← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الأخير: وأخيراً فإنه لا يكفر إلا من اتفق أهل السنة على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له. الشيخ: ماشي. الملقي: انتهى ما تيسر لي من جمع لأصول التكفير. الشيخ: جزاك الله خيرا. الملقي: ما رأيكم فيها بالجملة. الشيخ: ما أرى فيها شيئاً إلا بعض الفروع التي جرى النقاش فيها لكن عادة الذاكرة حينما .. من سبق في بعض تلك الشروط فيما أظن ذكر فيها لفظة المعاداة، المعاداة القلبية هذه. الملقي: نعم. الشيخ: ممكن أن تذكرني بالعبارة التي جاء فيها هذه اللفظة؟ الملقي: هذه العبارة أن من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من التوقير والحب والبغض والموالاة والمعاداة وهذه اللفظة جاءت في نصوص شيخ الإسلام وابن القيم وغيره .. الشيخ: الموالاة والمعاداة حينما تطلق هل يراد بها الموالاة والمعاداة القلبية أم العملية؟ الملقي: إذا أطلقت. الشيخ: نعم. الملقي: القلبية.

стр. 1752

الشيخ: ما أظن. الملقي: في كلامي هنا القلبية فإذا كان يوالي .. الشيخ: هذا قيد جيد لكن .. الملقي: حتى أخرج بشيء. الشيخ: تفضل. الملقي: حتى أخرج من مسألة الموالاة والمعاداة؛ فإن كثير من الناس يكفرون الشخص بمجرد أن يوالي فلاناً من أعداء الله من غير ما .. أي هذا الذي خشيت أن يفهم فيا ترى ما تحتاج العبارة إلى توضيح أكثر؟ وضحته في تضاعيف الكتاب. كيف؟ الملقي: وضحت مثل هذا في تضاعيف الكتاب؟ الشيخ: ذلك ما نبغيه. الملقي: حبارك الله فيك. الشيخ: وفيك بارك. الملقي: حإذا انتهينا من هذه القضية. الشيخ: تفضل لسه معك ربع ساعة أو ثلث ساعة. الملقي: فنأتي إلى قضية القضايا. الشيخ: قضية ... القضايا؟ تفضل.

стр. 1753

الملقي: كما في هذا العصر. الشيخ: يعني خلصت مما عندك في الكتاب انتهيت؟ الملقي: ما انتهيت. الشيخ: فإذاً؟ الملقي: لكن هناك قضية هي من لب الكتاب كنت أحب أن نستغل الوقت ما دام الوقت وقتي ندندن حول هذه القضية حتى يكون المجلس عامراً بجميع مسائل التكفير. الشيخ: تفضل. الملقي: هذه المسألة التي ما زلتم تدندنون حولها وهي قضية من حكم بغير ما أنزل الله، وتفريقكم الذي ذهبتهم إليه بين من حكم بغير ما أنزل الله جحوداً واستحلالاً وبين من حكم بغير ما أنزل الله من غير ما جحود واستحلال، وهذا الرأي الذي ذهبتهم إليه وهو مذهب السلف عامة، ولم أجد فيما اطلعت عليه من يخالف في هذا وللعلم، فقد نشرت مجلة الشرق الأوسط والمسلمون مقالاً لكم في هذا الشأن وعلق عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالإقرار والموافقة والتأييد، ثم بعد ذلك قرأ كلامكم وكلام الشيخ عبد العزيز على فضيلة الشيخ ابن عثيمين فأقر الكلام جميعه وأيده فأقول .. الشيخ: وبارك الله في الشيخين. الملقي: وبارك الله فيكم وفي الشيخين وفي جميع علماء السنة، بعد ذلك أقول: لا ينبغي للشباب أن يخالفوا في هذه المسألة الخطيرة، أفلا ترون فضيلة

стр. 1754

الشيخ أن هذه المسألة هي الباب الأكبر للخروج على الأمراء والسلاطين، وحدوث فتن مدلهمة، ومشاكل لا تخفى على الجميع، وهل ترون قبل ذلك أن هذه المسألة يسوغ الخلاف فيها؟ أذ إن أهل العلم فيما قرأت لم أجد أحداً منهم يخالف هذا الرأي الذي ذهبتم إليه وتبين لي أن أهل العلم مجمعون على الرأي الذي ذهبتهم إليه من ثلاثة طرق الطريق: الأول: أن أهل العلم وأهل التفسير لم يختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) وأن ما ظهر من اختلاف في عباراتهم إنما هو من قبيل اختلاف التنوع ليس اختلاف التضاد، وقد صرح بأن ليس بين العلماء اختلاف في تفسير هذه الآية بعض العلماء وقد سجلته في الكتاب، ثانياً: لا يخفى عليكم أن البدعة: تشريع ما لم يأذن به الله، وأن الحكم بغير ما أنزل الله، تشريع ما لم يأذن به الله وأن كليهما مستدرك على الشارع الشريف، وأن الحاكم بغير ما أنزل الله هو في حقيقة الأمر أخطر من المبتدع، إذ إن المبتدع قد انتهى أمره، ولا أظن أن المسلمين يأخذون فتوى من الحاكم بغير ما أنزل الله، في حينما يأخذون فتوى من المبتدع، ولذلك أقول أن المبتدع أشد خطراً على المسلمين من الحاكم بغير ما أنزل الله؛ فإن المبتدع يقول أن هذه البدعة هي من عند الله وهي من شرع الله، حينما لا يجرأ على هذا الحاكم بغير ما أنزل الله، بل هو يصرح أن هذه القوانين محض هي نتاج البشر. ثالثاً: وقد اتفق أهل السنة أن البدعة قسمان: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة ومن ثم إذا كان الحاكم بغير ما أنزل الله حكم بغير ما أنزل الله من غير ما جحود

стр. 1755

واستحلال فإنه لا يكفر، وينزل منزلة المبتدع في دين الله . الطريق [الرابعة]: وتعلمون أن أهل السنة أجمعوا على عدم تكفير مرتكب الكبيرة وقد جعل العلماء الحكم بغير ما أنزل الله من كبائر الذنوب، كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما نقل إجماع أهل العلم حافظ أهل المغرب ابن عبد البر، ومن ثم فإذا ثبت الإجماع فهل يسوغ لأحد أن يخالف في هذه المسألة الخطيرة؟ وقبل ذلك ألا ترون أن الخطأ في هذه المسألة يجلب على المسلمين شرور كثيرة وفتن مدلهمة وكبيرة و ﵌ على نبينا محمد وبارك الله فيكم وأحسن الله إليكم. الشيخ: أعطاك الله العافية، ونفع بك، أنا أقول جواباً على نقطتين بدت لي من خلال كلامك: النقطة الأولى هل يجوز لأحد أن يخالف؟ أقول بطبيعة الحال لا يجوز إلا إن كان من أهل العلم، المخلصين للعلم الخاشين لله، والخائفين منه، فقد يمكن أن يجتهد ويخالف، ولذلك نحن نقول: قد يقع بل قد وقع بعض الأئمة في البدعة ولا يسمون بمبتدعين؛ لأن ليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه، وشملته فصار بذلك مبتدعاً، لا، وكذلك قد يكون من وقع في الكفر لا نقول بأن الكفر، تلبسه وانغمس فيه ومن هنا نجد من مذهب السلف الصالح عدم تكفير الفرق الصالحة إلا من قد ذرت قرنها بكفرها ولا شك أن في مثل هذه الفرق من وقعت في الكفر، لكننا لا نكفر لوجود مانع من موانع التكفير التي جاء ذكرها في تضاعيف كلامك فيما أذكر، فهذا فيما يتعلق بسؤالك هل يجوز؟ الجواب: لا يجوز إلا بالقيد الذي ذكرته آنفاً، أما أنه يجر شراً مستطيرا فالأمر لا شك ولا ريب فيه، والواقع المؤسف في العالم الإسلامي يجعل الأمر مع

стр. 1756

الأسف ليس نظرياً بل أمراً واقعياً، فقد خرج كثيرون ممن يعني ينتمون للإسلام وقد ينتمون للكتاب والسنة، وقد يكون فيهم من ينتمي إلى السلف الصالح لكنهم ما عرفوا بعد منهج السلف الصالح، فكثير من هؤلاء قد خرجوا على الحكام وكانوا سبباً كبيراً جداً لسفك دماء المسلمين من الفريقين الذين خرجوا، والذين خرجوا عليهم، فأي فتنة أشد من هذه الفتنة؟! أنا قلت في كثير مما تحدثنا في هذه المسألة، وسجل الشيء الكثير منها أننا نقول: لو وجد في هؤلاء الحكام من أعلن كفره بالإسلام، وأعلن ردته عن الإسلام بحيث لم يبق لمتأول مجال للتأويل، أنا أقول: لا يجوز الخروج عليهم، ليس من حيث النص الشرعي؛ وإنما هو من حيث ملاحظة القواعد الإسلامية التي منها ترجيح المفسدة الغالبة على المصلحة، والتي منها ما أشار إليه الرسول ﵊ في حديث: «لولا أنا قومك حديثوا عهد بالشرك لهدمت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇، ولجعلت لها بابين مع الأرض باب يدخلون منه وباب يخرجون منه» (١)، كم في هذا الإصلاح من فائدة ومن تيسير لعملية الحجاج وأداء مناسكهم، لم يصنع ذلك رسول الله ﵌ وهو القادر عليه قدرة وقوة، وكان متمكناً؛ لأن الله نصره على المشركين كافة، لكنه نظر إلى بعيد، فقال: لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك، وأنا أقول: لو أن حاكماً من هؤلاء الحكام أعلن كفره على الناس من الذين يخرجون عليهم، من الذين يستطيعون أن يقاتلوهم، وأين المسلمون الذين أخذوا على الأقل بمثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:٦٠) لا

стр. 1757

يوجد شيء من هذا الاستعداد، وأنا أقول بهذه المناسبة وأنهي هذه الكلمة لأن الوقت انتهى: أنا أفهم من هذه الآية شيئاً ثميناً في طواياه عندما قال الله ﴿وَأَعِدُّوا﴾ (الأنفال:٦٠) كان الخطاب للمؤمنين الأولين المربين التربية المحمدية، هؤلاء الخطاب اليوم لا يتوجه إلى هؤلاء؛ لأن أكثرهم منحرفون عن أن يستحقوا مثل هذا الخطاب؛ لذلك نحن نقول إن وجد هناك حاكم أعلن كفره، فيجب أن نهيئ أنفسنا للخروج عليه بحقه، ولنتمكن من قتاله وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. "الهدى والنور" (٨٥٥/ ٠٧: ٠١: ٠٠) و (٨٥٦/ ٣٩: ٤٤: ٠٠)

стр. 1758

كتاب الكفر والتكفير والنفاق

стр. 1759

جماع أبواب مقدمات هامة في تعريف الكفر، والكلام على التكفير وشروطه وموانعه، وخطورة الخوض فيه بغير علم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالموضوع (١)

стр. 1760

[٥٥٢] باب الشرك هو الكفر [قال الإمام]: الشرك .. هو الكفر ولا فرق بينهما شرعاً، فكل كفر شرك، وكل شرك كفر، كما يدل عليه محاورة المؤمن صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف). فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣). [٥٥٣] باب كل كفر شرك [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إنَّا جِئْنَاكُمْ لِخَيْرٍ، (يعني: اليهودَ) إنَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصْرَ، وَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَقْبَلَ إلَيْنَا بِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحاً» (منكر) [قال الإمام]: أخرجه أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن شريح: أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري عن بعض من كان مع رسول الله ﵌ قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَانْطَلَقَ إلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بالنَّضِيرِ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَفَراً عِنْدَ مَنْزِلِهِمْ فَرَحَّبُوا، فَقَالَ لهم: ... فذكره.

стр. 1761

قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير ثابت بن الحارث الأنصاري؛ فإنه غير معروف بعدالة أو جرح، ولم يورده أحد من أئمة الجرح والتعديل غير ابن أبي حاتم برواية الحارث بن يزيد هذا فقط عنه، وبيَّض له. وقد ذكر ابن هشام في "السيرة" (٣/ ٨) عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله قيم: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم ". وذكر نحوه ابن كثير في "البداية" (٤/ ١٤)، ومن قبله ابن القيم في "زاد المعاد"، وهو الموافق لحديث عائشة الصحيح: " إنا لا نستعين بمشرك أو بالمشركين ". وهو مخرج في "الصحيحة " (١١٠١) كما تقدم قريباً. وعليه فإني أقول: إذا تبين لك ضعف حديث الترجمة، وما فيه من عرضه ﵌ على اليهود أن يقاتلوا معه؛ فلا حاجة حينئذٍ إلى التوفيق بينه وبين حديث عائشة الصحيح كما فعل الطحاوي حين قال: "لأن اليهود الذين دعاهم النبي ﵌ إلى قتال أبي سفيان معه؛ ليسوا من المشركين الذين قال رسول اللَّهِ ﵌ في الآثار الأُوَل: فإنه لا يستعين بهم؛ أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين قد ذكرنا مباينة ما هم عليه مما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي تقدم قبل هذا ... ". قلت: يشير إلى بعض الأحكام التي خص بها أهل الكتاب دون المشركين كحل ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وغيرها مما بعضه موضع نظر، وبنى على ذلك قوله (ص ٢٣٤): "فكان كل شرك بالله كفراً، وليس كل كفر بالله شركاً"!

стр. 1762

فأقول: لو سلمنا جدلاً بقوله هذا؛ فلا حاجة للتأويل المذكور لأمرين اثنين: الأول: أن التأويل فرع التصحيح كما هو معلوم، وما دام أن الحديث غير صحيح كما بينا؛ فلا مسوغ لتأويل الحديث الصحيح من أجله كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. والآخر: كيف يصح أن يقال في اليهود والنصارى: إنهم ليسوا من المشركين، والله قال في سورة ﴿التوبة﴾ بعد آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ... ﴾: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فمن جعل لله ابناً؛ كيف لا يكون من المشركين؟! هذه زَلَّة عجيبة من مثل هذا الإمام الطحاوي. ولا ينافي ذلك أن لهم تلك الأحكام التي لا يشاركهم فيها غير أهل الكتاب من المشركين؛ فإنهم يشتركون جميعاً في أحكام أخرى - كما لا يخفى على أولي النُّهى -. وقد لا يعدم الباحث الفقيه - الذي نجَّاه الله من التقليد - في الكتاب والسنة ما يؤكد ما تقدم، ويبطل قول الطحاوي السابق: " ... وليس كل كفر بالله شركاً"من ذلك تلك المحاورة بين المؤمن والكافر الذي افتخر بماله وجنَّتيه؛ كما قال في سورة الكهف؛ ﴿ ... وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً﴾؛ فهذا كفر ولم يشرك في رأي الطحاوي! ولكن السِّياق يردّه؛ فتابع معي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ

стр. 1763

ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾؛ فتأمل كيف وصف صاحبَه الكافر بالكفر، ثم نره نفسه منه معبِّراً عنه بمرادِفِه وهو الشرك؛ فقال. ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾. وهذا الشرك مما وصَف به الكافرُ نفسَه فيما يأتي؛ فتابع قوله تعالى - بعد أن ذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن -: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾. قلت: فهذا القول منه - مع سباق القصة - صريح جداً في أن شركه إنما هو شَكُّه في الآخرة، وهذا كفر وليس بشرك في رأي الطحاوي! فهو باطل ظاهر البطلان. وإن مما يؤكد ذلك من السنة قوله ﵌:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب". رواه الشيخان وغيرهما عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وهو مخرج في "الصحيحة" برقم (١١٣٣)، فإن المراد بهم اليهود والنصارى؛ كما دلت على ذلك أحاديث أخر، منها قوله ﵌: «لئن عشت؛ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك فيها إلا مسلماً». رواه مسلم وغيره وهو مخرج هناك (١١٣٤). ولما كان حديث ابن عباس حجة قاطعة في الموضوع؛ غمز من صحته الطحاوي عصباً لمذهبه - مع الأسف -! وزعم أنه وهم من ابن عيينة قال (٤/ ١٦): "لأنه كان يحدث من حفظه؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان (اليهود والنصارى): (المشركين) (!) ولم يكن معه من الفقه ما يميزبه بين ذلك "! كذا قال سامحه الله! فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة - كابن عيينة - من حفظه ليس

стр. 1764

بعلة؛ بل هو فخر له، وأن تخطئة الثقة بمجرد الاحتمال ليس من شأن العلماء المنصفين، ولكنها العصبية المذهبية؛ نسأل الله السلامة! وعلى مذهب الطحاوي هذا يمكن أن يغفر الله الكفر لقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]!! وبهذه الآية احتج ابن حزم ﵀ على أبي حنيفة الذي هو مَتبوعُ الطحاويُ في التفريق المزعوم؛ فقال عقبها (٤/ ٢٤٤): "فلو كان ههنا كفر ليس شركاً؛ لكان مغفوراً لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك، وهذا لا يقوله مسلم ". ثم أتبع ذلك بأدلة أخرى قوية جداً، ثم قال: "فصح أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وأنهما اسمان شرعيان، أوقعهما الله تعالى على معنى واحد". ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلامه كله لنفاسته وعزته، فليراجعه من شاء المزيد من العلم والفقه. والخلاصة أن الحديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، وأن الاستعانة بأهل الكتاب في جهاد الكفار يشملها قوله ﵌: «إنا لا نستعين بمشرك». ولفظ مسلم (٥/ ٢٠١): «فارجع فلن أستعين بمشرك». "الضعيفة"١٣/ ١/٢٠٩ - ٢١٣). [٥٥٤] باب هل بين الكفر والشرك فرق ؟ الشيخ: الحقيقة شأن كل طالب مبتدئ في العلم وأنا كنت كذلك وربما لا أزال كذلك، كنت أقرأ هذا الحديث ويصير فيه إشكال؛ لأن في بعض الروايات: «ليس بين الكفر والرجل إلا ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر» في بعض الروايات: «فقد أشرك».

стр. 1765

مداخلة: سبحان الله العظيم. الشيخ: أتساءل أنا كيف فقد أشرك؟! يا أخي! هذا تارك الصلاة - خاصة الذي يتركها كسلاً - كيف يعني أشرك؟ كنت أظن أنه لعله في وهم من الراوي، أنا طالب علم، بعد ذلك ربنا فتح ولو على سن والحمد لله فعرفت أنه شرعاً خلاف اللغة، لا فرق بين الكفر والشرك، ... (فكل) كفر شرك وكل شرك كفر ولا فرق بينهما شرعاً، أما لغةً فيوجد فرق؛ لأن الكفر في اللغة هو التغطية، أما الشرك فهو جعل الشيء شريكاً لآخر، كالمشركين الذي يجعلون لله أنداداً؛ لكن فيما بعد عرفت أن كل كافر ولو كان غير مشرك لغةً فهو مشرك واقعياً لا يخلو أي كافر إلا أن يكون مشركاً ربنا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣) اتخذ إلهه هواه، إذاً فكل من يتبع هواه فقد جعله شريكاً مع الله، فإذاً: أي كفر لو واحد أنكر حرف من آية من قرآن كريم هذا معناه أنه حكم عقله، واتخذ عقله إلهاً من هنا جاء الشرك، فإذاً: صدق من قال: كل كفر شرك وكل شرك كفر وليس كل كفر شرك، ليس كمن يقول ليس كل كفر شرك، كما سمعت من الطحاوي، هذا في الواقع من العلوم النادرة جداً، والتي تحل بها مشاكل كثيرة وكثيرة منها: آية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) أنا قرأت إشكالاً حول هذه الآية في مجلة المنار الذي كان يصدرها السيد: رشيد رضا، جاء عليه اعتراض قال: إن الآية معناها: أن هؤلاء الكفار الأوروبيون الذين يؤمنون بالديانة الطبيعية يسمونها طبيعية يعني أن لهذا الكون خالقاً، وما يعرفون أكثر من ذلك، فيمكن أن هؤلاء الله يغفر لهم؛ لأنهم غير مشركين وما استطاع السيد رشيد رضا يومئذ أن يجيب بجواب كمثل هذا الجواب الذي لو كان يحضره يومئذ كان فصل الخطاب، كل كفر شرك وكل شرك كفر. "الهدى والنور" (٣٤١/ ٠٥: ٤٩: ٠٠)

стр. 1766

[٥٥٥] باب كلمة حول الفرق بين الكفر والشرك سؤال: ... هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي ﵌ كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم. الشيخ: إيه، لا شك، معلوم. مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطاً بتغيير دينهن إلى الإسلام. الشيخ: نعم. مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالاً ويذكون. الشيخ: نعم. مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلاً لنا. الشيخ: هو هذا. هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابياً أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات. مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك. الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركاً لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.

стр. 1767

مداخلة: إن شاء الله. الشيخ: سمعت الكلمة في هذا. مداخلة: لا ما سمعت. الشيخ: إذاً لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة تريد بحث. الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقاً، لو أن مسلماً حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟ مداخلة: لا. الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح. الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركاً، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعاً فقد أشرك أيضاً، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، إذاً: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهاً. إذاً: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهاً، وليس من

стр. 1768

الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركاً، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥). هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك. ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٣٨). فهو قال له: (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) لأنه اعتبره مشركاً حينما قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبداً .. وما أظن الساعة قائمة) ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٩ - ٤٢).

стр. 1769

إذاً شركه كان شكه في البعث والنشور، إذاً: الشرع -وقدمت آنفاً التعليل- يعتبر كل كفر شركاً، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابناً لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد. مداخلة: هو مشرك لأنه كافر. الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك. "الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و (٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠) [٥٥٦] باب بيان خطأ مقولة: الخطأ مغفور في الفروع دون الأصول، والتعرض لمسألة التفريق بين الكفر والشرك سؤال: يا شيخنا طبعاً ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك، فيعني وكلنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في يعني سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعاً على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعاً هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟

стр. 1770

الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعاً أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﵌، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إماماً في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحاً؟ هل يشترط في أن يكون صالحاً: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟ الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مراراً وتكراراً، فمتى يكون العبد صالحاً؟ إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تماماً يقال في المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت من له تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة. كل إنسان يخطئ، ولا مجال من الخطأ؛ لأن الله حينما خلق ملائكة وخلق بشراً فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جداً، ولكن حذاري أن يفهم فهماً خاطئاً: الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا

стр. 1771

فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» (١)، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكاً. الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (٢)، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟ الجواب: لا، المقصود من الحديث تماماً عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ... » إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)، إذا كان إذاً هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص

стр. 1772

قصداً وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصداً وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصاً على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه. لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكتاب اليوم، يخطئون في هذه المسألة، كثيراً ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقاً، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تماماً التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ. أروي لكم الآن حديثاً من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضاً رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﵌ قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا:

стр. 1773

خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» هل ترونه مؤمناً وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ، إذاً نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله في هذا المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» يعترف بأنه كان مخطئاً مع ربه، وأن الله إذا عذبه يكون عادلاً؛ لأنه كان مخطئاً معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ليس بقادر على أن يقول له: كن بشراً سوياً، لكن الله فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلاناً، فكان بشراً سوياً، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك -أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك». هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة. لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا

стр. 1774

أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتاً، لكن أرى يداً رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل. مداخلة: كافر. الشيخ: كافر، تفضل. مداخلة: لا كافر ولا مشرك. الشيخ: تفضل. مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله لا يغفر الشرك، والله غفر له. الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جواباً صحيحاً، الذي أنكر قدرة الله على إعادته بشراً كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)، هو جعل نفسه رميماً سلفاً، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميماً تراباً، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رماداً، لا شك أن هذا كفر. لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨)، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض

стр. 1775

الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعاً، أذكر لكم نوعاً آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟ طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة: أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم. فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلاً منهم. أوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟ مداخلة: كفر. الشيخ: كفر، هل أشرك؟ مداخلة: ما أشرك. الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقاً، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف:

стр. 1776

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥) انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٥، ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر أم أشرك؟ مداخلة: أشرك. الشيخ: كفر. مداخلة: أشرك. مداخلة: كفر. الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف:٣٥) ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ (الكهف:٣٦) ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (الكهف:٣٧)، ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (الكهف:٣٩) ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٤٠ - ٤٢]، إذاً: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟

стр. 1777

الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، فإذاً كل من كفر بكفرية ما يكون مشركاً مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكاً مع ربه ﵎؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحياناً في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟ الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف بغير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله أي نوع من الكفر يكون مشركاً؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم. إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟ هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصاً من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه. وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال. "الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)

стр. 1778

[٥٥٧] باب هل كان الناس على الإيمان أم الكفر ؟ السائل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (البقرة:٢١٣) الناس كانوا على الإيمان أم على الكفر؟ الشيخ: على الإيمان بلا شك. مداخلة: طيب. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (البقرة:٢١٣) يعني الآية يعني تلمح على أنهم كانوا على غير الإيمان وإلا لمَ بَعَثَ الله النبيين بعد؟ الشيخ: الأمر سهل، كانوا على الإيمان والتوحيد وعلى الشرائع التي أنزلها الله على آدم ومن بعده، ثم اختلفوا فبعث الله النبيين وانتهى الأمر، فالبعث لا يعني أنه لم يكن هناك توحيد ولم يكن هناك تشريع وإنما يعني أنه وجد مخالفات ومقتضيات تقتضي بالحكمة الإلهية إرسال هؤلاء الرسل. مداخلة: يعني كما يقولون إيجاز، حذف في الآية؟ الشيخ: إيه في طي، يقولون في طي في الآية. نعم. "الهدى والنور" (٢٣٥/ ١١: ٢٩: ٠٠) [٥٥٨] باب هل يفسر الكفر بالجحود فقط ؟ سؤال: هل الكفر يفسر بالجحود فقط من الناحية الاصطلاحية، أم أن هناك صوراً أخرى للكفر يفسر بها كالإعراض والاستكبار والإباء وغيرها؟ الجواب: هذا سؤال غير وارد؛ لأنَّا قسمنا الكفر إلى قسمين كفر عملي وكفر اعتقادي، مقدم سلفاً كنا تقدمنا بهذا التقسيم وقلنا أن الكفر قد يكون كفراً عملياً وليس كفراً اعتقادياً فإذاً ليس الكفر فقط يعني الجحود؛ وإنما يعني أيضاً معنى

стр. 1779

آخر؛ من ذلك: ما جاء في سؤال السائل فقد يكون كفر نعمة مثلاً: "يكفرن النعمة ويكفرن العشير" كما جاء في حديث البخاري عن النساء، فإذاً الكفر له عدة معاني حقيقية، لكن بما كان يتعلق بالبحث السابق كالكفر فيما يتعلق بتارك الصلاة وغير الصلاة إما أن يكون الكفر بمعنى الجحد فهو يكفر به، وإما أن يكون الكفر بمعنى أنه يعمل عمل الكفار فلا يصلي، فهذا لا يكفر به وإنما يفسق. " الهدى والنور" (٢/ ٤٧: ٢٨: ٠٠) [٥٥٩] باب لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله [قال الإمام معلِّقاً على قول صاحب الطحاوية: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله]: قلت: يعني استحلالاً قلبياً اعتقادياًّ، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عملياًّ، أي: مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقاداً فهو كافر إجماعاً، وبين المستحل عملاً لا اعتقاداً، فهو مذنب يستحق العذاب اللائق به، إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه، خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافراً أو منافقاً. وقد نبتت نابتة جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوساً ومرؤوسين، اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ومكة وغيرها، ولهم شبهات كشبهات الخوارج، مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر، وقد ساق الشارح رحمه الله تعالى طائفة منها هنا، ونقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص - أن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب: كفر دون كفر كالإيمان عندهم، ثم ضرب على ذلك

стр. 1780

مثالاً هاماًّ طالما غفلت عن فهمه النابتة المشار إليها فقال رحمه الله تعالى (ص ٣٦٣): وهنا أمر يجب أن يُتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة. ويكون كفراً: إما مجازياًّ وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياًّ، أو كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٦١ - ٦٣). [٥٦٠] باب منه [نقل الإمام تعليق شارح الطحاوية على قول الماتن: «ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ﵌ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين». مقررا إياه فقال]: قال الشارح: يشير الشيخ ﵀ إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله. والمراد بقوله: «أهل قبلتنا» من يدعي الإسلام، ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم يُكذب بشيء مما جاء به الرسول ﵌. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٥).

стр. 1781

[٥٦١] باب منه سؤال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإنا نستسمح من شيخنا في أن نكمل بعض الأسئلة في مسألة التكفير، فنأمل الإذن بذلك. قول الطحاوي في الطحاوية: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، قال شارح الطحاوية: ينبغي أن يقيد هذا، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بكل ذنب؛ هل هذا التقييد صحيح؟ الشيخ: نعم، لا نكفر أحداً من أهل القبلة بأي ذنب صدر منه بالشرط الذي كنا ذكرناه بشيء من التفصيل في جلسة سابقة، ألا وهو: ألَّا يستحل بقلبه ذلك الذنب، أما إذا واقع ذنباً من الذنوب حتى ولو كانت من الذنوب الكبائر حتى ولو كان ذلك الذنب هو ترك الصلاة، إذا كان ما ارتكبه من هذا الذنب أو ذاك يعترف في قرارة قلبه أنه مذنب مع ربه فلا يكفر بهذا الذنب مهما كان شأنه. أما إذا استحله بقلبه كما استحله بعمله، فهذا هو الكفر المخرج عن الملة، فلا فرق بين ذنب وذنب، أنه لا يجوز أن نكفر مسلماً به إلا بالشرط المذكور آنفاً، أي ما دام أنه له ذنب، وأن هذه العقيدة هي يجب الإيمان بها، ولكنه غلبه هواه وشيطانه فهو يعترف. فأنا أذكركم بهذه المناسبة بذنب ذلك الذي أوصى بتلك الوصية الجائرة التي لا نتصور وصية جائرة أكثر منها، وهي حينما أمر بنيه لكي يحرقوه ليضل على ربه، هذا ذنب ما بعده ذنب، ومع ذلك فربنا لم يؤاخذه حينما أفصح الرجل والله أعلم بما كان في قلبه أنه لم يعمل أو لم يوص بتلك الوصية الجائرة إنكاراً لقدرة الله واعتقاداً بعجزه عن أنه لا يستطيع أن يعيده بشراً سوياً؛ لا،

стр. 1782

وإنما قال: خشيتك، فغفر الله له، فمهما المسلم ارتكب كبيرة من الكبائر وهو غير مستحل لها بقلبه، هنا يأتي قوله ﵊: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره»، وهنا تأتي أحاديث الشفاعة التي تصرح في خاتمة الشفاعة: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، لذلك كان عقيدة السلف الصالح وأهل السنة والجماعة حقاً أن مرتكب الكبيرة هو فاسق لا يخرج بكبيرته عن الإسلام. "الهدى والنور" (٦٧٢/ ٠٥: ٠٦: ٠٠) [٥٦٢] باب حد الكبيرة [قال الإمام]: اعلم أنهم اختلفوا في تعريف الكبائر على أقوال، أمثلُها أنها ما يترتب عليها حد، أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب. وراجع «الشرح [أي شرح الطحاوية]» و «مجموع الفتاوى» للشيخ ابن تيمية (١١/ ٦٥٠). "التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣). [٥٦٣] باب لا يُشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شُهد له، وحكم قول بعضهم عن الميت: «المغفور له» وما شابهه -[نقل الإمام تعليق الشيخ ابن مانع على قول صاحب الطحاوية: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة» مقررًا إياه فقال]: قال الشيخ ابن مانع ﵀: «اعلم أن الذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم

стр. 1783

لا يشهدون لأحد مات من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله وأخبر عنه بذلك، ولكنهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، وبهذا تعلم ما عليه كثير من الناس إذا ذكروا عالماً أو أميراً أو ملكاً أو غيرهم قالوا: المغفور له، أو ساكن الجنان، وأنكى من ذلك قولهم: نقل إلى الرفيق الأعلى، ولا شك أن هذا قول على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم عديل الشرك كما قال تعالى: ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (الأعراف: ٣٣) وأما المشرك فنشهد له بالنار لأن الله قال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ (المائدة: ٧٢). "التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٤ - ٦٥). [٥٦٤] هل يدخل الكافر كفراً اعتقاديّاً الجنة ؟ السائل: الكافر كفر اعتقادي هل هناك يعني إمكانية في دخوله الجنة؟ الشيخ: لا، إنها محرمه على الكافرين، بنص القرآن الكريم. "الهدى والنور" (٤٢٨/ ٢٥: ٢٤: ٠٠) [٥٦٥] باب الكافر هل يجازى على عمله الصالح ؟ [قال رسول ﵌]: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه». [قال رسول ﵌]: فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله ، وفي ذلك يقول تعالى: ٍ ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه

стр. 1784

فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قول الله ﵎: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. وعلى افتراض أن بعض الكفار يقصدون بعملهم الصالح وجه الله على كفرهم، فإن الله تعالى لا يضيع ذلك عليهم، بل يجازيهم عليها في الدنيا، وبذلك جاء النص الصحيح الصريح عن رسول الله ﵌ وهو: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها» ... تلك هي القاعدة في هذه المسألة: أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعاً في الدنيا، فلا تنفعه حسناته في الآخرة، ولا يخفف عنه العذاب بسببها فضلاً عن أن ينجو منه. تنبيه: هذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره كما هو ظاهر الحديث وأما إذا أسلم فإن الله ﵎ يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة وفي ذلك أحاديث كثيرة كقوله ﵌: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها» الحديث. هذا وقد يظن بعض الناس أن في السنة ما ينافي القاعدة المذكورة من مثل الحديث الآتي: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵌ ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ

стр. 1785

كعبيه، يغلي منه دماغه» ... وجوابنا على ذلك من وجهين أيضاً: الأول: أننا لا نجد في الحديث ما يعارض القاعدة المشار إليها، إذ ليس فيه أن عمل أبي طالب هو السبب في تخفيف العذاب عنه، بل السبب شفاعته ﵌، فهي التي تنفعه، ويؤيد هذا، الحديث التالي: عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا (أي شفاعته) لكان في الدرك الأسفل من النار» ... فهذا الحديث نص في أن السبب في التخفيف إنما هو النبي ﵇، أي شفاعته - كما في الحديث قبله - وليس هو عمل أبي طالب، فلا تعارض حينئذ بين الحديث وبين القاعدة السابقة، ويعود أمر الحديث أخيراً إلى أنه خصوصية للرسول ﵌، وكرامة أكرمه الله ﵎ بها حيث قبل شفاعته في عمه وقد مات على الشرك، مع أن القاعدة في المشركين أنهم كما قال : ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، ولكن الله ﵎ يخص بتفضله من شاء، ومن أحق بذلك من رسول الله ﵌ سيد الأنبياء؟ عليهم جميعاً صلوات الله. والجواب الثاني: أننا لو سلمنا جدلاً أن سبب تخفيف العذاب عن أبي طالب هو انتصاره للنبي ﵌ مع كفره به، فذلك مستثنى من القاعدة، ولا يجوز ضربها بهذا الحديث كما هو مقرر في علم أصول الفقه، ولكن الذي نعتمده في الجواب إنما هو الأول لوضوحه. والله أعلم. "الصحيحة" (١/ ١/١١٨ - ١٢١).

стр. 1786

[٥٦٦] باب منه [قال رسول ﵌]: - «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها». [قال الإمام]: أخرجه النسائي (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: فذكره. قلت: وهذا سند صحيح، وقد علقه البخاري في " صحيحه " فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات. وقد وصله الحسن بن سفيان والبزار والإسماعيلي والدارقطني في " غرائب مالك " والبيهقي في " الشعب " من طرق أخرى عن مالك به. قال حافظ في " الفتح " (١/ ٨٢): " وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام. وقوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ " يقول الله لملائكته اكتبوا "، فقيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا، لأنه مشكل على القواعد. وقال المازري: الكافر ليس كذلك، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك.

стр. 1787

وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال. واستضعف ذلك النووي فقال: " والصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مسلم، لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكفار في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه " انتهى. ثم قال الحافظ: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلاً من الله وإحساناً أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً. والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقاً على إسلامه، فيقبل ويثاب إن أسلم، وإلا فلا. وهذا قوي. وقد جزم بما جزم به النووي: إبراهيم، الحربي وابن بطال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين. قال ابن المنير: المخالف للقواعد، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيراً، فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما عمله غير موفى الشروط. واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثوراً، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله ﵌ لما سألته عائشة عن ابن جدعان وما كان يصنعه من الخير: هل ينفعه؟ فقال: «إنه لم يقل

стр. 1788

يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر ". قلت: وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك، ولهذا قال السندي في حاشيته على النسائي: " وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة، إن أسلم تقبل، وإلا ترد. وعلى هذا فنحو قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر فلا استبعاد فيه، وحديث " الإيمان يجب ما قبله " من الخطايا في السيئات لا في الحسنات ". قلت: ومثل الآية التي ذكرها السندي ﵀ سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك كقوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين﴾، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا، ومن الدليل على ذلك قوله : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ويترتب على ذلك مسألة فقهية وهي أن المسلم إذا حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يحبط، حجه ولم يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد متين، أرى أنه لابد من ذكره، قال رحمه الله تعالى (٧/ ٢٧٧): "مسألة - من حج واعتمر، ثم ارتد، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج ولا العمرة، وهو قول الشافعي وأحد قولي الليث

стр. 1789

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، ما نعلم لهم حجة غيرها، ولا حجة لهم فيها، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله لا تجوز، وإنما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه، لا إذا أسلم، وهذا حق بلا شك. ولو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من ذلك عن الواجب، وأيضا فإن قوله تعالى فيها: ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ بيان أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلاً بل هو مكتوب له ومجازى عليه بالجنة، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصح أن الذي يحبط عمله هو الميت على كفره، مرتدا أو غير مرتد، وهذا هو من الخاسرين بلا شك، لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته، وقال تعالى: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم» فصح نص قولنا: من أنه لا يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت وهو كافر، ووجدنا الله تعالى يقول: «إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى»، وقال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره»، وهذا عموم لا يجوز تخصيصه، فصح أن حجه وعمرته إذا راجع الإسلام سيراهما، ولا يضيعان له. وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﵌: «أسلمت على ما أسلفت من خير». "الصحيحة" (١/ ١/٤٩٢ - ٤٩٥).

стр. 1790

[٥٦٧] باب منه [قال الإمام]: إذا أسلم [الكافر] فإن الله ﵎ يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة وفي ذلك أحاديث كثيرة كقوله ﵌: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها» "الحديث. "الصحيحة" (١/ ١/١٢٠). [٥٦٨] باب منه عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﵌: «أسلمت على ما أسلفت من خير». [قال الإمام]: قال ابن حزم: فصح أن المرتد إذا أسلم، والكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا أسلما، فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذ حج وهو مسلم قد أدى ما أمر به وما كلف كما أمر به، فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان. وأما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم، فإن أسلم بعد ذلك لم يجزه لأنه لم يؤده كما أمر الله تعالى به؛ لأن من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبد الله ﵇ في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى دينا غيره، وقال ﵇: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
следующие страницы →