الشيخ: هذه من ... المصريين ... قضايا، ... ناس عندنا في دمشق يعمل حلقة هكذا يأخذ له ... ورق سورية خمسين ليرة .... على مشهد من الناس وبعد ذلك يرجعه، لا شك أن هذا من أنواع السحر، كما قال تعالى بالنسبة لسحرة فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦) نعم، كذلك يأخذ الخاتم من يد إنسان وإذا به أصبح في يد إنسان آخر، أشياء غريبة جداً مع أنه رجل لا خلاق له، يمكن أنه لا يصلي ولا يصوم وإلى آخره، ولكن الفارق بين هذا أنه يتخذها مهنة .. أولئك يتخذونها كرامة وولاية.
" الهدى والنور" (٢٨/ ٤٧: ٢٣: ٠٠)
стр. 1367
جماع أبواب الكلام حول الاستغاثة وأحكامها
стр. 1368
[٣٤٥] باب من الشرك: الاستغاثة بالأموات
وبيان جواز الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه
[قال رسول الله ﵌]:
«إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم محمد ﵌، فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم».
[قال الإمام]:
(فائدة): قوله ﵌: " استغاثوا بآدم "، أي: طلبوا منه ﵇ أن يدعو لهم، ويشفع لهم عند الله ﵎، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة معروفة في " الصحيحين "، وغيرهما، وليس فيه جواز الاستغاثة بالأموات، كما يتوهم كثير من المبتدعة الأموات! بل هو من باب الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه .. ﴾ الآية.
ومن الواضح البَيَّن أنه لا يجوز- مثلاً- أن يقول الحي القادر للمقيد العاجز: أَعِنيِّ! فالميت الذي يستغاث به من دونه تعالى أعجز منه، فمن خالف، فهو إما أحمق مهبول، أو مشرك مخذول لأنه يعتقد في ميته أنه سميع بصير، وعلى كل شيء قدير، وهنا تكمن الخطورة لأن الشرك الأكبر، وهو الذي يخشاه أهل التوحيد على هؤلاء المستغيثين بالأموات من دون الله ﵎، وهو القائل: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم
стр. 1369
آذان يسمعون بها﴾ وقال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾.
"الصحيحة" (٥/ ٥٩٠ - ٥٩٢).
[٣٤٦] باب منه
[روي عن النبي ﵌]:
«إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا علي، يا عباد الله احبسوا علي، فإن لله في الأرض حاضراً سيحبسه عليكم».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
وقال الحافظ السخاوي في " الابتهاج بأذكار المسافر والحاج " (ص ٣٩): " وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جرَّبه هو وبعضُ أكابر شيوخه ".قلت: العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها في أمر غيبي كهذا الحديث، فلا يجوز الميل إلى تصحيحه بالتجربة! كيف وقد تمسك به بعضهم في جواز الاستغاثة بالموتى عند الشدائد وهو شرك خالص. والله المستعان.
"الضعيفة" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).
[٣٤٧] باب منه
[روي عن النبي ﵌]:
«إذا أضل أحدُكم شيئاً، أو أراد أحدكم غوثاً، وهو بأرض ليس بها أنيس
стр. 1370
فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
ومع أن هذا الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ " عباد الله " فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: " فإن لله
في الأرض حاضرا سيحبسه عليهم ".وقوله في هذا الحديث: " فإن لله عباداً
لا نراهم".
وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني».
قال الحافظ كما في " شرح ابن علان " (٥/ ١٥١): " هذا حديث حسن الإسناد غريب جداً، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي ﵌ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ".
وحسنه السخاوي أيضا في " الابتهاج " وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". قلت: ورواه البيهقي في " الشعب " موقوفا كما يأتي.
فهذا الحديث- إذا صح- يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول "يا عباد الله" إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، فإن
стр. 1371
الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بين لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله ﵎: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ - ١٤).
"الضعيفة" (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
[٣٤٨] باب منه
[قال الإمام]:
وأما الركن الأول من هذه الأركان الخمسة " شهادة أن لا إله إلا الله " فبدونها لا ينفع شيء من الأعمال الصالحة، وكذلك إذا قالها ولم يفهم حقيقة معناها،
أو فهم، ولكنه أخل به عملياًّ كالاستغاثة بغير الله تعالى عند الشدائد ونحوها
من الشركيات.
"الضعيفة" (١/ ٢١٣).
[٣٤٩] باب منه
[قال الإمام]:
الشرك: كالاستغاثة بغير الله، والاستغاثة بالأموات من الأنبياء والصالحين، ودعائهم من دون الله، والحلف بهم تعظيماً لهم.
"مناسك الحج والعمرة" (ص٧)
стр. 1372
[٣٥٠] باب من الشرك الاستغاثة بالنبي ﵌ بعد موته
[قال الإمام]:
(تنبيه): أورد البيهقي ... في " الشعب " (٢/ ١/٨٢/ ٢) بإسناده عن أبي يزيد الرقاشي عن محمد بن روح بن يزيد البصري: حدثني أيوب الهلالي قال: " حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﵌ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ووقف بحذاء وجه رسول الله ﵌ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! جئتك مثقلا بالذنوب والخطايا، أستشفع بك على ربك لأنه قال في محكم كتابه: [ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما] .. ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول: يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم، لم أعرف أيوب الهلالي ولا من دونه.
وأبو يزيد الرقاشي، أورده الذهبي في " المقتنى في سرد الكنى " (٢/ ١٥٥) ولم يسمه، وأشار إلى أنه لا يعرف بقوله: " حكى شيئاً "، وأرى أنه يشير إلى هذه الحكاية، وهي منكرة ظاهرة النكارة، وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية! وقد ذكرها- مع الأسف- الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم .. ﴾ وتلقفها منه كثير من أهل الأهواء والمبتدعة، مثل الشيخ الصابوني، فذكرها برمتها في " مختصره "! (١/ ٤١٠) وفيها زيادة في آخرها: " ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﵌ في النوم، فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له " وهي في " ابن كثير " غير معزوة لأحد من
стр. 1373
المعروفين من أهل الحديث، بل علقها على " العتبي "، وهو غير معروف إلا في هذه الحكاية، ويمكن أن يكون هو أيوب الهلالي في إسناد البيهقي.
وهي حكاية مستنكرة، بل باطلة، لمخالفتها الكتاب والسنة، ولذلك يلهج بها المبتدعة، لأنها تجيز الاستغاثة بالنبي ﵌، وطلب الشفاعة منه بعد وفاته، وهذا من أبطل الباطل، كما هو معلوم، وقد تولى بيان ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وبخاصة في " التوسل والوسيلة "، وقد تعرض لحكاية العتبي هذه بالإنكار، فليراجعه من شاء المزيد من المعرفة والعلم.
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٣٤ - ١٠٣٥).
[٣٥١] باب الرد على شبه المستغيثين
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على "الآيات البينات في عدم سماع الأموات بعد أن رد أهم شبه المستغيثين بغير الله]:
وإني لأشعر-وقد بلغت في تسلسل هذا البحث العلمي إلى هذه النقطة الهامة-أنه لم يبق عند المستغيثين بغير ربِّ العالمين شبهة تُذْكَر إلا أن يقولوا:
سلَّمْنَا بكلِّ ما ذَكَرْتُم، ولكن هل من مانع يمنع أن نطلب منهم ما كان بمقدورهم في الحياة الدنيا؛ كالدعاء مثلاً، فبدل أن نقول مثلا: يا رسول الله أغِثْنَا، أو اشفع لنا، نقول: ادعُ الله لنا أنْ يغيثنا، أو أنْ يشفِّعك فينا، ولا نقول: يا رسول الله اغفر لنا ذنوبنا، وإنما نقول: استغفر لنا ذنوبنا، بل إن هذا بعينه هو قصدنا نحن وإن أسأنا التعبير! فقد جاء في الحديث: " تعرض على أعمالكم؛ فإن رأيتُ خيراً حمدت الله، وإن رأيتُ شراً استغفرت لكم" (١).
стр. 1374
وجواباً عليه أقول:
إنْ سلَّمنا بأنَّ ذلك هو القصد، فالطَّلَب من أصله خطأ وضلال لا يجوز، بل يجب الامتناع منه فوراً، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه ينافي الإخلاص لله تعالى في دعائه وعبادته وحده، وفي ذلك آيات كثيرة صريحة في النهي عن دعاء غير الله تعالى من الأولياء والصالحين كما سيأتي، وقد مضى بعضها، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ في السَّمَاوَاتِ وَلَا في الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ: ٢٢ - ٢٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (١/ ١٩٧ - ٢٨١) بعد ذكر هذه الآية وغيرها:
"ومثل هذا في القرآن كثير: ينهى أن يُدْعَى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا غَيْرهم؛ فإنَّ هذا شرك، أو ذريعة إلى الشِّرك، بخلاف ما يُطْلَبُ من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة؛ فإن لا يُفضِى إلى ذلك؛ فإنَّ أحداً من الأنبياء والصالحين لم يُعْبِد في حياته بحضرته؛ فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم؛ فإن ذلك ذريعة إلى الشِّرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى الشٍّرك.
فمن رأى نبيًّا أو مَلَكاً من الملائكة، وقال له: "ادعُ لي " لم يُفْضِ ذلك إلى الشرك به، بخلاف مَن دعاه في مغيبه؛ فإنَّ ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع؛ فإنَّ الغائب والميت لا ينهى من يشرك به، بل إذا تعلَّقت القلوب بدعائه وشفاعته أَفْضَى ذلك إلى الشرك به، فدُعِي، وقُصِد مكان قبرِه أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد
стр. 1375
وقع فيه المشركون ومَن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين.
ومعلومٌ أن الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ (غافر: ٧).
فالملائكة يستغفرون للمؤمنين مِن غير أن يسألهم أحد، وكذلك ما رُوِى أنَّ النبي ﵌ أو غيره من الأنبياء والصالحين- يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس، هم يفعلون ما أَذِنَ الله لهم فيه بدون سؤال أحد.
وإذا لم يُشرع دعاء الملائكة لم يُشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدُّعاء والشَّفَاعَة، وإنْ كانوا يدعون ويشفعون؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ ما أمَرهم اللهُ به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يُطْلَبْ منهم، وما لم يُؤمروا به لا يفعلونه ولو طُلِبَ منهم؛ فلا فائدة في الطلب منهم.
الثاني: أن دعاءهم وطلبَ الشفاعة منهم في هذه الحال يُفْضِى إلى الشِّرك بهم؛ ففيه هذه المفسدة، فلو قُدِّر أنَّ فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم؛ فإنه لا مفسدة فيه؛ فإنهم ينهون عن الشِّرك بهم، بل فيه منفعة؛ وهو أنهم يُثَابُون ويُؤجَرُون على ما يفعلونه حينئذٍ من نفع الخلق كلهم؛ فإنَّهم في دارِ العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة".
وقال في موضع آخر (١/ ٣٣٠ - ٣٣١):
"وكذلك الأنبياء والصَّالحون، وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإنْ قُدِّر أنَّهم
стр. 1376
يدعون للأحياء، وإنْ وردت به آثار (١)، فليس لأحدٍ أن يطلبَ منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحدٌ من السَّلف؛ لأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى الشِّرك بهم، وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يُفْضِى إلى الشرك، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون هو بالأمر الكوني؛ فلا يؤثِّرُ فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته؛ فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم".
والخلاصة: أن طلب الدعاء والشفاعة ونحو ذلك من الأنبياء والصالحين بعد موتهم لا يجوز؛ لأنَّه شِرك، أو ذريعةٌ إلى الشِّرك، وهذا هو الوجه الأول من الوجهين الدَّالَّين على ذلك.
والوجه الآخر: أن ذلك يعني عند الطالبين أن الأنبياء والصالحين يسمعون طلبتهم، وإلا كان دعاؤهم ومناداتهم بذلك سخفا جليًّا، وضلالاً بيِّناً، وهذا مما يترفع عنه العاقل، بله المؤمن؛ لأنه باطل بداهةً وفطرة، وبذلك احتج الله على المشركين في مواطن كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ
بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾؟! (الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥)؛ ولذلك كانت حجة إبراهيم على أبيه وقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٤٢) وقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾
стр. 1377
(الشعراء:٧٠ - ٧٤). فقد اعترفوا بهذه الحجة القاطعة وخضعوا لها في قلوبهم، ولكنهم عاندوا وعدلوا عنها إلى قولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٧٤).
إذا عَرَفت هذا؛ فتنبَّه أيُّها المسلم المبتلَى بدعاء الأولياء والصالحين من دون الله تعالى، هل أنت تعتقد أنهم حين تناديهم لا يسمعونك؟ إذن فأنت مع مخالفتك للعقل والفطرة السليمة مثل أولئك المشركين من قوم إبراهيم وغيرهم، ولا فرق، فلا ينفعك والحالة هذه ما تدِّعيه من إسلام وإيمان؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (الزُّمر: ٦٥) وإن كنت تزعم أنهم يسمعونك؛ ولذلك تناديهم وتستغيث بهم وتطلب منهم، فهي ضلالةٌ أخرى فُقْتَ بها المشركين! وإني لأعيذك بالله أن تكون منهم في شيء.
فأعلم أخي المسلم أنَّ كلَّ ما أعطاه الله تعالى للبشر-وفيهم الأنبياء والأولياء-من قدرات وصفات، أن كلَّ ذلك يذهب بالموت؛ كالسَّمع والبصر، والبطش، والمشي، ونحو ذلك، فما يبقى منها شيءٌ كما هو مُشَاهَد، اللهم إلا الرّوح باتفاق المسلمين، وأجساد الأنبياء كما في الحديث الصحيح، فمن زعم أنَّ الموتى يسمعون، فهو كالذي يزعم أنهم يبصرون ويبطشون ويتصرفون، فكل هذا-مع كونه خلاف المشَاهَد-إنما هو تحدُّثٌ عما وراء العقل والمادة، وذلك مما لا يجوز شرعاً؛ لأنه من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك-وهو كذلك يقيناً لا شكَّ فيه-فلا يجوز نسبة شيء مما ذُكِرَ إلى الموتى جميعاً إلا بنصٍّ من الشارع الحكيم، فهل جاء نص يثبت للموتى صفة السمع؛ أي أنَّ من طبيعة الميت أن يسمع الكلام كما كان قبل موته، وأن ذلك صفة له كما كانت له قبل ذلك، أم الأمر على النقيض من ذلك، كما شرحه المؤلف-رحمه الله
стр. 1378
تعالى-وبسط القول فيه معتمداً على أقوال المذهب والأئمة؟ هذا ما أردتُ تحقيقه وتأييده بما وقفتُ عليه من الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة، راجياً ممن وقف عليه أنْ يصيخ بسمعه، ويصغي بقلبه، ويتبع آيات ربه القائل في كتابه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (النمل:٨٠ - ٨١).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص ٣١ - ٣٧).
[٣٥٢] باب هل تجوز الاستغاثة بكلام الله ؟
سؤال: أمس واحد يسألني يا شيخنا، يقول لي: هل يجوز أن نستغيث بكلام الله نقول: يا كلام الله؟! قلت له: يغنيك الاستغاثات الواردة عن السلف وعن النبي ﵌ وعن الأنبياء وكذا .. أن تأتي بهذه الاستغاثة التي لم ترد.
الشيخ: الحقيقة أن الوقوف مع النصوص الشرعية خاصة في العبادات تريح النفس، ويطمئن القلب.
"الهدى والنور" (٦٥٣/ ٠٧: ١٣: ٠٠)
[٣٥٣] باب هل تجوز الاستغاثة بنداء النبي ﵌ أو ذكر اسمه ؟
[أورد ابن تيميه في "الكلم الطيب"]:
عن الهيثم بن حنش، قال: كنا عند عبد الله بن عمر ﵄، فخدرت رجله، فقال له رجل: «اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد ﵌. قال: فقام فكأنما نشط من عقال.
(ضعيف).
стр. 1379
[و] عن مجاهد، قال: خدرت رِجْل رَجُل عند ابن عباس، فقال ابن عباس: «اذكر أحب الناس إليك. فقال: محمد ﵌.فذهب خدره».
[قال الإمام معلقًا على الأثر الثاني]:
موضوع، أخرجه ابن السني (١٦٥) فيه غياث بن إبراهيم، قال ابن معين: كذاب خبيث، ولذلك فإني استقبحت إيراد المؤلف إياه، ثم تتابع المؤلفون على ذلك كابن القيم وابن الجزري وصديق حسن خان وغيرهم، بل لم أستحسن إيرادهم للأثر الذي قبله، وإن كان سنده أحسن حالاً من هذا، لأنه موقوف، ولا هو في حكم المرفوع لما يأتي، فلا يحتج به لو صح، ولا سيما وبعض المبتدعة يستدلون به على جواز الاستغاثة بغير الله ﵎! ولقد قارب الصواب الإِمام الشوكاني حين قال في «تحفة الذاكرين» (ص٢٠٦): «ليس في هذا ما يفيد أن لذلك حكم الرفع، فقد يكون مرجع مثل هذا التجريبَ».ثم قال:
(والمحبوب الأعظم لكل مسلم هو رسول الله ﵌، فينبغي ذكره كما ورد ما يفيد ذلك في كتاب الله سبحانه مثل قوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، وكما في حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين»).
قلت: لا ريب أن رسول الله ﵌ هو المحبوب الأعظم لكل مسلم، لكن هل شرع الله لنا أن نذكره أو نناديه عند الخدر حتى يكون فعل ذلك دليلاً على حبه تعالى؟! إن قيل: نعم، فأين الدليل؟! وإن قيل لا، فما ذكره الشوكاني من الآية والحديث حجة عليه لا له. والله المستعان.
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٧٤)
стр. 1380
جماع أبواب حكم الذبح لغير الله تعالى
والكلام على حكم الفرع والعتيرة والبحيرة
стр. 1381
[٣٥٤] باب من الشرك: الذبح لغير الله
[قال رسول الله ﵌]:
«في الإبل فرع، وفي الغنم فرع».
[قال الإمام]:
(الفرع): أول ما تلده الناقة، كانوا يذبحونه لآلهتهم، فأبطله الإسلام، وجعله الله لمن شاء على التخيير لا الإيجاب، وهو المراد بقوله ﵌: «لا فرع ... ». كما ترى بيانه في " الإرواء " (٤/ ٤٠٩ - ٤١٣).
"الصحيحة" (٤/ ٦٥١ - ٦٥٣).
[٣٥٥] باب ذبائح الجن من الشرك
[روي عن النبي ﵌]:
«نهى عن ذبائح الجن».
(موضوع).
[قال الإمام]:
والحديث في " سنن البيهقي " (٩/ ٣١٤) من الوجه الذي ذكره السيوطي وعنده عقب الحديث ما نصه: قال: (لعله يعني الزهري) وأما ذبائح الجن: أن تشتري الدار وتستخرج العين وما أشبه ذلك فتذبح لها ذبيحة للطيرة، وقال أبو عبيد: وهذا التفسير في الحديث معناه: أنهم يتطيرون إلى هذا الفعل مخافة أنهم إن لم يذبحوا فيطمعوا أن يصيبهم فيها شيء من الجن يؤذيهم، فأبطل النبي ﵌ هذا
стр. 1382
ونهى عنه.
قلت: لقد علمت أن الحديث غير صحيح، فالعمدة في النهي عن هذه الذبائح الأحاديث الصحيحة في النهي عن الطيرة، والله أعلم.
"الضعيفة" (١/ ٤١٣).
[٣٥٦] باب حكم الفرع والعتيرة
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ».زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.
[قال الإمام]:
ولفظ البخاري: «كانوا يذبحونه لطواغيتهم» وزاد: «والعتيرة في رجب» وفي رواية لأحمد: « ... ذبيحة في رجب».وصرح أن هذا التفسير من قول الزهري. وهو من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
واعلم أنه قد جاءت أحاديث تدل على جواز الفرع والعتيرة, فيحمل
حديث الباب على تحريم ذلك إذا كانت لغير الله كما كانوا يفعلون في
الجاهلية. والأحاديث المبيحة على ما إذا كانت لله, وقد خرجت بعضها في
«الإرواء» (١١٦٧).
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٣٦).
стр. 1383
[٣٥٧] باب ذكر ما يجوز من الفرع
[خرج الإمام في "الإرواء" حديث] أبي هريرة مرفوعًا «لا فرع ولا عتيره». متفق عليه
[ثم خرج] حديث الحارث بن عمرو أنه (لقي رسول الله ﵌ في حجة الوداع قال: فقال رجل: يا رسول الله الفرائع والعتائر؟ قال: من شاء فَرَع ومن شاء لم يَفْرَع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم الأضحية).رواه أحمد والنسائي) [وحكم عليه بأنه] ضعيف.
[ثم قال]:
لكن يشهد لمعنى الحديث أحاديث أخرى.
الأول: عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (وسئل عن الفرع؟ قال: والفرع حق وأن تتركوه حتى يكون بكرًا شفزيًّا (أي غليظا) ابن مخاض أو ابن لبون فنعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك) زاد في رواية: (قال: وسئل عن العتيرة؟ فقال: العتيرة حق. قال بعض القوم لعمرو ابن شعيب: ما العتيرة؟ قال: كانوا يذبحون في رجب شاة فيطبخون ويأكلون ويطعمون) ...
الثاني: عن نَبيشة الهذلي قال: (قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: "اذبحوا لله في أي شهر ما كان، وبروا الله ﵎، وأطعموا" قالوا: يا رسول الله إنا كنا نفرع في الجاهلية فرعا فما تأمرنا؟
стр. 1384
قال: «في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه- قال خالد: أراه قال: على ابن السبيل- فإن ذلك هو خير».
[إلى أن قال]:
هذا وقد أفادت هذه الأحاديث مشروعية الفرع وهو الذبح أول النتاج على أن يكون لله تعالى ومشروعية الذبح في رجب وغيره بدون تمييز وتخصيص لرجب على ما سواه من الأشهر، فلا تعارض بينها وبين الحديث المتقدم (لا فرع ولا عتيرة)؛ لأنه إنما أبطل ﵌ به الفرع الذي كان أهل الجاهلية [يفعلونه] لأصنامهم، والعتيرة وهى الذبيحة التى يخصون بها رجبًا. والله أعلم
"إرواء الغليل" (٤/ ٤٠٩ - ٤١٣).
[٣٥٨] باب حكم أكل ما ذبح للأولياء والأضرحة
سؤال: هل يجوز أكل ما ذبح للأولياء والأضرحة، علمًا بأن الذابح يذكر اسم الله عند الذبح؟
الشيخ: هذا مما أهل لغير الله فلا يحل أكله.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٠٣:٢١)
[٣٥٩] باب البحيرة وحكمها
عن مالك بن نضلة ﵁ قال: أتيت النبي ﵌ فقال:
«هل تنتج إبل قومك صحاحًا [آذانها] فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها، وتشق جلودها، وتقول هذه صرم، فتحرمها عليك، وعلى أهلك قلت: نعم.
стр. 1385
قال: «فكل ما آتاك الله حل، ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أشد
من موساك».
(صحيح).
[قال الإمام]:
كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية يوقفونها لأصنامهم ويُحرِّمونها على أنفسهم، يسيبونها ليس لها راع، وهي «البحيرة» المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦٩).
[٣٦٠] باب جواز الرقى المشروعة وكراهة الاسترقاء
[قال رسول الله ﵌]:
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (٧/ ١٨ - ١٩) وأحمد (٣/ ٣٨٢) والخرائطي في " مكارم الأخلاق " (ص ٩٠) من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " أرخص النبي ﵌ في رقية الحية لبني عمرو.
قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " لدغت رجلاً منا عقربٌ ونحن جلوس مع رسول الله ﵌ فقال رجل: يا رسول الله أرقي؟ قال ... "فذكره.
وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من
الرقى، وذلك ما كان معناه مفهوماً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز.
قال المناوي: " وقد تمسك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جُرّبت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطاً ".
قلت: ويؤيد ذلك أن النبي ﵌ لم يسمح لآل عمرو بن حزم بأن يرقي إلا بعد أن اطلع على صفة الرقية، ورآها مما لا بأس به، بل إن الحديث بروايته الثانية من طريق أبي سفيان نص في المنع مما لا يعرف من الرقى، لأنه ﵌ نهى نهياً عاماًّ أول الأمر، ثم رخص فيما تبين أنه لا بأس به من الرقى، وما لا يعقل معناه
стр. 1388
منها لا سبيل إلى الحكم عليها بأنه لا بأس بها، فتبقى في عموم المنع. فتأمل.
وأما الاسترقاء، وهو طلب الرقية من الغير، فهو وإن كان جائزاً، فهو مكروه كما يدل عليه حديث " هم الذين لا يسترقون ... ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون " متفق عليه.
وأما ما وقع من الزيادة في رواية لمسلم: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ... " فهي زيادة شاذة، ولا مجال لتفصيل القول في ذلك الآن من الناحية الحديثية، وحسبك أنها تنافي ما دل عليه هذا الحديث من استحباب الترقية.
وبالله التوفيق.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٤٣ - ٨٤٤)
[٣٦١] باب مشروعية ترقية المرء غيره بما لا شرك فيه من الرقى
[قال رسول الله ﵌]:
«ارقيه، وعلميها حفصة، كما علمتيها الكتاب، وفي رواية الكتابة».
[قال الإمام]:
وفي الحديث فوائد كثيرة [منها] ... :
مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى، بخلاف طلب الرقية من غيره فهو مكروه لحديث " سبقك بها عكاشة " وهو معروف مشهور.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٤٠، ٣٤٥).
стр. 1389
[٣٦٢] باب من الرقى غير المشروعة
[قال رسول الله ﵌]:
«عالجيها بكتاب الله».
[قال الإمام]:
أخرجه ابن حبان (١٤١٩) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: " أن رسول الله ﵌ دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها، فقال: " فذكره.
قلت: وإسناده صحيح، وفي الحديث مشروعية الترقية بكتاب الله تعالى ونحوه مما ثبت عن النبي ﵌ من الرقى كما تقدم في الحديث (١٧٨) عن الشفاء قالت: دخل علينا النبي ﵌ وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تُعَلِّمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟».وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع، لاسيما ما كان منها مكتوباً بالحروف المقطعة والرموز المغلقة التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعا كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ " شمس المعارف الكبرى " ونحوه.
"الصحيحة" (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
[٣٦٣] باب الرقى- غير الشرعية- والتمائم والتولة من الشرك
[قال رسول الله ﵌]:
«إن الرقى، والتمائم، والتِوُلة شرك».
[قال الإمام]:
" الرقى " هي هنا ما كان فيه الاستعاذة بالجن، أو لا يفهم معناها، مثل كتابة
стр. 1390
بعض المشايخ من العجم على كتبهم لفظة " يا كبيج " لحفظ الكتب من الأرضة زعموا. و " التمائم " جمع تميمة، وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين، ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة. قلت: ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان!
وتعليق بعض السائقين نعلا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل، كل ذلك من أجل العين زعموا. وهل يدخل في "التمائم " الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي ﵌، للسلف في ذلك قولان، أرجحهما عندي المنع كما بينته فيما علقته على " الكلم الطيب " لشيخ الإسلام ابن تيمية (رقم التعليق ٣٤) طبع المكتب الإسلامي.
و" التولة " بكسر التاء وفتح الواو، ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره قال ابن الأثير: " جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر، ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى ".
"الصحيحة" (١/ ٢/٦٤٨ - ٦٥٠).
[٣٦٤] باب كراهة الاكتواء والاسترقاء
[قال رسول الله ﵌]:
«من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه كراهة الاكتواء، والاسترقاء. أما الأول فلِمَا فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر، فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة،
стр. 1391
ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. كما في حديث ابن عباس عند الشيخين. وزاد مسلم في روايته فقال: «لا يرقون ولا يسترقون» وهي زيادة شاذة كما بينته فيما علقته على كتابي " مختصر صحيح مسلم " (رقم ٢٥٤).
"الصحيحة" (١/ ١/٤٨٩ - ٤٩٠).
[٣٦٥] باب هل الاسترقاء للطفل محرم ؟
سؤال: امرأة طلبت من الزوج أن يرقى ابن الابن هل هذا من الاسترقاء؟
الشيخ: ستأخذ الجواب ... ما جزاء الذين يسترقون؟ الجزاء أنه ليس من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، طيب! إذا كان الأمر كذلك فهل الطفل الصغير يمكن أن يدخل في هذا؟
مداخلة: لو قلنا مثلاً: لها بَنِيَّة واسترقت لهم.
الشيخ: نعم، ليس فيها شيء هذه.
"الهدى والنور" (١٧٢/ ٢٠: ٠١: ٠١)
[٣٦٦] باب هل السبعون
ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب كلهم من أهل البقيع
[روي عن النبي ﵌]:
«يا أم قيس! ترين هذه المقبرة؛ يبعث الله منها سبعين ألفاً يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، [كأن وجوههم القمر ليلة البدر]. فقام عكاشة فقال: وأنا يا رسول الله؟! قال: وأنت. فقام آخر فقال: وأنا يا
стр. 1392
رسول الله؟! قال: سبقك بها عكاشة»
(منكر)
[قال الإمام]:
والحديث منكر؛ لأن المحفوظ أن النبي ﵌ قال في السبعين ألفاً أنهم: "الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".أخرجه الشيخان.
والظاهر: أنه في عامة أمته ﵌؛ وليس في الذين يدفنون في البقيع.
والله أعلم.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٨٤٩ - ٨٥٠).
[٣٦٧] باب هل الأفضل رقية الإنسان نفسه بنفسه، أم الذهاب إلى القراء وطلب الرقية منهم ؟
سؤال: بالنسبة لقراءة القرآن هل يجوز قراءة القرآن للعامة أو للخاصة، يعني خاصة مثلاً بالنسبة للشيخ هنا أنه يقرأ، يذهبوا إليه الناس فيقرأ القرآن عليهم، يعني يجوز نفس للشخص المصاب يقرأ القرآن، يعني يكفيه ذلك أو يجوز له أن يذهب إلى الشيخ ... ؟
الشيخ: أن يقرأ المصاب القرآن بنفسه على نفسه، خير له من أن يذهب إلى غيره ويطلب الرقية منه؛ لأن في الحقيقة انكباب كثير من الناس على الذهاب إلى بعض المشائخ لطلب المعالجة منهم، الأمر عندي ليس مشروعاً بمثل هذا التوسع حتى الذهاب عند إخواننا الأطباء الدكتور عصام، ولا مؤاخذة لا نريد أن نفسد
стр. 1393
عليك المهنة ولكن نعدّل الموقف ...
المعروف اليوم في المعالجة الطبية المادية المعروفة، أن الإنسان الذي يشعر بأي نوع من المرض يسرع إلى الطبيب، بل وأكثر من ذلك، فكنا نتكلم فلا يشرع، وأرجو الانتباه .. أقول لا يشرع ولا أقول لا يجوز أن يُسارِع المسلم إلى الطبيب لأقل مرض يشعر به، فضلاً عن أنه لا يشرع أن يفحص نفسه احتياطاً، ... فالسبب في هذا .. أن واحد مريض مثلاً يذهب يطلب قراءة القرآن من غيره أم أنه يرقي نفسه؟ كان الجواب يرقي نفسه بنفسه أولى من أن يذهب إلى غيره، السبب الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «يدخل الجنة من أمتي يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر بغير حساب ولا عذاب» ثم دخل ﵇ حجرته، فأخذ أصحابه يتظننون من يكون هؤلاء السبعون ألف، منهم من يقول: نحن المهاجرون الذين هاجرنا في سبيل الله، منهم من يقول: نحن الأنصار الذين ناصرنا رسول الله، منهم من يقول: هم هؤلاء أبناؤنا الذين يأتون من بعدنا يؤمنون بنبينا ولم يروه .. طلع عليهم الرسول ﵇ قائلاً وهنا الشاهد: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» فقال أحدهم قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، قام آخر قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «سبقك بها عكاشة»، الشاهد أن هذا الحديث يقول أن من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ووجوههم كالقمر ليلة البدر أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم.
فذهاب الرجل إلى غيره يقول له: ارقني، ينافي هذه الفضيلة، وهذا الذي
стр. 1394
نعنيه بأنه غير مشروع أي غير مستحب.
كذلك هناك بعض المعالجات الطبية المادية، والناجحة، والمفيدة، والثابت نفعها بالتجربة ألا وهو الكي وأيد الرسول ﵇ ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة حيث قال: «خير ما تداويتم به» وذكر «وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي» فإذاً ليست كل معالجة ولو كانت ناجحة هي مشروعة شرعاً، منها الكي بالنار، منها الاسترقاء طلب الرقية بالقرآن وبالتعاويذ المشروعة الواردة عن الرسول ﵊، لكن من فقه الحديث الآن لماذا كان غير مشروع، بل كان مكروهاً أن يطلب المسلم من أخيه المسلم الرقية بالقرآن أو بالتعاويذ عن الرسول ﵇ لماذا؟ قال أهل العلم: لأن طلبك الرقية من غيرك علاج غير ناجح غالباً، قد ينجح وقد لا ينجح، إذاً في هذه الحالة يحسن للمسلم أن يتوكل على الله ، ولذلك أنهى الحديث بالذين وصفهم بقوله: «لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».
فإذاً في الأمراض نستطيع أن نقسمها الآن ثلاثة أقسام، وأظن أن هذا أمر لا نقاش فيه: أمراض لها معالجات حاسمة وقاطعة، فهذه المعالجات الواجبة فرض، إذا تركها المريض يكون آثماً ويكون مذنباً، أمراض أخرى لها معالجات يترجح نفعها فهنا يأتي قوله ﵇: «تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله» فيشرع هنا الأخذ بهذا العلاج الذي يترجح فائدته ولكن لا يجب إلا إذا كان من النوع الأول القاطع الحاسم.
يأتي العلاج الثالث مرجوح نفعه، فهنا يأتي التوكل، من هذه المرجوحية قضية طلبك من أخيك المسلم أن يرقيك، أو يدعي لك أو ما شابه لك، فهذا وإن
стр. 1395
كان جائزاً لكنه جائز مرجوح، هذا ما أردت لفت النظر إليه.
مداخلة: الحديث عن الجارية التي فيها السعفة أو السفعة الرسول
﵌ أمر ..
الشيخ: نعم هلا استرقيتم لها؟
مداخلة: فأمرهم بالاسترقاء وليس برقيها مباشرة، يعني لم يُعَلِّمْهُم رقيةً هم يرقوا الجارية بها ..
الشيخ: هلا استرقيتم لها؟ فيه فرق يا أخي .. في الأمس القريب وقع بيني وبين زوجتي كانت تشكو من أيام وجع في رأسها ملازم لها، المهم على قلة ... ما أفعل لأسباب كثيرة، وضعت يدي على رأسها ورقيتها ببعض ما جاء في السنة .. ، المهم بارحة الأمس في الليل أقول لها: هل لا زلت متألمة؟ فتبسمت قالت: لا، الحمد لله، من يومها ما عد رأيتها، وهنا انفتح الموضوع هذا وهنا الشاهد، قالت لي: أنه إذا أحسست بهذا الشيء أطلب منك؟ قلت لها: لا، وذكرنا هذا الموضوع، قالت: لكن أنت من نفسك، قلت: هو كذلك، وهنا الشاهد الآن يقول الرسول ﵇: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» هذا قاله في الرقية فالآن هنا يقول ألا استرقيتم لها؟ أي ألا طلبتم الرقية لها وليس لكم، واضح؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: هذا هو جواب السؤال.
مداخلة: هل الرقية من الراجح نفعها؟
الشيخ: الرقية لها جانبتان، الرقية عبادة سواء نفعت أو ما نفعت هي عبادة
стр. 1396
وهي دعاء، كالرجل يدعو الله فقد يستجاب له وقد لا يستجاب له، فكونه مشكوك الاستجابة لا نقول نحن نلحقها بطلب الرقية لا، لأن طلب الرقية طلب من العبد، لكن أنت عندما تدعو الله برقية أو بدعاء مطلق مثلاً هذه عبودية كما قال ﵇: «الدعاء هو العبادة» الرقية هي العبادة، فسواء تحقق أثرها أو لم يتحقق فهما سواء لأنها عبادة.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٥١: ٠٦: ٠٠) و (٦٢٨/ ٢٣: ١٩: ٠٠)
[٣٦٨] باب هل رَقَى النبي ﵌؟ وما هي الآيات
التي يُرقى بها الإنسان؟ والكلام على لفظة «لا يرقون»
في حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب
سؤال: بالنسبة للرقية من الجن .. عملية الرقية من الجن، فيه حديث للرسول ﵊ في عملية الرقية أنه رقى أعرابياً وما هي الآيات التي يُرقى فيها الإنسان؟
الشيخ: أما أن النبي ﵌ رقى فهذا صحيح، رقى بآيات من القرآن، أما ما هي الرقية؟ فلم نقف على نص للرقية التي رقى الرسول ﵇ بها، ولكن القرآن كما وصفه الله في القرآن نفسِه هو شفاء لما في الصدور، فأي شيء وبخاصة مما هو معروف بأن النبي ﵌ رقى أو رُقي به مثل المعوذتين و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: ١) فهذه معوذات معروفة، فبها يرقي الراقي وبغيرها من الآيات الكريمات التي لها صلة بالاستعانة بالله على إخراج ذلك الجني من الإنسي المصروع.
إذاً باختصار صح أن النبي ﵌ قرأ على بعض الناس واستخرج الجن منهم،
стр. 1397
أما ما هو الذي قرأ ورقى به فالله أعلم، لكن معلوم في السنة الصحيحة أن النبي ﵌ عندما سحره لبيد اليهودي وبقي في فراشه شهوراً مريضاً، حتى جاءه في مرضه شخصان ولنقل بصراحة الواقعة ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما وهما يسمعان النبي ﵌ وهو في فراشه قال أحدهما للآخر: ما بالرجل؟ قال: مطبوب، أي مسحور، قال: من طبّه، من سحره؟ قال: لبيد هذا اليهودي، بم سحره؟ بمشط ومشاط في بئر أظن جاء ذكرها في الحديث وأنا أُنسيته، فالمقصود أنه ﵇ فهم هذه المخاطبة التي جرت بين الملكين فقال لعائشة: هل علمت بأن الله أرسل إلي ملكين؟ وذكر القصة هذه، فأمر علياً بأن يذهب إلى تلك البئر فاستخرج الشيء ملفوف بشعر للرسول ﵇ ومشط مجرد ما فك هذا، وكان الرسول ﵇ قرأ على نفسه المعوذات التي ذكرناها آنفاً هو ﵇ كأنما نُشط من عقال، فُك عنه بهذه المعوذتين
بفك السحر، فالمعوذات هذه الشاهد منها أنها معروفة وأنها خير ما يُرقى بها المريض كذلك الفاتحة وفي ذلك قصة معروفة في صحيح البخاري، هذا
جواب ما سألته.
مداخلة: حكيت أن الرسول ﵊ قرأ على نفسه المعوذات، يعني نستطيع أن نقول أنه رقى نفسه؟
الشيخ: نعم نستطيع.
مداخلة: طيب والسبعين ألف الذين يدخلون الجنة الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون.
الشيخ: هذا فيه وهم، فيه وهم في الرواية وهذا أمر يجب التنبيه عليه،
стр. 1398
الحديث في الصحيحين بلفظ هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وليس فيهما ولا يرقون، لا يسترقون أما رواية لا يرقون ولا يسترقون فهذه رواية تفرد بها مسلم بإحدى روايتيه، مسلم شارك الإمام البخاري في رواية وفارقه في رواية، شاركه في الرواية الصحيحة المحفوظة وهي قوله ﵊: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» فارق مسلم البخاري في رواية أخرى في صحيح مسلم فزاد فيها وقال: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون» فزيادة «لا يرقون» في الاصطلاح الحديثي زيادة شاذة، الحديث الشاذ في تعريفهم هو: الراوي الثقة يأتي بزيادة في متن ما أو في سند ما وبحثنا الآن في المتن، يأتي بزيادة في متن يخالف الثقات، وهنا تكون هذه الزيادة ضعيفة مرفوضة ويفرّقون بين الحديث الشاذ وبين الحديث المنكر، وهذا كله اصطلاح بين أهل الاختصاص بهذا العلم وهم علماء الحديث جزاهم الله خيراً، إذا كان الذي خالف الثقات ثقة فحديثه شاذ، وإذا كان الذي خالف الثقات ضعيفاً فحديثه منكر، لكن في النتيجة كلاهما ضعيف، واقع هذه الزيادة «لا يرقون» أنه تفرد به ثقة، وهو بالضبط حافظ من حفاظ الحديث ومن شيوخ الشيخين، واسمه سعيد بن منصور وله كتاب يُعرف بالسنن وهو كتاب مفقود منذ قديم، لكن منذ عشر سنين تقريباً طبع منه جزءان، فهذا الرجل سعيد بن منصور تفرد برواية «لا يرقون» عن سائر الثقات الذين اشتركوا في رواية الحديث دون هذه الزيادة، هذا من جهة، والحديث في الصحيحين المحفوظ منه وغير المحفوظ أي الشاذ هو من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء الحديث في خارج الصحيحين وبالضبط في مستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري رواه بالسند القوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كما رواه ابن عباس في رواية الشيخين أي بدون الزيادة الشاذة، فهذا أكد أيضاً الشذوذ، ثم يزداد تأكيداً على تأكيد أن كلمة "لا يرقون"
стр. 1399
تعطّل أحاديث كثيرة وكثيرة جداً صريحة في الحض على تعاطي الإرقاء للآخرين من ذلك ما رواه مسلم نفسه في صحيحه عن النبي ﵌ أنه قال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» قال هذا بمناسبة الرقية.
هناك حديث آخر وله صلة وثقى بما نحن فيه أن النبي ﵌ دخل يوماً على زوجته حفصة ﵂ فوجد عندها امرأة فقال لها: «ألا تعلمينها الكتابة كما علمتيها رقية النملة؟» (١) فهذا فيه حض أن يتعلم المسلم الرقية لينفع أخاه المسلم، ولذلك جاءت أحاديث أخرى كما أشرت آنفاً فيها الأمر بالإرقاء، من ذلك مثلاً أنه ﵊ رأى أظن في وجه امرأة أو شخص لا أذكر الآن علامات مرض، فقال: «ارقوها» أمر بالإرقاء، ولذلك فلا بد هنا من شيئين اثنين ألا وهما: التفريق في الحديث بين الرواية من جهة، والشيء الآخر التفريق بينهما في الدراية، أي في الفقه؛ ففقهاً يستحب للمسلم أن يرقي غيره، ولكن لا يستحب للمسلم أن يطلب الرقية من غيره جمعاً بين هذه النصوص؛ لأن من صفات المتوكلين على الله حقاً والذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر من صفاتهم أنهم لا يسترقون، ولكن قد علمتم أن النبي ﵌ قد أمر بالإرقاء فإذاً لا بد من التفريق فقهاً أيضاً بين الإرقاء للغير فهذا مستحب، وبين طلبك الرقية من الغير فهذا مكروه، وفي النهاية إذا ربطنا هذا البحث بسؤالك الآنف ذكره أن الرسول رقى نفسه نعم، لكن هو لم يسترق من غيره، فإذاً ما فيه خلاف.
مداخلة: هناك سؤال يا شيخ: عائشة رقت الرسول ﵊؟
الشيخ: كانت ترقيه؟
стр. 1400
مداخلة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بدون طلب.
مداخلة: يعني من دون ما يطلب هو الرقية نعم.
الشيخ: هو هذا السر بدون طلب غيره.
مداخلة: الرواية الشاذة في صحيح مسلم؟
الشيخ: إيش؟
مداخلة: الرواية الشاذة كلمة «لا يرقون» الرواية الشاذة موجودة في
الصحيح أيضاً؟
الشيخ: قد قلت اشترك الإمام مسلم مع البخاري في رواية الرواية المحفوظة «هم الذين لا يسترقون»، وانفرد مسلم عن البخاري في رواية الرواية الشاذة، فروى الحديث بلفظ «لا يرقون ولا يسترقون» هذا ذكرناه.
مداخلة: الشاذة موجودة في الصحيح.
الشيخ: وأين الصحيح؟
مداخلة: صحيح مسلم يعني.
الشيخ: وأنا أقول عن مَن الله يهديك.
" الهدى والنور" (٦١٦/ ٢٩: ٣٧: ٠٠)
[٣٦٩] باب النبي ﵌ كان يرقي
[روي عن النبي ﵌]:
«سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، قالوا: ومن هم؟ قال: هم الذين لا يكتوون، ولا يرقون، ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون».
стр. 1401
(منكر بذكر «ولا يرقون»).
وقد صح عندهما [أي عند البخاري ومسلم] أن النبي ﵌ كان يرقي ويكوي، في غير ما حديث صحيح.
"الضعيفة" (٨/ ١٦٨ - ١٦٩).
[٣٧٠] باب هل رقى جبريل النبيَّ ﵌ -؟
سؤال: بالنسبة لرقية جبريل لرسول الله ﵌ في أخ قعد يحكي عاوز يستفسر عن مدى صحة الرقية وهي موجودة في زاد المعاد وبيحكي إذا كان بده يأخذها مهنة ويأخذ عليها أجر أو لا والدليل على ذلك؟
الشيخ: أولاً ما الرقية الجبريلية التي أنت تشير إليها
السائل: الرقية معروفة اللى تبدأ بالآذان الشرعي وخمس آيات أو أربع آيات من البقرة وكذلك من أواخر البقرة والآية أحد عشر من آل عمران وهكذا يعني
الشيخ: نحن ما نعرف هذه الرقية علمها جبريل أو رقى بها جبريل رسول
الله ﵌ لا نعلم هذا، والإرقاء لا بد أن يكون بما ثبت عن النبي ﵌ وليس بما
لم يثبت.
السائل: طب يعني حضرتك مقرأتش بالنسبة لهذه الفتوى يمكن الشيخ أبو بكر جابر الجزائري متكلم فيها.
الشيخ: أنت قرأت؟
السائل: قرأت وعالجتَ بيها كمان.
الشيخ: عالجت بها.
стр. 1402
السائل: يعني للجان والسحر.
الشيخ: طيب أبو بكر الجزائري هل صححها
السائل: أبو بكر الجزائري صححها
الشيخ: كيف قال؟ وأين صححها؟
السائل: قال هذه الرقية صحيحة ويمكن أخيراً في كتاب لم اذكر اسمه صدر حديثاً له, وفي للكاتب احمد عاشور أعتقد له كتاب
الشيخ: لا تبعد قل لي في أي كتاب حتى نشوف الذي نقلته عن أبي بكر أنه صح كما تقول ولَّا لا.
السائل: نعم نعم.
الشيخ: ما هو الكتاب؟
السائل: والله ..
الشيخ: فالآن أنت أرح نفسك في اتصال آخر تتصل معي وتذكر لي أولاً: نص كلامه الذي نسبت إليه التصحيح، وثانياً: اسم الكتاب الذي فيه ما تقول.
"الهدى والنور" (٥٦٤/ ٥٠: ١٥: ٠٠)
[٣٧١] باب هل نثبت الرقية بالتجربة إذا كانت خالية من الشرك
السائل: سؤال عن الرقية: هل عمل الرقية أمر توقيفي أو اجتهادي، يعني: هل إذا جربنا طريقة معينة خالية من الشرك: «ارقوا ما لم يكن شركاً» ... من هذا النص، يجوز هذا أم لا يجوز؟
стр. 1403
الشيخ: أرى في حدود ما قَيَّدْتَ أنه يجوز إذا لم يكن هناك يعني: أي شيء مما يخالف الشريعة كأن يتوهم أن هناك أسراراً خفيةً، أو يتوهم أن يكون هناك أضرار أيضاً غير ملموسة، فبالشرط وبالقيد الذي ذكرته ما أرى بذلك بأساً.
"الهدى والنور" (٢٣٢/ ٤٠: ٣٢: ٠٠)
[٣٧٢] باب هل تثبت الرقية بالتجربة ؟
سؤال: إذا كان قد ثبت بالتجربة أن الأشياء [أي الرقى] تنجح، ولم [نعرف] .. أنه ثبت عن نبي أو ثبت عن حديث؟ ..
الشيخ: .. بقيد أنه لا يخالف الشرع.
مداخلة: أن تكون قد سبق بمثلها.
الشيخ: ما دام فقط تلاوة القرآن ليس فيها جس ليس فيها مس. ليس
هناك مانع.
مداخلة: ربما إنسان آخر يقرأ عليهم أشياء غير القرآن وينجح.
الشيخ: لا يجوز.
مداخلة: التحديد بقراءة القرآن؟
الشيخ: هو بس، أو الأدعية الوارد في السنة طبعاً، مثل التعويذات ..
مداخلة: عندما يأكل الزيت ويدِّهِن به ربما يراجع هذا ... وهذا حاصل بالتجربة.
الشيخ: وربما ..
стр. 1404
مداخلة: وربما لا يراجع ولكن بالتجربة.
الشيخ: حسناً، لكن هو يسأل أبو عبد الله ما علاقة الزيت في موضوع معالجة الممسوس، فلما يراجع يطلع الجني مع المراجعة أو ماذا؟
مداخلة: يعني من خلال تجربتي أنا، عندما أقرأ على الزيت أو أنفث على الزيت، عندما نأخذ زيت الزيتون ونقربه من الفم ونقرأ آيات الرقية ويدهن به المصروع يصيح الجني به ويتأذى، وهذا أمر جربناه كثيراً.
الشيخ: وإذا لم تستعمل الزيت، يعود السؤال السابق ..
مداخلة: هو جزء من العلاج.
الشيخ: يعود الجواب السابق أو هناك تقييد، آنفاً سئلنا أنه لو رفعنا يدنا عن الضرب ولو مع الرفق بالقوارير كما قلت، ألا تنجح تلاوة الآيات؟ قلت: نعم. فنقول نفس السؤال وأظن أنه سيكون نفس الجواب، لو لم نستعمل الزيت، ألا تكفي الآيات القرآنية؟
مداخلة: والله يا شيخنا القرآن يكفي.
الشيخ: فظني كان حسناً فيك، أنه سيكون الجواب هو نفس الجواب.
مداخلة: تتمة هذا للعلاج بس وليس هو علاجاً أساسياً.
الشيخ: هذا كلام ينقض آخرهُ أولَه، وأولُه آخرَه ..
مداخلة: .. في آخر كتاب «النبوات» يذكر تجربته مع الجن بالتفصيل، ثم قال إن صنفاً من الجن لا يصلح معه إلا الضرب، وإن صنفاً آخر لا يصلح معه إلا الوعظ والزجر، وصنفاً ثالثاً لا يصلح معه إلا قراءة القرآن، وصنف رابع قد يتأذى بالأذان، فيظهر من خلال ما تفضلتم به، وعلى هذا الكلام أن بعض أنواع أو بعض
стр. 1405
أصناف الجن قد لا ينفع معه إلا الضرب أو مثلاً إلا الوعظ والزجر وما شابه ذلك.
الشيخ: نعم.
أولاً هو ذكر القرآن في بعض الأنواع والأذان، هذا ليس فيه إشكال.
نأخذ قسمين آخرين الزجر والضرب، الزجر أنا لا أفهم مجرد كلام غير مقرون بتلاوة القرآن، لا بد أن يكون هناك شيء من ذلك، يبقى الشيء الرابع والأخير وهو الضرب، هذا يستعمله كثيرون في الواقع، لكن أنا لا أعتقد لأنه ليس عندي سند ولا يكفيني هنا التجربة كما قلنا آنفاً؛ لأنه ليس كل تجربة ناجحة تدل على شرعية هذه الوسيلة، وإلا فتحنا باباً واسعاً من الدجل والبدعة والخرافة، بل ومن الشرك أيضاً، الذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء والصالحين، ويتضرعون عند قبورهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم، يقولون جربنا مراراً وتكراراً؛ حتى أنه سطر في الكتب كما أظنك تذكر معي "قبر معروف" الترياق المجرب، هذا أمر مسجل تاريخياً، والآن مهضوم عند الناس عملياً ومعترف به، لكن أنا لا أعتقد لأنه ليس عندي سند، ولا يكفيني هنا التجربة كما قلنا آنفاً، فيقول قائلهم: نحن يا أخي جربنا ورأينا البركة والفائدة .. وإلى آخره، فأنا أقول نجاح التجربة لا يكفي للدلالة على شرعيتها، لا بد أن يكون هناك دليل يؤيد الشرعية وإلا فلا.
مداخلة: شيخنا التوقيف وبذلك نربط بين الأمرين.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: فالتوسل أمر يعني عبادة محضة تحتاج لدليل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: بينما التداوي الأصل فيه: المشروعية والجواز، فما دام هذا