ذلك لا يشترط أن يعلن كل مسلم كرامة، نحن نعلم مثلًا أن أفضل الناس بعد النبي ﵌ هم العشرة المبشرين بالجنة، وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ما أدري عن أحد منهم شيء من هذه الكرامات فليس من الضروري أن يروى عن كل مسلم صادق أنه رئيت منه كرامة، لكن أنه قد يمكن أن يقع يمكن هذا أن يقع، والمستند حينذاك إلى صحة الرواية، كما يذاع الآن من الكرامات التي تقع في أفغانستان ما اأستبعد أن صحتها؛ لأنها مقبولة وفعلًا هي كرامة من الله لبعض هؤلاء الشهداء أو المجاهدين، ولكن ترى هل صحت أم لا؟ تبقى القضية داخلة في علم الرواية، أما من حيث الإمكان فكما قلنا في أول الكلام:
وأثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه
السائل: طيب، يبقى العاصي في بعض الأوقات يدعون أنهم يشوفون ما يحدث له في القبر.
الشيخ: هذا ممكن، لعلكم سمعتم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن العباس ﵄: أن النبي ﵌ مر بقبرين فقال ﵊: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه-وفي رواية-: لا يستتر من البول، ثم أمر بأن يؤتى له بغصن فشقه شقين ووضع كل شق منهما على القبر، فسألوه عن ذلك ﵊ فقال: لعل الله يخفف عنهما ما داما رطبين».
فالرسول ﵌ سمع عذاب هذين المعذبين، وكانا مسلمين لكن أحدهما يسعى بالنميمة والآخر: لا يستتر، أي: يتساهل في الكشف عن عورته أمام الناس،
стр. 1332
أو لا يستنزه من البول، أي: لا يتحاشى أن يصيبه رشاش البول، ولذلك عذبا، وقال ﵊: «استنزهوا من البول فإن أكثر عذاب القبر من البول».
كذلك جاء في الصحيح: «أن النبي ﵌ مر ذات يوم راكبًا دابته فشمست به، فنزل فرأى قبرين فسأل أصحابه الذين كانوا معه: متى مات هذان؟ قال: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» أي: إن الدابة لما شمست به ﵇ سمعت صوت عذاب المقبورين، فلا يستبعد أن يرى بعض الناس بعض العصاة في قبورهم يعذبون؛ لأن عذاب القبر حق، ولذلك أمر النبي ﵌ من قوله: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» فعذاب القبر حق يمكن أن يرى بالأعين العادية أفعى تنهش منه ... ونحو ذلك، لكن يبقى كل شيء خاضع لعلم الرواية صحت الرواية أم لا؟ الذي يحدث صادق أو مهول، كل هذا ممكن أن يقال، أما الأصل فثابت.
مداخلة: طيب يا شيخ في قصة أويس القرني، وقصة أبي مسلم الخولاني، مدى صحتها؟
الشيخ: أما قصة أبو مسلم الخولاني فصحيحة، ألست تعني لما ألقي
في النار؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهي صحيحة، وفيه قال عمر بن الخطاب ﵁: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من جعل النار بردًا وسلامًا عليه كما جعلها على إبراهيم،
стр. 1333
أما قصة أويس القرني ماذا تعني؟
مداخلة: التي قال ﵌ لعلي وعمر: «إذا رأيتم أويس القرني فاطلبا منه أن يستغفر لكما» أو كما قال ﵌.
الشيخ: صحيح هذا.
"فتاوى جدة-الأثر -" (٢٩/ ٠٠:٤٩:٤٨)
[٣٣١] باب خطر التوسع في رواية الكرامات
-[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم»]:
قلت: لقد أحسن المؤلف صنعاً بتقييد ذلك بما صح من الروايات، ذلك لأن الناس وبخاصة المتأخرين منهم قد توسعوا في رواية الكرامات إلى درجة أنهم رووا باسمها الأباطيل، التي لا يشك في بطلانها من له أدنى ذرة من عقل، بل إن فيها أحيانا ما هو الشرك الأكبر وفي الربوبية، وكتاب «طبقات الأولياء» للشعراني من أوسع الكتب ذكراً لمثل تلك الأباطيل، التي منها قول أحد أوليائه: تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواًّ كبيراً.
وتجد طائفة لا بأس بها من الكرامات الصحيحة عن بعض الصحابة في كتاب «رياض الصالحين» للإمام النووي (باب ٢٥٣ الأحاديث ١٥١٦ - ١٥٢٣ بتحقيقي).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦ - ١٠٧).
стр. 1334
[٣٣٢] باب النبوة أخص من الولاية
[قال الإمام]:
النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦).
[٣٣٣] باب هل ما جاز
أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ؟
سؤال: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:
يقول السائل: سمعنا من أحد المشايخ يقول: ما جاز أن يكون معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامةً لولي.
الشيخ: يكفي أن نقول: أن هذا الكلام كلام لبعض المشايخ وانتهى أمره، ليس كلامًا لله ولا حديثًا عن رسول الله ﵌، لكي نهتم بمعالجته أو ببيان تزييفه، وهو من جهة أخرى كلام باطل من أصله؛ ذلك لأن من معجزات النبي ﵌ هذا القرآن الكريم الذي هو معجزة المعجزات كلها، كما الإشارة كذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، فإذا أخذنا تلك الكلمة على إطلاقها: ما كان معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامةً لولي، فقد كان القرآن معجزةً لنبينا أفيجوز أن يكون ذلك كرامةً لولي من أتباع النبي ﵌؟! هذا مستحيل.
نعم! على طريقة غلاة الصوفية يمكن أن يكون ذلك، لكن ما بني على فاسد فهو فاسد، لقد جاء مع الأسف في كتاب ربما أعيدت طباعته أكثر من طباعة
стр. 1335
صحيح البخاري ومسلم، وهو الكتاب المعروف بطبقات الأولياء لعبد الوهاب الشعراني، لقد ذكر في هذا الكتاب طامات وبلايا كثيرة وكثيرة جدًا تتنافى مع أصول وقواعد الشريعة الإسلامية، وأنا أعجب كيف يطبع هذا الكتاب عشرات المرات، ويروج بين المسلمين ولا رواج الصحيحين، لقد جاء فيه ما يناسب جواب الكلمة السابقة أنه زار شيخًا له، فوقف عند الباب تحت نافذة وإذا به يسمع صوتًا يشبه كأن صاحبه يتلو من القرآن الكريم لكنه حينما أنصت وفهم ما يقرأ إذا به ليس شيئًا من القرآن؛ لأنه كان يعرف الآيات القرآنية، فيتميز مثله الكلام القرآني من الكلام البشري، قال: فلما انتهى الرجل من قراءته تأكدت أنه كان يتلو كلامًا إلهيًا غير القرآن الكريم لأنه قال: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك إلى شيخي فلان وفلان كما هي عادته، هذا مذكور في طبقات الأولياء للشعراني.
فإذًا: يمكن أن يكون هذا الكلام نشأ من تلك الضلالة التي صارت عندهم قاعدة، ونبطلها بعقيدتنا الصحيحة أن هذه القاعدة قاعدة باطلة؛ لأنها تستلزم أن يكون كلام كالقرآن الكريم من رب العالمين أن يأتي به من ليس بنبي؛ لأنهم قالوا: ما كان معجزًة لنبي جاز أن يكون كرامًة لولي، وإذا هذا نجده منصوصًا عليه في كتاب الطبقات للشعراني هذا، لذلك لا يجوز أن يغتر مسلم بمثل هذا الكلام وحسبه أن يعلم أنه كلام ما أنزل به من سلطان.
"فتاوى الإمارات" (٦/ ٠٠:١٠:١٠)
стр. 1336
[٣٣٤] باب التفاضل بين النبوة والولاية وذكر بعض ضلالات أولياء الشيطان
[قال الإمام مُعلِّقاً على قول صاحب الطحاوية «ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء»]:
قال في الشرح: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء: ٦٤).
وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، ولكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم؛ فإنه كان مثبتاً للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن عربي وأمثاله، وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره، قال:
«النبوة ختمت، ولكن الولاية لم تختم، وادعى في الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال:
стр. 1337
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى:
﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٣): والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة كما تقدم التنبيه على ذلك.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٤ - ١٠٦)
[٣٣٥] باب الولاية ليست بادعاء الكرامة
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن» قائلاً]:
وهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٣) وليست الكرامة بادعاء الكرامات وخوارق العادات كما يتوهم كثير من الناس، بل ذلك من الإهانات التي تُشَوِّه جمال الإسلام.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٠).
[٣٣٦] باب ذكر بعض أحوال أولياء الشيطان
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«حد الساحر ضربة بالسيف».
(ضعيف).
стр. 1338
[قال الإمام]:
أخرجه الترمذي (١/ ٢٧٦) والدارقطني (ص ٣٣٦) والحاكم (٤/ ٣٦٠) والطبراني في " المعجم الكبير " (رقم- ١٦٦٥) والرامهرمزي في " الفاصل " (ص ١٤١) وابن عدي في " الكامل " (٨/ ٢) وعنه البيهقي (٨/ ١٣٦) من
طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن جندب قال: قال رسول الله
﵌: فذكره.
وقال الترمذي: " لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف ".
وأما الحاكم فقال: " صحيح الإسناد؛ وإن كان الشيخان تركا حديث إسماعيل بن مسلم؛ فإنه غريب صحيح "!.
قلت: ووافقه الذهبي! وهذا هو الغريب حقا، فإن الذهبي نفسه قد أورد إسماعيل هذا في " الضعفاء والمتروكين " وقال: " متفق على ضعفه ".وقال في " الكاشف ": " ضعفوه، وتركه النسائي ".
وقد وجدت له متابعاً، يرويه محمد بن الحسن بن سيار أبو عبد الله: حدثنا خالد العبدي عن الحسن به.
أخرجه الطبراني (١٦٦٦) وأبو سهل القطان في " حديثه " (٤/ ٢٤٥/٢).
لكنها متابعة واهية، فإن خالداً هذا، لم أجد من ترجمة، وكذلك الراوي عنه،
فلا يعضد بها، على أن مدار الطريقين على الحسن، وهو مدلس وقد عنعن.
ولذلك فمن رام تحسين الحديث فما أحسن، لا سيما والصحيح عن جندب
стр. 1339
موقوف كما تقدم عن الترمذي، وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن:
" أن أميرا من أمراء الكوفة دعا ساحرا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، واشتمل عليه، فلما رآه ضربه بسيفه، فتفرق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إنما أردت الساحر- فأخذه الأمير فحبسه. فبلغ ذلك سلمان، فقال: بئس ما صنعا! لم يكن ينبغي لهذا وهو إمام يؤتم به يدعو ساحرا يلعب بين يديه، ولا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف ".
قلت: وهذا إسناد موقوف صحيح إلى الحسن. وقد توبع، فقال هشيم: أنبأنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي: " أن ساحراً كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾.
أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٤/ ١٩/١ و٢) والسياق له من طرق عن هشيم به.
وهذا إسناد صحيح موقوف، صرح فيه هشيم بالتحديث.
وله طريق أخرى عند البيهقي عن ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود:
" أن الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، وكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به، فيقوم خارجا، فيرتد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله، يحيى الموتى! ورآه رجل من صالح المهاجرين، فنظر إليه، فلما كان من الغد، اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه،
стр. 1340
فقال: إن كان صادقا فليحي نفسه! وأمر به الوليد ديناراً صاحب السجن- وكان رجلاً صالحاً- فسجنه، فأعجبه نحو الرجل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج لا يسألني الله عنك أبداً ".
قلت: وهذا إسناد صحيح إن كان أبو الأسود أدرك القصة فإنه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة.
قلت: ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقية الذين يتظاهرون بأنهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل لا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إنسان من مؤمن أو كافر إذا تمرس عليه وكان قوي القلب، ومن ذلك مسهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التنور، ولي مع أحدهم في حلب موقف تظاهر فيه أنه من هؤلاء، وأنه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر فنصحته، وكشفت له عن الحقيقة، وهددته بالحرق إن لم يرجع عن هذه الدعوى الفارغة! فلم يتراجع، فقمت إليه وقربت النار من عمامته مهددا ً، فلما أصر أحرقتها عليه، وهو ينظر! ثم أطفأتها خشية أن يحترق هو من تحتها معانداً. وظني أن جندباً ﵁، لو رأى هؤلاء لقتلهم بسيفه كما فعل بذلك الساحر " ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ".
"الضعيفة" (٣/ ٦٤١ - ٦٤٣).
[٣٣٧] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«لو عرفتم الله حق معرفته؛ لعلمتم العلم الذي ليس معه به جهل، ولو عرفتم الله حق معرفته؛ لزالت الجبال بدعائكم، وما أوتي أحد من اليقين شيئاً إلا ما لم
стр. 1341
يؤت منه أكثر مما أوتي»، فقال معاذ ابن جبل: ولا أنت يا رسول الله! فقال: ولا أنا. قال معاذ: فقد بلغنا أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يمشي على الماء، فقال رسول الله ﵌: «ولو ازداد يقيناً لمشى على الهواء».
منكر، ضعيف الإسناد.
قلت: وهو عندي منكر المتن بهذا السياق؛ فإن فيه أن عيسى لم يكن يقينه من القوة بحيث يمكنه أن يمشي على الهواء، بينما حكوا أن هذا كان لبعض الأولياء، فينتج من ذلك أن هذا البعض كان أقوى يقيناً من عيسى ﵇!! ولا يخفى ما في هذا من الضلال البين، ويلزم من ذلك أحد أمرين ولا بد: إن كان هذا الذي حكوا صحيحاً، فالحديث غير صحيح، وإن كان هذا الحديث صحيحاً؛ فالذي حكوا غير صحيح ولا بد. فتأمل.
"الضعيفة" (٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
[٣٣٨] باب لا يجوز طاعة أحد في معصية الله
[قال رسول الله ﵌]:
«لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
[قال الإمام]:
وفي الحديث فوائد كثيرة أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله ﵎، سواء في ذلك الأمراء والعلماء والمشايخ. ومنه يعلم ضلال طوائف
من الناس:
الأولى: بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم ولو أمرهم بمعصية ظاهرة
стр. 1342
بحجة أنها في الحقيقة ليست بمعصية، وأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد، وأعرف شيخاً من هؤلاء نصب نفسه مرشداً قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب زوجته، فلما قتله، عاد إلى شيخه مسرورا لتنفيذ أمر الشيخ! فنظر إليه الشيخ وقال: أتظن أنك قتلت أباك حقيقة؟ إنما هو صاحب أمك! وأما أبوك فهو غائب! ثم بنى على هذه القصة حكما شرعيا بزعمه فقال لهم: إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك، قال: ألا ترون إلى هذا الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده، ولكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل الزاني بوالدة الولد، وهو يستحق القتل شرعا! ولا يخفى بطلان هذه القصة شرعا من وجوه كثيرة.
أولاً: أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه، وإنما هو من الأمير أو الوالي.
ثانياً: أنه لو كان له ذلك فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة وهما في
ذلك سواء؟
ثالثاً: إن الزاني المحصن حكمه شرعا القتل رجما، وليس القتل بغير الرجم.
ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه، وكذلك شأن ذلك المرشد الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهرا، حتى لقد قال لهم: إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه! ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام، ومخالفته للشرع والعقل معا نجد في الناس من ينطلي عليه كلامه وفيهم بعض الشباب المثقف. ولقد جرت
стр. 1343
بيني وبين أحدهم مناقشة حول تلك القصة وكان قد سمعها من ذلك المرشد وما بنى عليها من حكم، ولكن لم تجد المناقشة معه شيئا وظل مؤمنا بالقصة لأنها من باب الكرامات في زعمه، قال: وأنتم تنكرون الكرامة ولما قلت له: لو أمرك شيخك بقتل والدك فهل تفعل؟ فقال: إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة!! فتبا لإرشاد يؤدي إلى تعطيل العقول والاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة، فهل مِنْ عَتْب بعد ذلك على من يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟
"الصحيحة" (١/ ١/٣٥١ - ٣٥٣).
[٣٣٩] باب الفرق بين الكرامة والاستدراج
[قال رسول الله ﵌]:
«يا سارية الجبل، يا سارية الجبل».
مما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاماً من الله تعالى لعمر وليس ذلك بغريب عنه، فإنه " محدث " كما ثبت عن النبي ﵌ ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور.
وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله يقول في كتابه: ﴿عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾. فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 1344
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر ﵁ كشفاً، فهو من الأمور الخارقة للعادة التي قد تقع من الكافر أيضاً، فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان الذي صدر منه فضلا على أنه يدل على ولايته ولذلك يقول العلماء
إن الخارق للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة وإلا فهو استدراج، ويضربون
على هذا مثل الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء: أمطري، فتمطر وللأرض: أنبتي نباتك فتنبت، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد " أغسطس " من السنة السادسة من مجلة " المختار " تحت عنوان: " هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس " ص ٢٣ قصة " فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: " أواه يا أماه ... ماذا أفعل؟ " ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: " ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: " أواه يا أماه ... ماذا أفعل؟ ".وكان تاريخ الرسالة متفقاً مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها ".وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ " التخاطر " و" الاستشفاف " ويعرف باسم " البصيرة الثانية " اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر ﵁، التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على الغيب، والكل
стр. 1345
مخطئ. فالقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما، فقد يصيب كما في هذه الحادثة وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ ولقد أحسن من قال: إذا رأيت
شخصاً قد يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف على حدود الشرع ... فإنه مستدرج وبدعي
"الصحيحة" (٣/ ١٠١ - ١٠٤).
[٣٤٠] باب من بدع
أولياء الشيطان التصحيح للأحاديث بطريق الكشف
[روي عن النبي ﵌]:
«أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
(موضوع).
[قال الإمام]:
وأما قول الشعراني في " الميزان " (١/ ٢٨): "وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل الكشف "، فباطل وهراء لا يتلفت إليه! ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد
стр. 1346
عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها، كهذا الحديث لأن الكشف أحسن أحواله- إن صح- أن يكون كالرأي، وهو يخطيء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا يرضيه.
"الضعيفة" (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[٣٤١] باب استنكار مقولة: فلان جمع بين علم الظاهر والباطن
[قال الإمام]:
وعلي بن محمد الفقيه يعرف بـ (ماذشاه)، قال أبو نعيم (٢/ ٢٤): "كان من شيوخ الفقهاء أحد أعلام الصوفية .. جمع بين علم الظاهر والباطن (!)
[والإمام ﵀ يكثر من استخدام علامة التعجب للاستنكار]
"الضعيفة" (٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
[٣٤٢] باب لقاء الألباني بالولي الحشاش !
سؤال: سؤالي في مجال الحديث الذي ذكره الأخ الشيخ محمد بالنسبة للقصص والأحاديث التي ترد على ألسنة بعض الشيوخ، على سبيل المثال: القصة التي سمعتها والتي وردت على لسان الشيخ عبد الحميد كشك والتي أرى يعني فيها من التناقض الكبير من حيث أنه لا أستطيع أصدق أنها نسبت أو ذكرت حتى في التاريخ، يعني القصة يقولها كما ذكر هو: إنه بعض الناس كان يشرب من قِربة كان فيها خمر، فمر عليه عمر بن الخطاب أول مرة وعندما رآه هدده بأنه سوف يجلد إن رآه يشرب الخمر مرة ثانية، فمر عنه مرة ثانية مر عنه وهو عن مسافة فرآه الرجل رأى عمر بن الخطاب فدعا الله أن يحول الخمر إلى خل، نعم فعندما سأله
стр. 1347
عمر بن الخطاب ما الذي في القربة قال: إنه خل، فشمه عمر بن الخطاب فكان خلاً فهذا في رأيي فيه نوع من التناقض ومخالفة الفقه ... قصدي إنه كان على معصية، ويدعو الله أن ينجيه من المعصية وهو يفعلها، وأيضاً يذكر عن عبد الحميد كشك أيضاً أنه يروي أو يقول بعض الأحاديث الضعيفة والتي سندها يعني غير صحيح، وسؤالي بالنسبة للمجال هذا لأنه أعلم أن عبد الحميد كشك له تأثير كبير على الشباب اليوم ويذكر الأحاديث والقصص الضعيفة، فبدنا تعليقك على المسألة هذه؟
الشيخ: الحقيقة أن هذه القصة التي نقلتها عن الرجل أنا ما مرت علي لا في الأحاديث الصحيحة ولا في الحسنة ولا في الضعيفة ولا في الموضوعة ولا في التي لا أصل لها، وحقيقة أخرى مؤسفة أن الشيخ كشك هذا لا ينكر أن أسلوبه في التأثير على عامة الناس أسلوب عجيب لكن لا أعني أن هذا الأسلوب هو أسلوب مشروع لأنه يستعمل العاطفة وإثارة عواطف الحاضرين بمثل الأمر بالصلاة على الرسول زيدوه صلاة وأسمعوني إلى أخره، لكن في النهاية أسلوبه مؤثر، لكنه مع الأسف الشديد أنه قصاص وليس بالعالم وخاصة فيما يتعلق في مجال الحديث النبوي، فهو حواش مع كونه قصاصاً، فهو يجمع ما هب ودب من الأحاديث ويعظ الناس بها ويذكرهم فيها، وهنا تدخل كسبب يحمل مثل هذا الواعظ على الانحراف قاعدةٌ مزعومة تذكر في بعض كتب مصطلح الحديث على أنه قاعدة مسلمة لا شية فيها، وأنه يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، هذه الجملة مع أنها من المختلف فيها عند علماء الحديث هل هي مسلمة أم هي مرفوضة، والذي نتبناه نحن وذكرنا ذلك في أكثر من كتاب واحد أو رسالة واحدة أن المسلم لا يجوز له أن يتقرب إلى الله ﵎ بحديث يعرف ضعفه، هذا
стр. 1348
الذي نتبناه، لكن مع أن الذين تبنوا هذه القاعدة وضعوا للعمل بها شروطاً فلما أخل جماهير المتبنين من المتأخرين لهذه القاعدة انتشرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
لكن نحن لنا تجارب كثيرة وكثيرة جداً مع الذين ينتمون إلى العلم إذا حدث أحدهم بالحديث وهو نعلم يقيناً لا يدري من أين جاء هذا الحديث ولا يدري أنه صحيح أو ضعيف لكنه إذا فوجئ بالإنكار عليه وقيل له: يا أخي أنت تروي هذا الحديث وهذا الحديث ضعيف رأساً أجاب بالقاعدة المزعومة: لكن يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها هل أنت تعلم أن هذا الحديث الذي رويته آنفاً هو حديث ضعيف؟ ما يعلم شيئاً من ذلك؟ إذاً قد أخل بالقاعدة لأنها وضعت لها شروط منها أن يعلم أن هذا الحديث حديث ضعيف حتى لا يختلط عليه الضعيف بالصحيح هذه القاعدة تساعد الوعاظ والقصاص والخطباء وو أن لا يتحفظوا في رواية الحديث عن الرسول ﵌؛ لأنه إن كان الحديث صحيحاً فالحمد لله، وإن كان الحديث ضعيفاً يعمل به في فضائل الأعمال.
فالشيخ المذكور ليس عنده معرفة بالحديث ولذلك يروي في قصصه وفي مواعظه ما هب ودب من أحاديث، فلا تستغرب أن يروي ما لا أصل له إطلاقاً من الآثار التي ليست لها صلة بحديث الرسول ﵌.
قصة الخمر والخل وهذه مصيبة الدهر والبحث في هذا الحقيقة يطول وبخاصة أن بعض العلماء يستجيزون رواية ما هو أخطر من مثل هذه الرواية أنه هذا دعى الله أن يتحول الخمر المحرم إلى خل محلل، لكن ما بالك والقصص
стр. 1349
كثيرة وكثيرة جداً بأن الشخص يشرب الخمر فينكر عليه بيقول هذا بيشرب من خمر الجنة ليس من خمركم بشيء، آخر يبيع الحشيش فيقول حينما ينكر عليه أنت تظن أنا أبيع حشيش مخدر أنا أبيع ضد الحشيش المخدر، وأن كل إنسان يشتري من عندي هذا الحشيش؟ فهو يقلع عن عادته في استعمال الحشيش المخدر، وبهذا عطلوا العقل وعطلوا الشريعة، وحسبكم في ذلك قولهم: هناك شريعة وهناك حقيقة، والحقيقة تخالف الشريعة، ولهم كلمات خطيرة وخطيرة جداً.
ولعله يعني يحسن أن أذكر لكم قصة وقعت لي شخصياً: خرجت كعادتي في طريقي إلى إخواننا إلى حلب واتخذنا في الطريق منزلاً بتنا فيه ليلة في قرية تبعد عن دمشق نحو ٦٠ كيلو متر اسمه دير عطية، ونحن سامرون فيها ساهرون بدل أن يطرق الباب- الدار على الجادة طبقة دنيا- فبدل أن يطرق الباب تطرق النافذة فيخرج رب الدار للنظر من هذا الطارق الغريب في طرقه، بدل أن يطرق الباب يطرق النافذة، ففوجئنا بصياح صاحب الدار مرحباً بالطارق أهلاً وسهلاً بفلان، نحن بقى اشرأبت أعيننا إلى هذا الضيف الكريم االذي احتفى به صاحب الدار هذا الاحتفاء العظيم، دخل هذا الضيف المزعوم ففوجئت به كما فوجئ هو بي، وأعني: الرجل حشاش، تارك صلاة، لا يصوم في رمضان، يشرب الدخان في رمضان، وهو ساند ظهره لزاوية من زوايا المسجد خارج المسجد وعيناه شاخصتان مصفرتان من تأثير الحشيش فيهما، فأنا فوجئت به من جهة أن هذا رب الدار الذي نحن ضيوف عنده عم بيرحب بحشاش بفاسق فاجر إن لم يكن كافراً، فوجئ هو بي لأنه جارنا أنا دكانتي هناك كانت بجنب هذا المسجد فكل ما خرجت للصلاة وهو يحشش يشرب دخان طبعاً فيه الحشيش، كلما رآني جلس بعيداً عني وأخذ يتظاهر بأنه مأخوذ يعني مجذوب أخذه الحال يعني يأخذ يركع
стр. 1350
ويسجد هكذا ويقول كلام بيقولوا عنه في الشام كلام مقطع يعني كلام شو بيقولوا في اللغة العربية جملة غير تامة شو بندورة حشيش بيض باذنجان ما في جملة
غير تامة.
حينئذٍ عرفت بأن رب الدار يعتقد بهذا الإنسان أنه من كبار الأولياء فارتجلت كلمة افتتحتها بالآية الكريمة ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ-الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ -لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (يونس: ٦٤) ما هي التقوى؟ ما هو الإيمان؟ تكلمنا في هذا الصدد ثم عرجنا على أمثال هذا الدجال؛ إن هذا ليس من الإسلام في شيء، وكرامة المسلم إنما هو إيمانه بالله وتقواه لله، هذا هو فقط سواء صدر منه كرامة حقيقية أو لا قال أحد المشايخ
عندنا في دمشق.
إذا رأيت شخصاً قد يطيرُ ... وفوق ما البحر قد يسيرُ
ولم يقف على حدود الشرع ... فإنه مستدرج وبدعي
وما أذكر يعني شو تكلمنا بهذا الصدد لكن ضربنا هذا الاتجاه أن يؤمن بأن الرجل الفاسق الفاجر المتظاهر بأنه مسلوب هذا من كبار الأولياء، وإذا بصاحب الدار بيقول يا أستاذ والله نحن في هذه البلدة-وهنا العبرة- في هذه البلدة كنا كما تقول إن الإيمان والتقوى هذا هو الإسلام، لكن جاءنا الشيخ فلان وقد درس في الأزهر الشريف عشرين سنة غاب عن القرية عشرين سنة ثم جاء يعظ الناس ويعلمهم في المسجد في السهرات إلخ، فكنا نسمع منه أكثر من مرة إن لله خواص في الأمكنة والأزمنة والأشخاص كلام مرجع، والحجر الذي ما بيعجبك بيفجك بيجرحك، الحجر الذي ما بيعجبك بيفجك، إذا شفت إنسان بيشرب خمر بيحشش بيجوز هذا يكون من كبار الأولياء الصالحين بس إياك ثم إياك أن تنتقد
стр. 1351
فتقع في مشكلة مع هذا الولي الصالح ثم روى لهم القصة التالية؛ قال: كان هناك شيخ محتسب يعني يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يخرج إلى الأسواق ومعه بعض الطلبة الحريصين على مصاحبة الشيخ، كلما رأى منكرا في السوق عند بائع عند بقال عند عطار ينصح ويذكر، حتى وقف عند بقال عندنا يقولون عن البقال عطار فرآه يبيع الحشيش لشخص فأنكر عليه وبالغ في الإنكار يا فاسق يا فاجر أنت تبيع ما يضر وما لا ينفع ووإلى آخره، بيقولهم الشيخ الأزهري فما أتم هذا العالم الفاضل الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما أتم كلامه إلا أصبح كالبهيمة لا يعقل شيئاً، الشيخ البقال تعرفونه من كبار الأولياء والصالحين ولذلك لما أنكر عليه هذا العالم الفاضل كان الشيخ سلبه وأخذ عقله ولبه، احتار أتباعه في حقه فأخذوا يسألوني معالجة المشكلة التي لا يعرفون لها دواء، من شخص إلى شخص من مكان إلى مكان حتى جاؤوا إلى شخص فقال لهم هذا الرجل ما يدلكم على مشكلته إلا فلان اذهبوا عليه فإنه ذو الجناحين؛ يعني: جمع بين شريعة وبين الحقيقة اذهبوا إليه، ذهبوا إليه، قالوا له القصة كذا وكذا، قال هذا البقال- وأنا باسميه الولي الحشاش- هذا من كبار الأولياء والصالحين علاج شيخكم تأخذونه تسترضون هذا الولي الحشاش يرضى عن الشيخ يرجع الشيخ كما كان، ذهبوا إليه ذهبوا إليه وقالوا له يا سيدنا ما تآخذ الشيخ الشيخ مش عارف مقامك- يعني كما أرشدهم ذو الجناحين المزعوم الجامع بين الحقيقة وبين الشريعة- هكذا ما زالوا يسترضونه حتى رضي الولي الحشاش عن الشيخ العالم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ومثل واحد كان نائم صحي وأحسوا الجماعة إنه فعلاً كلام ذو الجناحين صحيح؛ أي: رجع الشيخ كما كان، الشيخ بدوره أخذ يعتذر للولي الحشاش إنه ما تآخذنا نحن ما عرفنا مقامك ومنزلتك عند الله .
أين العبرة: قال الولي الحشاش لهذا العالم: أنت يا شيخ بتظن إن أنا أبيع
стр. 1352
الحشيش المخدر، أنا أبيع حشيش صورته صورة حشيش لكن أثره ضد الحشيش، فما أحد بيشتري من عندي إلا ويشفى من شرب الحشيش، هكذا يعطلون أحكام الله وعقول الناس حتى يستعبدوهم ويخضعوهم.
ونحن نعرف مشايخ في دمشق في الشام ورجل في حلب يصرحون في دروسهم العامة في المساجد الكبيرة إذا رأيت شيخاً قد علق الصليب على رقبته فلا تنكر عليه؛ لأنه يرى ما لا ترى ويعلم ما لا تعلم، والدليل على ذلك اسمعوا القصة التالية:
كان هناك شيخ له أتباع مريدين، قال لأحدهم: تعال يا ابني اذهب إئتني برأس والدك، سمعاً وطاعاً، هكذا مُعَلَّم الولد إن الشيخ إذا أمر يجب إطاعته ولو بمخالفة شرع الله، راح الولد للبيت ففصل رأس أبيه عن بدنه وهو نائم بجانب زوجته وجاء إلى شيخه فرحاً مسروراً، لماذا؟ لأنه نفذ أمر الشيخ، فتبسم الشيخ ضاحكا قال له كليشة قال له تظن أنت أنك قتلت والدك لا، يا ابني والدك مسافر، أما هذا صاحب أمك، أنا بآمرك تقتل أبوك؟! حاشا لله لكن هذا صاحب أمك يزني بها ولذلك أنا أمرتك أن تقتله، الناس المساكين المخدرين بهذا النوع من الأفيون الذين لا يعرفون أصحاب الأفيونات فلما بيحدث الشيخ بهذه القصة هذه وبالنتيجة هذه بتلاقي المسجد ضج بماذا بالتكبير والتعظيم والله أكبر.
هذه القصة وقعت في رمضان من رمضانات السنين قبل عشر سنوات تقريباً، وأنا هناك جاءني أحد إخواننا بعد ما صلينا التراويح في بعض المساجد المهجورة على السنة، وكنا يومئذ نجتمع في ابتداء الدعوة في دكاني وأنا أصلح الساعات، قال لي أتعرف ماذا حدث الشيخ فلان اليوم قلت له: لا، ماذا حدث؟ ذكر لي هذه القصة ونحن في هذا الحديث يمر شخص قريب صاحبي هذا ابن خالته بالضبط
стр. 1353
ويعرف بأبو يوسف هذا من مريدي الشيخ الذي حدث بهذه القصة.
الحقيقة يا إخواننا يجب أن نحمد الله الذي عافانا من هذا النوع من الأفيون؛ لأنه هذا أخطر من الأفيون المادي؛ الأفيون المادي صحيح بيغيب بالإنسان ولكن مش كل الزمان، أما هذا الأفيون المعنوي ضايع مسلوب رايح، والدليل في تمام القصة مر أبو يوسف أمام الدكان فناداه صاحبي وهو ابن خالته يا أبو يوسف تعال؛ دخل، قال له ما رأيك في الدرس في الليلة درس الشيخ، قال له: ما شاء الله تجليات تجليات، أنا عندنا نكتة في الشام أوفي دمشق بصورة خاصة، في دمشق في محلة خاص بالنصارى اسمها باب تومة هناك صاحب دكانة واجهتين يبيع الخمر وفي اللافتة كاتب عليها: «تجليات بقلة»، بقلة هو النصراني صاحب الدكان ومسميها بغير اسمها كما هي العادة «تجليات بقلة» فلما هؤلاء الصوفية بيسموها ما شاء الله يقولوا تجليات نحن ِبُنِتْبعَها «تجليات بقلة».
الشاهد ما شاء الله بيقول أبو يوسف تجليات بقلة، قال ما رأيك بالقصة هذه قال صحيح أنتم جماعة وهابية تنكرون كرامات الأولياء، هو ذاكر في مخه أن هذه كرامة، دخل صاحبنا وهو على قد حالة في العلم مثل ابن خالته أبو يوسف دخل معه في نقاش أنا جالس وراء الطاولة أصلح الساعات، شعرت بأنه ما في فائدة من الاثنين ما في نتيجة ما في ثمرة، قلت لا بد ما أنا أدخل في الموضوع قمت وجلست بجانبهما وأخذت أتكلم مع أبو يوسف وأقول له يا أبو يوسف، بارك الله فيك انتبه؛ القصة بتدلك أنها مركبة تركيبة عندنا بيقولوا على المصيبة تركيبة، أنت ما ترى كيف الشيخ بيقول هذه أمك وهذا الرجل ما هو أبوك فهو لأنه عم يزني بها أنا أمرتك أن تذبحه تقتله وهل أنا سآمرك تذبح أبوك؟! طيب هنا مبين إنه في جهل من ناحيتين: الناحية الأولى: أن هل لغير الحاكم المسلم أن ينفذ الحدود؟ لأنه يقع
стр. 1354
فتنة بين الناس، ثانياً هل حد الزاني المحصن أن يفصل رأسه عن بدنه ولّا أن يرجم بالحجارة حتى يموت، وشيء ثالث وأخير: ولماذا أقام الحد على الزاني هذا الرجل ويمكن يكون غير محصن وترك الأم المزني بها كما هي، فمبينه أن القصة تركيبة وما تحتاج إلى نقاش يعني ما في فائدة ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أخيرا قلت لا يوجد عندنا سلاح غير سلاح العاطفة ولا حول ولا قوة إلا بالله، قلت له: يا أبو يوسف الآن باختصار الآن لو أنه الشيخ شيخك اللي روى لكم القصة هذه أمرك بأنك تذبح أبوك تفعل؟ سؤال محرج جداً، ما هو المفروض بالنسبة لواحد من عامة المسلمين إذا سُئل هذا السائل يقول: أعوذ بالله أنا أقتل أبي؟ عارف ماذا قال؟!، قال: أنا ما وصلت هذا المقام ونفر وخرج وأنا خاطبته بلغتنا السورية قولتله: عمرك إن شاء الله ما تصل، هو يعتبر أن وصوله للمقام إذا أُمِرَ من قبل الشيخ اقتل أبوك اذبحه ما شاء الله وصل، هلّا هو لم يصل فنحن قلنا له عمرك إن شاء الله ما تصل، فلذلك العلاج هو الرجوع للكتاب والسنة وليس ما قال وقيل وحكاية وإلخ.
"الهدى والنور" (١٩٦/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
[٣٤٣] باب ضرب الصوفيين أنفسهم بالشيش هل هو كرامة ؟
سؤال: بالنسبة لبعض الزوايا للصوفيين، يضربون على الدف ويستعملون الشيش، أي نعم، شو في هذا الحكم في هذه المسألة؟
الشيخ: .. الضرب على الدف كلهو من الملاهي حرام، لكن أشد من هذا الحرام إدخال هذا الحرام في العبادة، في الذكر لله ، فهذا حرام لا يجوز؛ لأن الإتيان بالمعصية معصية، لكن أشد من هذه المعصية التقرب إلى الله تبارك
стр. 1355
وتعالى بها.
فهؤلاء الصوفيون أو الطرقيون الذين يرقصون في الذكر ويضربون عليه بالدف، بل بالطبل، هذا يصدق فيهم قول بعض أهل العلم:
متى علم الناس في ديننا ... بأن الغناء سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل الحمار ... ويرقص في الجمع حتى يقع
وقالوا سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القِصَع
كذلك البهائم يرقصها ريها والشبع
فيا أولى للعقول ويا أولى ... للنهى ألا منكر منكم للبدع
تهان مساجدنا بالسماع ... وتكرم مثل ذاك البيع
وكما قال آخر:
أيا جيل ابتداعٍ شر جيل ... لقد جئتموا بأمر مستحيل
أفي القرآن قال لكم إلهي ... كلوا مثل البهائم وارقصوا لي
حاشاه.
فإذاً: الضرب على الدف أو الطبل في الذكر، هذا أشد تحريماً من الضرب على الدف في اللهو؛ لأنهم يصدق فيهم قول الله ربنا في كتابه: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف: ٥١).
وقال ﵎ في حق المشركين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: ٣٥).
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ﴾ عبادتهم لله.
стр. 1356
﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ الحرام.
﴿إِلَّا مُكَاءً)﴾ صفيراً، وأنتم ترون الشباب الآن كيف يصفرون، هذا إرث ورثه الكفار بعضهم من بعض، وكان المشركون في عهد الجاهلية في بيت الله الحرام يتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق.
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ هكذا اليوم يفعل بعض المسلمين ممن عرفتم ذم فقهاء المسلمين لهم، وإنكارهم عليهم أشد الإنكار، حتى أفتى بعضهم بأن المكان الذي يذكر فيه هؤلاء الرقصة الأكلة، يجب أن يحرث؛ لأنه تلوث؛ أتي فيه بمعصية الله ، ذلك الذكر الذي زعموا أنه ذكر وإنما هو لهوٌ.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٢٦: ٠١: ٠١).
أما الضرب بالشيش، هذه مصيبة المصائب، أن يكون هناك مئات الألوف من المسلمين يتوهمون أيضاً هذا الإيذاء للنفس هو معجزة، هو كرامة لهؤلاء الناس الذين يزعمون أنهم على شي من الدين، وليسوا على شيء؛ لأن الدين هو اتباع
ما كان عليه الرسول ﵇، ولم يكن رسول الله ﵌ ولا أصحابه
الكرام يذكرون الله بهذه الصفة، التي عرفتم شيئاً منها من تلك الأشعار التي أسمعتكم إياها.
فهنا حرامان اجتمعا عند هؤلاء، الضرب على الدف في الذكر، وضرب هؤلاء الناس لأنفسهم بالشيش، وهذا إيذاء للنفس يقترن به تضليل للمسلمين، وإيهامهم أن هذه كرامة، والحقيقة هي ليست أولاً بكرامة، بل هي إهانة، ثم هي
стр. 1357
تمرين يستطيع أفجر الفاجرين أن يفعل فعلهم، يستطيع ذلك أن يفعل ذلك الكافر، الكافر الذي لا يؤمن بالله ورسوله، لماذا؟ لأنه تمرين، رياضة، وأنتم لعلكم جميعاً سمعتم بعض غرائب الهندوس الوثنيين الذين يدفن أحدهم على مرأى من شهود، بل وأطباء فحاصين، حضروا خصيصاً كيف يدفن هذا في الأرض، ثم يخرج حياً، من أين يتنفس؟ هل معنى هذا الوثني؛ لأنه عاش تحت التراب أياماً مش ساعات، ثم خرج حياً، هذا من أولياء الله الكبار، حاشا لله .
هذه تمارين ورياضة، والرياضة تأتي بعجائب الأمور، أنتم مثلاً ترون حوادث كثيرة وكثيرة جداً، حبل ممدود على البحر، نحن لو مشينا [نمشي] على جسر ضيق، أما هو يمشي على الحبل، أيش هذه كرامة؟! مالها علاقة بالكرامة أبداً، هذا هو تمرن، ويشترك فيه الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وعلماء المسلمين قديماً وحديثاً لهم تجارب مع هؤلاء الناس الذين لا يعرفون من دينهم سوى هذه التمارين التي اعتادوها ثم يُضلِّلون الناس بها، مع أن العلماء يقولون:
إذا رأيت شخصاً قد يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف على حدود الشرع ... فإنه مُسْتَدْرَجٌ وبدعي
لماذا قالوا؟ قالوا: لأن .. خوارق العادات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - معجزة.
٢ - كرامة.
٣ - استدراج.
المعجزة: من النبي، والكرامة: من الولي، والاستدراج: من الكافر والمنافق.
لستم بحاجة لنتحدث عن المعجزات، فهي في الكتاب والسنة ما شاء الله كثيرة، والكرامات أيضاً .. كرامات الأولياء الصادقين الصالحين، فهذه والحمد لله
стр. 1358
أيضاً كثيرة، يقول تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ (آل عمران: ٣٧)، هذه كرامة لمريم ﵍، وهناك كتب مؤلفة في هذا الصدد، ومن أحسنها كتاب ابن تيمية ﵀ .. شو اسمه؟
مداخلة: ...
الشيخ: نعم؟
مداخلة: القاعدة في كرامات الأولياء ...
الشيخ: لا، لا ذكرونا باسمه يا جماعة.
مداخلة: الكرامة ومعجزات الأنبياء والرسل.
الشيخ: لا.
مداخلة: القاعدة في كرامات الأولياء (١).
الشيخ: الخلاصة، أما الحديث الذي ينبغي أن نتحدث عنه هو الاستدراج، لقد جاء في أحاديث كثيرة وصحيحة، بل ومتواترة أن الدجال الأكبر في آخر الزمان يقول للسماء: أمطري، فتمطر. يقول للأرض: أنبتي نباتك، فتنبت، يقول للخرابة -أرض خربة-: أخرجي كنوزك، فتخرج وتتبعه، يقطع الرجل قسمين بالسيف، ثم يعيده حياً، هل هذه كرامات؟ هذه خوارق عادات، يجريها الله على [يد] هذا الدجال الأكبر الذي حدثنا عنه الرسول ﵇، فقال: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أكبر من فتنة المسيح الدجال» فها هو هذا المسيح الدجال يأتي بهذه الخوارق والعادات.
стр. 1359
فإذاً: الخارق للعادة ما يدل على صلاح أبداً، الصلاح هو العمل الصالح؛ لذلك قال الشاعر السابق:
إذا رأيت شخصاً قد يطير أي: يطير بدون أجنحة، مش بالطائرة، فالكفار يطيرون وسبقونا بالطيران.
إذا رأيت شخصاً قد يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف عند حدود الشرع ... فإنه مُسْتَدْرَجٌ وبدعي
فهؤلاء الذين يضربون أنفسهم بالشيش، هذه تمارين، ومن أكبر الأدلة على ذلك: أنك إذا قلت لأحدهم، هات أنا بضربك بدبوس صغير، بيقول لك: لا، ليه إذا كان هو صاحب كرامة فعلاً، خليه يأتي كرامته لأي شخص بيريد يضربه في أي مكان، يقول لك: لا، ليه؛ لأن هو مش متمرن يضرب حاله هون في الصدر، في القلب، ولا هون .. ولا هون، وإنما هون، حيث العضل، حيث اللحم، ليس حيث الأعصاب وحيث العظام.
قلتُ آنفاً: لعلماء المسلمين على مر الزمان تجارب مع هؤلاء الدجالين، من أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي تحدى شيخ الرفاعيين في زمانه، والمعروفين بالبطائحيين الذي كان يتظاهر بأنه يدخل النار ولا يحترق، فتحداهم، ووصل خبر التحدي إلى أمير دمشق يومئذ، فاستدعى شيخ الطريق، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ليشوف كيف يتجادلان وماذا يفعلان في النهاية، فتكلم شيخ الإسلام بما عنده من علم، وأن هؤلاء من أشرار الخلق، من شرار الخلق، وأنهم لا علم ولا تقوى ولا صلاح، وإنما يدجلون الناس بأمور يشترك في فعلها الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، وقال في جملة ما قال: إن هؤلاء يدهنون
стр. 1360
أبدانهم بمادة خاصة، وثيابهم كذلك، فيدخلون التنور ولا تحرقهم النار، وأنا أتحداهم بشرط واحد، تأمر يا حضرة الأمير أن يخلعوا هذه الثياب وتأتيهم ثياب غسيل من عندك، وتأمرهم أن يغسلوا بالماء والخل أبدانهم، ثم يلبسون هذه الثياب البياض، وأدخل أنا حينذاك معه التنور، فمن احترق منا فهو الكاذب، فلما انكشف الأمر لذاك الدجال، نكث على عقبيه.
حوادث كثيرة وكثيرة، لعله من المفيد أن أذكر لكم قصة بسيطة جداً وقعت بي أنا، وأنا العبد الفقير، كنت سافرت إلى حلب من دمشق في سبيل الدعوة، ألقينا الدرس وانفض الناس، ويبقى عادة أربع خمس هيك من إخواننا الأصدقاء، تأخر معهم شخص ما رأيته البتة قبل تلك الساعة، جالس هناك بعيد عني، وبطنه هيك، ما هو بالبدين، نحيل، مع ذلك كرشه هيك، قلت له: (ما) هذا يا رجل؟ قال: هذه الرحمانية، أنا لأول مرة أسمع كلمة الرحمانية هناك في حلب، قلت: إيش يعني الرحمانية؟ قال: يعني الشيش، قلت: يعني أنت جئت بي لماذا، أنا أعرف، قال: نوريكم كراماتنا، قلت له: الأمر سهل، كنت أحمل يومئذ موسى ذي نصلين، كل نصل هيك طوله صغير، منشان بَرَّاية القلم، قلت له: إذاً أنا أضربك بهذه الموسى بيدي، فقال: بيدي. يعني: هو بيضرب حاله بها الموس اللي بعطيه إياه بإيده، قلت له: لا بيدي، قال: بيدي. فالناس بدءوا يتفرجوا على هالكلمة التي تتكرر من الفريقين، أنا بقول: بيدي، وهو بيقول: بيدي، بيدي .. بيدي .. بيدي .. بيدي، وأنا بطبيعة الحال أَصْبَر منه، أولاً: محق، وثانياً مضى علي ما شاء الله من سنين وأنا أدعو الناس أشكالاً وألواناً إلى دين الله الحق، فَكَلَّ ومَلَّ، ولذلك طلع منه آخر كلمة: شو الفرق، أنا بقول له: بيدي، وهو بيقول لي: بيدي بيدي، وبعدين مَلَّ
стр. 1361
وكَلَّ، وقال: إيش الفرق، قلت له: ما دام ما في فرق، فبيدي .. حول الموضوع رأساً، وهذا من تجهيلهم، نادى صاحب الدار واسمه كمان أبو أحمد، قال له: يا أبو أحمد، هات المنقل، بتقولوا المنقل أنتم تبع الفحم، فهمت أنا ماذا يريد، قلت له: يا أبو أحمد، لا تجيب المنقل، هات الكبريتة. سبحان الله، كان هو من الصوفية بيعتادوا يحطوا حطة بيضاء بدون العقال، فجاء بالكبريت، شعلت كبريتة وقمت إليه، قلت له: ترجع عن دعواك هذه الباطلة، ولا بحرقك، مسكين، وجم، يعني خرس، ما يحكي ولا كلمة، وأنا أتقدم إليه خطوة خطوة حتى اقتربت منه فعلاً حطيت الكبريت في ... في الحطة تبعه، وبدأت تلتهب، ثم أخذتها هيك فركتها، خشية إنه يزداد الشرر، عملتها هيك، قلت: روح بقى لعند الشيوخ تبعكم، قلهم هاي كرامات السلفيين.
"الهدى والنور" (٢٠/ ١٦: ٠٩: ٠١)
[٣٤٤] باب ما هي الطريقة السلفية
للإنكار على المشعوذين ؟
سؤال: نريد الطريقة السلفية للإنكار على المشعوذين؟
الشيخ: الطريقة السلفية معروفة: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، فيقال لهؤلاء: من سلفكم في هذا؟ سلفهم أمثالهم من الدجالين، أنا قلت لبعض إخواننا أن هؤلاء لا يفهمون الأدلة ولو فهموها ما رجعوا إليها، لأن ما هم عليه هو ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، هم بلا شك من الناحية الفقهية يدَّعون المذهبية، فكل منهم ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة اليوم، لكن هذا في الحقيقة اسماً وشكلاً، أما حقيقةً وواقعاً فلا أحد منهم يتقيد
стр. 1362
بالأحكام الشرعية، لكن لو سألتهم: ما مذهبك؟ سيقول: أنا حنفي أو شافعي حينئذٍ يقال له: هل إمامك الشافعي قال بجواز هذا العمل؟ هناك خطتنا نرجع إلى السنة وإلى السلف، لكن هؤلاء ما يفقهون هذه الخطة المثلى، لكن هم إذا ما أعوزهم الأمر رجعوا للاحتجاج عليه بالأئمة، وقالوا لنا: أنتم خامسية وأنتم وهابية وأنتم .. فإذاً: نحن نخاطبهم بلغتهم، أولاً نقول لهم: من سلفكم في هذه الأعمال التي تأتون بها؟ ثم القضية تحتاج إلى نوع من الاختبار والامتحان العملي ... بعضهم رأى من يضرب نفسه بالشيش، هذه القضية معروفة منذ مئات السنين عن هؤلاء وأنهم جريئين جداً في أن يطعنوا أنفسهم بأيديهم، لكنهم هم في الواقع كما يقال أحدهم يعرف كيف تؤكل الكتف، هو يعرف [كيف يضرب] نفسه بنفسه ولذلك تعود القضية إلى أمرين رياضة وممارسة فتقلب عليهم القضية ويطلب منهم أن يُطعن من أحدكم مثلا ً وليس بالشيش وإنما بالموس الصغير، ... فهؤلاء يجب أن ينبهوا بخطوة عملية تبين للناس أنهم يدجلون فعلاً؛ لأن الحجة العلمية ما تفيدهم.
ولوالدي سابقة وتجربة مع بعض هؤلاء الطرقيين ثم جرت لي أيضاً حادثة: كان هناك في بلدنا الأصيلة ألبانيا .. كان هناك شيخ نقشبندي كان يأتي بمثل هذه الدعاوى الباطلة مما يدعونه بأنهم .. وأنه يفعل ويفعل ويطعن حاله بالشيش فأبي تحداه ﵀ وقال له: أنا رجل فقير لا أملك إلا هذه الدار فمع ذلك فهي لك إن بقيت في قيد الحياة إذا ما مكنتني من أن أطعنك بهذه الموسى الصغيرة بدل الشيش الكبيرة فأبى، والسر في هذا معروف أنهم يُطعنون من أبدانهم في أماكن يعرفون أنها غير قاتلة.
стр. 1363
وكذلك وقعت لي حادثة منذ عشر سنوات في حلب التي هي في شمال دمشق، وكان من عادتي أن أسافر إليها في سبيل الدعوة كل شهر أياماً، فبعد أن ألقيت الكلمة أو المحاضرة وانفض الناس عادةً يتخلف ويتأخر بعض الإخوان المقربين، ثلاثة أربعة لكن بقي أحدهم ما رأيته حتى في الجلسة ما تنبهت له، لأن الجلسة تكون عامرة لكن لما انصرفوا بقي ثلاثة أربعة ممن نعرفهم فهو برز أمامي بشخصه المجهول عندي، ثم لفت نظري شيء ناتئ هكذا، وهو نحيف وليس بدين مثلي .. مع كونه نحيل بطنه خارج، ما هذا يا أخي؟ قال: هذه الرحمانية ولأول مرة أسمع بها، قلت له: ما معنى الرحمانية؟ قال: يعني: الشيش، فهمت حينئذ أنه صوفي، قلت له: تريد تورينا بشيشك كرامة؟ قال: نعم، وسبحان الله! يومئذٍ كنت أحمل موسى كموسى والدي موس صغير له طرفين, قلت له: لا تحتاج إلى شيش ... لكن ما رأيك أن أضربك بهذه الموسى بيدي؟ قال الخبيث: لا، بيدي، قلت له: لا، بيدي، وما يسمع الحاضرون إلا هذه الكلمة تتكرر من كلينا، هو يقول: بيدي، وأنا أقول: بيدي، بيدي بيدي حتى أزعجته وأمللته، قال: ما الفرق؟ قلت له: ما دام ما في فرق فبيدي، بهت الرجل ولف ودار في الكلام ونادى صاحب البيت، قال: يا أبو أحمد! هات المنقل،- تبع الفحم- فهمت أنا ما يريد، قلت له: تريد أن ترينا كيف النار لا يؤثر فيك؟ قال: نعم، قلت له: يا أبو أحمد! لا تأتي بالمنقل ائت فقط بكبريت، سبحان الله! ما أسرع ظهور الباطل!
أتى بكبريت الرجل فهو واضع حطة هكذا .. هو بعيد قليلاً عني فقمت إليه، هو جالس في مقعده ... ، أشعلت الكبريت وقلت له: سترجع عن ادعاء الباطل أو أحرقك، مسكين وجهه وجم فما نطق ولا بكلمة، كيف؟ أبداً ما يتكلم، فبدأت أحرق الحطة تبعه فعلاً، التهبت "ففركتها" عملت لها هكذا وأصبحت هكذا فجوة
стр. 1364
وقلت له: اذهب إلى شيخك وأريه كراماتنا نحن.
هؤلاء الجماعة يريدون هكذا؛ لأن القضية قضية تمرين ليس قضية فيها أولاً كرامة حتى قد يكون سحر أحياناً لكن هذه ليست [سحراً] هذه كلها تمارين، ربنا كان ألهم أحد مشايخ الطرق في حلب .. ما ندري هو بإخلاص .. هو بهدف ما ندري ماذا كان هو؟! أصبح سلفي [انقطاع] أنه تحمله الملائكة .. خفيف تحمله الملائكة بأن يلقي في الطبل الذي يدق عليه من أجل أن يجمعوا الناس والحقيقية يريدون أن يجمعوا الشياطين التي تعينهم على المنكر، فيرموا هذا الطبل على الأرض ثم يقف هو على الطبل فلا ينبعج الطبل؛ لأنه تحمله الملائكة هكذا يوهمون الناس.
يقول هذا الرجل ولا أزال أحفظ اسمه .. اسمه حسن ويقول الأرنؤوط يعني من بلادنا ... حسن الأرنؤوط شيخ طريقة يتظاهر أنه سلفي قال: أتى مرة شيخ طريقة شاب إلى حلب وأصبح يجمع الناس في الساحات في حلب ويعملوا ذكر، حلقة الذكر على طريقتهم فالحلقة تستدعي إذاً أنه يرمي هذا الطبل ويقف عليه ويشوفه الناس كيف أنه ما هوى به الطبل، أراد هذا لكن ربنا خذله ما كاد يقف إلا انبعج الطبل وهبط .. صاحبنا موجود وفي إبان مشيخته، قال له: اذهب أنت لم تَصِلْ بعد، أتى وقلب الطبل على الوجه الثاني ووقف فصفقوا له الناس، يعني: هذا ابن طريق وابن شيخ وهكذا، قال لي: ما الحيلة في هذا؟ القضية ما فيها شيء إلا نوع من التمرين هذا الشيخ الصغير ليس متمرن بعد .. الحيلة في ذلك أنه الذي يريد أن يعمل العملية يضع الكعب تبع القدم يضعه على حرف الإطار تبع الطبل وبقية القدم [على] الجلد وبذلك لا يصير شيء .. هذا الرجل باعتبار أنه غير متمرن
стр. 1365
أتى بالكعب تبع القدم على الجلد فهوى به، وهكذا حكى لنا أشياء كثيرة وكثيرة جداً كلها تدور حول أمور عادية تماماً لكن تحتاج إلى تمرين وإلى نوع من الرشاقة والخفة.
أتى مرة ونحن في دمشق من ألبانيا بعض الشباب، ليس بالشباب الصالح، أرادوا أن يذهبوا للحياة في سوريا لعله أحسن من هناك وإذا به يفعل بعض هذه الأفاعيل التي يرتكبها الطرقيون، من جملتها يأكل الزجاج ويومئذ لم تكن الكهرباء هذه انتشرت في البلاد، كانت القناديل هذه تبع الزيت والفتيلة، واللمبة صنع البلد، فيأخذ اللمبة هذه [أمام] الناس ويعض عليها، نحن عندما نسمع جسمنا ماذا؟ يتقزز، يقرطها هكذا بالأسنان ويبلعها، أخي أكبر مني بسنتين توفي إلى رحمة الله، اسمه أبو أحمد يمكن بعض إخواننا أبو أحمد يعرفه، تمرن وأصبح هو الآخر يأكل زجاج لكن ليس بنفس الدعوى التي يدعيها الطرقيون.
يعني في قضايا تحتاج إلى نوع من الجرأة والممارسة، وهؤلاء الجماعة هكذا لا يغلبون إلا بأن يُؤتون على عكس ما يدعون هم، أما قضية حجة .. كتاب .. سنة .. أئمة .. علماء، لا يفهمون شيئاًَ من هذا إطلاقاً، لذلك فلازم نعرف كيف نجابههم ونعارضهم.
مداخلة: نقول لهم: ما دمتم أولياء .. الولي ما يحتاج إلى مقدمات من الطبل والأناشيد .. فجربوا .. أثبتوا كرماتكم بدون الطبل مثلاً ..
مداخلة: يقول لك: هذه الحضرة، لا تصبح كرامة إلا بعد الحضرة حتى يتقربوا ويصلوا .....
[كلام غير واضح يحكي فيه الحضور بعض ما يفعله الدجالون].
стр. 1366
الشيخ: هذه من ... المصريين ... قضايا، ... ناس عندنا في دمشق يعمل حلقة هكذا يأخذ له ... ورق سورية خمسين ليرة .... على مشهد من الناس وبعد ذلك يرجعه، لا شك أن هذا من أنواع السحر، كما قال تعالى بالنسبة لسحرة فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦) نعم، كذلك يأخذ الخاتم من يد إنسان وإذا به أصبح في يد إنسان آخر، أشياء غريبة جداً مع أنه رجل لا خلاق له، يمكن أنه لا يصلي ولا يصوم وإلى آخره، ولكن الفارق بين هذا أنه يتخذها مهنة .. أولئك يتخذونها كرامة وولاية.
" الهدى والنور" (٢٨/ ٤٧: ٢٣: ٠٠)
стр. 1367
جماع أبواب الكلام حول الاستغاثة وأحكامها
стр. 1368
[٣٤٥] باب من الشرك: الاستغاثة بالأموات
وبيان جواز الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه
[قال رسول الله ﵌]:
«إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم محمد ﵌، فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم».
[قال الإمام]:
(فائدة): قوله ﵌: " استغاثوا بآدم "، أي: طلبوا منه ﵇ أن يدعو لهم، ويشفع لهم عند الله ﵎، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة معروفة في " الصحيحين "، وغيرهما، وليس فيه جواز الاستغاثة بالأموات، كما يتوهم كثير من المبتدعة الأموات! بل هو من باب الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه .. ﴾ الآية.
ومن الواضح البَيَّن أنه لا يجوز- مثلاً- أن يقول الحي القادر للمقيد العاجز: أَعِنيِّ! فالميت الذي يستغاث به من دونه تعالى أعجز منه، فمن خالف، فهو إما أحمق مهبول، أو مشرك مخذول لأنه يعتقد في ميته أنه سميع بصير، وعلى كل شيء قدير، وهنا تكمن الخطورة لأن الشرك الأكبر، وهو الذي يخشاه أهل التوحيد على هؤلاء المستغيثين بالأموات من دون الله ﵎، وهو القائل: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم
стр. 1369
آذان يسمعون بها﴾ وقال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾.
"الصحيحة" (٥/ ٥٩٠ - ٥٩٢).
[٣٤٦] باب منه
[روي عن النبي ﵌]:
«إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا علي، يا عباد الله احبسوا علي، فإن لله في الأرض حاضراً سيحبسه عليكم».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
وقال الحافظ السخاوي في " الابتهاج بأذكار المسافر والحاج " (ص ٣٩): " وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جرَّبه هو وبعضُ أكابر شيوخه ".قلت: العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها في أمر غيبي كهذا الحديث، فلا يجوز الميل إلى تصحيحه بالتجربة! كيف وقد تمسك به بعضهم في جواز الاستغاثة بالموتى عند الشدائد وهو شرك خالص. والله المستعان.
"الضعيفة" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).
[٣٤٧] باب منه
[روي عن النبي ﵌]:
«إذا أضل أحدُكم شيئاً، أو أراد أحدكم غوثاً، وهو بأرض ليس بها أنيس
стр. 1370
فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
ومع أن هذا الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ " عباد الله " فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: " فإن لله
في الأرض حاضرا سيحبسه عليهم ".وقوله في هذا الحديث: " فإن لله عباداً
لا نراهم".
وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني».
قال الحافظ كما في " شرح ابن علان " (٥/ ١٥١): " هذا حديث حسن الإسناد غريب جداً، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي ﵌ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ".
وحسنه السخاوي أيضا في " الابتهاج " وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". قلت: ورواه البيهقي في " الشعب " موقوفا كما يأتي.
فهذا الحديث- إذا صح- يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول "يا عباد الله" إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، فإن