← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

[٥٦٦] باب منه [قال رسول ﵌]: - «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها». [قال الإمام]: أخرجه النسائي (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: فذكره. قلت: وهذا سند صحيح، وقد علقه البخاري في " صحيحه " فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات. وقد وصله الحسن بن سفيان والبزار والإسماعيلي والدارقطني في " غرائب مالك " والبيهقي في " الشعب " من طرق أخرى عن مالك به. قال حافظ في " الفتح " (١/ ٨٢): " وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام. وقوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ " يقول الله لملائكته اكتبوا "، فقيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا، لأنه مشكل على القواعد. وقال المازري: الكافر ليس كذلك، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك.

стр. 1787

وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال. واستضعف ذلك النووي فقال: " والصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مسلم، لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكفار في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه " انتهى. ثم قال الحافظ: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلاً من الله وإحساناً أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً. والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقاً على إسلامه، فيقبل ويثاب إن أسلم، وإلا فلا. وهذا قوي. وقد جزم بما جزم به النووي: إبراهيم، الحربي وابن بطال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين. قال ابن المنير: المخالف للقواعد، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيراً، فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما عمله غير موفى الشروط. واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثوراً، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله ﵌ لما سألته عائشة عن ابن جدعان وما كان يصنعه من الخير: هل ينفعه؟ فقال: «إنه لم يقل

стр. 1788

يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر ". قلت: وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك، ولهذا قال السندي في حاشيته على النسائي: " وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة، إن أسلم تقبل، وإلا ترد. وعلى هذا فنحو قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر فلا استبعاد فيه، وحديث " الإيمان يجب ما قبله " من الخطايا في السيئات لا في الحسنات ". قلت: ومثل الآية التي ذكرها السندي ﵀ سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك كقوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين﴾، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا، ومن الدليل على ذلك قوله : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ويترتب على ذلك مسألة فقهية وهي أن المسلم إذا حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يحبط، حجه ولم يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد متين، أرى أنه لابد من ذكره، قال رحمه الله تعالى (٧/ ٢٧٧): "مسألة - من حج واعتمر، ثم ارتد، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج ولا العمرة، وهو قول الشافعي وأحد قولي الليث

стр. 1789

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، ما نعلم لهم حجة غيرها، ولا حجة لهم فيها، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله لا تجوز، وإنما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه، لا إذا أسلم، وهذا حق بلا شك. ولو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من ذلك عن الواجب، وأيضا فإن قوله تعالى فيها: ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ بيان أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلاً بل هو مكتوب له ومجازى عليه بالجنة، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصح أن الذي يحبط عمله هو الميت على كفره، مرتدا أو غير مرتد، وهذا هو من الخاسرين بلا شك، لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته، وقال تعالى: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم» فصح نص قولنا: من أنه لا يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت وهو كافر، ووجدنا الله تعالى يقول: «إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى»، وقال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره»، وهذا عموم لا يجوز تخصيصه، فصح أن حجه وعمرته إذا راجع الإسلام سيراهما، ولا يضيعان له. وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﵌: «أسلمت على ما أسلفت من خير». "الصحيحة" (١/ ١/٤٩٢ - ٤٩٥).

стр. 1790

[٥٦٧] باب منه [قال الإمام]: إذا أسلم [الكافر] فإن الله ﵎ يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة وفي ذلك أحاديث كثيرة كقوله ﵌: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها» "الحديث. "الصحيحة" (١/ ١/١٢٠). [٥٦٨] باب منه عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﵌: «أسلمت على ما أسلفت من خير». [قال الإمام]: قال ابن حزم: فصح أن المرتد إذا أسلم، والكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا أسلما، فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذ حج وهو مسلم قد أدى ما أمر به وما كلف كما أمر به، فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان. وأما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم، فإن أسلم بعد ذلك لم يجزه لأنه لم يؤده كما أمر الله تعالى به؛ لأن من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبد الله ﵇ في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى دينا غيره، وقال ﵇: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».

стр. 1791

والصابئ إنما حج كما أمره يوراسف أو هرمس فلا يجزئه، وبالله تعالى التوفيق. ويلزم من أسقط حجه بردته أن يسقط إحصانه وطلاقه الثلاث وبيعه وابتياعه وعطاياه التي كانت في الإسلام، وهم لا يقولون بهذا، فظهر فساد قولهم، وبالله تعالى نتأيد ". وإذا تبين هذا فلا منافاة بينه وبين الحديث المتقدم برقم (٥٢) «أن الكافر يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا» لأن المراد به الكافر الذي سبق في علم الله أنه يموت كافرا بدليل قوله في آخره: «حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها»، وأما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم ويموت مؤمنا فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة، كما أفادته الأحاديث المتقدمة، ومنها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه المتقدم وصححه ولم يعزه لأحد من المؤلفين، وقد أخرجه البخاري في "صحيحه " (٤/ ٣٢٧، ٥/ ١٢٧، ١٠/ ٣٤٨) ومسلم (١/ ٧٩) وأبو عوانة في " صحيحه "أيضا (١/ ٧٢ - ٧٣) وأحمد (٣/ ٤٠٢). ومنها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد، فأنا أسوقه الآن وأخرجه وهو: " لا يا عائشة، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " ... وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية بخلاف ما إذا مات على كفره فإنه لا ينفعه بل يحبط بكفره. وفيه دليل أيضاً على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا

стр. 1792

من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة رسول، إذ لو كانوا كذلك لم يستحق ابن جدعان العذاب ولما حبط عمله الصالح، وفي هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها. "الصحيحة" (١/ ١/٤٩٥ - ٤٩٨). [٥٦٩] باب معنى قول النبي ﵌: «ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» سؤال: قال رجلٌ للنبي ﵌ أرئيت الرجل يحسن في الإسلام، أيؤاخذ بما عمل في الجاهلية، قال فقال النبي ﵌: «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر»، فماذا يقصد، «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية»، هل يقصد بذالك انه لم يرتد على الإسلام؟ الشيخ: واحد كان يسرق في الجاهلية، ويسرق، وظل يسرق في الإسلام، فيؤاخذ بهذا وذاك، رجل كان كافراً مشركاً، وعلى شركه كان سيء التصرف، كان يسرق، كان يضرب، كان يشرب الخمر، كان إلى أخره، ثم أسلم، الإسلام يَجُبُّ ما قبله، لكن هذا الحديث، يدخل لهذه الجملة، لهذه القاعدة تخصيصاً، الإسلام يجب ما قبله، فالذي أسلم وكان مثلاً سارقاً، فبإسلامه كما انتهى عن الكفر، انتهى عن السرقة، هذا سيحسن إليه في كل ما يفعل، من حسنات في إسلامه، ولا يؤاخذ على سيئته في الجاهلية، على العكس من ذلك، فرجل آخر أسلم وكان يسرق، ومع إسلامه، ظل يسرق، فهو بناءً على القاعدة العامة الإسلام يجب ما قبله، بيتصور الإنسان، أن هذا لا يؤاخذ بما فعل في الجاهلية، من السرقة، لكن هذا

стр. 1793

الحديث يقيد هذه القاعدة، ويقول بأن هذا الذي أسلم وأساء في الإسلام، فسيؤاخذ على إساءته هذه في إسلامه [مثل] إساءته في الجاهلية. السائل: هذا إذا دخل الإسلام، واستغفر الله ، عما فعل في الجاهلية، وعاد إلى ذنبه، فأين نذهب بحديث النبي ﵌، الذي من خلاله يقول حديث المطول، « ... إذا أذنب عبدي، ذنباً، فعرف أن له رباً يغفر الذنب، [إلى أن قال] قد غفرت لعبدي» (١)، فهذا الإنسان أسلم، ثم بعد ذلك استغفر، قد رجع إلى السرقة، أو إلى الخمر أو كذا، فالله قد غفر له، ثم استغفر، هل يقصد بذلك: «ومن أساء في الإسلام» ... أنه مات على الإساءة؟ الشيخ: ليس شرطاً، إذا كان أساء في الجاهلية، وما رجع عن إساءته في الجاهلية، سؤالك الأخير أخي ما يخرج عن التوفيق بين قاعدة الإسلام يجب ما قبله، فهي قاعدة عامة، لكن هذا الحديث يخصص هذه القاعدة فيقول بأنه إذا أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما فعل في الجاهلية، أما بعد إسلامه إذا أساء في الإسلام كما أساء في الجاهلية فهو يؤاخذ بالإساءتين، سواء في الإسلام أو في الجاهلية، والحديث الذي ذكرته العبد إذا تاب، فهذا أيضاً من النصوص العامة، أي: التي يتبادر إلى الذهن أنه يشمل من كان مشركاً فأسلم، ويشمل من كان مسلماً أب عن جد. هنا هذا الحديث الآن يأخذ جزئية من جزئيات حديث العبد الذي ذكرته أخيراً، ويعطينا أنه إذا كان مشركاً فأسلم، فأساء في إسلامه كما أساء في جاهليته، أخذ بالإساءتين معاً، تخصيص وتعميم فقط. "الهدى والنور" (٤٢٥/ ٥٥: ٥٥: ٠٠) و (٤٢٦/ ٤٦: ٠٠: ٠٠)

стр. 1794

[٥٧٠] باب تعريف الإسلام، وبيان ما يُخرجُ المرء منه [قال الإمام]: (دين) الإسلام هو ما شرعه الله لعباده، على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه: روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه. فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه لوافد ثم يولي في وقته واختلاف تعليم النبي ﵌ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس؛ علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: [قل آمنت بالله ثم استقم]. وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﵌، ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق. نقله الإمام عن شارح الطحاوية في «التعليق على متن الطحاوية» (ص١٠٩ - ١١٠) مقررًا.

стр. 1795

[٥٧١] باب متى يخرج المسلم من إسلامه ؟ سؤال: [الأخ] يريد أن يعرف .. بأقصر الطرق وأسهل شيء متى يخرج المسلم من الإسلام؟ الشيخ: متى يخرج المسلم من الإسلام .. متى يكفر يعني؟ مداخلة: متى يكفر، نعم. الشيخ: المسلم يخرج من إسلامه إذا أنكر شيئاً منه كان دخل فيه، مفهوم هذا الكلام؟ إذا أنكر .. إذا جحد شيئاً يتبناه في إسلامه وفي دينه وهو يعرف ذلك فأنكره بقلبه وليس بلسانه، فهو مرتد عن دينه، ولو كان [يوجد] حكم إسلامي يقتل؛ لأنه ارتد عن دينه، أما إذا لم يُخْرِجْ ذلك عن عقيدةٍ، وإنما إما قال ذلك جهلاً بدينه، أو قاله مضطراً، أو خوفاً، أو نحو ذلك فهو لا يكفر به. فالخلاصة: يرتد عن الدين إذا جحد شيئاً منه وهو عالم به، لكن إذا أنكر شيئاً هو لا يعرفه أنه من الإسلام فأنكره فلا يُكَفَّر إلا بعد أن يُبَيَّنَ له أن هذا الإسلام جاء به فأصر على إنكاره فهو الذي يحكم بكفره وردته؛ تطلق منه زوجته؛ وإذا مات لا يدفن في مقابر المسلمين، يعني: تترتب [عليه] أحكام أهل الردة. أما الشيء الذي يُنْكِرُهُ ويَكفُر بإنكاره إياه فهو ما يسميه أو يعبر عنه العلماء الفقهاء: [ما] كان معلوماً من الدين بالضرورة، ما معنى هذا الكلام؟ أكثر الناس اليوم لا يعرفون أن الدخان شربه حرام، لكن كل المسلمين حتى النصارى يعرفون عن الإسلام أن شرب الخمر حرام في الإسلام، فإذا مسلمٌ ما قال: الخمر ليس حرام، هذا مرتد عن دينه لماذا؟ لأنه لا يتصور أنه يجهل أن دينه الذي هو يعتقده ويؤمن به .. لا يتصور فيه أنه يجهل أن الإسلام يحرِّمه بل هو يقيناً

стр. 1796

يعلم أن الخمر حرام، لكن هو أبى هذا الحكم في الإسلام، ففي مثل إنكاره لهذا الحكم يكفر. هذا (يسميه) الفقهاء: معلوم من الدين بالضرورة بمعنى: مجرد كون المسلم مسلماً يعلم هذا الحكم، بينما هناك أحكام فيها دقة متناهية لا يعرفها إلا أهل العلم بل ربما إلا خواص أهل العلم، [مثل] شرب الدخان وكونه حراماً، المسلمين كلهم يعرفون أنه حرام مثل الخمر؟! لا، فالدخان يا أخي أنا أريد أشربه وما هو حرام فهل يكفر؟! [لا]؛ لأنه ما أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة. ومن صفات المعلوم من الدين بالضرورة أنه يكون مذكوراً إما في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة المتلقاة عند علماء المسلمين بالقبول، فإذا أنكر حكماً مختلَفاً فيه فلا يكفر به وإنما يُخطّأ إذا كان مخالفاً للدليل، هذا ما عندي جواباً على ذاك السؤال، ولعله وضح عندك وزال الإشكال أو يوجد غموض؟ مداخلة: لو أقمنا عليه الحجة والدليل هل نصلي خلفه أو نقول أنه قد كفر؟ الشيخ: من الذي يريد أن يقيم الدليل زيد وبكر وعمرو أو أهل العلم؟ مداخلة: من الأحاديث ... الشيخ: الأحاديث لا تكفي .. ، إذا كانوا أهل العلم وأهل العلم بالكتاب والسنة أتوا بهذا الرجل وبينوا له أنك أنت تخالف صريح القرآن وتخالف صريح السنة وتخالف إجماع المسلمين؛ لأن هذا العالم قد يبين له الحجة والدليل فعلاً لكن ليس هذا أمِّي الذي أنكر هذا الشيء .. علماء كبار أنكروا هذا الشيء الذي يقيم الدليل على حرمته، فلا يكفي إقامة الدليل بالنسبة لوجهة نظر العالم وإنما

стр. 1797

بالنسبة لوجهة نظر كل علماء المسلمين متفقين معه على هذا، ومع ذلك كان راكب رأسه ومتبع هواه، فهذا يكفر وإلا فلا سبيل إلى تكفيره، ماذا تريد أن تقول؟ نعم؟ مداخلة: وإن كان الجاهل ... يعني: يجهل حكماً، يجهل الأحاديث، ويجهل الآيات. الشيخ: هو البحث في هذا طبعاً .. البحث في هذا، هناك من يعرف؟! مداخلة: ومن لا يعرف. الشيخ: نعم. مداخلة: نتج عن هذا البحث أن الرجل أنكر حديثاً عن النبي ﵊ وهو لا يعتقد صحة هذا الحديث، ما حكمه؟ الشيخ: .. يصلي؟ مداخلة: لا ما حكمه، أهو مسلم؟ الشيخ: يصلي؟ مداخلة: يصلي. الشيخ: طيب! فهو مسلم لكن يعود البحث السابق. مداخلة: البحث السابق. الشيخ: هذا تبع [هذه] الرواية أنكر حديثاً، ونفترض أن هذا الحديث صحيح، فإن كان متبعاً لهواه فهو ضال، وإن كان متبعاً لرجل أفتاه فهو غير ضال؛ وزره على من أفتاه.

стр. 1798

مداخلة: أما مسألة كفره هذا لا. الشيخ: لا أبداً أعوذ بالله. "الهدى والنور" (١٤/ ٤٦: ٤٥: ٠٠) [٥٧٢] باب ذكر الحد الفاصل بين الإسلام والكفر سؤال: ما الحد الفاصل بين الإسلام والكفر؟ الشيخ: الحد الفاصل هو من أنكر من الإسلام ما هو معلوم بالدين بالضرورة فهو كافر، ومع ذلك فهذه الجملة إنما تطبق في المجتمع الإسلامي، واضح؟ لماذا؟ المعلوم من الدين بالضرورة ماذا يعنون [به]؟ يعني: يكون الحكم المعلوم من الدين بالضرورة شائعاً بين المسلمين، لا فرق بين عالمهم وجاهلهم، بين قارئهم وأميهم، كلهم يشتركون في معرفة كون هذا الشيء هو مثلاً فرض أو هو حرام، نضرب مثالاً مثلاً: هل تتصورون مسلماً يجهل تحريم الخمر؟ أنا أقول: لا أتصور، لكني سأقول: أتصور، لكن قبل أن أقول كيف أتصور، هل تتصورون مسلماً يجهل تحريم الدخان؟ هنا سَتُسْألون ستقولون: نعم، أكثر الناس لا يعلمون أن الدخان حرام، فإذا واحد استحل الدخان ما نكفره، لكن إذا واحد استحل الخمر قال: لا، الخمر حلال، وهذا شراب طيب إلخ، هذا نكفره. أرجع إلى كلمتي السابقة وهو أنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، نقول: هذا يكفر، وأحيانا ًلا يكفر، لأنه شرط تكفير من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن يكون عائشاً في جو إسلامي، في جو إسلامي هذا الجو يعبق برائحة العلم، على الأقل بهذه الأمور التي نقول: إنها معلومة من الدين بالضرورة.

стр. 1799

نتصور الآن مجتمع أمريكي زنجي دخل في الإسلام أفواجاً، لكن هل تتصورون أنه بمجرد دخولهم في الإسلام أفواجاً أنهم عرفوا الحلال والحرام والمحرم .. إلخ، لا، هؤلاء بدهم زمن طويل حتى يعيشوا مع أهل العلم وتنتقل معلوماتهم من هؤلاء إلى صدور أولئك الأقوام الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، بحيث أنه يتكون جو جديد بالنسبة لهؤلاء الأقوام الذين دخلوا في الإسلام جديداً، فممكن نحن نتصور رجلاً أسلم في أي بلد من البلاد غير الإسلام، قرأ يمكن ترجمة من تراجم القرآن، فدخل الإيمان في قلبه وآمن بالله ورسوله، لكن لسه ما يعرف أن الخمر محرم بالقرآن، ما فهم هذا، فنحن ما بنقوله: أنت كفرت لأنك تشرب خمر وتقول ما في شيء. على العكس من ذلك، لما يكون المسلم عايش في مجتمع إسلامي، وهذا المجتمع الإسلامي يشع فيه العلم الصحيح فحينئذٍ من أنكر فرضاً من هذا المجتمع أنكر شيئاً معلوماًَ من الدين بالضرورة يتوارثه الأب عن أبيه والأب عن جده وهكذا، حينئذٍ يكفر لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة .. وأنا أضرب الآن لكم مثلاً في بلاد الإسلام: أنتم تعلمون مع الأسف أن كثيراً من المسلمين الذين يشهدون معنا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويصومون وإلخ، لكنهم ما فهموا التوحيد بعد، ما فهموا التوحيد إيجابيا وسلبياً، ما عرفوا أن التوحيد حينما يفهمه المسلم ويؤمن به حقاً يستلزم أن يكفر بما سواه، أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن يكفر بما سوى الله ، فنجد كثيراً من المسلمين اليوم يطوفون حول القبور، وينذرون لها النذور، ويستغيثون بها من دون الله ، ويستشفون يطلبون الشفاء منهم لمرضاهم، هذا معروف في كثير من البلاد الإسلامية، خاصة مصر، فتجد كبار العلماء يتأولون هذه الضلالات كلها،

стр. 1800

ويسمونها بغير اسمها، يسمونها: توسلاً إلى الله وتقرباً إلى الله إلخ، وهي الشرك بعينه، فالعامة هؤلاء الذين عاشوا في مجتمع كبار الشيوخ يبررون لهم هذه الأعمال، وليس عندهم من ينبئهم بأن هذا هو الشرك الذي الله بعث محمداً ﵌، وحارب المشركين من أجله، أولئك المشركين الذين قالوا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) أصبح كثير من المسلمين اليوم يعيدون كلام المشركين الأولين، ... ؟ نحن نتقرب إلى الله، الفرق بين جهلة المسلمين اليوم والمشركين في ذاك الزمان أن المشركين - هنا سيظهر شيئاً من فضل العرب طبيعة، مش ديانةً-، المشركون كانوا يعرفوا أن ما يفعلونه من دعائهم لأصنام أنه عبادة لغير الله ، كانوا يعرفون هذه الحقيقة ويعترفون بها، كما حكى الله عنهم في الآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الزمر:٣) (يوجد) طيّ هنا في الكلام، وهذا من بلاغة القرآن، إذا قيل لهم: لماذا تعبدونهم من دون الله ؟ قالوا: ما نعبدهم لذاتهم، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، .. الآن شيخ الأزهر يقول لك: نحن ما نعبدهم؛ ... لأنهم ما فهموا اللغة العربية كما فهمها الأولون، ثم كفروا عن بصيرة عن علم، ولذلك قال تعالى في أمثالهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤). أما المسلمون اليوم الذين يعيشون في هذه البلاد، ولا يجدون الأصوات العالية التي تبين لهم كما قال تعالى في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء:٩٨)،بل يجدون من يتأول لهم أقوالهم وأفعالهم وشركهم وضلالهم، هؤلاء نحن نقول: وقعوا في الكفر، لكننا لا نكفرهم، لأن حجة الله لم تقم عليهم، فهم أنكروا شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، لكن في أي وقت؟ في وقت كان الدين الحق الكتاب والسنة كان

стр. 1801

منتشراً بين الناس، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا العلم وأضاعوا العبادة على وجهها وصرفوها لغير الله ﵎. لعلي أوضحت الجملة التي تقال وليست على إطلاقها، الفرق هو أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو الكفر، أما إذا أنكر أشياء يختص بمعرفتها الفقهاء والعلماء فهذا لا يكفر، ولكنه يرشد ويهدى إلى الصواب. سؤال: [نريد] التعريف الجامع المانع للإسلام، الذي فيه يدخل مثل هذا الجواب أصلاً؟ الشيخ: يا أخي الإسلام غير، هو يسأل بماذا يكفر. مداخلة: من حيث النقض، قصدي: أن أصل الإسلام إذا عرفناه يعني: ألا ينتقض معه، هذا الجواب أو المسألة الأخرى. الشيخ: يمكن يحتاج إلى التوضيح سؤالك، لأن الإسلام معروف يعني: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة .. إلخ. والشهادة لله بالوحدانية تستلزم ما تعلم، والشهادة للرسول ﵇ تستلزم ما تعلم، فإذاً وضح السؤال. السؤال: أستاذي لما نحن عرفنا هذا أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإيتاء الزكاة وكذا، هذا قد لا يكون جامعاً مانعاً، لأن من ترك الصلاة عندنا لا يكفر، وبالتالي هو داخل دائرة الإسلام، فهذا لا يعد تعريفاً جامعاً لأنه أدخل الشيء، يعني: ليس من أصل الإسلام بمعنى أنه إذا تركه لا يكون كافراً. الشيخ: يعني: كأنك تريد تقول من حيث العقيدة؟ السؤال: يعني: هل الإسلام إذا قلنا: هو الاعتقاد فقط، وبالتالي الأعمال

стр. 1802

الأخرى هي متممة لهذا الإسلام ومدخلة لصاحبه في الإيمان مثلاً؟ الشيخ: تعرف أنت الإسلام هو شيء ظاهر، والإيمان هو شيء متعلق بالقلب، فحتى أي شخص يعيش في الدولة المسلمة فإذا أراد أن يكون له حقوق المسلمين فيجب أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يلتزم أحكام الإسلام كلاًّ أو بعضاً على حسب التفصيل المعروف، لكن قد يسلم هذا ظاهراً ويكفر باطناً كما هو شأن المنافقين، فإسلامه هذا لا يفيده شيئاً. فإذاً: الموضوع إذا كان قضية كفر وإيمان، فالقضية لها علاقة بالإيمان وليس لها علاقة بالإسلام، ولذلك فمن أنكر بقلبه ما هو من الإسلام فهو كافر، لكن قد يصلي وقد يصوم، فنحن نقول: هو من حيث الظاهر فهو مسلم، لكن حينما يبدو لنا أنه أنكر شيئاً فعندنا فيه تفاصيل معروفة في كتب العلم، إذا كان (يوجد) حكم إسلامي يؤتى بهذا الإنسان الذي أنكر هذا الشيء الذي يستحق به الكفر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، إذاً: هنا شيئان: إسلام ظاهري وإيمان قلبي، هذا الإيمان القلبي هو الذي يجزئ عند الله ، أما الإسلام الظاهري فهو ينجي من السيف في الدنيا فقط، لكن ما ينجي من عذاب الخلد في الآخرة، ما دام أنه كان يكتم كفره ويظهر إسلامه. على كل حال أنت تدندن حول كلمة: جامع، هذه كلمة جامع التي أنت تسأل عنها حول أي نقطة، لأن كل واحد له سؤاله؟ السؤال: يعني: لفظ الإسلام إذا سئلنا عن لفظ الإسلام، وهذا اللفظ لا ينتقض مع الدلائل الشرعية الأخرى له، وأنا أقول هذا لأني متأثر في أجواء نقاش رسائل الكفر والإيمان وما شابه ذلك، فهم عندما يريدون أن يعرفوا الإسلام يقولون: الإسلام هو الإتيان بجميع الفرائض والانتهاء عن جميع المحرمات،

стр. 1803

يقولون هكذا يعني: هذا هو الإسلام، [و] أيُّ نَقْضٍ يُخْرِجُ من الإسلام، فأنا أريد تعريف للإسلام أي نقض له يخرج منه، هل هذا السؤال هكذا دقيق؟ الشيخ: السؤال الآن وضح، لكن يرجع الجواب نفسه السابق. مداخلة: إن الإسلام فقط أنه لا يعني نقض الإيمان، لأن الإسلام ربط بين الأعمال الظاهرة التي هي .... الشيخ: يعني: يرجع السؤال نفس الجواب السابق، من أنكر بقلبه ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهذا هو الكفر، هذا هو الخروج عن الإسلام، أما واحد ما حج وواحد ما زكى إلخ، فنرى عقيدته، هل يؤمن بهذه الفرائض كشرع من الله، نعم يقر بذلك، فهذا لا يكفر، لكنه قصر، وقد يقتل، وقد يعرض للسيف كما هو معلوم، لكن هذا العرض متى؟ لما يكون فيه حكم بالإسلام، فأنت كما تعلم من محاضرات عديدة جداً جداً أن الكفر كفران، كفر عملي وكفر اعتقادي، الذي يخرج من الملة هو الكفر الاعتقادي، فإذاً: هذا الإسلام الذي هو أحكام شرعية إذا أنكر شيء منها بقلبه فقد كفر مهما كان هذا الشيء، لكن يشترط أن يعلم أن هذا من الإسلام، لذلك نشترط المعلوم من الدين بالضرورة، لأن إذا واحد قال: الدخان ليس حرام عندي، وأنا على يقين عندي حرام، لكن لا أقدر أقول: أنه يكابر وأنه يستحل ما حرم الله، بعكس ما لو قال أن الخمر حلال أو حرام، فهنا عندي مجال لتكفيره. فإذاً: الذي أنت تدندن حوله وتسميه إسلاماً هو ليس إسلامًا، هو إيمان، الأمر يتعلق بالجنان وهو بالقلب، لأن الإسلام يتعلق بالأعمال التي قد يفعلها غير المسلم أيضاً كما كانوا من قبل يصلون، والحقيقة يراؤون الناس بصلاتهم، فالكفر

стр. 1804

الذي هو الخروج عن دين الله لا يكون إلا بشيء وقر في القلب، بس بيني وبين الله، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكن ربنا يعلم أنه كاذب، فهو استطاع أنه يغرر على الناس ويضللهم، ولكن عند الله هو في الدرك الأسفل من النار. " الهدى والنور" (٥٦/ ٤٢: ٠٥: ٠٠) [٥٧٣] باب هل وضع العلماء شروطًا للتكفير ؟ السؤال: هل وضع العلماء شروطاً أن من عمل كذا يكفر، يعني عشرة شروط نواقض الإسلام؟ الجواب: نعم، وضعوا، لكن في الحقيقة هم قد أفرطوا كثيراً وبخاصة بعض علماء الحنفية، حيث خلطوا ولا مؤاخذة بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وهذا أمر ضروري جداً التفريق بينهما، الكفر الاعتقادي هو الذي يخرج به المسلم من الملة، أما الكفر العملي أن يعمل عمل الكفار مثلاً، جعلوا هذا النوع من الكفر ردة، مثلاً ذكروا في [أنواع] الردة: ومن شد الزنار فقد كفر، أي: زنار النصارى، أو الرهبان والقسيسين، هذا بلا شك لا يجوز، لكن مجرد العمل كمجرد التشبه بالكفار لا يستحق المتشبه أن يحكم عليه بالردة، والخروج عن الملة، وإنما هو عمل الكفار، والتشبه بالكفار، وهذا يؤدي به إلى التنبيه على مسألة طالما تثار في العصر الحاضر لكثرة ابتلاء المسلمين بها ألا وهي: ترك الصلاة، كثير من الشباب المسلم بل نستطيع أن نقول مع الأسف أكثرهم لا يصلون، فهؤلاء الذين لا يصلون هل يحكم بكفرهم أم لا؟ الآن نسمع فتاوى كثيرة وكثيرة جداً بأن تارك الصلاة كافر، أي: مرتد عن

стр. 1805

الدين والملة، والواقع أن هذه المسألة كتلك، يجب التفريق بين من ترك الصلاة كسلاً وعملاً وانشغالاً بدنياه، ليس إنكاراً منه لفرضيتها فهذا فاسق وليس بكافر، أما من أنكر شرعية الصلاة كما نسمع من بعض الشباب للأسف يقولون: يا أخي الصلاة [شُرعت] في وقت العرب حينما كانوا يعيشون حياة البداوة، القذارة والوساخة ورعي الإبل ونحو ذلك، أما الآن فالناس متمدنون متحضرون زعموا، ولذلك فهذه الصلاة إن فعلها فبها وإلا إن تركها فلا شيء عليه، هذا هو الكفر الذي يخرجه صاحبه من الملة، أما المسلم إذا قيل له: يا أخي صل، يقول: الله يتوب علينا، يعترف بفرضية الصلاة، ويعترف بأنه مذنب مع الله ، لكن يتعذر بأن الشيطان متسلط عليه، حب الدنيا محيطة بها فيقول: الله يتوب علينا، هذا لا يجوز تكفيره، والحديث الذي يستدل به في هذه المناسبة وهو قوله ﵇: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر» يفسر هنا فقد كفر على كفرين: كفر عملي، وكفر اعتقادي، من ترك الصلاة مؤمناً بشرعيتها فكفره كفر عملي، ومن تركها جاحداً لشرعيتها فهو يعمل عمل الكفار ويعتقد عقيدة الكفار، وهذا مرتد عن الملة وإلى جهنم وبئس المصير .. "الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٠:٠٠:٠١) [٥٧٤] باب من لم يوف بالميثاق [قال رسول الله ﵌]: «يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب "

стр. 1806

وفي رواية: ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئاً ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار». [قال الإمام]: قوله:" وأنت في صلب آدم ". قال القاضي عياض: " يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ... ﴾ الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك ". ذكره في " الفتح ". "الصحيحة" (١/ ١/٣٣١ - ٣٣٢، ٣٣٤). [٥٧٥] باب لا ينجِّي العمل الصالح مع الكفر ولو في الجاهلية [قال رسول الله ﵌ عن هشام بن المغيرة]: «لا، إنه كان يعطي للدنيا وذكرها وحمدها، ولم يقل يوما قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». [قال الإمام]: أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٦٩٦٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢٣/ ٢٧٩/٦٠٦ و٣٩١/ ٩٣٢) من طرق عن منصور عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت للنبي ﵌: هشام بن المغيرة كان يصل الرحم ويقري الضيف ويفك

стр. 1807

العناة ويطعم الطعام، ولو أدرك أسلم، هل ذلك نافعه؟ قال: فذكره. [ترجم له الإمام بما ترجمناه به]. "الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٣٠). [٥٧٦] باب لِمَن يكون الحكم على المعين بالتكفير؟ وما هي شروط ذلك وضوابطه ؟ سؤال: الحكم على المعين بالتكفير لمن يكون؟ أهو للعلماء أم لغيرهم؟ وما هي شروطه؟ وما هي موانعه؟ الشيخ: أولاً بلا شك، هذا الحكم يكون لأهل العلم وليس لأهل الجهل، وثانياً: بعد تلك الكلمة التي كان فيها شيء من الطول وفرقنا بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، فالعالم الذي ليس لأحد سواه أن يتولى إصدار الحكم بتكفير مسلم لا شك أنه سيكون مستحضراً لقسمي الكفر: الكفر الاعتقادي، والكفر العملي. فقبل أن يصدر حكمه بالكفر الاعتقادي يجب أن يدرس المسألة المتعلقة بالذي يراد تفكيره على ضوء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، هذه الآية مهمة جداً، ذلك لأن المسلم حقاً قد يخفى عليه حكم ما فيقع في الكفر المخرج عن الملة، لكن هو لا يدري ولا يشعر، ولذلك فلا يجوز أن نحكم على مسلم بعينه أنه كفر ولو كان وقع في الكفر كفر ردة إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأنه ﴿لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (الأنعام:١٤٩)، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥). وهنا يحسن بي أن أذكر بحديث رغم كونه مروياً في أصح الكتب بعد كتاب الله وهو صحيح البخاري مع ذلك فقلما تسمع هذا الحديث من عالم أو واعظ أو

стр. 1808

مرشد، مع أن له صلة قوية جداً جداً بمثل هذا السؤال، أعني بهذا الحديث قوله ﵇: «» كان فيمن قبلكم رجل حضرته الوفاة فجمع أولاده حوله، فقال لهم: أي أب كنت لكم، قالوا: خير أبٍ، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» كفر هذا ولَّا ليس بكفر؟ كفر؛ لأنه شك في قدرة الله يصدق عليه قوله تعالى في آخر سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) إلى آخر الآيات، هذا الرجل قال: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً؛ فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني في النار، ثم اجعلوني قسمين، قسم ذروني في الريح، وقسم في البحر» لماذا؟ واضح، هه حتى يضل على ربه زعم، «فحرقوه بالنار، ونصفه من رماده ذروه في الريح، والآخر في البحر. فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكانت بشراً سوياً، قال الله : أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك» فنحن يجب أن نلاحظ هذا الذي نريد أن نصدر الحكم بالكفر عليه لعله معذور، لعله معذور، فنحاول إذاً قبل إصدار هذا الحكم أن نلتمس لكفره عذراً، لا لنقره على كفره، وإنما لننقذ أنفسنا من تكفيره، أظن في فرق كبير بين الأمرين. "الهدى والنور" (٦٧١/ ٢٥: ٥١: ٠٠) [٥٧٧] باب أهمية التفريق بين الحكم على عملٍ ما بأنه كفر، وبين الحكم على من تلبس به بأنه كافر الشيخ: نسأل الله أن يمدنا بفضله وعلمه، الحقيقة محمد بن عبد الوهاب فضله كبير على الأمة الإسلامية، لكن فيه شيء من الغلو والشدة، وظهرت هذه

стр. 1809

الشدة ظهرت في الإخوان. السائل: الذين حاربوا المذهب. مداخلة: هناك من سماهم إخوان من عاهد الله. الشيخ: كان فيه عندهم شدة، ويظهر أن هذه سنة الله في خلقه إلا من عصم الله وقليل ما هم، كما قال ﵇: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل» (١) الجماعة كان عندهم شيء من الشدة أخذوها طبعاً من بعض نصوص محمد بن عبد الوهاب ﵀، واستمر الأتباع إلى هذا العهد موصومون بهذه الشدة، وكنا نسمع نحن قديماً أن هؤلاء النجديين يكفرون عامة المسلمين، أو يقولون عنهم خوارج .. إلخ، أنا لما بدأت أسافر إلى تلك البلاد تجلى لي في أتباعهم شيء من هذه الشدة، يكفي في ذلك أنه مجرد ما واحد يتوسل بالتوسل المبتدع عندنا جميعاً؛ أن هذا كفر وأشرك، ما ينبغي أن نقول رأساً أنه كفر أو أشرك، يجب أن نستفصل القول أن هذا الذي يتوسل ماذا يعني، ماذا يريد، وإلا كفرنا وشركنا إمام من أئمة المسلمين، ألا وهو محمد بن علي الشوكاني، لأنه يقول بجواز التوسل، تعرف هذا أظن. السائل: بالجاه؟ الشيخ: بالرسول، بعد موته. السائل: بجاهه يا شيخ أم بذاته.

стр. 1810

الشيخ: بذاته، أنا الآن ما أستحضر. السائل: الظاهر بجاهه، وكذلك أحمد بن حنبل ﵀ جواز التوسل بجاه النبي. الشيخ: لكن أما تشعر معي أن الوقوف عند هذه الألفاظ جمود؛ إذا توسل بالجاه يختلف عن التوسل بالذات، فالذي يتوسل بالجاه لا ينكر عليه، والذي يتوسل بالذات ينكر عليه؟ السائل: لا، ينكر على الاثنين. الشيخ: طيب، فما حصيلة التفريق؟ السائل: التفريق أن هذا يكفر والثاني لا يكفر. الشيخ: لماذا يكفر أحدهما دون الآخر؟ السائل: لأن الذات بذاته نهينا عن التوسل بالذات، الشيخ: لا تطل علي الجواب، ستتعبني الآن، ما الفرق بين هذا التوسل فهو شرك، تقول: فيه عندهم دليل. السائل: لا يا شيخ، لأن النص في النهي عن التوسل بالذات أجدى منه بالنص بالنهي عن التوسل بالجاه. الشيخ: أين النهي، أين هذا النهي؟ السائل: أنه لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله. الشيخ: بحثنا في التوسل وليس بالاستغاثة.

стр. 1811

ليس هناك نهي يا أستاذ، نهي صريح ليس هناك، لكن المسلم العالم حينما يتتبع السنة ونصوصها بالأمر بالتوسل باسم من أسماء الله، بصفة من صفات الله، بالعمل الصالح، يجد أن هذا التوسل مخالف لهذا التوسل المشروع، هذه واحدة، والأخرى أن هذا التوسل بالمخلوق قد يؤدِّي إلى تعظيمه إن لم يؤدِّي إلى تأليهه، فإذا لم يؤدي إلى تعظيمه وتأليهه يكون هو مخالفاً للسنة. السائل: قول الله : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣)، كانوا يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) أي: نتوسل بهم إلى الله ونستشفع بهم عند الله ، هذا ليس نصاً في النهي؟ الشيخ: سبحان الله وأنت هاهنا بعد، ما علاقة هذه الآيات بالتوسل، التوسل أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة أن تغفر لي، كيف ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) هذا ما يعبد، هذا يعبد الله ويدعو الله، لا يدعو غير الله، لكنه يجعل واسطة بينه وبين الله أن يتقبل دعاءه. السائل: وهذه الواسطة البدعية يا شيخ عاب الله عليهم ... الشيخ: وأنا قلت ماذا. السائل: معك أنها بدعية أنا معك. الشيخ: لكن سألتني كيف تكون معي على شيء وتسألني؟ السائل: تريد مني دليلاً على عدم مشروعية التوسل. الشيخ: الله أكبر. السائل: أقصد على النهي.

стр. 1812

الشيخ: أي نعم، على النهي الذي يؤكد أنه مخالف للسنة، والآن تورط حالك الآن، اثبت لي أنه شرك؟ السائل: أيش يا شيخ. الشيخ: أنه الذي يقول في دعاؤه: اللهم إني أسألك بنيك محمد ﵌ أن تغفر لي، تقول: هذا مشرك، يعني: كتارك الصلاة؟ السائل: الذي يتوسل بالنبي ﵊. الشيخ: الله أكبر، أنا أحكي أقول: يقول في دعائه كذا، أسألك بنيك ... هذا مشرك كتارك الصلاة؟ مداخلة: ياشيخ هذا التفريق بين الذات والجاه تذكر شيئاً عن أحد قال به قط. الشيخ: سنصل، لكن هو قفز قفزة الغزلان يا أستاذ علي، نقلنا من موضوع مشروع أو غير مشروع إلى أنه كفر، وهذا من الغلو يا جماعة، هذا الذي نشكو منه. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) هذا قول المشركين، أظن أول الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) الآن نتساءل: كيف كانت عبادة المشركين لآلهتهم ولأوليائهم كما في هذه الآية، ماذا كانوا يفعلون؟ السائل: من الذبح والطواف .. الشيخ: جميل، فواحد مثل الشوكاني فعل شيئاً من ذلك؟

стр. 1813

السائل: لا. الشيخ: قل لا، فإذا قال واحد مثل الشوكاني أنا أقول مثل حتى ما تدندن حول الشوكاني، إذا قال واحد مثل الشوكاني: اللهم إني أسألك بمحمد أن تغفر لي. هل ذبح له .. إلخ. السائل: لا لم يذبح. الشيخ: هل هذا مشركاً. السائل: لا، ليس مشرك. الشيخ: هل يجوز الاستدلال عليه بالآية السابقة؟ السائل: لا. الشيخ: هذا الذي تفعلونه، وهنا يكمن الخطأ، فيجب لما تبحثون هذه البحوث الخطرة الدقيقة [أن] تفرقوا بين من عمله كله شرك فيقال: هذا توسل منه من هذا النوع، لأنه الإنسان يندفع حسب العقيدة والأفكار التي هو متشبع بها، فإذا كان إنسان زيد من الناس متشبع بأنه لا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يطاف إلا ببيت الله، ولا يدعى عند الشدائد إلا الله، قل ما شئت من السلبيات، لا لا لا لا .. إلخ ما هنالك، لكن نقول: أنا أعتقد أنه يجوز أن نقول: يا الله اغفر لي بجاه محمد، أسألك بمحمد أن تغفر لي، ما وجه الاستدلال على هذا أنه مشرك لأن الله يقول على لسان المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) وهو لا يعبدهم؟ السائل: الآية الثانية طيب.

стр. 1814

الشيخ: هاتها. السائل: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨). الشيخ: هو لا يقول هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هو يسأل ويتوسل، فإما أن الله يستجيب وإما أن لا يستجيب، فهذا ليس كقول المشركين الجازمين بأن هؤلاء الآلهة التي لا حقيقة لها أنهم شفعاؤهم عند الله ﵎. مداخلة: دقيقة جداً هذه ...... السائل: وإذا اعتقد أن هذا الولي .. الشيخ: إذا اعتقد رجعنا للكفر الاعتقادي والكفر العملي، وهذا الذي نريده نحن منكم أنكم تفرقون بينهما، ... الشوكاني أعتقد نريد نحكي عن شخصه، أعتقد أنك لا تخالفنا حينما نقول: أنه له فضل كبير في نشر التوحيد في اليمن، وإن كان الفضل الأول يعود إلى صاحب الفضل الأول محمد بن عبد الوهاب، وكل ذلك يعود إلى محمد بن عبد الله، فما نعتقد أن الشوكاني كان في نفسه شيء من الكفر الاعتقادي، لا، أنا ما أريد، ولكن اجتهد وظن أن حديث الأعمى ساري المفعول بعد وفاة الرسول ﵇، فقال بجواز التوسل على النحو الذي قيل عن الإمام أحمد، ولو أن الإمام أحمد ذكر لفظة الجاه، والآن نريد نرى ما الفرق عندكم بين التوسل بالجاه أو بالذات، ما الفرق؟ التوسل بالذات التوسل بمخلوق، أليس كذلك؟ السائل: نعم. الشيخ: والتوسل بجاه المخلوق توسل بخالق أم بمخلوق؟

стр. 1815

السائل: توسل بمخلوق. الشيخ: ما الفرق؟ السائل: الفرق أن هذه الذات كالأحجار يعني: أشياء حسية. أن الذات توسل بذاته بشيء حسي مشاهد ومحسوس. الشيخ: من الذي يتوسل. السائل: المتوسل بالذات متوسل بشيء محسوس، والمتوسل بالجاه متوسل بشيء معنى. الشيخ: ليس صحيحاً أبداً. السائل: الجاه معنوي يا شيخ أم محسوس؟ الشيخ: لكن معنى قائم في ذات في جماد أم لا؟ السائل: معناه قائم بذاته. الشيخ: منفصل عن الذات؟ السائل: لا لا ينفصل. الشيخ: فإذاً: لماذا أنت تفصل ذهنياً والواقع عملياً ليس كذلك. مداخلة: والدلالة على الذات. الشيخ: صفات الله ليست عين ذاته، ولا سواه لا انفصال، تعرف هذه الفلسفة؟ مداخلة: من هذا قائلها.

стр. 1816

الشيخ: صاحب قصيدة «بدء الأمالي». مداخلة: «بدء الأمالي» مالكي هذا. الشيخ: لا، أظنه حنفياً، صفات الله ليست عين ذات ولا غير سواه لا انفصال، المهم الجاه هذا مفصول عن الإنسان؟ السائل: لا. الشيخ: فإذاً: مثلما نقول عندنا في الشام: كل الدروب على الطاحون، مشيت هكذا أو هكذا أين توصله، يلتقوا في الطاحون، فإن قلت الذات أو قلت الجاه كلهم يدلون على توسل غير مشروع، لكن هنا يظهر ... العصبية للأشخاص، ما دام الإمام أحمد قال بجواز التوسل بالذات، والإمام أحمد إمام السنة. السائل: بالجاه. الشيخ: عفواً بالجاه، والإمام أحمد إمام السنة، إذاً: لازم نفرق بين ما نقول من الكفر بالتوسل بالذات وبين من يقول بالتوسل بالجاه؛ لأن إمام السنة قال: بجواز التوسل بالجاه دون التوسل بالذات. يا أخي ما فيه فرق بين هذا وهذا، قولوها صراحة الإمام أحمد قالها اجتهاداً، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد. السائل: نحن نعتقد أنه أخطأ، هم يعتقدون هذا يا شيخ. الشيخ: لكن يفرقون، يقولون: إنه فيه فرق بين توسل بالذات وتوسل بالجاه، أنا أقول: ما فيه فرق النتيجة واحدة، لكن فرق بين أن يقول هذا أو ذاك ما يقوله تعصباً وتمسكاً بما وجد عليه الآباء والأجداد أو يكون عن قناعة نفسية، كما قال الشوكاني، ما تذكرون ماذا قال الشوكاني، هل قال بالتوسل بالذات أم بالجاه.

стр. 1817

مداخلة: أظن شيخنا ... بالجاه يا شيخ. الشيخ: ما أعتقد، انظر هذا الكتاب. السائل: هم يقولون .. الشيخ: فيه هنا كتاب الظاهر في هذا الصف. السائل: وحق السائلين يا شيخ، هم يقولون يا شيخ أن الإمام أحمد ﵀ عنده شبهه في حاله الحديث، لكن الذين يتوسلون بالذات ما عندهم شبهة. الشيخ: لا، بالعكس القضية. السائل: يقولون عنده شبهة. الشيخ: بالعكس العكس، الذي يقول بالذات شبهته الحديث، أما الجاه ما فيه حديث حوله. السائل: الظاهر: اللهم إني أسألك بحق ممشاي هذا وحق السائلين عليك. وفي رواية أخرى: وبحق نبيك .... فيقولون: إن الإمام أحمد بن حنبل صححها وهي ضعيفة، فهو مخطئ، ولكنه لأنه ظن أن هذا الحديث صحيح. الشيخ: أين الإمام صحح الحديث. السائل: يعني: عمله به يا شيخ. الشيخ: هذا خلاف أصول الحديث. السائل: العمل يعني به؟ ... الشيخ: عرفت هذا؟

стр. 1818

السائل: نعم. الشيخ: الحمد لله. ماذا يقول؟ مداخلة: يقول تحت عنوان: وجه التوسل بالأنبياء وبالصالحين، قوله: ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين أعني ابن الجزري. الشيخ: هذا من يقول هذا. مداخلة: ابن الجزري. الشيخ: نكفره .. مداخلة: أقول: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي الشيخ: ... مداخلة: أي نعم، وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس ﵁ عم رسول الله ﵊، لكن شيخنا يبدو والله أعلم أن فيه العبارة أصرح في «الدر النضيد»، هذا قائم في ذهني، له «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» له عبارة أصرح، مع أنه يشدد النكير فيها على الاستغاثة لكن تكلم فيها بمثل هذا الكلام أوسع قليل. الشيخ: ... كان ينكر. مداخلة: لا لا ينكر، قصدي التفريق بين الذات والجاه. الشيخ: لا، خلينا احنا مع عبد الله يا عبد الله، خلينا مع عبد الله، لأنه هو يقول بالتفريق، هنا يحكي عن التوسل بالذات، فالتوسل بالذات هو الذي يقول بجوازه

стр. 1819

الشوكاني، الشوكاني هنا تبعاً لابن الجزري يقول بالتوسل بالذات، هم يفرقون كما سمعت من صاحبك آنفاً بين التوسل بالذات وبين التوسل بالجاه، وحديث الأعمى هو أقرب إلى دلالته على التوسل بالذات من التوسل بالجاه، لأنه هو التوسل بالجاه ليس مذكور إطلاقاً في الحديث لا في السياق ولا في السباق، لذلك قال بالتوسل هو وابن الجزري وغيره، فالآن يستدل هو بحديث الأعمى، وكأنه استدرك على نفسه أنه ليس الاستدلال بحديث الأعمى وإنما بحديث دعاء الخروج إلى المسجد، الذي يستدل به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبهذه المناسبة قامت زوبعة ضدنا ... حول كلمتنا حول محمد بن عبد الوهاب لا تزال قائمة. السائل: بردت قليلاً. الشيخ: سبحان الله! فحديث: اللهم إني أسألك بحق السائلين. أيضاً هذا ليس فيه لا الذات ولا الجاه، ولذلك أمكن تأويل هذا الحديث لو صح إلى ما لا يتنافى مع التوسل المشروع، لأنه كما قيل بأنه حق المتوسلين أو السائلين هو استجابة من الله، فرجع الأمر إلى صفة من صفات الله، لكن الجاه له علاقة بالإنسان كما قلنا، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على جواز التوسل بجاه الإنسان المخلوق، لو صح لكنا نحن أول القائلين به، ومع شرط الفهم على الوجه الصحيح، والرد به على المستدلين به على التوسل بالمبتدع، لأن هذا ليس فيه توسلا ًمبتدعاً، إنما هو توسل بحق السائلين وحق ممشاي، هذا هو الأجر والثواب عند الله ﵎. إذاً: يا شيخ عبد الله التفريق بين هذا وهذا لا محل له من الإعراب. "الهدى والنور" (٢٩٧/ ٥٧: ٣٥: ٠٠)

стр. 1820

[٥٧٨] باب الفرق بين لفظة كافر وكفر السائل: ما الفرق بين لفظ كافر وكَفَرَ؟ الشيخ: كافر يحمل معنى الصفة اللازمة له، وليس كذلك كَفَرَ، فليس كل من كفر يصير كافراً، مثال: ليس كل من عدل مرة واحدة يصير عادلاً، وليس كل من ظلم مرة واحدة يصبح ظالماً، وإلا كانت اختلطت الصفات بين الناس، فالحجاج الظالم المبير لا بد أنه عدل مرات وليس مرة واحدة، فهل نقول أنه عادل؟ ولا بد زيد من الناس آخَر عادل لكنه ظلم في قضية، فيصبح يأخذ اسم ظالم، فهذا اسم الفاعل هذا يعطي صفة معينة فيمن قام فيه هذا الفعل أكثر من كلمة كفر، ولذلك لا يجوز لنا أن نطلق كلمة كافر على شخص أطلق الرسول عليه لفظة (كفر)؛ لأن لفظة كفر دون لفظة كافر، بمعنى كل من قيل فيه كافر، فقد كفر، ولا عكس، ليس كل من كفر فهو كافر. "الهدى والنور" (٢٤٩/ ٤١: ٥٢: ٠٠) [٥٧٩] باب حول فتنة التكفير سؤال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فلا يخفى عليكم يا شيخ الساحة الأفغانية التي تكثر فيها الجماعات، والفرقة الضالة التي استطاعت وللأسف أن تبث أفكارها الخارجة عن منهج السلف

стр. 1821

الصالح في شبابنا السلفي الذي كان يجاهد في أفغانستان، ومن هذه الأفكار تكفير الحكام وإحياء السنن المهجورة كالاغتيالات كما يدعون، والآن وبعد رجوع الشباب السلفي إلى بلادهم قاموا ببث ونشر هذه الآراء والشبه عندنا، وعلمنا يا شيخ أنه قد حصل بينكم وبين إحدى الإخوان قبل عدة سنين مناقشة طويلة في مسألة التكفير، وهذه الأشرطة تسجيلها غير واضح، لذا نود من فضيلتكم البيان في هذه المسألة، وجزاكم الله خير. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: في الحقيقة أن مسألة التكفير ليس فقط للحكام، بل وللمحكومين أيضاً هي فتنة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة بالخوارج، والخوارج طوائف مذكورة في كتب الفرق ومنها فرقة موجودة لا تزال الآن باسم آخر وهو الإباضية، وهؤلاء الإباضية كانوا إلى عهد قريب منطوين على أنفسهم، ليس لهم أي نشاط دعوي كما يقال اليوم، لكن منذ بضع سنين بدؤوا ينشطون وينشرون بعض الرسائل وبعض العقائد التي هي عين عقائد الخوارج القدامى إلا أنهم يتسترون ويتشيعون بخصلة من خصال الشيعة ألا وهي التقيّة، فهم يقولون نحن لسنا بالخوارج، وأنتم تعلمون جميعاً أن الاسم لا يغير من حقائق المسميات إطلاقاً، وهؤلاء يلتقون في جملة ما يلتقون مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر.

стр. 1822

الآن يوجد في بعض الجماعات الذين يلتقون مع دعوة الحق في اتباع الكتاب والسنة، ولكنهم مع الأسف الشديد يقعون في الخروج عن الكتاب والسنة من جديد وباسم الكتاب والسنة، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين في فهمي ونقدي، أحدهما هو ضحالة العلم وقلة التفقه في الدين، والأمر الآخر وهو مهم جداً أنهم لم يتفقوا بالقواعد الشرعية والتي هي من أسس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعتبر كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله ﵌ في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا دليلاً واضحاً بيناً على أن من خرج عنها فيكون قد شاق الله ورسوله. أعني بذلك قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). الله بأمر واضح جداً عند أهل العلم لم يقتصر على قوله : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، لم يقل هكذا وإنما أضاف إلى مشاققة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين، فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). إذاً: اتباع سبيل المؤمنين وعدم اتباع سبيل المؤمنين أمر هام جداً إيجاباً وسلباً، فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جنهم وبئس المصير، من هنا ضلت طوائف كثيرة وكثيرة جداً قديماً وحديثاً، حيث إنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين، وإنما ركبوا عقولهم، بل اتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة وخطيرة جداً من ذلك الخروج عما كان عليه سلفنا الصالح.

стр. 1823

هذه الفقرة من الآية الكريمة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ لقد دلنا حولها وأكدها ﵊ تأكيداً بالغاً في غير ما حديث نبوي صحيح، وهذه الأحاديث التي أنا أشير إليها الآن وسأذكر بعضاً منها مما تساعدني ذاكرتي ليست مجهولة عند عامة المسلمين، فضلاً عن خاصتهم، لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة، هذه النقطة يسهو عنها كثير من الخاصة، فضلاً عن العامة، فضلاً عن هؤلاء الذين عرفوا بجماعة التكفير. هؤلاء قد يكونون في قرارة نفوسهم صالحين، وقد يكونون أيضاً مخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله من الناجين المفلحين. لا بد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين، بين الإخلاص في النية لله ، وبين حسن الاتباع لما كان عليه النبي ﵌، فلا يكفي إذاً أن يكون المسلم مخلصاً وجاداً فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة، والدعوة إليهما، فلا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون منهجه منهجاً سوياً سليماً. فمن تلك الأحاديث المعروفة كما أشرت آنفاً حديث الفرق الثلاث والسبعين، ولا أحد منكم إلا وهو يذكره، وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: هي ما أنا عليه وأصحابي» (١) نجد أن جواب النبي ﵌ لأولئك

стр. 1824

الذين سألوا عن الفرقة الناجية يلتقي تماماً مع الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥)، فالمؤمنون المقصودون في هذه الآية الكريمة هم الأصحاب أول ما يدخل في عموم الآية: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) هم سبيل أصحاب الرسول عليه الصلاة السلام، فالرسول ﵌ في الجواب عن ذاك السؤال عن الفرقة الناجية ما هي وما أوصافها، قال: «هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي»، لم يكتف الرسول ﵌ في هذا الحديث على قوله: «ما أنا عليه» وقد يكون ذلك كافياً في الواقع للمسلم الذي يفهم حقاً الكتاب والسنة، ولكنه عليه الصلاة السلام كتحقيق عملي لقوله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨)، فمن رأفته ورحمته بأصحابه وأتباعه أنه أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵇ وعلى ما عليه أصحابه من بعده. فإذاً: لا يجوز للمسلم أن يقتصر فقط في فهمه للكتاب والسنة على الوسائل التي لا بد منها، منها مثلاً معرفة اللغة العربية والناسخ والمنسوخ، وكل القواعد، لكن من هذه القواعد الهامة أن يرجع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب النبي ﵌؛ لأنهم كما تعلمون من كثير من الآثار ومن سيرتهم أنهم كانوا أخلص لله في العبادة وأفقه منا للكتاب والسنة .. إلى غير ذلك من الخصال الحميدة الذي كانوا تخلقوا بها. هذا الحديث يلتقي مع الآية تماماً، حيث أنه ألمح ﵇ في هذا الجواب أنه لا بد من الرجوع ليكون المسلم من الفرقة الناجية إلى ما كان عليه أصحاب الرسول ﵌.

стр. 1825

يشبه هذا الحديث تماماً حديث الخلفاء الراشدين الذي ذكر في السنن من رواية العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله. قال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسير اختلافاً كثيرا، فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ... » إلى آخر الحديث. الشاهد من هذا الحديث هو كالشاهد من جوابه ﵇ عن السؤال السابق، حيث حض أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر على ذلك قال: «وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». إذاً: لا بد لنا من أن ندندن دائماً وأبداً إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا، أن نفهم عبادتنا، أن نفهم أخلاقنا وسلوكنا، لا بد من أن نعود إلى سلفنا الصالح .. كل هذه الأمور التي لا بد منها للمسلم ليتحقق فيه أنه من الفرقة الناجية. من هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حينما لا يلتفتون إطلاقاً إلى الآية السابقة وإلى حديث الفرقة الناجية، وإلى حديث سنة الخلفاء الراشدين من بعده ﵇، فكان أمراً طبيعياً جداً أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم من المنحرفين عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ ومنهج السلف الصالح، من هؤلاء الخوارج قديماً وحديثاً. التكفير الذي ذر قرنه في هذا الزمان الآية التي يدندنون حولها دائماً وأبداً، ألا وهي قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
следующие страницы →