضل الخلائق:
وهذا خطأ آخر وقع فيه الدكتور نتيجة لتهوره وعدم تفكيره فيما يكتب، حيث ادعى أن مناط التوسل بالنبي ﵌ هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد كما تقدم من كلامه.
ونقول له: ان معنى ذلك عندك أن من لم يكن كذلك "أي أفضل الخلائق عند الله .. "
فلا يجوز التوسل به، لأنه لم يتحقق فيه المناط المزعوم، ذلك لأن المناط أصلاً هو علة الحكم التي يوجد بوجودها، وينعدم بعدمها، وعلى هذا فمعنى عبارة الدكتور-لو كان يعقل ما يقول-إنه لا يجوز التوسل بأحد مطلقاً إلا بالنبي
стр. 1134
- ﵌، ونحن نعلم علم اليقين أنه يعتقد خلاف ذلك، ويرى جواز التوسل بكل نبي أو ولي أو صالح، وبهذا يكون هو نفسه قد قال ما لا يعتقد، وناقض نفسه بنفسه، والسبب في ذلك أحد أمرين، فإما أن يكون غير فاهم لاصطلاح المناط عند العلماء، وإما أن يكون غير متأمل فيما ينتج عنه من كلامه، وهذا هو الأقرب،
والله أعلم.
وأمر آخر نذكره في هذه المناسبة وهو أن من المقرر لدى علماء الأصول أنه لابد لاعتبار المناط في حكم ما من أن يكون قد ورد تعيينه في نص من كتاب أو سنة، ولا يكفي فيه الاعتماد على الظن والاستنباط.
وإذا عدنا إلى ما ذكره الدكتور وجدنا أنه قد ادعى مناطاً ليس عليه شبة دليل من الكتاب والسنة، وإنما عمدته في ذلك مجرد الظن والوهم، فهل هكذا يكون العلم وإثبات الحقائق الشرعية عند الدكتور الذين يُعَنْون لبعض كتبه بأنها "أبحاث في القمة"؟
وأمر ثالث وأخير وهو أن الدكتور قد ادعى أن النبي ﵌ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق. وهذه عقيدة، وهي لا تثبت عنده (١)، إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة (٢)، أي بآية قطعية الدلالة، أو حديث متواتر قطعي الدلالة، فأين هذا النص الذي يثبت كونه ﵌ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق؟
ومن المعلوم أن هذه القضية مختلف فيها بين العلماء، وقد توقف فيها الإمام
стр. 1135
أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀، (ص٣٣٧ - ٣٤٨، طبعة المكتب الإسلامي بتحقيقي).
ولعل مستند الدكتور في تقرير تلك العقيدة ما ورد في قصة المعراج المنسوبة كذباً وعدواناً إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄، مع أنه هو نفسه يقول (١) عن هذه القصة: "إنه كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند"!
والحقيقة أن كلامه هذا بهذا الإطلاق هو الباطل، إذ يوجد في الكتاب المذكور كثير من الأحاديث الصحيحة، وبعضها مما رواه الشيخان، ولكن المؤلف خلطها بأحاديث أخرى بعضها موضوع وبعضها لا أصل له، وبعضها ضعيف، وقد بينت ذلك في ردي على الدكتور البوطي الذي نشر في مجلة التمدن الإسلامي أولاً، ثم في كتاب مستقل، كما سبق بيانه قريباً (ص١٢١).
٥ - جهله بالمعنى اللغوي لكلمة الاستشفاع:
وهذه غلطة شنيعة أخرى وقع فيها الدكتور-اصحله الله وهداه-إذ استدل بالاستشفاع الوارد في أحاديث الاستسقاء على التوسل المبتدع، فقال: "وقد مر بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى، وأهل بيت النبوة الوارد في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم" وما كان للدكتور أن يقع في هذا الخطأ لو كان يفقه معنى الاستشفاع في اللغة، ورغبة في تنوير القراء وإفادتهم نورد بعض
стр. 1136
ما ذكرته كتب اللغة في بيان معنى الشفاعة والاستشفاع.
قال صاحب "القاموس المحيط": "الشَفْع خلاف الوتر وهو الزوج، والشفعة هي أن تشفع فيما تطلب، فتضمه إلى ما عندك فتشفعه أي تزيده، وشاة شافع: في بطنها ولد يتبعها آخر، سميت شافعاً لأن ولدها شفعها أو شفعته، واستشفعه إلينا: سأله أن يشفع".
وفي "المعجم الوسيط" الذي أصدره مجمع اللغة العربية في مصر: "شفع الشيء شفعاً: ضم مثله إليه وجعله زوجاً، والبصرُ الأشباحً: رآها شيئين، واستشفع: طلب الناصر والشفيع، والشفائع: المزدوجات، والشفاعة: كلام الشفيع، والشفيع: ما شفع غيره، وجعله زوجاً".
وفي "النهاية" لابن الأثير: (الشُفْعة مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به، كأنه كان واحداً وتراً، فصار زوجاً شفعاً، والشافع هو الجاعل الوتر شفعاً .. ".
فمن هذه النقول وأمثالها يظهر معنى الاستشفاع بوضوح، وهو أن يطلب إنسان من آخر أن يشاركه في الطلب، فيزيد به ويكونا شفعاً أي زوجاً، وقد أخذ من هذا الأصل اللغوي المعنى الشرعي للاستشفاع حيث أريد به الطلب من أهل الخير والعلم والصلاح أن يشاركوا المسلمين في الدعاء إلى الله في الملمات، فيشفعوهم بذلك ويزيدوا الداعين، فيكون ذلك أرجى لقبول الدعاء.
وبهذا يمكننا فهم الشفاعة العظمى للنبي ﵌ يوم القيامة، فهي باتفاق العلماء دعاء النبي ﵌ للناس بعد مجيئهم إليه، وطلبهم منه أن يدعو الله تعالى ليعجّل لهم الحساب، ولم يفهم أحد من أهل العلم من ذلك أن يقول الناس مثلاً:
стр. 1137
اللهم بمنزلة محمد ﵌ عندك عجّل لنا الحساب.
ومن الغريب حقاً أن يتجرأ الدكتور البوطي فيدعي إجماع الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني على فهمه الشاذ المبني على جهل فظيع بمعاني الألفاظ المستعملة في اللغة والشرع.
ونكتفي للرد عليه بنقل كلام أحد الأئمة الذين نص على أسمائهم، وادعى مشاركتهم إياه في فهمه لمعنى الاستشفاع، ونعني الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب أكبر كتاب في الفقه الحنبلي وهو "المغني" إذ قال فيه (٢/ ٢٩٥) ما نصه: "ويستحب بأن يستسقي بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر استسقى بالعباس عم النبي ﵌.قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، وروي أن معاوية خرج يستسقي، فلما جلس على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهبَّ لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
وواضح من كلام ابن قدامة هذا أنه يعني بالاستشفاع الوارد في الاستسقاء أن يطلب إمام المسلمين من بعض أهل العلم والصلاح أن يشترك مع المسلمين في التوجه إلى الله ودعائه سبحانه لكشف الشدة عن عبادة المؤمنين. ولم يقصد الإمام ابن قدامة بل ونجزم بأنه لم يخطر في باله ذاك المعنى الخاطىء الذي يحمله عليه البوطي وأمثاله من المبتدعين، ويريدون حمل الألفاظ الشرعية عليه.
стр. 1138
ترى كيف يدعي البوطي مثل هذا الإجماع المزيف ويستشهد بابن قدامة وغيره، وها هو كلام ابن قدامة ينسف فهمه من الجذور؟ أم أنه لا يفهم ما في كتب القوم، أم لعله يدعي ما يروق له من الدعاوى الساقطة دون أن يراجع الكتب، أو يقرأ كلام العلماء اعتماداً منه على أن قارئيه مقلدون تقليداً أعمى وليسوا ممن يراجع أو يقرأ أو يتثبت مما يقال؟
إنه لأمر مؤسف والله، وبلية من أعظم البلايا التي نشهدها في واقع المسلمين، وهي من غير شك من الأسباب الكبرى في تأخر المسلمين وضعفهم وانحطاطهم، ومحال أن تتغير هذه الحال إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من الجمود والتصوف والفقه المذهبي وعلم الكلام، وعادوا إلى هدي الله الحق المتمثل في الكتاب والسنة، والذي توضحه الدعوة السلفية الغراء.
٦ - خطؤه في ادعائه أن توسل الأعمى كان بمنزلة النبي ﵌ عند الله:
ونختم الرد على الدكتور البوطي بالإشارة إلى خطئه في ادعائه أن توسل الأعمى إنما كان بمنزلة النبي ﵌، وبكونه أفضل الخلائق عند الله، لأن ذلك مجرد دعوى لا برهان عليها، ولم يستطع الدكتور أن يأتي بشبه دليل على ذلك، وقد تقدم في هذه الرسالة إثبات أن توسل الأعمى إنما كان بدعاء النبي ﵌، وقد فندنا كل الشبهات فيما علمنا التي يوردها المخالفون، ويحتجون بها على رأيهم الخاطىء، كما بيَّنا (ص٦٥) ضعف الزيادة التي أشار الدكتور إليها، وسكت عنها جهلاً أو تجاهلاً، وهي قوله: (فإن كان لك حاجة فافعل مثل ذلك).ورغبة في عدم الإطالة لا نعيد ذلك.
ومما سبق كله، يتبين لكل منصف مريد للحق بطلان تلك الشبهة البوطية
стр. 1139
وسقوطها، وصدق الله ﵎ إذ يقول: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون﴾ ويقول: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾.
والحمد لله أولاً وآخراً على توفيقه وهداه، وهو وحده المستعان، لا إله غيره، ولا رب سواه.
"التوسل" (ص٥١ - ١٥٤)
[٢٤٣] باب هل يدل الدعاء الذي علَّمه
النبي ﵌ للضرير على جواز التوسل بالأشخاص ؟
[جاء في حديث الضرير الذي طلب من النبي ﵌ أن يدعو له أن النبي ﵌ علَّمه هذا الدعاء]:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في».
(صحيح).
[قال الإمام]:
وزاد أحمد وابن خزيمة: "وشفعني فيه"، وهي من الأدلة الكثيرة على أن التوسل والتوجه المذكور في الحديث إنما هو بدعائه ﵌؛ لأن معناها: اقبل شفاعتي، أي في دعائه. وكذلك قوله: فشفعه في أي اقبل شفاعته أي دعاءه في. وهذه الزيادة من الكنوز، من عرفها استطاع بها أن يطيح بشبهات المخالفين.
"صحيح الجامع" (١/ ٢٧٥).
стр. 1140
[٢٤٤] باب منه
عن عثمان بن حنيف قال: إن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ".قال: فادعه قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلي ربي ليقضي لي في حاجتي هذه اللهم فشفعه في ".
(إسناده صحيح).
[قال الإمام]:
لم يصب من استدل به على التوسل بالأشخاص، وإنما هو دليل على التوسل بدعاء الرجل الصالح، كما شرحه شيخ الإسلام في كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة".
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٢/ ٧٦٩).
[٢٤٥] باب ما حكم سؤال المخلوق للمخلوق أن يقضي حاجته أو يدعو له؟ وما الجواب عن حديث الأعرابي الذي أتى النبي ﵌ وطلب منه الدعاء ؟
سؤال: شيخنا، هنا شيخ الإسلام ﵀ بيقول: وأما سؤال المخلوقِ المخلوقَ أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يُؤمر به، ويستدل على هذا الكلام ...
الشيخ مقاطعاً: نُهي عنه؟ لم يؤمر به، نُهي عنه؟ قبل ما تقرأ لي، نُهي عنه؟
стр. 1141
السائل: لم يذكر نهي، ولا نعلم نهياً.
الشيخ: طيب، مو هذا كلام صحيح؟ لا تسأل الناس شيئاً، ولو ناولْني السوط، وكان الواحد إذا سقط السوط من يده من الناقة يبرك الناقة وينيخها حتى يأخذ السوط؟ وَّلا يقول لأحد: من فضلك أعطني؟
السائل: هو ذكر هذا الحديث واستدل بهذا، وقال: إن الدعاء-يعني-سؤال.
الشيخ: فعلاً سؤال، لكن مو حرام، هذا الأفضل.
السائل: يعني: الأفضل ما يسأل؟
الشيخ: ما أمكنه، ما أمكنه.
السائل: شيخنا، هناك حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي ﵌ وطلب منه أن يدعو له، فَخَيَّرَه النبي ﵌ بين أن يدعو له أو أن يصبر، هذا فيه إقرار من النبي ﵌ على الدعاء.
الشيخ: طبعاً، لكنه قال: " إنْ صبرت، فهو خير لك ".
" الهدى والنور" (٣/ ٥٧: ٣٦: ٠٠)
[٢٤٦] بيان وهاء استدلال أرباب التوسل المبتدع بحديث «أسألك بحق السائلين عليك»
كان إذا خرج إلى الصلاة؛ قال: «باسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حولَ ولا قوة إلا بالله. اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَخرجي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَراً، وَلاَ بَطَراً، وَلاَ رِيَاءً، وَلاَ سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقَاءَ سُخْطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وتُدخِلَني الجنة».
стр. 1142
[قال الإمام]:
ضعيف جداً.
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٠/ ٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن رسول الله ﵌ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ إن لم يكن موضوعاً، فقد قال ابن حبان في الوازع هذا (٣/ ٨٣): "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته، ويشبه أن يكون
المتعمد لذلك؛ بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه؛ فبطل الاحتجاج به لما انفرد عن الثقات بما ليس من أحاديثهم".
والحاكم على تساهله المعروف قال فيه: "روى أحاديث موضوعة ".
وأشار إلى ذلك البخاري بقوله في "التاريخ " (٤/ ٢/١٨٣): "منكر الحديث ".وقال أحمد وابن معين وأبو داود: "ليس بثقة".وقال النسائي: "متروك الحديث ".وقال ابن عدي في "الكامل " (٧/ ٩٨): "عامة ما يرويه عن شيوخه غير محفوظة".
قلت: فقد اتفقت أقوال أئمة هذا الشأن على أن الوازع هذا ضعيف جداً لا يستشهد به، وهذا ما صرح به الحافظ ابن حجر في "تخريج الأذكار"، فقال: "هذا حديث واهٍ جداً ... " إلى آخر كلامه الذي كنت نقلته عنه في كتابي "التوسل: أنواعه وأحكامه " (ص ٩٩).
ومع هذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول، نجد أهل البدع والأهواء الذين
стр. 1143
يرمون أهل السنة بما ليس فيهم، يتجاهلون تلك النقول، ويستشهدون بهذا الحديث الواهي؛ ليقووا به آخر مثله، وهو حديث أبي سعيد الخدري- "لمجرد اشتراكهما في التوسل المبتدع-:
«اللهم إني أساثك بحق السائلين عليك» كما كنت بينت ذلك في الكتاب المومي إليه، وفي "الضعيفة" أيضاً برقم (٢٤)، فتجد أولئك المبتدعة يكتمون الحق وهم يعلمون، فخذ مثلاً الشيخ عبد الله الغماري المغربي التي تطفح كتبه بالجهل بهذا العلم الشريف، مقروناً بالتجاهل في كثير من الأحيان، فها هو في رسالته التي أسماها "مصباح الزجاجة" تجاهل العلل التي كنا شرحناها في الكتابين المذكورين للحديث الآخر المشار إليه- وهو حديث أبي سعيد- فيرد على النووي تضعيفه إياه، ويصرح بأنه حسن- دون أن يسوق إسناده ويتكلم عليه كما يقتضيه هذا العلم الشريف- مع أن فيه ضعفاً في بعض رواته، وتدليساً خبيثاً واضطراباً كما هو مبين هناك، فتجاهل ذلك كله، وزاد تجاهلاً آخر؛ فقال (ص ٥٥ - ٥٦): "وله شاهد من حديث بلال عند ابن السني "!! ونحوه؛ بل وشر منه قول الكوثري في "مقالاته " (ص ٢٩٤): "وأخرج ابن السني في "عمل اليوم والليلة" بسند فيه الوازع عن بلال "!!! وقد كنت رددت عليه تجاهله لحال الوازع هذا في "الضعيفة" (ص ٨٧ - الطبعة الجديدة)؛ وإنما أردت هنا- بعد أن عرضت على أعين القراء إسناد ابن السني- لأبين لهم كيف يخاتل الكوثري قُرَّاءَه، ويُدلس عليهم، ويعمي حال الراوي الذي هو علة الحديث، وأنه لا فائدة من ذكره لشدة ضعفه؟! فإنه عند ابن السني-كما رأيت- من رواية الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابرابن عبد الله عن بلال.
فماذا فعل الكوثري- عامله الله بما يستحق-: أولاً: أسقط الواسطتين بين
стр. 1144
الوازع وبلال؛ ليوهم القراء أنه تابعي! ثانياً: لم ينسب الوازع إلى أبيه (نافع) ولا إلى قبيلته (العقيلي)، وذلك كله تعمية لحاله على طلبة العلم من قرائه؛ لأن أحدهم لو أراد أن يتحقق من هويته، ويتعرف على منزلته في الرواية، وليس الإسناد بين يديه؛ فسيرى فيمن يسمى (وازعاً) ثلاثة من الرواة ليس فيهم من روى عن بلال! وهذا هو المقصود من تعميته.
ثالثاً: قد علم الكوثري من إسناد ابن السني أن الوازع هو ابن نافع العقيلي، ومما لا شك فيه أنه يعلم أيضاً سوء حاله في الرواية من أقوال الأئمة المتقدمة فيه، ومع ذلك تجاهل ذلك كله، وأوهم القراء أنه ممن يستشهد به. وكم له ولأمثاله من أهل الأهواء من نحو هذا التدليس والمكر! والله المستعان.
"الضعيفة" (١٣/ ١/٥٤٢ - ٥٤٥).
[٢٤٧] باب الرد على من استدل بحديث «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم» على جواز التوسل بالأشخاص
عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال رسول الله ﵌: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟».رواه البخاري
[قال الإمام]:
أي بِدُعائهم وإخلاصهم كما في بعض الروايات الصحيحة, فلا دليل في الحديث على التوسل بالأشخاص كما ظن بعض المبتدعة.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٤٤٢).
стр. 1145
[٢٤٨] باب نُصوص
قد يفهم منها جواز التوسل بالصالحين وليس كذلك
[قال رسول الله ﵌]:
«ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم».
[قال الإمام]:
اعلم أنه قد جاء تفسير النصر المذكور في الحديث، وأنه ليس نصراً بذوات الصالحين، وإنما هو بدعائهم وإخلاصهم وذلك في الحديث الآتي: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم».
"الصحيحة" (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
[٢٤٩] باب شرح أثر أنس في الاستسقاء بعم الرسول ﵌
والرد على من استدل به على جواز الاستسقاء بالميت
عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب. فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
[قال الإمام]:
في أول الحديث زيادة مفيدة عند الإسماعيلي بإسناد البخاري إلى أنس قال: "كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﵌ استسقوا به, فيستسقى لهم فيسقون, فلما كان في إمارة عمر .. " فذكر الحديث.
قلت: فاستسقاؤهم به ﵌ إنما هو طلبهم منه ﵌ أن يدعو الله لهم أن
стр. 1146
يسقيهم, بدليل قولهم: فيستسقي لهم؛ أي يطلب لهم ذلك من الله فيسقيهم, وقصة أنس المتقدمة في (الجمعة) أوضح مثال عملي على الصورة الحقيقية لاستسقائهم وتوسلهم به ﵌ في السقيا. وكذلك كان استسقاء عمر بالعباس, لم يكن استسقاؤه بذاته, وإنما بدعائه, ويؤيده حديث ابن عباس: "أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس قم استسق, فقام العباس فقال: اللهم إن عندك سحابًا .. " إلخ الدعاء. أخرجه عبد الرزاق (٤٩١٣) بسند واه, سكت عليه الحافظ؛ ولعله لشواهده.
إذا تبين هذا فإن الحديث ليس فيه دليل على جواز التوسل بالميت, لأن مداره على التوسل بدعاء الحي, وهذا لا يمكن بعد وفاته, وهذا هو السبب الذي جعل عمر يتوسل بالعباس دون النبي ﵌ , وليس هو من باب التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كما زعموا، ومما يؤيد ذلك أن أحدًا من السلف لم يستسق بالنبي ﵌ بعد وفاته, وإنما استسقوا بالأحياء كما فعل الضحاك بن قيس ﵁ حين استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي في زمن معاوية ﵁.
وأما ما روى ابن أبي شيبة أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﵌ في زمن عمر فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا, فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر .. الحديث. فلا يصح إسناده, خلافًا لما فهم بعضهم من قول الحافظ في (الفتح): " .. بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمَان عن مالك الدار", فإن إسناده صحيح إلى أبي صالح, وأما من فوقه فليس كذلك, لأن مالكًا هذا لم يوثقه أحد فيما عَلِمْتُ, وبيض له ابن أبي حاتم (٤/ ١/٢١٣) , والرجل المستسقي لم يسمِّ, فهو مجهول, وتسمية سيف إياه في كتابه "الفتوح" ببلال بن الحارث المزني أحد الصحابة, لا شيء! لأن سيفًا هذا, وهو ابن عمر التميمي الأسدي؛ قال
стр. 1147
الذهبي: "تركوه واتهم بالزندقة" ثم رأيت ابن حبان قد وثق مالك الدار هذا (٥/ ٣٨٤) , وتساهله معروف, فإن ثبت توثيقه فالعلة جهالة الرجل. وقد تكلمت على التوثيق المذكور في كتابي "تيسير انتفاع الخلان بثقات ابن حبان".
"مختصر صحيح البخاري" (١/ ٣٠٦).
[٢٥٠] باب بيان أن استسقاء عمر إنما كان بدعاء العباس
عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذ قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». قال: فيسقون. رواه البخاري
[قال الإمام]:
فيه إشارة إلى تكرر استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄, ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر بأنه إنما ترك التوسل به ﵌ إلى التوسل بعمه, بياناً لجواز التوسل بالمفضول مع إمكان التوسل بالفاضل!! فإننا نقول: لو كان الأمر كما يزعمون لفعل ذلك مرة واحدة, ولما استمر عليه كلما استسقى, وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والإنصاف.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٧٨).
стр. 1148
جماع أبواب
الكلام حول مسألة سماع الأموات
стр. 1149
[٢٥١] باب بيان أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"]:
اعلم أن هذه الرسالة وإن كان موضوعها في بيان حكم فقهي كما سترى، فذلك لا يعني-في اعتقادي-أنه لا علاقة لها بما هو أسمَى من ذلك وأعلى، ألا وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ودعاؤه تعالى دون سواه، ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر؛ ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين وعبادتهم من دون الله- جهلاً أو عنادًا، ولا ينحصر ذلك في الجهال منهم، بل يشاركهم في ذلك الكثير ممن ينتمي إلى العلم، بل وقد يظن الجماهير أنه من كبار العلماء! فإنهم يبررون لهم ذلك خطابةً وكتابةً بمختلف التبريرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والأحزاب الإسلامية كلها-مع الأسف-لا تُعير لذلك اهتمامًا يذكر؛ لأنه يؤدِّى بزعم بعضهم إلى الاختلاف والتفرقة! مع أنهم يعلمون أن الأنبياء إنما كان أوَّل دعوتهم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطاغوت﴾ (النحل: ٣٦). وخيرهم من يسكت عن قيام غيره بهذا الواجب، ومن الظاهر أن ذلك الشيخ الذي ألَّف العلامة الآلوسى هذه الرسالة في الرد عليه كان منهم؛ ولذلك ثارت ثائرته حينما صرَّح المؤلف-﵀-في درسه بأن الموتى لا يسمعون؛ لأنه يعلم أن ذلك ينافي ما عليه أولئك الجُهَّال من المناداة للأولياء والصالحين، ودعائهم من دون الله- -وفي ظني أن المؤلف-﵀-ما ألَّف هذه الرسالة إلا تمهيدًا للقضاء على هذه
стр. 1150
الضلالة الكبرى، ألا وهي الاستغاثة بغير الله تعالى، على اعتبار أن السبب الأقوى الموجب لها عند من ضلَّ من المسلمين، إنما هو الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذٍ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى.
فإني لا أكاد أتصور-ولا غيري يتصور-مسلمًا يعتقد أن الميت لا يسمع دعاء الداعية، ثم هو مع ذلك يدعوه، ومن دون الله يناديه، إلا أن يكون قد تمكنت منه عقيدة باطلة أخرى، هي أضل من هذه وأخزى؛ كاعتقاد بعضهم في الأولياء، أنهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين؛ فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وصاروا قادرين على كل شيء كربِّ الأرباب! ولا يستغربن أحد هذا ممن عافاهم الله تعالى من الشرك على اختلاف أنواعه؛ فإن في المسلمين اليوم من يصرِّح بأنَّ في الكون متصرفين من الأولياء دون الله تعالى ممن يسمونهم هنا في الشام بـ "المدَّرِّكين " وبـ"الأقطاب" وغيرهم، وفيهم من يقول: "نظرة مِن الشيخ تقلب الشقي سعيداً "! ونحوه من الشركيات.
قال العلامة السيد رشيد رضا في "تفسيره" (١١/ ٣٩١) تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ (يونس: ٤٩).
" أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء، لا شأن لي فيه؛ لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين.
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصدّ الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين-حتى الميتين منهم-على كل شيء من التَّصَرُّف في نفعهم وضرهم مما يجعله الله
стр. 1151
تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله؛ كالذين يُسَمُّونهم بالأقطاب الأربعة. وإنَّ بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر يكتب هذا حتى في مجلة الأزهر الرسمية (نور الإسلام)! فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع، ودفع ضر.
وألَّف بعضهم كتابًا في إثبات ذلك (١)، وكونُ الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم، ويخرجون من قبورهم، فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم! قال في "فتح البيان" (٢) بعد نقله الأول في الاستثناء عن أئمة المفسرين وترجيحه ما نصه: " وفي هذا أعظم وازع، وأبلغ زاجر، لمن صار دَيْدَنُه وهِجِّيراه المناداة لرسول الله ﵌، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه؛ وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقامُ رب العالمين، الذي خلقَ الأنبياءَ والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب مِن نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟! وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ فكيف
стр. 1152
يَمْلُكُه غيرُه؟! وكيف يُمَلِّكُه غيرُه- ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته-لنفسه، فضلاً عن أن يُمَلِّكَه لغيره؟!
فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله- ! كيف لا يتيقَّظُون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله)، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؟! وأعجب من هذا اطِّلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومُقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارةً على الاستقلال، وتارةً مع ذي الجلال، وكفاكَ عن شرٍّ سماعُه، واللهُ ناصر دينه، ومُطَهِّر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسَّل الشيطان-أخزاه الله-بهذه الذريعة إلى ما تَقَرُّ به عينُه، وينثلج به صدره؛ مِن كفرِ كثيرٍ من هذه الأمة المباركة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (لكهف: ١٠٤).؛ "إنا لله وإنا إليه راجعون".
وقال السيد رشيد أيضاً تحت قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس: ٢٢).
" وفي هذه الآية وأمثالها بيانٌ صريح لكون المشركين كانوا لا يَدْعون في أوقات الشدائد وتقطُّع الأسباب بهم إلا اللهَ ربهم، ولكن من لا يُحْصَى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين؛ كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا
стр. 1153
يُحْصَى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سَدَنَهُ المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسُّل وغيره.
وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلونها، ربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر خرافاتهم، وملخصها: أن جماعة ركبوا البحر فهاج بهم حتى أشرفوا على الغرق؛ فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يا بدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبد القادر يا جيلاني! .. الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعًا؛ فقال: يا ربّ أغرِقْ؛ ما بقى أحدٌ يعرفك! ". (١١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
ثم ذكر في معنى الآية نحو ذلك عن الإمام الآلوسي والد المؤلف في "روح المعاني"، ثم قال الآلوسي:
"وظاهرُ الآية أنَّه ليس المراد تخصيص الدُّعاء فقط به سبحانه، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضاً؛ لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين، وأيًّا ما كان فالآية دالةً على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمرٌ خطير، وخطبٌ جسيم، في برٍ أو بحر، دعْوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع؛ فمنهم من يدعوا الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمَّة، ولا ترى أحداً فيهم يخص مولاه، بتضرُّعِه ودُعاه، ولا يكاد يمرُّ له بال، انه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليكَ قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا؟ وأي الدَّاعيين أقومُ قِيلا؟ وإلى الله المشتكَى من زمان عصفَتْ فيه ريحُ الجهالة، وتلاطمت أمواجُ الضَّلالة،
стр. 1154
وخُرِقَت سفينة الشَّريعة، واتُّخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة، وتَعذَّر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف ".
قلتُ: يشير العلاَّمة الآلوسي-﵀-إلى ما يلقاه الدُّعاة المصلحون في كلِّ زمانٍ ومكان من الشِّدة والمعارضة لدعوتهم الحق؛ بسبب فشوِّ الشِّرك والبدع في الناس مٍن عامتهم، وشيوخ البدع من علمائهم، والمنافقين من حُكَّامهم، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).
هذا، وليس غرضي الآن أن أُشبع الكلام في توحيد الربوبية والألوهية وما ينافيهما من الشرك والوثنية؛ فذلك أمرٌ لا تتسع له هذه المقدمة، لا سيما وقد قامَ بذلك خيرَ القيام، أئمة التوحيد وشيوخ الإسلام؛ كالإمام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أولي الألباب، وإنما الغرض بيان ارتباط هذه المسألة-"سماع الموتى"-بنوع من أنواع الشِّرك، وأنَّ القضاء عليه يكون بتحقيق أنَّ الموتى لا يسمعون؛ فإني أعلم علم اليقين أنَّ في المستغيثين بالأولياء والصَّالحين من لم يَقُمْ في نفوسهم ما تَقَدَّم بيانه من الضَّلال الأكبر، ولكنَّهم لما كانوا يعتقدون أنَّهم يسمعون كالأحياء، وكان من المسلَّم لديهم مناداتهم والاستغاثة بهم في حياتهم، استجازوا ذلك بهم بعد موتهم! وقد ردَّ الأئمة عليهم بما هو معروف لدى علماء المسلمين من أن الاستغاثة بهم في حياتهم ليست على إطلاقها وشمولها، وإنما هي بما تدخل تحت قدرتهم التي مكَّنهم الله تعالى منها، وليس من ذلك السَّعادة، والرِّزق والشِّفاء، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، ونحوه مما هو مُتَعَلِّق بربوبَّيته ؛ فطلبُ ذلك من الأولياء في حياتهم شركٌ وضلال أكبر، مُخِلّ بتوحيد الربوبية بَلهَ الألوهية كما هو ظاهر، فكيف بذلك بعد موتهم؟ لا شك أنَّه أدهى وأمرُّ.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٢٤ - ٣١).
стр. 1155
[٢٥٢] باب تحقيق أن الموتى لا يسمعون
[قال الإمام في مقدمة تحقيق "الآيات البينات في عدم سماع الأموات "الآلوسي]:
اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله , فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء, وإنما يوقف فيه مع النص إثباتاً ونفياً, وسترى المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر في الفصل الأول كلام الحنفية في أنهم لا يسمعون, وفي الفصل الثاني نقل عن غيرهم مثله, وحكى عن غير هؤلاء أنهم يسمعون, وليس يهمني أن هؤلاء قلة وأولئك الكثرة فالحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة وإنما بدليله الثابت في الكتاب والسنة مع التفقه فيهما وهذا ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى؛ فأقول:
استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ (النمل:٨٠ والروم ٥٢) وأجاب الآخرون بأن الآيتين مجاز وأنه ليس المقصود «الموتى» بـ «من في القبور» الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى " والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر " كما قال الحافظ ابن حجر على ما يأتي في الرسالة (ص ٧٢).
فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى (١) وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف بينهم في
стр. 1156
ذلك فيما علمت, ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق؛ لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفاً عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم- وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون, كما يدل مثلاً تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به, وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد, وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون, بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق, وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون.
ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبهاً فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقاً, ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور.
ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان
стр. 1157
هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقاً إذن لوجب الإيمان به والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلاً، ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان:
الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى- أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضاً فهل هذا يقتضي في المشبه بهم " الصم " أنهم يسمعون أيضاً ولكن سماعاً لا انتفاع فيه أيضاً, أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقاً كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في " تفسيره" (٢١/ ٣٦) لهذه الآية:
هذا مَثَلٌ معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله, كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعاً, وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين؛ كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه.
ثم روى بإسناده الصحيح عن قتادة قال:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء .. ﴾ يقول: لو أن أصمَّ ولىَّ مدبراً ثم ناديته لم يسمع, كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع.
وعزاه في " الدرر " (٥/ ١١٤) لعبد بن حميد, وابن المنذر, وابن أبي حاتم,
стр. 1158
دون ابن جرير, وقد فسر القرطبي (١٣/ ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه.
فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين, وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة ﵂ واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها, ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر ﵁ وغيره من الصحابة لما نادى النبي ﵌ أهل القليب على ما يأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ و١٤).
قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها, كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا, وسموها بأسمائهم, ففعلوا فلم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) فإنها صريحة في أن
стр. 1159
المشركين كانوا يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون, ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلاً, وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة, تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي ﵌ المتخذين على القبور المساجد, ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) .. فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلاً وإما عناداً لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو لغالب على عوام المشركين.
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها- بزعمهم- على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجاباً وحجباً وقرباناً ولم يزل هذا في الدنيا قديماً وحديثاً (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢/ ٢٢٤):
فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب, فجعلوا الصنم على شكله وهيئته وصورته ليكون نائباً منابه وقائماً مقامه, إلا فمن المعلوم أن
стр. 1160
عاقلاً لا ينحت خشبة أو حجراً بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ".
قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا﴾ (الفرقان:١٧ - ١٨) وقال: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (سبأ:٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: [وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق] الآية (المائدة/١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما- فيما أعلم- ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا.
وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: " لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع "
فأقول: لا شك أن هذا بظاهره ينافي ما بينت، ولكنه لا ينفي أن يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤/ ٣٣٦) عقب التعليل المذكور