ذلك فيما علمت, ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق؛ لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفاً عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم- وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون, كما يدل مثلاً تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به, وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد, وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون, بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق, وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون.
ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبهاً فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقاً, ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور.
ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان
стр. 1157
هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقاً إذن لوجب الإيمان به والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلاً، ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان:
الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى- أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضاً فهل هذا يقتضي في المشبه بهم " الصم " أنهم يسمعون أيضاً ولكن سماعاً لا انتفاع فيه أيضاً, أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقاً كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في " تفسيره" (٢١/ ٣٦) لهذه الآية:
هذا مَثَلٌ معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله, كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعاً, وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين؛ كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه.
ثم روى بإسناده الصحيح عن قتادة قال:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء .. ﴾ يقول: لو أن أصمَّ ولىَّ مدبراً ثم ناديته لم يسمع, كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع.
وعزاه في " الدرر " (٥/ ١١٤) لعبد بن حميد, وابن المنذر, وابن أبي حاتم,
стр. 1158
دون ابن جرير, وقد فسر القرطبي (١٣/ ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه.
فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين, وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة ﵂ واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها, ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر ﵁ وغيره من الصحابة لما نادى النبي ﵌ أهل القليب على ما يأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ و١٤).
قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها, كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا, وسموها بأسمائهم, ففعلوا فلم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) فإنها صريحة في أن
стр. 1159
المشركين كانوا يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون, ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلاً, وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة, تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي ﵌ المتخذين على القبور المساجد, ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) .. فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلاً وإما عناداً لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو لغالب على عوام المشركين.
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها- بزعمهم- على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجاباً وحجباً وقرباناً ولم يزل هذا في الدنيا قديماً وحديثاً (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢/ ٢٢٤):
فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب, فجعلوا الصنم على شكله وهيئته وصورته ليكون نائباً منابه وقائماً مقامه, إلا فمن المعلوم أن
стр. 1160
عاقلاً لا ينحت خشبة أو حجراً بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ".
قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا﴾ (الفرقان:١٧ - ١٨) وقال: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (سبأ:٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: [وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق] الآية (المائدة/١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما- فيما أعلم- ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا.
وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: " لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع "
فأقول: لا شك أن هذا بظاهره ينافي ما بينت، ولكنه لا ينفي أن يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤/ ٣٣٦) عقب التعليل المذكور
стр. 1161
آنفا وتبعه الشوكاني (٤/ ٣٣٣) وغيره ما معناه:
ويجوز أن يرجع ﴿والذين تدعون من دونه ... ﴾ وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاًّ، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾.
وقد ذكرا نحوه في تفسير آية (الزمر) المتقدمة.
قلت: وهو أولى من تفسيرهما السابق؛ لأنه مدعم بالآيات المتقدمة، بخلاف تفسيرهما المشار إليه فإنه يستلزم القول بحشر الأصنام ذاتها، وهذا مع أنه لا دليل عليه فإنه يخالف الآيات المشار إليها ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمهما الله- في كتابه " قرة عيون الموحدين " (ص ١٠٧ - ١٠٨) في تفسير آيتي (فاطر) ما نصه:
ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ يخبر الخبير أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس بل يجب إخلاص الدعاء- الذي هو أعظم أنواع العبادة- له، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئاً، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي: ينكرونه، ويتبرؤون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير الذي [لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء] وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره
стр. 1162
لمن لقيه فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع بل قالوا: إن الميت يسمع ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأساً كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة".
فتبين مما تقدم وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ على أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم وغيرهم مثلهم بداهة، بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى فالموتى كلهم إذن لا يسمعون. والله الموفق
الدليل الثالث: حديث قليب بدر وله روايات مختصرة ومطولة أجتزئ هنا على روايتين منها:
الأولى: حديث ابن عمر قال:
وقف النبي ﵌ على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول» فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﵌: «إنهم الآن يعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية.
أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - فتح الباري) والنسائي (١/ ٦٩٣) وأحمد (٢/ ٣١) من طريق أخرى عن ابن عمر وسيأتي بعضه في الكتاب (ص ٦٨، ٧١)
والأخرى: حديث أبي طلحة: أن نبي الله ﵌ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان
стр. 1163
ابن فلان: ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله ﵌: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمةً وحسرةً وندماً.
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في التعليق الآتي (ص ٥٤) من الكتاب ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين:
الأول: ما في الرواية الأولى منه من تقييده ﵌ سماع موتى القليب بقوله: «الآن» (١) فإن مفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وهو المطلوب. وهذه فائدة هامة نبه عليها العلامة الآلوسي- والد المؤلف رحمهما الله- في كتابه " روح المعاني " (٦/ ٤٥٥) ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي ﵌ وبإسماع الله تعالى إياهم خرقاً للعادة ومعجزة للنبي ﵌ كما سيأتي في الكتاب (ص ٥٦، ٥٩) عن بعض العلماء الحنفية وغيرهم من المحدثين. وفي " تفسير القرطبي " (١٣/ ٢٣٢):
قال ابن عطية (٢): فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد ﵌ في أن رد الله
стр. 1164
إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﵌ بسماعهم لحملنا
نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء
صدور المؤمنين".
قلت: ولذلك أورده الخطيب التبريزي في " باب المعجزات " من " المشكاة" (ج ٣ رقم ٥٩٣٨ - بتخريجي)
والآمر الآخر: أن النبي ﵌ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، بعضهم أومأ إلى ذلك إيماءً، وبعضهم ذكر صراحة، لكن الأمر بحاجة إلى توضيح فأقول:
أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﵌ لموتى القليب بقولهم: " ما تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ " فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ " قالوا " بدل: "قال عمر " كما سيأتي في الكتاب (ص ٧١ - ٧٣) فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﵌ ما كان لهم أن يبادروه بذلك، وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يوجب على النبي ﵌ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ، وأنه لا أصل له في الشرع، ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ".وهذا- كما ترى- ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق، وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة، على أنه ليس ذلك على إطلاقه بالنسبة إليهم أيضاً إذا تذكرت رواية ابن عمر التي فيها " إنهم الآن يسمعون " كما تقدم شرحه، فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت، وبما قال لهم النبي ﵌ فقط، فهي واقعة عين لا عموم لها؛ فلا تدل على أنهم يسمعون دائماً وأبداً، وكل ما يقال لهم، كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقاً، وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ويزيده ووضوحا ما يأتي.
стр. 1165
وأما الصراحة فهي فيما رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) من حديث أنس ﵁ قال: " .... فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ".وسنده صحيح على شرط مسلم (١). فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة
في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك
أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﵌ بذلك ليزيل إشكالهم؟ وكان ذلك
ببيانه المتقدم.
ومنه يتضح أن النبي ﵌ أقر الصحابة- وفي مقدمتهم عمر- على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب؛ وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلقا سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك، ولكن بين لهم ما كان خافياً من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقًّا، وأن ذلك أمر مستثنى من الآية معجزة له ﵌ كما سبق.
هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه وإرشاد الأريب إليه أن استدلال عائشة المتقدم بالآية يشبه تماماً استدلال عمر بها، فلا وجه لتخطئتها اليوم بعد تبين إقرار النبي ﵌ لعمر عليه، اللهم إلا في ردها على ابن عمر في روايته لقصة القليب بلفظ السماع، وتوهيمها إياه؛ فقد تبين من اتفاق جماعة من الصحابة على روايتها كروايته هو أنها هي الواهمة، وإن كان من الممكن الجمع بين روايتهم وروايتها
стр. 1166
كما سيأتي بيانه في التعليق على " الرسالة " (ص ٧ - ٨) فخطؤها ليس في الاستدلال بالآية وإنما في خفاء القصة عليها على حقيقتها ولولا ذلك لكان موقفها موقف سائر الصحابة منها، ألا وهو الموقف الجازم بها، على ما أخبر به النبي ﵌ واعتبارها مستثناةً من الآية.
فتنبه لهذا، واعلم أن من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﵌ من الأمور، والاحتجاج به؛ لأن إقراره ﵌ حق كما هو معلوم، وإلا فبدون ذلك قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص، ولا نذهب بك بعيداً فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث- حديث القليب- على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﵌: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» غير منتبهين لإقراره ﵌ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون، وأنه لم يرده عليهم إلا باستثناء أهل القليب منه معجزة له ﵌، فعاد الحديث بالتنبه لما ذكرنا حجة على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام. والله تعالى الموفق.
وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثالان:
الأول: حديث جابر عن أم مبشر ﵄ أنها سمعت النبي ﵌ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي ﵌: «قد قال الله : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾».
стр. 1167
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و" تخريج السنة " (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي)
أقول: ففي استدلال السيدة حفصة ﵂ بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم، ولذلك أشكل عليها نفي النبي ﵌ دخول النار في حق أصحاب الشجرة، فأزال ﵌ إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه ﵌ أقرها على فهمها المذكور، وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية، وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة، والمراد به نفي العذاب، أي أنهم يدخلونها مرورا إلى الجنة دون أن تمسهم بعذاب، والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب ومنهم على خلاف ذلك وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١/ ٢٥٠) و" مرقاة المفاتيح " (٥/ ٦٢١ - ٦٣٢).
قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكما لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية، وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس، ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، وقد روي هذا صراحةً مرفوعاً في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١)، لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه، وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣/ ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١/ ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد.
والآخر: حديث " الصحيحين " والسياق للبخاري نقلا من " مختصر
стр. 1168
البخاري " بقلمي لأنه أتم جمعت فيه فوائده وزوائده من مختلف مواضعه قالت عائشة: دخل علي رسول الله ﵌ وعندي جاريتان [من جواري الأنصار ٣/ ٣] (وفي رواية: قينتان ٤/ ٢٦٦] [في أيام منى تدففان وتضربان ٤/ ١٦١] تغنيان بغناء (وفي رواية: بما تقاولت (وفي أخرى تقاذفت) الأنصار يوم) بعاث (١). "وليستا بمغنيتين" فاضطجع على الفراش وحَوَّل وجهه ودخل أبو بكر "والنبي ﵌ متغش بثوبه ٢/ ١١] فانتهرني" وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله ﵌[(مرتين)]؟ فأقبل عليه رسول الله ﵌ (وفي رواية: فكشف النبي ﵌ عن وجهه) فقال: «دعهما يا أبا
стр. 1169
بكر [ف] إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا]». فلما غفل غمزتهما فخرجتا ". (رقم ٥٠٨ من المختصر ").
قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﵌ لم ينكر قول أبي بكر الصديق في الغناء بالدف أنه " مزمار الشيطان " ولا نهره لابنته أو للجاريتين بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر بذلك؟ الجواب: جاء به من تعاليم النبي ﵌ وأحاديثه الكثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب، وقد ذكر طائفة منها العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (١/ ٢٥٨ - ٢٦٧) وخرجت بعضها في " الصحيحة " (٩١) و" المشكاة " (٣٦٥٢) ولولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي ﵌ وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد، غير أنه كان خافياً عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﵌ بقوله: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " فبقي إنكار أبي بكر العام مسلماً به لإقراره ﵌ إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث.
فتبين أنه ﵌ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى، كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان، وكما أنه أدخل على الأول تخصيصاً, كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصاً اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد، ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بَيَّنَّا؛ أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم، فإنه استدل به
على الإباحة مطلقا جموداً منه على الظاهر فإنه قال في رسالته في الملاهي (ص٩٨ - ٩٩):
وقد سمع رسول الله ﵌ قول أبي بكر: مزمار الشيطان " فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما "
والواقع أنه ليس في كل روايات الحديث الإنكار المذكور وإنما فيه قوله ﵌ لأبي بكر: " دعهما ... " وفرق كبير بين الأمرين فإن الإنكار الأول لو وقع لشمل الآخر ولا عكس كما هو ظاهر، بل نقول زيادة على ذلك: إن النبي ﵌ أقر قول أبي بكر المذكور كما سبق بيانه وقد قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " بعد أن ذكر الحديث (١/ ٢٥٧):
فلم ينكر رسول الله ﵌ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما؛ لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد.
стр. 1170
وأما أنه ﵌ لم ينكر على الجاريتين فحق، ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره أولا. وثانياًّ: لما أمر ﵌ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: " دعهما " أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عيداً ... " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير، ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه ".
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الشاهد منه واضح ومهم، وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﵌ لأمرٍ ما يفتح عليه باباً من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها، وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون، وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي ﵌ لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى
أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون، فإنه خلاف القرآن الذي بينه
الرسول ﵌.
الدليل الرابع: قول النبي ﵌: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١).
стр. 1171
أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي ﵌ لا يسمع سلام المسلمين عليه؛ إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه ﵌ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى.
ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه ﵌ عند قبره، ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه، والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠).
وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صواباً- كما أرجو- فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي، والله تعالى أسأل أن يغفره لي
وسائر ذنوبي.
أدلة المخالفين:
فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن للمخالفين فيها أدلة استندوا إليها.
فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعاً مطلقاً عاماً كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالماً يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعاً لهم في الجملة، وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان:
الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقاً للعادة فلا داعي للإعادة.
стр. 1172
والآخر: حديث: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا».وفي رواية: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان ... » الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات ".
وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه، وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣).
ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها، وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر، وسائرها ليس في السماع، وبعضها خاص بشهداء أحد، وكلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩).
وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه:
ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائراً، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائراً؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره (!) هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال (!) وقد عَلَّم النبي ﵌ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار.
وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد ".
стр. 1173
أقول وبالله تعالى التوفيق:
رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا، فوالله لو أن ناقلاً نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته؛ لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية، فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع، ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم.
ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين:
الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي ﵌ كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكباً وماشياً ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟
وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي ﵌ في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي .... " وهم خلفه قريباً منه وبعيداً عنه في مسجده وفي غير مسجده، أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفراً. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦).
وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦)؟
стр. 1174
ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر، فمثله قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر، فكيف وهو مخالف لنصوص عدة، واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما سلف، وبخاصة منها حديث قليب بدر، وفيه إقرار النبي ﵌ لعمر أن الموتى لا يسمعون، فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ".
وقد يتساءل القارئ- بعد هذا- عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية
عن الإعادة.
وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم- كما ستراه في الكتاب مبسوطاً- على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلاً فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦/ ٤٥٥):
стр. 1175
والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه.
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص ٧٠) وما أحسن ما قاله ابن التين ﵀:
" إن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع لقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ الآية وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص ٧٢).
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص ١٦ - ٢١) بحكم كونهم لا يسمعون النداء، وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (الأحقاف: ٥ - ٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧ - ٦٣).
[٢٥٣] باب اعتقاد سماع الموتى من وسائل الشرك
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إذا مررت عليهم (يعني أهل القبور) فقل: السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله ويسمعون؟ قال: ويسمعون، ولكن
стр. 1176
لا يستطيعون أن يجيبوا، أولا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك "بعددهم من" الملائكة». (منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣٦٩) وعبد الغني المقدسي في " السنن " (ق ٩٢: ٢) عن النجم بن بشير بن عبد الملك بن عثمان القرشي، حدثنا محمد بن الأشعث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: " قال أبو رزين: يا رسول الله: إن طريقي على المقابر، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: " فذكره. وقال العقيلي والزيادة له: " محمد بن الأشعث مجهول في النسب والرواية، وحديثه هذا غير محفوظ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد.
وأما " السلام عليكم يا أهل القبور " إلى قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فيروى بغير هذا الإسناد من طريق صالح، وسائر الحديث غير محفوظ ".
والنجم بن بشير أورده ابن أبي حاتم (٤/ ١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
قلت: فهو بهذه الزيادة منكر، لتفرد هذا المجهول بها، وأما بدونها فهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث عائشة وبريدة، وهو مخرج في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها ".
وهذه الزيادة منكرة المتن أيضاً، فإنه لا يوجد دليل في الكتاب والسنة على أن الموتى يسمعون، بل ظواهر النصوص تدل على أنهم لا يسمعون. كقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ وقوله ﵌ لأصحابه وهم في المسجد: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني ... » فلم يقل: أسمعها. وإنما تبلغه الملائكة كما في الحديث الآخر: «إن لله ملائكة سياحين
стр. 1177
يبلغوني عن أمتي السلام». رواه النسائي وأحمد بسند صحيح.
وأما قوله ﵌: «العبد إذا وضع في قبره، وتولىَّ وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له ... » الحديث رواه البخاري فليس فيه إلا السماع في حالة إعادة الروح إليه ليجيب على سؤال الملكين كما هو واضح من سياق الحديث.
ونحوه قوله ﵌ لعمر حينما سأله عن مناداته لأهل قليب بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» هو خاص أيضاً بأهل القليب، وإلا فالأصل أن الموتى لا يسمعون، وهذا الأصل هو الذي اعتمده عمر ﵁ حين قال للنبي ﵌: إنك لتنادي أجساداً قد جيفوا، فلم ينكره الرسول ﵌ بل أقره، وإنما أعلمه بأن هذه قضية خاصة، ولولا ذلك لصحح له ذلك الأصل الذي اعتمد عليه، وبين له أن الموتى يسمعون خلافا لما يظن عمر، فلما لم يبين له هذا، بل أقره عليه كما ذكرنا، دل ذلك على أن من المقرر شرعا أن الموتى لا يسمعون. وأن هذه قضية خاصة.
وبهذا البيان ينسد طريق من طرق الضلال المبين على المشركين وأمثالهم من الضالين، الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين ويدعونهم من دون الله، زاعمين أنهم يسمعونهم، والله يقول: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾.
وراجع لتمام هذا البحث الهام مقدمتي لكتاب " الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات " للآلوسي.
"الضعيفة" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
стр. 1178
[٢٥٤] باب منه
[قال الإمام]:
مِن جماهير المسلمين مَن لا يزال يعيش في أوحال الجاهلية الأولى؛ من الاستغاثة بغير الله، والاستعانة بالأنبياء والصَّالحين الأموات وغيرهم من عباد الله، متوهِّمين أنَّهم يسمعونهم حين ينادون، وأنهم على الاستجابة لهم قادرون، غير آبهين بما في القرآن الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة من آياتٍ بينات، ونصوص قاطعات، بأنَّ الأموات لا يسمعون، وأنهم لو فُرٍضَ سماعهم، لا يستجيبون، وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٧٣ - ٧٤). وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاطر١٣ - ١٤).
إلى غير ذلك مما شرحناه في مقدمة الكتاب "أي كتاب الآيات البينات للآلوسي" شرحًا استفاد منه الكثير من المسلمين الطَّيِّبين، وهُدوا بذلك إلى صراط المستقيم، بعد أن كانوا في ضلال مبين، فله تعالى وحده الحمد والمنَّة على ما أنعم علينا وهدانا، وهدى بنا.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٧١).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص ٣ - ٤).
стр. 1179
[٢٥٥] باب هل يسمع الميت ؟
سؤال: بالنسبة لموضوع الموتى حديث أن الميت يسمع قرع النعال .. ما
صحة الحديث؟
الشيخ: أولًا: هذا حديث صحيح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري: «إذا وضُع الميت في قبره وانصرف الناس عنه إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون» هذا الحديث صحيح، لكن هذا كذاك، أي: هذا مستثنى من القاعدة العامة؛ لأنه يقول: "حين" فهو ليس في كل حين يسمع، نفس الحديث يعطيك تخصيص ولا يعطيك العموم، يسمع قرع نعالهم حين .. حين ما معنى حين؟ يعني: وقت، «حين يولون عنه مدبرين» لكن هل يعني الحديث أن الموتى كلما مر المرء من المقابر فهو ... بسمع قرع النعال؟!
مداخلة: ألا يُحمل على وجه البلاغة يعني: مثلًا في الإعلانات ..
الشيخ: ما هو الذي يحمل يا أخي حدد كلامك.
مداخلة: حتى أنهم يسمعون قرع نعالهم مثلًا في إعلان عن شقة ما هو مقبول؟ شقة ترى البحر، هي لا ترى البحر ولكنها في موضع يسمح لمن فيها برؤية البحر، فهنا المعنى يحمل على أنهم .. أن الصوت يصل إليهم، لو أن حيًا في مكانهم لسمع قرع النعال.
الشيخ: أما قرع النعال ما يسمعون؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: يعني: في النهاية تعني أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
стр. 1180
مداخلة: أنا أتصور والله أعلم ..
الشيخ: أنا أسألك حتى أفهم منك، تعني: أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
مداخلة: قد يحمل المعنى على هذا والله أعلم.
الشيخ: وقد لا يحمل، ما الذي تستفيده من القدقدة؟ ثم أنا أُذكِّر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله ﵌ أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نُفسِّرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية.
ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي
стр. 1181
جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا ... إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: "فرعون" خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب "فرعون"، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: ٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسُه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا ... القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف.
كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى
стр. 1182
الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف: ٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية.
منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها.
فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: ٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر: ٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري.
وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يُفسَّر به هو على الحقيقة، فقوله ﵇: «إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرين» على الحقيقة يسمع قرع النعال، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت: هو
стр. 1183
لا يمكن القول أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سمع، هذا أمر مستحيل، لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفًا فإذا جاء نص ما، يعطي لميت أو موتى ما سماعًا ما نستثنيه من القاعدة، نقول: أولئك المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﵇، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة وحينما قال عمر: يا رسول الله! إنك لتنادي أجسادًا لا أرواح فيها، ما نقول أنهم سمعوا قول عمر؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها، كذلك في هذا الحديث يسمع الميت قرع نعالهم وفقط، وما نزيد على ذلك لسببين اثنين:
أولًا: أنه خلاف الأصل، أن الموتى لا يسمعون، ثانيًا وأخيرًا: أن الأمور الغيبية، وهذا من الغيب في البرزخ لا يتوسع فيها أبدًا، والحق الوقوف عند النص وعدم التزيد عليه ..
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٠٥: ٠٠)
[٢٥٦] باب لا يلزم من السلام
على الأموات أو مخاطبتهم أنهم يسمعون
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
فإن قيل: إذا كان مذهب الحنفية وكثير من العلماء المحققين على عدم السماع (أي سماع الأموات) فما فائدة السلام على الأموات وكيف (صحت) مخاطبتهم عند السلام؟
قلت: لم أجد فيما بين يدي الآن من كتبهم جوابهم عن ذلك، ولا بد أن تكون لهم أجوبة عديدة فيما هنالك، والذي يخطر في الذهن، ويتبادر إلى الخاطر
стр. 1184
والفهم، أنهم لعلهم أجابوا بأن ذلك أمر تعبدي، وبأنا نُسلِّم سراًّ في آخر صلاتنا إذا كنا مقتدين، وننوي بسلامنا الحفظة، والإمام، وسائر المقتدين، مع أن هؤلاء القوم لا يسمعونه لعدم الجهر به، فكذا ما نحن فيه.
[فعلق الإمام الألباني قائلاً]:
ومن هذا القبيل قول الضرير في حديثه المشهور: " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ... " الحديث وهو مخرج في رسالتي " التوسل " (ص ٦٧ - ٦٨).وهذا إذا افترض أن النبي ﵌ كان بعيدا أو غائباً عنه لا يسمعه، وأما إذا كان ذلك في حضوره ﵌ فلا إشكال.
[ثم قال الآلوسي]:
على أن السلام هو الرحمة للموتى، وننزلهم منزلة المخاطبين السامعين، وذلك شائع في العربية كما لا يخفى على العارفين، فهذه العرب تُسَلِّمُ على الديار، وتخاطبها على بعد المزار.
[فعلق الألباني قائلا]:
ومن ذلك مخاطبة النبي ﵌ الهلال حين يراه بقوله: " ... ربنا وربك الله " ونحوه مما جاء في عدة أحاديث مخرجة في " المشكاة " (٢٤٢٨ و٢٤٥١) و" الكلم الطيب " (ص ٩١/ ١٦١) و" الصحيحة " (١٨١٦).و" الضعيفة " (١٥٠٦) ومثله ما روي عن ابن عمر مرفوعاً: " كان إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك ... " الحديث، وقد صححه بعضهم، لكن في إسناده جهالة كما بينته في " الكلم الطيب " (٩٩/ ١٨٠) و" المشكاة " (٣٤٣٩ - التحقيق الثاني).
стр. 1185
وفي ذلك كله رد قوي على قول ابن القيم في " الروح " (ص ٨) وقد ذكر السلام على الأموات-:
"فإن السلام على من لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بالمسلم محال"، قال: " وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويرد "وكأنه ﵀ لم يستحضر خطاب الصحابة للنبي ﵌ في التشهد: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " خلفه في المدينة، وبعيداً عنه في سائر البلاد، بحيث لو خاطبوه بذلك جهراً لم يسمعهم ﵌، فضلاً عن جمهور المسلمين اليوم وقبل اليوم الذي يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم؟ أو أنه من المحال السلام عليه وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ وكذلك لم يستحضر ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه هذا السلام ونحوه فقال في " الاقتضاء " (ص ٤١٦) وقد ذكر حديث الأعمى المشار إليه آنفاً:
وقوله:
"يا محمد " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من سمع الخطاب ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣١ - ١٣٢).
[٢٥٧] باب هل تجوز مخاطبة الميت مع اعتقاد أنه لا يسمع ؟
سؤال: ثبت عن بعض الصحابة أنهم خاطبوا الرسول ﵌ بعد وفاته مثل قول أبي بكر: طبت حياً وميتاً يا رسول الله، وقول عبد الله بن عمر، وقول فاطمة: أبتاه أجاب ربّاً دعاه ..
стр. 1186
الشيخ: ابن عمر ماذا؟
مداخلة: السلام عليك يا رسول الله اللهم اهدني .. فهل يصح أن يخاطَب الرسول بقول بعض الخطباء: فداك أبي وأمي يا رسول الله بصيغة النداء مع عدم الاعتقاد أنه يسمع يعني الرسول؟
الشيخ: بلا شك الروايات التي ذكرتها هي ثابتة، ومثل هذا النداء من حيث الأسلوب العربي سائغ وجائز، فالعرب ينادون الأبطال مثلاً والبلاد وإلى آخره والليل والنهار والشمس والقمر إلى آخره ولا يترتب من وراء ذلك شيء، لكن يختلف الأمر اليوم عن ذاك الوقت .. [انقطاع صوتي] فضلاً عن عامتهم، ولا يخفاكم أن هذا من الإشراك بالله في دعائه، فحينما نتساهل في مثل هذا النداء الذي كان سابقاً قائماً، لكن سابقاً كانت العقيدة عقيدة التوحيد سالمة من أوضار وأوساخ الشرك الأصغر فضلاً عن الشرك الأكبر، وليس الأمر اليوم كذلك؛ لهذا لا يحسن للخطيب أن يفتح باب الإشكال هذا على عامة الناس لبعدهم عن فهمهم للتوحيد الصحيح.
أنت قلت آنفاً كلمة حق وهو بأن هذا الذي ينادي يعتقد أن المنادى لا يسمع، لكن ما رأيك اليوم في خاصة المسلمين وعلمائهم ماذا يعتقدون بالموتى ... ؟ هل يعتقدون أنهم لا يسمعون أم أنهم يسمعون؟ الذي أنا أعرفه أنه وجدنا عشرات منهم أنهم يعتقدون أن الموتى يسمعون، لهم في ذلك شبهات كثيرة ولسنا الآن في صدد بيان ذلك، لكن لعلكم رأيتم كتاباً بعنوان: "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات"، ومقدمتي لهذا الكتاب بنحو خمسين صفحة، فهناك أنا عالجت هذه المسألة بالأدلة وأثبتُّ أن الموتى لا يسمعون.
ولذلك أنتم تعلمون أن من الحكمة أن يُكلِّم المسلم الناس على قدر عقولهم
стр. 1187
كما جاء في "صحيح البخاري" من حديث علي موقوفاً عليه ﵁ قال: «كلموا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولهُ» فنحن إذا نادينا وعقيدتنا سالمة، وننادي كما نادى أبو بكر وغيره من الصحابة, لكن الذين حولنا ما يفهمون أن هذا النداء ليس من باب الاستغاثة وليس من باب الاستعانة، فحينئذٍ ينبغي أن ندع هذا وأن نعالج عقيدة الناس حتى تستقيم على الكتاب والسنة, بعد ذلك يمكن استعمال هذا الأمر الذي أحسن أحوالهِ أنه يجوز، ولكن ليس كل ما يجوز؛ يجوز فعله في كل مناسبة.
"الهدى والنور" (٨٧/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
[٢٥٨] باب هل الأموات على علمٍ بحال الأحياء ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء، وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
(موضوع).
[ثم بيّن الإمام وضعه ثم قال]:
ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث: " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. "الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
стр. 1188
[٢٥٩] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وبين قول النبي ﵌: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا»
[ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" بعض أدلة من يقول بعدم سماع الأموات فذكر قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل: ٨٠)، ثم قال]: لكن يشكل عليهم ما في " مسلم ": «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا» إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمةً للسؤال.
[فعلق الألباني قائلاً]:
والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور، ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان ... " الحديث متفق عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨١).
[٢٦٠] باب منه
[وقال الإمام الألباني حول الجواب بالتخصيص بأول الوضع في القبر في موضع آخر]:
وهذا الجواب هو الأصح لقول قتادة المتقدم في حديث أبي طلحة (ص٧٨) (١) وهو الذي اعتمده الحافظ البيهقي، وغيره، ويأتي في الكتاب (٩٩)
стр. 1189
قول السهيلي في ذلك، ويظهر أن مناداة الكفار بعد هلاكهم سنة قديمة من سنن الأنبياء فقد قال تعالى في قوم صالح ﵇: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين﴾ (الأعراف: ٧٨، ٧٩)، قال ابن كثير (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم الحق وإعراضهم عن الهدى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً وهم يسمعون ذلك كما ثبت في "الصحيحين " ... فذكر حديث القليب. لكن قوله: " وهم يسمعون ذلك " ليس في الآية ما يدل
عليه. ثم ذكر الله تعالى عن شعيب ﵇ وقومه نحو ذلك فانظر " ابن كثير" (٢/ ٢٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٤).
[٢٦١] باب كيف سلّم النبي ﵌ على القبور فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين ... » مع أن الموتى لا يسمعون ؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
رأيت في " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك " في " فصل جامع للوضوء " في الكلام على حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ خرج إلى المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ما لفظه:
" قال الباجي وعياض: يحتمل أنهم أحيوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتاً لامتثال أمته ذلك بعده، قال الباجي: وهو الأظهر ".
стр. 1190
[فعلق الألباني قائلاً]:
قلت: كل من الاحتمالين غير قوي عندي أما الأول فلأن النبي ﵌ كان يخاطب الموتى بالسلام المذكور كلما زار القبور كما في حديث عائشة ﵂: " كان ﵌ كلما كان ليلتها من رسول الله ﵌ يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين ... " الحديث. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٩) فهل كانوا يجيبونه كلما سلم عليهم؟
وأما الآخر فهو أضعف منه لأنه يعود السؤال السابق: لماذا خاطبهم النبي ﵌ بذلك؟ اللهم إلا أن يكون مراده أن الأمر تعبدي محض. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٣ - ١٣٤).
[٢٦٢] باب لا يستدل بحديث
أهل القليب على أن الموتى يسمعون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّى قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِى رَبِّى حَقًّا». فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِىِّ ﵌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا، قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا».ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
[قال الإمام معلقًا على قوله ﵌: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»]:
أي لأن الله أحياهم له كما قال قتادة في «صحيح البخاري» , لا لأن الموتى يسمعون كما يظن البعض. كيف والله يقول فيهم ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا
стр. 1191
دعاءكم, ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾. فمن أكبر الضلال, استدلال بعض الجهال بالحديث على أن الموتى يسمعون, ثم الاستدلال بسماعهم على جواز الاستعانه بهم. والآية صريحة في نفي الأمرين معاً. والله المستعان.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٠٧).
[٢٦٣] باب منه
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
ثنا أبو الشعثاء، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود في بيت المال، قال: قام رسول الل هـ ﵌ على القليب قليب بدر فقال: «يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاًّ»؟ قالوا: يا رسول الله هل يسمعون؟ قال: «ما أنتم لأسمع لما أقول منهم، ولكنهم اليوم لا يجيبون».
[قال الإمام]: حديث صحيح.
قال أبو بكر -هو ابن أبي عاصم- والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي ﵌ إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه؛ أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة، فيه أخبار كثيرة قد أثبتناها في مواضعها.
[فعلق الإمام قائلاً]:
قلت: لكن ليس فيها أن الموتى عامة يسمعون, وإنما فيها أن أهل القليب سمعوا قوله ﵌ إياهم (١) , فهي قضية خاصة لا عموم لها, فلا تعارض بينها وبين
стр. 1192
الآيتين اللتين احتجت بهما السيدة عائشة ﵂, فاحتجاجها بهما صحيح كأصل, لكن خفي عليها أن الحادثة وقعت كما رواها ابن عمر, وكذا أنس وعمر كما تقدم. فتمسكت بالأصل الثابت في القرآن, لعدم ثبوت القصة عندها, ولو ثبتت لاستثنتها من هذا الأصل كما هو الواجب للتوفيق بين القرآن والحديث, ويؤيده قول قتادة المتقدم: أحياهم الله له ... فالقضية خاصة فلا يجوز أن يلحق بها غيرها فيقال: إن الموتى كلهم يسمعون, كما يقول كثير من الناس اليوم!
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ٣٨٤)
[٢٦٤] باب متى كانت مخاطبة النبي ﵌ لأهل القليب
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن ابن جحر قولاً لبعضهم بأن مخاطبة النبي لأهل القليب كانت وقت سؤال الملكين في القبر، فعلق الألباني على هذا القول قائلاً]:
قلت: وكذا قال الطحطاوي (ص ٥٤٦).وهذا باطل فقد ثبت في بعض طرق القصة عن أنس أن رسول الله ﵌ ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فناداهم ... وفيه أن عمر قال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ الحديث. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ٢٨٦) من رواية ثابت عنه. ورواه حميد عنه بلفظ "قالوا " بدل " قال عمر " كما تقدم قريباً، ومعناه في طريق قتادة الذي سبق تخريجه (ص ٥٤)، فالعجب من الحافظ كيف فاته هذا وهو الذي نقل في شرحه لهذا الحديث قول السهيلي .. وفيه قول الصحابة: " أتخاطب أقواما قد جيفوا " بل وذكر قبل ذلك حديث أنس هذا من طريق مسلم؟ إلا أن يقال: إن الروح تبقى مدة في جسدها بعد إعادتها إليه وهو بعيد جداً لعدم ورود نص بذلك. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٢).
стр. 1193
جماع أبواب
صور من الغلو في ذات النبي ﵌ غير ما تقدم
стр. 1194
[٢٦٥] باب كيف يكون تعظيم النبي ﵌ التعظيم المشروع
[قال الإمام]:
وتعظيم النبي ﵌ تعظيماً مشروعاً، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه ﵌ صحيحا ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به ﵌ عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو ﵌ بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته ﵌ وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه ﵌، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٧).
[٢٦٦] باب النهي عن الغلو في تعظيمه ﵌ -
[قال رسول الله ﵌]: «يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦).
[٢٦٧] باب من مفاسد الغلو
في تعظيم النبي ﵌ رد الأحاديث الصحيحة
[قال رسول الله ﵌]:
«يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت:
стр. 1195
إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
[قال الإمام]:
اعلم أن قوله ﵌ في هذه الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ... » إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي .... ﴾ الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي ﵌ وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
انظر " كنز العمال " (٢/ ١٢٤).
وتعظيم النبي ﵌ تعظيماً مشروعاً، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه ﵌ صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به ﵌ عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو ﵌ بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة. وكما يدل عليه تاريخ حياته ﵌ وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه ﵌، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٦ - ١٦٧).