[٥٣٠] باب منه
[سئل الشيخ عمن يقول: لا يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن، بل يقول: أنا مسلم، فأجاب ﵀]:
الحقيقة التي لا تخفى على عالم أن هناك فرقاً بين الإسلام وبين الإيمان، وبينهما كما يقول الفقهاء: عموم وخصوص، أي: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، لماذا؟ لأن الإيمان هو الاعتقاد فهو أمر قلبي، أما الإسلام وهو أمر عملي ظاهر ..
أما الإسلام فعمل ظاهري، عمل الجوارح ... ، الإيمان قلبي باطني غير ظاهر، أما الإسلام فهو ظاهري عملي فيظهر، فقد يمكن أن يُسْلِمَ بعض الناس لمصلحة شخصية، هذه المصلحة تتغير وتختلف باختلاف الزمان والمكان، في الزمن الأول: زمن قوة الإسلام التي نبع منها تشريع خاص من ذلك قوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم وحسابهم على الله» فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا بها دمائهم وأموالهم، إذا قالوها عن عقيدة .. عن إيمان .. أو عن خوف قتل .. خوف دفع جزية أو ما شابه ذلك؛ لذلك كان الإسلام غير الإيمان، فالإسلام عمل ظاهري، والإيمان عمل باطني فإذا عرفنا هذه الحقيقة وهي منصوص عليها في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله ﵌ في نصوص كثيرة من أشهرها قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (الحجرات:١٤) أتى الأمر الإلهي: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات:١٤) هؤلاء أسلموا يعني: تظاهروا بأنهم يشهدوا أن لا إله إلا الله .. يقوموا إلى الصلاة، ولكن ربنا علم منهم أن الإيمان لم يدخل إلى قلوبهم، فهؤلاء مسلمون، أي: قد يكونون منافقين
стр. 1682
في قلوبهم لكن مسلمون في أعمالهم.
ولذلك فمن كان مؤمناً حقيقةً في قلبه فهو مسلم ولا شك، والعكس، أي: ليس كل مسلم مؤمن؛ لذلك أنا استنكرت قول ذلك الشاب: أنه أنت عندما تقول: أنا مؤمن .. لا، أنت مسلم ما لك مؤمن، فلما قال لك ذاك الإنسان: أنك أنت لست مؤمناً أنت مسلم كنت مستحسن أنك تعكس عليه سؤال: فأنت مؤمن أو مسلم؟ إذا قال: لا، أنا مؤمن، طيب! ما الفرق بيني وبينك؟ لماذا تنكر علي قولي: أنا مؤمن؟
هو الواقع بدا لي من هذا السؤال ومن بعض المناقشات التي جرت بينك وبينه أن هذا سامع كلمات، وجد كلمات من بعض المحاضرات أو بعض الدروس وليس مستوعبها، يوجد عند علماء السلف هذا الحديث، أنه إذا سئل الإنسان: «هل أنت مؤمن»؟ يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، بينما أناس آخرين يقولوا: «لا، لا تقل: إن شاء الله، قل: أنا مؤمن اجزم»، وجهة نظر الذي يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ ليس هو الشك في إيمانه، أنا وأنت كلُّ أحدٍ منا يعرف نفسه أنه مؤمن بالله ورسوله وما جاء في كتاب الله وسنة رسوله.
فلما المسلم حقاً يسأل مثل هذا السؤال: المنهج السلفي يقول له: لا تقل: «أنا مؤمن» جزماً وحقاً، لكن قل: «أنا مؤمن إن شاء الله»، لماذا؟ لأن الإيمان ليس هو مجرد الاعتقاد، وإنما يضاف إليه العمل الصالح؛ لذلك: إذا ذكر الله الإيمان قرن معه العمل الصالح: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (العصر:١ - ٣).
ولذلك من المقرر عند علماء السلف أن العمل الصالح من الإيمان، بينما الذين يسمون بالماتريدية هؤلاء يقولون: لا، العمل الصالح لوحده، والإيمان وحده، أي: العمل الصالح ليس له علاقة بالإيمان، عرفت؟ هكذا يقولوا، وهذا بلا
стр. 1683
شك خطأ، ويبنون على هذا الخطأ خطأ ثان، وهو: هذا الماتريدي إذا سئل: هل أنت مؤمن؟ يقول لك: أنا مؤمن حقاً، لماذا؟ لأنه يتكلم على العقيدة لا يعني العمل الصالح؛ لأنه يقول هكذا: الإيمان ليس له علاقة بالعمل الصالح، صحيح العمل الصالح فرض واجب لكن لا يدخل في مسمى الإيمان، بينما عند الجمهور: الإيمان من معانيه العمل الصالح، من هنا يختلف الجواب، هل الذي يقول: الإيمان هو الاعتقاد الجازم فيسأل: يقول: «أنا مؤمن حقاً»، أما الذي يعتقد أن من الإيمان العمل الصالح يقول لك: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ لأنه لا يعرف أنه قائم بحق هذا الإيمان أو لا.
هذا الشاب يمكن سمع أن السلف لا يقولون: أنا مؤمن حقاً، يقولون: مؤمن إن شاء الله، ففسرها: أنه لا تقل: مؤمن مطلقاً، وإنما أقول: أنا مسلم، أنت تقدر تقول عن إنسان مسلم إذا شكيت في إيمانه! مثل المنافقين الذين كانوا في زمن الرسول، وما أظن هو يريد أن يتهمك بالنفاق، ولذلك كنت أستحسن جداً أنك تقول له: أنت مؤمن؟ هذا السؤال أنا أجبتك عليه، ما جوابك أنت عليه إذا أنا قلت لك: هل أنت مؤمن؟ فإذا قال لك: أنا مؤمن، معناه: كشفته أنه يتهمك بالنفاق، يعني: يقول لك: أنت كافر تظهر الإسلام، وإذا قال لك: أنا مسلم ولم يقل: أنا مؤمن، يتحقق أنه لا يفهم القضية، آخذ رؤوس أقلام من قول السلف: أنه أنا مؤمن إن شاء الله، إذاً: لن يقول أنا مؤمن.
فأنت عندما قلت له: أنا مؤمن كنت مخطئ عنده، لكن ما الصواب؟ أنه لازم تقول: أنا مسلم، لا، الجواب الصحيح: أنا مؤمن إن شاء الله، أما إذا كنت قصدت أو فهمت من سؤال السائل: هل أنت تعتقد اعتقاد جازم بالإسلام والقرآن والسنة وإلى آخره، فقلت له: نعم، أنا مؤمن ما من مانع من هذا الجواب، لكن عندما
стр. 1684
يسأل سؤالاً مطلقاً: هل أنت مؤمن؟ الجواب السلفي: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه داخل في مسمى الإيمان العمل الصالح.
هذا السائل: عندما سألك: هل أنت مؤمن؟ ما ندري ماذا قصد؟ فأنا أخشى ما أخشاه أحد شيئين وأحلاهما مر:
الشيء الأول: أنه يتهمك بالكفر، ولذلك سيقول لك: أنت لست مؤمناً، أنت مسلم.
الشيء الثاني الذي يمكن يقصده: هو هذا المعنى الذي لا يقوله عالم؛ لأن السلفيين أتباع أهل الحديث يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله، الماتريديين يقولوا: أنا مؤمن حقاً، فهو: لماذا ينكر هذه وينكر هذه؟ لذلك قال لك: قل: أنا مسلم، فيعاد عليه السؤال: أنك أنت سألتني كذا وقلت لي: لا، أنت لازم تقول: أنا مسلم، فأنت شو تقول .. يتبين حينئذ ما قصده بهذا السؤال.
" الهدى والنور" (١٧٠/ ١٥: ٤٨: ٠٠)
стр. 1685
جماع أبواب
الرد على المرجئة والأحناف في مسائل الإيمان
стр. 1686
[٥٣١] باب تعريف المرجئة
[قال الإمام]:
(المرجئة) هم فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
سموا مرجئة، لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم. كذا في "النهاية".
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص٦٣ - ٦٤)
[٥٣٢] باب ذكر بعض طوائف المرجئة وبيان بطلان مذهبهم
[قال الإمام]:
من المعلوم أنهم [أي الحنفية] لا يقولون بما جاء في الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة من التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان، وعليه جماهيرُ العلماء سَلَفاً وخلفاً ما عدا الحنفّية؛ فإنهم لا يزالون يُصِرُّون على المخالفة؛ بل إنهم لَيُصَرِّحون بإنكار ذلك عليهم، حتى إن منهم من صرّح بأن ذلك ردة وكفر - والعياذ بالله تعالى -، فقد جاء في (باب الكراهية) من ((البحر الرائق)) - لا بن نُجَيم الحنفي - ما نصُّه (٨/ ٢٠٥): "والإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الإيمان عندنا ليس من الأعمال" (١).
стр. 1687
وقال في (باب أحكام المرتدّين) (٥/ ١٢٩ - ١٣١) ما نصّه: "فيكفر إذا وصف الله بما لا يليق به، أو سخر باسم من أسمائه ... - ثم سرد مكفرات كثيرة، ثم قال: - ... وبقولة: الإيمان يزيد وينقص"!.
"الذب الأحمد" (ص ٣٢ - ٣٤)
[٥٣٣] باب بدعة الشهادة من بدع المرجئة
[قال] أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الإيمان": حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة.
(إسناده إلى الجمع المذكور صحيح).
[قال الإمام]:
أما (الشهادة) فالظاهر أنها من بدع (المرجئة) الذين يشهدون لكل مؤمن بالجنة، الذين يقولون: كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع الإيمان عمل. أو لعلها من بدع المعتزلة، فقد اختلفوا في (الشهادة) على أربعة أقوال، منها قول بعضهم: الشهداء هم العدول قتلوا أولم يقتلوا. راجع بقية أقوالهم في "مقالات الإسلاميين" (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص ٦٥)
стр. 1688
[٥٣٤] باب رد قول المرجئة:
لا يضر مع الإيمان ذنب، وبيان خطورة قولهم
[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية: "ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله"].
وذلك لأنه من قول المرجئة المؤدي إلى التكذيب بآيات الوعيد وأحاديثه الواردة في حق العصاة من هذه الأمة وأن طوائف منهم يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بغيرها.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٣).
[٥٣٥] باب رد قول المرجئة
أن الإيمان واحد وأهله في أصله سواء
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية]:" والإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى".
قلت: هذا على ما تقدم من قوله في الإيمان أنه إقرار وتصديق فقط وقد عرفت أن الصواب فيه أنه متفاوت في أصله وأن إيمان الصالح ليس كإيمان الفاجر. فراجعه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٩ - ٧٠).
[٥٣٦] باب بيان بطلان عقيدة الأحناف في الإيمان
السائل: بالنسبة لمسألة الإيمان عند الأحناف، هل ثبت القول عن أبي حنيفة بأنه لا يشترط العمل في الإيمان .. ؟
стр. 1689
الشيخ: لا شك هذا مذهب الحنفية كلهم، إمامهم وتابعهم كأبي يوسف ومحمد وأبو جعفر الطحاوي الذي أعتبره من نوادر المحدثين الأحناف ومن المجتهدين، مع ذلك فأنتم قرأتم رأيه في العقيدة الطحاوية، فهو ينحو منحى شيوخه: أن الإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، أما العمل فلا يذكره، ولذلك قالوا: إن الإيمان كتلة واحدة وشيئًا واحدًا لا يزيد ولا ينقص، هذا خلاف القرآن والسنة.
مداخلة: هل يصح أن يقال: أن هذا الخلاف خلاف لفظي؟
الشيخ: [بل] هو خلاف جوهري، وحسبكم دليلًا على ذلك أنهم رتبوا على ذلك -بعض المتأخرين منهم-، أن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر، ورتبوا على ذلك مسألتين عجيبتين، قال قائلهم من قبل: لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالشافعية؛ لأن الشافعية يقولون إذا سئلوا: هل أنت مؤمن؟ قالوا: أنا مؤمن إن شاء الله، فقولهم: إن شاء الله شك في الإيمان، ومن شك في إيمانه فقد كفر، ومضت هذه الفتوى ما شاء الله من سنين، ثم جاء من يسمى بمفتي الثقلين أبو السعود صاحب التفسير المعروف فيه، فسئل هذا السؤال نفسه، فما أدري كان جوابه خيرًا من السابق أم شرًّا منه، وإن كان من الناحية العملية ألطف منه، حيث أجاب بأنه يجوز للحنفي أن يتزوج بالشافعية تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب، فهذا التصريح خطير جدًا ولازمه أنه لا يجوز للحنفية .. المرأة الحنفية أن تتزوج الشافعي؛ لأنه يشك في إيمانه فهو كافر، يعني: كالنصرانية تتزوج المسلم لكن المسلمة ما تتزوج النصراني.
فالخلاف جوهري، لكن زاهد الكوثري والكوثري الصغير هذا يحاول أنه يقولون بالتعبير الشامي: "يبردخ" يزين يقرب الموضوع من أجل أن يدفع النقمة
стр. 1690
عن هذا المذهب، فأبي حنيفة في اعتقادي ما يحتاج إلى مثل هذا التسويغ وهذا التجويب فهو رجل عالم وفقيه فاضل لكنه غير معصوم، وكما قال مالك: ما منا من أحد إلا رَدَّ ورد عليه إلا صاحب هذا القبر.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠١:٠٥:٠٨)
[٥٣٧] باب الرد على من أخرج العمل من مسمى الإيمان
وبيان أن الخلاف بين أهل السنة وبين الحنفية والماتريدية حقيقيًّا لا صورياًّ
-[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية]:"والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان":
هذا مذهب الحنفية والماتريدية خلافا للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان. وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياًّ كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى بحجة أنهم جميعا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان وأنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحاً فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفةً حقيقيةً في إنكارهم أن العمل من الإيمان لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة ونقصه بالمعصية مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص ٣٨٤ - ٣٨٧) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراً بل باطلاً ذكر الشارح (ص ٣٨٥) [٣٤٢] نموذجا منها بل
стр. 1691
حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة الحديث " الإيمان بضع وسبعون شعبة ... " مع احتجاج كل أئمة الحديث به ومنهم البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وهو مخرج في " الصحيحة " (١٧٦٩) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم.
ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًّا؛ وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام، كيف وهم بناءً، على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاسقاً فاجراً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقاً، والله يقول: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقا﴾ (الأنفال: ٢ - ٤) ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ (النساء: ٢٢).
وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس وعلل ذلك بقوله: تنزيلا لها منزلة أهل الكتاب.
وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبى قائلا: ... لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: " الإيمان " فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٦ - ٦٩).
стр. 1692
[٥٣٨] باب رد قول من أخرج الأعمال من الإيمان
[قال رسول الله ﵌]:
- «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو مؤمن».
[قال الإمام]:
الحقيقة أن الحديث وإن كان مؤولاً، فهو حجة على الحنفية الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فالإيمان عندهم مرتبة واحدة، فهم لا يتصورون إيماناً ناقصاً، ولذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث، لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير حجة عليهم، فإن معناه: " وهو مؤمن إيماناً كاملاً ". قال ابن بطال: " وحمل
أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالاً في الإيمان ممن لا يعصي " ذكره الحافظ (١٠/ ٢٨).
ومثله ما نقله (١٢/ ٤٩) عن الإمام النووي قال: " والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما نيل، ولا عيش إلا عيش الآخرة ". ثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع، فراجعه. ومن الغرائب أن الشيخ القاري مع كونه حنفيّاً متعصبا فسر الحديث بمثل ما تقدم عن ابن بطال والنووي، فقال في " المرقاة " (١/ ١٠٥): " وأصحابنا تأولوه بأن المراد المؤمن الكامل .. "، ثم قال: " على أن الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة عنه "! فهذا يناقض ذاك التأويل. فتأمل.
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٢٦٩، ١٢٧٦ - ١٢٧٧).
стр. 1693
[٥٣٩] باب الرد على قول الحنفية بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
سؤال: مادام تكلمنا عن العقيدة وعقيدة المذاهب لو نلقي الضوء على عقيدة أبي حنيفة.
الشيخ: أبو حنيفة أولاً: ليس له عقيدة مسطورة
ثانياً: له كتاب ينسب إليه اسمه الفقه الأكبر, وأبو حنيفه باعتبار تقدمه في الطبقة لأنه كان من أهل القرن الثاني توفي سنة (١٥٠) للهجرة, فهو لم يترك كتابا لكن ترك تلامذة, هذا الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر الحقيقة يمثل ما عليه المنتسبون إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى, أبو حنيفة فيما يتعلق بالإيمان هو رأيه كما قلنا لا يزيد ولا ينقص وهاي عقيدة كل الأحناف من أول الزمان إلى اليوم وهاي من مشاكل الجمود على التقليد خاصة بالعقيدة, ومن عجائبهم أنهم يقولون في كتب العقيدة أن التقليد في العقيدة لا يجوز, مع ذلك بتشوف الماتريدية ماتريدية والأشاعرة أشاعرة على مُضِيّ القرون كلها, وأين ما بيجوز التقليد في العقيدة وأنتم جامدين على هذا التقليد، فأتباع أبي حنيفة إذا صح لنا ولا نجد سبيلا إلا إلى ذلك أن نقول إنهم يمثلون عقيدة أبي حنيفة، فأبو حنيفة يقولٌ بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأتباعهم معه في هذا وينقلونه عنه بدون أي خلاف، بينما في مسائل فقهية ينقلون عن الإمام بعض الأقوال المتعارضة المتناقضة في المسألة الواحدة، هذا لا عجب [فيه]؛ لأن الإمام يجتهد برأيه ثم يبدو له رأي آخر, ما فيه مانع أبدا, لكن ما أحد منهم نقل عن أبي حنيفة مشياً مع نص القرآن في أكثر من آية ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٢٢).
فالإيمان يزيد بنص القرآن في أكثر من آية في القرآن الكريم, ما نقلوا ولا رواية عن أبي حنيفة ولو ضعيفة أن الإيمان يزيد وينقص وانه زيادته الطاعة
стр. 1694
ونقصانه المعصية
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد:١٧).
الشيخ: فيه آيات كثيرة, فيه آيات كثيرة
مداخلة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال:٢).
الشيخ: الشاهد: في الفقه الأكبر ناقلين عبارة تلتقي .. مع عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالعلو لله فقالوا بأن أبا حنيفة قال: من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر, هذه العقيدة موجودة عند بعض الماتريدية مش كلهم، وإلا الماتريدية مثل الأشاعرة في موضوع صفة العلو للعلي الأعلى فهم يعتقدون أن الله في كل مكان مع الأسف الشديد، لكن أبا حنيفة في هذه الكلمة التي رووها عنه فهو مع الكتاب والسنة ومع أهل السنة والحديث، وأَكَّد ذلك بعض أتباعه في القرن السادس, فيه رجل منهم له قصيدة تسمى بقصيدة «بدء الأمالي»:
يقول العبد في بدء الأمالي ... بتوحيد -ما دري إيه- بذي الجلال
قديما كنت حفظتها وبعدين ذهبت مع الإهمال والنسيان, بالجملة بيقول
بيت الشاعر:
ورب العرش فوق العرش لكن ... بلا وصف التمكن واتصال
هاي عقيدة أهل السنة وهي معنى كلام أبو حنيفة " من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر " لأنه خالف الكتاب والسنة.
في الجملة أبو حنيفة والأئمة الأربعة هم على الخط السلفي, إلا لابد يعني كل واحد له زلة, لكن الأتباع هم في واد والأئمة أنفسهم في واد.
"الهدى والنور" (٥٢/ ٣٤: ٠٧: ٠٠)
стр. 1695
[٥٤٠] باب القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
مخالف للكتاب والسنة وأقوال السلف
[قال الإمام]:
بعض الأئمة المتقدمين ممن يقلدهم اليوم جماهير المسلمين ... ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع مخالفة ذلك لأدلة الكتاب والسنة الصريحة وأقوال سلف هذه الأمة.
"تحقيق رفع الأستار" (ص٣٠).
[٥٤١] باب ضلال من يعتقد أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
[ذكر الإمام ضمن الأمثلة على ضلال أبي غدة]:
إصراره على القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص تعصبًا لحنفيته وكوثريته خلافًا للآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف.
"كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٥٦)
[٥٤٢] باب التحذير من أحاديث موضوعة تشهد لبدعة الإرجاء
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]: - «إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام».
(موضوع).
[قال الإمام]:
أقول: وحري بمثل هذا الحديث الباطل أن لا يرويه إلا مثل هذين الكذابين، فإنه حديث خطير يقضي على باب كبير من أبواب التربية والإصلاح في الشرع، ألا وهو باب الوعيد وما فيه من الآيات والأحاديث في إيعاد العصاة من هذه الأمة
стр. 1696
بالنار الموقدة [التي تطلع على الأفئدة]، والأحاديث الصحيحة في بيان هذا كثيرة جداً أذكر بعض ما يحضرني الآن منها على سبيل المثال:
١ - «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». رواه مسلم عن أبي ذر وهو مخرج في " إرواء الغليل " (٨٩٢) و"تخريج الحلال " (١٧٠).
٢ - «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب وعائل مستكبر». رواه مسلم عن أبي هريرة.
٣ - قوله ﵌ في حديث الشفاعة: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الله الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا " (١) رواه الشيخان عن أبي هريرة. وفي حديث أبي سعيد: فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه و ... ». رواه مسلم.
فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في بطلان هذا الحديث، إذ كيف يكون العذاب أليماً وهو كحر الحمام؟! بل كيف يكون كذلك وقد أحرقتهم النار، وأكلت لحمهم، حتى ظهر عظمهم؟! وبالجملة فأثر هذا الحديث سيء جداً لا يخفى على المتأمل فإنه يشجع الناس على استباحة المحرمات، بعلة أن ليس هناك عقاب إلا كحر الحمام!
"الضعيفة" (٢/ ١٤٥،١٤٧ - ١٤٨).
стр. 1697
[٥٤٣] باب ما كل حديث تُحَدَّثُ به العامة
كأن يكون ظاهر الحديث يقوي بدعة الإرجاء
[قال رسول الله ﵌]:
«أبشروا وبشروا الناس من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة».
[ترجمه الإمام بقوله: ما كل حديث تُحَدَّثُ به العامة، ثم قال]:
أخرجه أحمد (٤/ ٤١١) حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أن رسول الله ﵌ قال: (فذكره). فخرجوا يبشرون الناس، فلقيهم عمر ﵁ فبشروه، فردهم.
فقال: رسول الله ﵌: " من ردكم؟ ". قالوا: عمر قال: لم رددتهم يا عمر؟ " قال: إذا يتكل الناس يا رسول الله! قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب الأزدي. وحسنه الحافظ (١/ ٢٠٠) فقصر وكأنه أراد طريق مؤمل الآتية. ثم أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٢) حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة به وزاد في آخره. " قال: فسكت رسول الله ﵌ ". لكن مؤمل بن إسماعيل فيه ضعف من قبل حفظه إلا أنه يشهد له حديث أبي هريرة بمثل هذه القصة
مطولا بينه وبين عمر، وفي آخرها: " قال عمر: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله ﵌: فخلهم ".
أخرجه مسلم (١/ ٤٤) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة. وفي قصة أخرى نحو الأولى وقعت بين جابر وعمر، وفي آخرها:
стр. 1698
" قال: يا رسول الله! إن الناس قد طمعوا وخبثوا. فقال رسول الله ﵌ (يعني لجابر): اقعد ". أخرجه ابن حبان (رقم ٧) بإسناد صحيح من حديث جابر. وفي الباب عن معاذ بن جبل ﵁ وهو الآتي بعده، وفيه:
" قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا ". وقد أخرجه البخاري (١/ ١٩٩ - فتح) ومسلم (١/ ٤٥) وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله ﵌ ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ ... " الحديث وفيه:
«أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما». وأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨ و٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٢ و٢٣٦) من طرق عن معاذ قال في أحدها: " أخبركم بشيء سمعته من رسول الله ﵌ لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، أو يقينا من قلبه لم يدخل النار، أو دخل الجنة» وقال مرة: «دخل الجنة ولم تمسه النار». وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد ترجم البخاري ﵀ لحديث معاذ بقوله: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله".
ثم ساق إسناده بذلك وزاد آدم بن أبي إياس في " كتاب العلم " له: " ودعوا ما ينكرون " أي ما يشتبه عليهم فهمه. ومثله قول ابن مسعود: " ما أنت بمحدث قوما حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ". رواه مسلم (١/ ٩).
قال الحافظ: " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان, ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب, ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من
стр. 1699
الفتن, ونحوه عن حذيفة.
وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحَجَّاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم ".
"الصحيحة" (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
[٥٤٤] باب منه
[قال رسول الله ﵌ لأبي هريرة]:
«اذهب بنعليِّ هاتَين؛ فمَن لقِيتَ من وراءِ هذا الحائط يشهدُ أن لا إله إلا الله مُستَيقِناً بها قلبُه؛ فَبَشِّره بالجنّةِ».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (١/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو عوانة (١/ ٩ - ١٠) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثني أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة قال: كنا قعوداً حول رسول الله ﵌، معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﵌ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتَطَعَ دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﵌، حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً؛ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة- والربيع: الجدول-، فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﵌ فقال: "أبو هريرة؟ ". فقلت: نعم يارسول الله! قال: "ماشأنك؟ ". قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز
стр. 1700
الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي! فقال: "يا أبا هريرة! "، وأعطاني نعليه، قال: ... (فذكر الحديث). وقال: فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟! فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﵌، بعثني بهما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه؛ بشرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة! فرجعت إلى رسول الله عيشة، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على إثري؛ فقال رسول الله ﵌: "مالك يا أبا هريرة؟! ". قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي؛ قال: ارجع! قال رسول الله ﵌: "يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟! ". قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك؛ من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، بشره بالجنة؟! قال: "نعم ". قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. قال رسول الله ﵌: "فخلِّهم ".
[قال الإمام]:
وفي الحديث توجيه سديد للدعاة أن لا يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب، إلا مع بيان المراد منها بالتفصيل؛ خشية أن يساء فهمها، فيتكلوا، فيبن مثلاً:
أن الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيداً، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة.
وأن من شهد بها وقصر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٧٠٨ - ١٧١٠).
стр. 1701
[٥٤٥] باب الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان وهو يزيد وينقص والرد على من أنكر ذلك
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية أبن أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل, فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه, وأعتذر إليه من إساءة الظن به, وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
[فذكر أربع مسائل ثم قال]:
المسألة الخامسة: يقول "الإمام" [أي: أبن أبي العز] تبعاً للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة:
إن الإيمان هو تصديق بالجنان, وإقرار باللسان, وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص.
وشيخك تعصباً لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ﵃, بل ويغمز منهم جميعاً مشيراً إليهم بقوله في "التأنيب" (ص ٤٤ - ٤٥) إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه, وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم, ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة, وإنه الحق والصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة
стр. 1702
الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان, وأنه يزيد وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه, نقله بحرفه, في التعليق على "الرفع والتكميل" (ص ٦٧ - ٦٩) , ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجداً به ومكبراً له بقوله (ص ٢١٨):
وانظر لزاماً ما سبق نقله تعليقاً فإنك لا تظفر بمثله في كتاب ثم أعاد
الإشارة إليه (ص ٢٢٣) مع بالغ إعجابه به. وظني به أنه يجهل - أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح - مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت, مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم
الذين ذهبوا إلى:
أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي (٥/ ١٢٩) , والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي, يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركناً أصلياً, ثم يتناسى أنهم يقولون بأنه يزيد وينقص, وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقاً, بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: وبقوله: الإيمان يزيد وينقص كما في "البحر الرائق" - "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية (ص ٣٣٨ - ٣٦٠) و"التنكيل" (٢/ ٣٦٢ - ٣٧٣) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في
هذه المسألة.
وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم - ولو كان فاسقاً فاجراً -: أنا مؤمن حقاً, ينافي
стр. 1703
مهما تكلفوا في التأويل - التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة, من هو المؤمن حقاً عند الله تعالى, ومن هو المؤمن حقاً عند هؤلاء؟!
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٧ - ٥٨)
[٥٤٦] باب الرد على غلاة المرجئة الذين لا يشترطون العمل القلبي في الإيمان
[روي عن النبي ﵌]:
«حضر ملك الموت ﵇ رجلاً يموت فلم يجد فيه خيراً، وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً، ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بحنكه يقول: لا إله إلا الله، فغفر الله له بكلمة الإخلاص».
(منكر).
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث منكر عندي يناقض بعضه آخره، لأن قوله: لا إله إلا الله، لا ينفعه ما دام لم يوجد في قلبه شيء من الإيمان إلا على مذهب بعض المرجئة الغلاة الذين لا يشترطون مع القول الإيمان القلبي. فتأمل.
"الضعيفة" (٦/ ٩٩، ١٠١).
стр. 1704
[٥٤٧] باب الرد على من حصر الإيمان في المعرفة
[قال الإمام]:
المعرفة بالشيء لا تعني الإيمان به.
"صفة الصلاة" (ص٦).
стр. 1705
(جماع أبواب
الرد على من اتهم الشيخ وأهل السنة بالإرجاء)
стр. 1706
[٥٤٨] باب الرد على بعض من غمز الشيخ بالإرجاء
[قال الإمام]:
وقد بدا لي من مطالعتي للكتاب المذكور [أي كتاب "ظاهرة الإرجاء"لسفر الحوالي] أنه ذو فائدة كبيرة جداً في الرد على علماء الكلام الذين يخالفون أهل الحديث في قولهم: (الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال الصالحة من الإيمان)، مع غلو ظاهر في بعض عباراته؛ حتى ليخال إليَّ أنه يميل إلى مذهب الخوارج، مع أنه يرد عليهم، وغمزني بالإرجاء أكثر من مرة؛ تارة تصريحاً وأخرى تلويحاً، مع إظهاره الاحترام والتبجيل - خلافاً لبعض الغلاة ولا أقول: الأتباع -، وهو يعلم أنني أنصر مذهب أهل الحديث، متذرعاً بأنني لا أكفر تارك الصلاة كسلاً؛ ما لم يدل على أن تركه عن عقيدة وجحود، كالذي يقاله: (إن لم تصل، وإلا؛ قتلناك)، فيأبى فيقتل؛ فهذا كافر مرتد - كما كنت نقلته في رسالتي " حكم تارك الصلاة " عن ابن القيم وشيخه ابن تيمية - وعلى مثله حمل ابن تيمية الآثار التي استفاضت عن الصحابة في كفر تارك الصلاة، وقوله ﵌: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». انظر كلامهما في الرسالة المذكورة (ص ٣٨ - ٤٦). ومع هذا رمانا المؤلف المذكور بالإرجاء .. سامحه الله، وهدانا الله وإياه لما اختلف فيه من الحق؛ إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ومجال مناقشته واسع جداً فيما نبا قلمه عن الصواب، وما فيه من الأخطاء والتناقضات، وبخاصة في تأويله للأحاديث والنصوص, وليّه إياها إلى ما يتفق مع ما ذهب إليه, مع محاولته التشكيك في صحة الحديث المتفق على صحته؛ إذ شعر أن تأويله إياه غير مقنع - كما فعل بحديث الجهنميين الذين يخرجهم الله من
стр. 1707
النار بغير عمل عملوه -, بل وإعراضه أحياناً عن ذكر ما هو عليه منها.
أقول: هذا باب واسع جداً يتطلب التفرغ له وقتاً مديداً، مما لا أجده الآن.
والله المستعان (١).
"الضعيفة" (١٤/ ٢/٩٤٩).
[٥٤٩] باب منه
[قال الإمام]:
طَبَعْتُ ... رسالة خاصة بعنوان "حكم تارك الصلاة " فنفع الله بها من شاء من عباده، واستنكر بعض المؤلفين ما [فيها] من الحكم: أن تارك الصلاة كسلاً
- مع إيمانه بها- ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف له؛ وهو عمل قلبي؛ والله ضمن أن لا يضيعه؛ كما قال أبو سعيد في الحديث هذا: " فمن لم يصدق بهذا الحديث؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... ﴾.
وبالنظر إلى تركه الصلاة فهو مشابه للكفار عملاً؛ الذين يتحسرون يوم القيامة؛ فيقولون وهم في سقر: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين﴾ (المدثر:٤٣، ٤٤)؛ فكفره كفر عملي؛ لأنه عمل عمل الكفار؛ فهو كالتارك للزكاة؛ وقد صح الحديث أيضاً أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه، ثم يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه - هدانا الله وإياه-
стр. 1708
تأول هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلاً عطل دلالته الصريحة على ما ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ مع أنه قد صح هذا عن ابن عباس وبعض تلامذته، وجرى عليه من بعدهم من أتباع السلف؛ كابن القيم وشيخه؛ كما تقدم في هذا البحث؛ ومع ذلك لم يعرج عليه المومى إليه مطلقاً ولو لرده؛ ولا سبيل له إليه! والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟ وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث:" إن للإسلام صوى .. " الصريح في التفريق بين: "من ترك سهماً؛ فهو سهم من الإسلام تركه "؛ وبين " من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله "؛ فلم يتعرض له بجواب. ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه؛ كما فعل بغيره من الأحاديث الصحيحة.
وبالجملة؛ فمجال الرد عليه واسع جداً، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد عليه، وبيان ما يؤخذ عليها فقهاً وحديثاً؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله لكاتب هذه الأحرف، ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص؛ وإن كان قد اقترن به أحياناً شيء من الغلو والمخالفة؛ والاتهام بالإرجاء؛ مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية؛ فأقول: الإيمان يزيد وينقص؛ وإن الأعمال الصالحة من الإيمان، وإنه يجوز الاستثناء فيه؛ خلافاً للمرجئة، ومع ذلك رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي ﵌: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها .. "! فقلت: ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد قال رجل لابن المبارك: " ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر؛ أمؤمن هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئاً! فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني! أنا أقول: الإيمان يزيد وينقص. والمرجئة لا تقول ذلك. والمرجئة تقول: حسناتنا
стр. 1709
متقبلة. وأنا لا أعلم تُقبلت مني حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورة فتجالس العلماء ". رواه ابن راهويه في "مسند هـ " (٣/ ٦٧٠ - ٦٧١).
قلت: ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في بعض مايقوله المرجئة؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً؛ وابن المبارك في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج؛ لأن الخوارج يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾.
"السلسلة الصحيحة" (٧/ ١/١٢٧ - ١٥٤).
[٥٥٠] باب الرد على من اتهم أهل السنة بالإرجاء
سؤال: شيخنا ظهرت هناك بعض الكتب فتكلموا عن مسائل التكفير, فأورد بعض الأدلة في مسألة الإيمان, واتهموا بها أن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هي من مسائل المرجئة, وأوردوا كلاماً لابن أبي العز وللطحاوي فما ردكم على هذه الشبهة, جزاكم الله خيراً؟
الشيخ: ردنا أن أولاً: الخلاف جذري بين أهل السنة حقًّا وبين المرجئة حقًّا من ناحيتين اثنتين: أن أهل السنة يعتقدون أن الأعمال الصالحة من الإيمان, أما المرجئة فلا يعتقدون ذلك, ويصرحون بأن الإيمان هو إقرار باللسان وتصديق بالجنان وهو القلب, أما الأعمال الصالحة فليست من الإيمان, وبذلك يردون نصوص كثيرة لا حاجة بنا إلى ذكر شيء منها على الأقل إلا إذا اضطررنا.
هذه هي النقطة الأولى التي يخالف المرجئة [فيها] أهل السنة حقًّا، النقطة الثانية وهي تتفرع من النقطة الأولى وهي: أن أهل السنة يقولون: الإيمان يزيد
стр. 1710
وينقص, زيادته بالطاعة, ونقصانه بالمعصية, المرجئة ينكرون هذه الحقيقة الشرعية, ويقولون: بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص, فاتهام من أشرت إليهم والعهدة على الراوي اتهام هؤلاء الكاتبين في العصر الحاضر أهل السنة بأنهم مرجئة في مسألة الإيمان, فذلك يدل دلالة واضحة على أحد أمرين اثنين وأحلاهما مر؛ إما أنهم يجهلون هذه الحقيقة, وإما أنهم يتجاهلونها, كيف يتهم من يقول الإيمان يشمل العمل الصالح, والإيمان يزيد وينقص, كيف يتهم هؤلاء بأنهم مرجئة, والمرجئة يخالفون هؤلاء جذريّاً فيقولون: الإيمان لا يشمل العمل الصالح, ولا يقبل الزيادة والنقصان, حتى رووا عن أحد كبارهم أنه كان يقول: إيماني كإيمان جبريل ﵇, وهو قد يكون صادقاً مع نفسه, لكنه ليس صادقاً مع نص كتاب ربه حينما يقول: إيماني كإيمان جبريل؛ لأنه يعتقد أن الإيمان ليس له علاقة بالصلاة والعبادة والتقوى, وإنما هو إيمان, وهذا الإيمان الذي هو مجرد الاعتقاد لا يقبل الزيادة والنقصان؛ لأنه إن نقصت تحت اليقين دخله الريب والشك حين ذاك لا يفيد, لكن الإيمان لا يقبل الجمود كهذا النور كهذا المكان مهما سلطت فيه من أنوار فهو يتسع ويتسع إلى ما لا حدود له, فإذن اتهام أهل السنة من هؤلاء الذين يبدوا مما سمعت من السؤال يلحقون بالخوارج أولئك الذين يقولون بمثل هذه الكلمة, ويكفرون من ارتكب كبيرة من الكبائر, ويخالفون في ذلك نصوص كثيرة وكثيرة جدًّا من الكتاب والسنة, فيا عجباً كيف يتهمون جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين شهد لهم رسول الله ﵌ بأنهم خير قرون يتهمونهم بأنهم مرجئة, ويخالفون بذلك أساطيل من نصوص الكتاب والسنة, والأمر في ظني لا يتطلب توسعاً في رد هذه الفرية أكثر مما ذكرته آنفاً ولعل في هذا كفاية إن شاء الله.
" الهدى والنور" (٧٦٤/ ٣٣: ١٦: ٠٠ طريق الإسلام)
стр. 1711
[٥٥١] باب التحرير لأصول التكفير وفيه كلمة حول موقع العمل من الإيمان [مجلس مع الأستاذ خالد العنبري]
الملقي [خالد العنبري]: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
أبا عبد الرحمن فضيلة الشيخ الداعية العلامة النقاد المحدث ...
الشيخ: دعك دعك من هذه الألفاظ.
الملقي: ناصر الدين الألباني، لا شك كما يقول أبو قلابة: إنما مثل العلماء كمثل النجوم التي يهتدى بها، والأعلام التي يقتدى بها، فإذا تغيبت تحيروا، وإذا تركوها ضلوا.
ألا وإن الشباب اليوم في حيرة شديدة تجاه مسائل الإيمان والكفر ولا شك أن هذه المسائل من الخطورة بمكان، وأنه يتعين على كل أحد الاعتناء بتحقيقها؛ لأن الله ﵎ علق بها السعادة والشقاوة، والاختلاف في هذه المسائل هو أول اختلاف وقع في هذه الأمة بين الصحابة والخوارج كما لا يخفى على فضيلتكم، ولذلك كان لزاماً علينا أن نطرح بعض الأسئلة، لعل الله ينفع بالجواب عليها من فضيلتكم، ونبدأ بالسؤال الأول وهو في مسائل الإيمان: فلا شك أن الإيمان عند أهل السنة كما يعبر بعض العلماء خمس نونات: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان. وبعبارة أخرى فإن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب
стр. 1712
والجوارح، فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يصدق بقلبه، ويقر بلسانه، ولا يكون بذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب والخشية والتعظيم والإجلال للرب ﵎، ونحو ذلك من الأعمال القلبية، والسؤال فضيلة الشيخ: ما موقع العمل من الإيمان؟ وهل هو شرط كمال أم شرك صحة؟ أرجو توضيح هذه القضية، وبارك الله فيكم.
الشيخ: الذي فهمناه من أدلة الكتاب والسنة ومن أقوال الأئمة من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين أن ما جاوز العمل القلبي وتعداه إلى ما يتعلق بالعمل البدني فهو شرط كمال وليس شرط صحة، ولذلك فالزيادة والنقصان الذي هو معروف عند العلماء، وجاء ذكره في تضاعيف السؤال إنما يزيد بهذه الأعمال وينقص، فهناك ارتباط وثيق جداً بين العمل القلبي، والعمل البدني، فكلما ازداد الإيمان في القلب كلما ظهرت آثاره على البدن، وكلما ازداد العمل بدنياً عاد بزيادة في الإيمان القلبي، فهذا هو الذي نفهمه مما أشرت إليه آنفاً من أقوال العلماء الذين كانوا أعلم الناس بدلالات الكتاب والسنة، وقد فهمت بالأمس القريب أنك توسعت في هذا الموضوع وجلبت كل ما تيسر لك من الأدلة من كتاب الله ومن أحاديث رسول الله ﵌ وأقوال أئمة السلف ومن جرى على منهجهم ما فيه كفاية وغنية عن الإفاضة بالنسبة لمثل هذا الوقت، والذي نرتجل فيه الجواب عن سؤالك ارتجالاً، فإذا كان هناك شيء يحتاج إلى توضيح أو بيان فنوضحه، وإلا ننتقل إلى ما بعد هذا السؤال.
الملقي: فضيلة الشيخ ما دام العمل شرط كمال لا شرط صحة كما يقول المعتزلة والخوارج، فإن بعض الناس يتهم أهل السنة أو يتهم بعض السلفيين بأنهم
стр. 1713
مرجئة ذلك؛ لأنهم يعتقدون أنهم إن قالوا إن العمل شرط كمال فإن ذلك يؤدي إلى أن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون هذا قول المرجئة، فما دمتم أنتم أيها السلفيون لا تكفرون تارك الأعمال، ومن تلك الأعمال الأركان الخمسة، وكذلك من ترك الحكم بغير ما أنزل الله من غير ما جحود واستحلال، فأنتم مرجئة، فما ردكم على هذه الفرية -بارك الله فيكم-؟
الشيخ: أولاً: نحن ما يهمنا الاصطلاحات الحادثة بقدر ما يهمنا اتباع الحق حيثما كان، فسواءٌ قيل إنه هذا مذهب الخوارج أو المعتزلة، فهم يقولون معنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهل معنى كوننا وافقناهم على هذه الكلمة الطيبة أن نحيد عنها؛ لأن غيرنا من أصحاب الانحراف عن الحق هم يقولون ذلك -أيضاً-، بداهة سيكون الجواب: لا، وإنما نحن كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة ندور مع الحق حيث دار، فالذين يتهمون أهل السنة الذين يقولون بما ذكرنا مما عليه الأئمة بالإرجاء؛ فما هو هذا الإرجاء؟ عندهم، ما هو هذا الإرجاء؟ الذين يقولون بالإرجاء لا يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال الصالحة، ولذلك فثمة خلاف واضح جداً بين أهل الحق وبين المرجئة، فنحن نعلم أن علماء السلف يذكرون عن بعض السلف من المرجئة الذين يقولون إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص أن أحدهم لا يتورع عن أن يقول: إيماني كإيمان جبريل، هذا منقول؛ ذلك لأن حقيقة الإيمان عندهم غير قابلة للزيادة والنقصان أين مذهب الإرجاء من قولنا نحن بأن الإيمان يزيد وينقص، وكما جاء في السؤال مما لا حاجة إلى تكرار أنه زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية، ولقد بلغ من انحراف القائلين بالإرجاء حقيقة مبلغاً خالفوا فيه نصوصاً غير النصوص التي تدل صراحة في الكتاب والسنة على أن الإيمان يزيد، فقالوا بأنه بناء على قولهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قالوا تلك الكلمة وبنوا عليها أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان، لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن
стр. 1714
-إن شاء الله-، ورتبوا على هذه القولة حكماً خطيراً جداً وهو تكفير من يستثني في إيمانه، فمن قال: أنا مؤمن -إن شاء الله- قد جاء في كتب الفروع بأنه لا يجوز لحنفي أن يتزوج بشافعية؛ لأنهم يستثنون في إيمانهم، هكذا كان قد صدر من بعض علمائهم من قبل، ثم جاء من يظن بأنه كان من منصفيهم أو من المعتدلين فيهم، فأفتى بالجواز، لكن الحقيقة أنني أتساءل: أيهما أخطر؟ أهذا الذي أفتى بالجواز بالتعليل الآتي؟ أم أولئك الذين صرحوا بأنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالشافعية؛ لأنهم يشكون في إيمانهم؟ فالتي تشك في إيمانها لا تكون مسلمة ولا من أهل الكتاب ليجوز أن يتزوجها، لو كانت من أهل الكتاب، فجاء هذا الذي قد يظن أنه من المعتدلين فيهم فأجاب حينما سئل وهو المعروف بمفتي الثقلين ومؤلف التفسير قال: يجوز والتعليل -الآن هو موضع العبرة- تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب، فهذا هو جواب المرجئة، ولا شك أن الذين يتهمون القائلين بكلمة الحق مما سبق بيانه آنفاً أن الإيمان يزيد وينقص إلى آخره أنهم يقولون على أهل الحق ما ليس فيهم، وفي اعتقادي أنهم يعلمون ما يقولون، ويعلمون أنهم مبطلون فيما يقولون، فالفرق في اعتقادي واضح جداً بين عقيدة السلف وبين المرجئة، فشتان بين الفريقين، والظلم من هؤلاء الناشئين اليوم الذين يتهمون أتباع السلف الصالح بأنهم مرجئة، نعم.
الملقي: ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية قسم فرق المرجئة إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من يقول إن الإيمان مجرد ما في القلب. ومنهم من يقول: إنه مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية الفرقة المعروفة.
الشيخ: نعم.
الملقي: وهناك قول ثالث للمرجئة، وهم مرجئة الفقهاء إذ يقولون: هو
стр. 1715
تصديق القلب وقول اللسان، وعامة المرجئة كما تعلمنا من فضيلتكم يذهبون إلى أنه لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، بل إيمان الجميع سواء، أما السلفيون أهل الحديث والسنة فإنهم يقولون إنه اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص ويتبعض ويتفاضل أهله فيه، ويتسثنون في الإيمان ويرون أنه أصل وفرع، كما أني أضيف إلى كلمتكم الطيبة قولةً طيبة لابن أبي العز في شرحه للعقيدة الطحاوية يقول فيما يقول: إن الإرجاء المذموم الذي ذمه.
الشيخ: عفواً كيف يقول:
الملقي: يقول: إن الإرجاء المذموم يؤدي إلى ظهور الفسق والمعاصي، بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقاً كامل الإسلام والإيمان
الشيخ: هاه
الملقي: ولي من أولياء الله فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل قطعاً كما يقول ابن أبي العز. كما أن هناك قول آخر لحافظ أهل المغرب أبي عمر ابن عبد البر يؤيد ما قاله فضيلتكم يقول: هذا قول -يعني القول بعدم كفر تارك الصلاة-، يقول: هذا قول قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقول: الإيمان قول وعمل، وقالت به المرجئة -أيضاً-؛ إلا أن المرجئة تقول: المؤمن المقر مستكمل الإيمان، وقد ذكرنا اختلاف أئمة أهل السنة والجماعة في تارك الصلاة، فأما أهل البدع فإن المرجئة قالت: تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان إذا كان مقر غير جاحد ولا مستكبر انتهى كلام الحافظ ﵀.
على أن -فضيلة الشيخ- هذه الفرية ليست بالحديثة، وإنما هي فرية قديمة إذ
стр. 1716
ذكر القاضي الشيخ العلامة أبو الفضل السكسكي في كتابه: البرهان في عقائد أهل الأديان، أن طائفة من أهل البدع تسمى بـ المنصورية، يتهمون أهل السنة بأنهم مرجئة لقولها -أي لقول أهل السنة-: إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحداً لوجوبها مسلم على الصحيح من المذهب، أي من مذهب الإمام أحمد. ويقولون هذا يؤدي إلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل، ودافع الشيخ السكسكي عن أهل السنة ورد هذا الاتهام في كتابه المذكور آنفاً. فضيلة الشيخ.
الشيخ: عفواً، ما أدري إذا كان عبارة الرجل الفاضل في لفظة: مسلم، هل هي دقيقة؟ لأن المنافق الذي يظهر الإسلام يقال فيه: مسلم، لكنه غير مؤمن، والبحث الآن أنه هذا تارك الصلاة وهو مؤمن بها هل هو مؤمن أم لا؟ وجوابنا: إنه مؤمن لكن إيمانه ناقص.
الملقي: نعم نعم.
الشيخ: فتركه للصلاة دليل نقصان إيمانه، أما أن يقال إنه مسلم فيقال: حتى الذي ليس في قلبه ذرة من إيمان، لكنه يتظاهر بشيء من أركان الإسلام فيقال عنه إنه مسلم، مفهوم ملاحظتي.
الملقي: نعم نعم
الشيخ: شو يبدو لكم في هذا؟
الملقي: يبدوا لي أنه ربما يقصد بالمسلم المؤمن، وأنه ممن لا يفرق بين الإسلام والإيمان.
الشيخ: لكن هذا
стр. 1717
الملقي: لعل هذا والله أعلم.
الشيخ: آه
الملقي: ولا أظن أن ..
الشيخ: هو القصد يعني أنه لو قيل مؤمن ألا يكون أدفع للشبهة وللسؤال؟
الملقي: بلا شك.
الشيخ: لأنه لا يخفاكم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، هكذا بقي في ذهني من مطالعتي القديمة، وهي أن الإيمان إذا أطلق والإسلام إذا أطلق فلكل منهما معنىً، لكن قد يقوم أحدهما مقام الآخر.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: هذا صحيح، لكن هنا والموضوع موضوع الإيمان وترك الصلاة ينافي الإيمان سواءً مطلقاً أو نقصاناً فكنت أظن أنه يكون بدل كلمة مسلم أن يقال إنه مؤمن، ثم يقرن معه ألَّا يتوهم من هذا الإطلاق بأنه كامل الإيمان رداً على المرجئة، هذه ملاحظة أحببت أن أذكرها بالنسبة لهذا النص، وهذا النص بلا شك يفيد رداً قوياً على الذين يستغلون القول الصحيح، ويحاولون إلقاء التهمة على أهل الحق. نعم.
الملقي: بهذا انتهينا من مبحث الإيمان، وإن كان على سبيل الاختصار الشديد. لكن نظراً لوقتكم الذي سمحتم به لنا فنطرق إلى موضوع التكفير: فلا شك أن الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر، والمقصود من بحثنا معكم هو الكفر الأكبر المخرج من الملة.
стр. 1718
الشيخ: نعم
الملقي: ولا شك أن الكفر المخرج من الملة كما هو عند أهل السنة والجماعة ستة أنواع وليس بنوع واحد: تكذيب، وجحود، وعناد، ونفاق، وإعراض، وشك. وإنما تنوع الكفر هذا التنوع بسبب اختلاف مواقف الناس تجاه الحق الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، فمن الناس من يكفر بلسانه وقلبه، وهذا هو كفر التكذيب، والغالب على هؤلاء هو عدم إحاطتهم بما أنزل الله؛ لذلك كفروا وكذبوا، ومما يشير إلى ذلك قول ربنا: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النمل:٨٣، ٨٤)، ومن الناس من يتيقن بقلبه أنه الحق، ولكن يكتم ذلك ويكذبه بلسانه.
الشيخ: عفواً ممكن نقف عند النوع الأول؛ لأنه بدا لي فيه شيء وهو ذكرتم معنى أنهم ما أحاطوا، أعد، أعد كلامك.
الملقي: نعم، أقول الغالب على هؤلاء أنهم كَذَّبوا.
الشيخ: آه.
الملقي: بالإسلام لأنهم لم يحيطوا به علماً.
الشيخ: إيه هنا نقف.
الملقي: لم يحيطوا بالإسلام علماً ...
الشيخ: لم يحيطوا به علماً
الملقي: نعم.
стр. 1719
الشيخ: هل هذا شرط؟
الملقي: أقول: الغالب، بدليل قول ربنا
الشيخ: الإحاطة بالإسلام يا أستاذ يعني بالكاد أن نقوله بعلماء المسلمين أنفسهم فضلاً عن الكفار الذين هم لا يعرفون من الإسلام إلا الشيء القليل، فأنا أعتقد أنه الإتيان بلفظة الإحاطة هنا يفسد علينا عقيدتنا.
الملقي: نعم.
الشيخ: لأن الإحاطة لا حدود لها، وإنما يكفي كما لا يخفاكم جميعاً يكفي ليقع الشخص في الكفر أن يتحقق فيه معنى قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) إذا علم أن آية من كتاب الله أنزلها الله ثم جحد بها هنا لا يوجد إحاطة، لكن يوجد إنكار لما أحاط به علمه في هذه الجزئية، فما يبدوا لي أن وضع كلمة الإحاطة هنا هي تفيد في ضبط العقيدة.
الملقي: المقصود -بارك الله فيكم- أنه إذا كذب إنسان بالإسلام فمعنى ذلك إما أن يكون جاهلاً بالإسلام، ولم يبحثه حق البحث، ولذلك كذب به، هذا إذا كان مكذباً بقلبه وبلسانه، يعني يكون في واقع الأمر مكذباً بقلبه، وهو صادق في ذلك التكذيب من حيث الواقع، قلت هذا لكي أفرق بين هذا النوع والنوع الآخر ألا وهو كفر الجحود، وكفر الجحود فهو أن يتيقن بقلبه أنه الحق ولكنه يكتم ذلك ويكذبه بلسانه، وذلك ككفر فرعون بموسى واليهود بمحمدٍ ﵌ وفي ذلك يقول ربنا كما تفضلتم آنفاً: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل:١٤) ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة:٨٩)، هذا هو كفر الجحود.
أما كفر العناد فهو أن يقر بالإسلام باطناً وظاهراً بقلبه ولسانه، لكنه لا ينقاد
стр. 1720
للإسلام بغضاً واستكباراً ومعارضة لله ورسله، فهو وإن كان مصدقاً بهذا الحق فإن تلك المعاندة تنافي هذا التصديق، وذلك ككفر إبليس اللعين، كما قال ربنا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٣٤)، وأما كفر الإعراض فأن يعرض عنه لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يصغي له البتة، ولا يسمعه عمداً واستهتاراً واستكباراً كما قال ربنا: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت:٣، ٤)، ثم قال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (فصلت:٥)، ثم كفر الشك، فمن الناس من يظل في شك وتردد لا يجزم بشيء، والنوع الأخير هو كفر النفاق ولا يحتاج إلى تبيان.
وبناءً على ذلك أتوجه بسؤالي إليكم: هل يكون الكفر بالقلب فقط؟ أم أنه يكون بالقلب واللسان والعمل؟ وبعبارة أخرى: هل يكون الكفر بالاعتقاد فقط؟ أم يكون بالاعتقاد والقول والعمل؟ نبئوني بعلمٍ -بارك الله فيك-.
الشيخ: هو الذي أفهمه في هذه المسألة أن الأصل هو الكفر القلبي، لكن هناك أقوالٌ وأعمال قد تصدر من الإنسان تنبي عما وقر في قلبه من الكفر، لكننا لا نرى ضرورة الجمع بين أن يكفر بقلبه وبشيء من عمله، فقد يجتمعان وقد لا يجتمعان، بمعنى: المنافق لا يصدق فيه أنه كفر بقلبه وعمله، فإنه بعمله مسلم، ولذلك جاء صريح القرآن في هذا الصدد بالنسبة للأعراب فما يبدو لي أن هناك ضرورة التوفيق، بل والتساؤل: هل يكون الكفر بالقلب والعمل؟ قد يكون، لكن لا يشترط أن يقترن العمل مع الكفر القلبي؛ لأن الأصل هو الكفر القلبي، فما أدري إذا كان هناك شيء ما وضح لي حتى أستحسن مثل هذا السؤال؟
الملقي: لعلي أوضح هذا