الشيخ: لو كان يقنت في صلاته، وبدا له أن يقنت في دعاء قنوت الوتر، يمكن أن يتسامح به، وبخاصة إذا كان قنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان، لأنه في روايات ثابتة عن السلف أنهم كانوا يلعنون الكفار ويدعون عليهم في قنوت الوتر بالنصف الثاني من رمضان، لكنهم ما كانوا ليعرضوا عن القنوت بالدعاء على الكفار في الصلوات الخمس، فخلاصة الجواب: ترك القنوت في الصلوات الخمس والدعاء على الكفار، ونقل هذا الدعاء إلى قنوت الوتر، هذا قلب للسنة.
"الهدى والنور" (٥٩/ ٢٨: ٤٥: ٠٠)
[٧١٥] باب هل الفرح بتغيير رؤساء أمريكا خلل عقدي ؟
الملقي: شيخنا بعض المسلمين يرقبون الغرب وتطورات الغرب فإذا حدَّث بعض الشيء فيه أظهروا الفرح والسرور، فهل هذا يعتبر من الخلل العقدي العملي أم القلبي، وماذا تنصح هؤلاء الناس؟
الشيخ: عفواً، تقصد ماذا، ماذا تقصد؟
مداخلة: كلينتون شيخ.
مداخلة: رؤساء أمريكا ذهب فلان وجاء فلان.
الشيخ: آه
مداخلة: فهذا أخف من ذاك، وهذا يعني سينفع المسلمين إلى غير ذلك.
الشيخ: هذا ضعف إيمان وعقل معاً. ضعف إيمان وعقل، الحقيقة الذي لا بد لكل مسلم أن يستحضرها في ذهنه بمثل هذه المناسبة، أن يتذكر قوله ﵎: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الأعراف:٣٨) ليذوقوا العذاب.
стр. 2242
مداخلة: الآية ﴿إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ (الأعراف:٣٨).
الشيخ: الله أكبر.
الشيخ: أي نعم، فالشاهد، في الحقيقة هذا الفرح فرح صبياني ليس
فرح رجال أولاً، ثم هو ليس فرح رجال مسلمين ثانياً؛ لأنه كون سقط بوش
وقام مكانه.
مداخلة: كلينتون.
الشيخ: ما أعرف شو اسمه.
مداخلة: ههههه.
الشيخ: أسماء غريبة على ذهني.
مداخلة: والله شيخنا أسماء شياطين.
الشيخ: ههه هه فالشاهد، سقط بوش ونجح في الانتخاب فلان، هم كلهم يمشون على سياسة واحدة، وإنما تغيير وجوه، ولذلك فمن السخافة بمكان أن نفرح أنه راح بوش وجاء فلان مكانه، وبخاصة أنه فلان لسه ما عرفنا خيره من شره إن كان منهم خير، فلماذا هذا الاستعجال، ما دام أنه الكفر أولاً كله ملة واحدة، والشعب الأمريكي كشعب سياسته مع اليهود، فكونه سقط بوش ونجح فلان هذا ما يغير من سياسة هذا الشعب بهذه السرعة التي يتوهمها بعض ضعفاء الأحلام والعقول، إنه خلصنا من بوش، طيب وهذا لعله شر من بوش، على كل حال، المسلم لا يفرح بسقوط شخص كافر وقيام شخص كافر مكانه؛ لأنه الكفر ملة واحدة، والسياسة هي سياسة واحدة، انظروا الآن: مين كان في الوزارة تبع اليهود وقام مكانه ...
стр. 2243
مداخلة: آخشاميور، وإسحاق رابين.
الشيخ: إسحاق رابين، شو شوفنا بين سقط هذاك وقام هذا لا شيء أبداً، إنما هو لعب على ذوي الأحلام الضعيفة، ومع الأسف بعض المسلمين أو بعض السياسيين الذين لم يساسوا بسياسة القرآن والسنة، ولذلك أنا أستطيع أن أقول إن الله، كما قال الله أقول بهذه المناسبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص:٧٦)، هؤلاء الذين يفرحون بسقوط هذا ونجاح هذا، هؤلاء كما قلت آنفاً أحلامهم كأحلام الصبيان بل العصافير، الله المستعان.
الملقي: هل لهذا الأمر علاقة في العقيدة، يعني هل من الممكن أن يطلق، يعني بعض إخواننا يطلق على من يظهر الفرح لمثل هؤلاء: الكفر؟
الشيخ: لا لا، هذا كله خطأ ومعصية إذا كان له علاقة بالكفر فالكفر العملي يا أخي، نحن نأخذ القاعدة ونستريح، الكفر المخرج عن الملة يتعلق بالقلب، لا يتعلق باللسان، والآن سؤالك هذا يذكرني بقسمة عادلة أخرى للكفر، فهناك كفر لفظي، وكفر قلبي، التقسيم السابق كان كفر اعتقادي وكفر عملي، الآن قسمة أخرى عادلة كفر لفظي، وكفر قلبي، الكفر القلبي يساوي الكفر الاعتقادي، الكفر اللفظي يساوي الكفر العملي، فإنسان يظهر فرحاً بسقوط بوش ونجاح جورج أو أنطونيوس أو ما شابه ذلك، هذا فرح بلا شك لا ينبغي أن يصدر من مسلم، فهذا ممكن نسميه كفراً لفظياً، لكن هذا لا يكفر به؛ لأنه قد وقع في زمن الرسول ﵇ كما أعتقد أنه لا يخفى على أحد منكم شيء من ذلك، كمثل حديث ابن عباس لما قال إن الرسول ﵇ خطب يوماً في أصحابه فقام رجل ليقول له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فقال: «أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده»، فهذا كفر لفظي، قال له: «أجعلتني لله نداً»، لكنه ما ألزمه بشيء.
стр. 2244
الشيخ: من لوازم الكفر الاعتقادي، فإذاً نحن يجب أن نضع أمام أعيننا دائماً وأبداً هذه القسمة الصحيحة: كفر اعتقادي أو قلبي، وكفر عملي أو لفظي؛ لأنه اللفظ من العمل، فإذا رأينا مثل هذا ما نبادر إلى أن نقول: كفر، حتى لو تكلم بلفظة الكفر ما نبادر إلى تكفيره وإخراجه عن الملة، حتى نستوضح ماذا يريد
بهذه الكلمة.
مداخلة: بعد إذنك شيخنا، لو سمحتم.
الشيخ: تفضل
مداخلة: أقول في هناك في سياسة البلاد الغربية أو الكفار بعامة في هناك أصول وفروع.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: فالأصول لا تتغير على مدى السنين .. أبداً، في هناك أصول ثابتة للسياسة، وهذه الأصول الثابتة هي التي ينطلق منها وتحكم مسيرة السياسيين الصغار والكبار في تلك البلاد.
الفروع في الحقيقة هي متفرعة من هذه الأصول، وعندما نتابع نحن مسيرة السياسات الدولية العالمية التي أحاطت خصوصاً بنا وأوقعتنا فيما أوقعتنا فيه من البلايا نجد أن التغير الذي حدث إنما حدث فقط في الصيغ التي صيغت بها هذه الفروع المتفرعة عن هذه الأصول.
مداخلة: ولذلك، نحن نضرب مثال مثلاً لذلك، مثلاً قضية فسلطين، قضية فلسطين الحقيقة منذ ما يقرب من خمسة وأربعين من خمس وأربعين سنة ونحن نتابع هذه القضية متابعة تُخْرِجُنا، ... في كل خمس سنوات أو عشر سنوات مرحلية
стр. 2245
سنوية قسمت لها القضية بأبعاد الزمن، تخرجنا من حال إلى حال، ونحن ننظر في هذا الحال الذي سبق فنجده أحسن من الحال الذي يأتي، والسياسة الدولية هي التي تلجؤنا إلى استحسان المرحلة الآتية وعدم استحسان المرحلة التي فاتت.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: ولذلك وصلنا الآن بهذه السياسات التي صاغتها لنا الدولة الكافرة وصلنا إلى قناعة بأن أفضل ما يمكن أن نفعله الآن بالنسبة للقضية الفلسطينية أن نسلم بكل ما يحدث من غير أن نسأل: لم ولا كيف؟
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وهذه النهاية التي انتهت إليها تعطينا فكرة، فيا ترى لو أنه كان هناك مثلاً جاء أو بقي بوش هل يمكن أن نتصور بأن النهاية التي انتهت إليها القضية الفلسطينية ووضعت على مائدة المباحثات التي تجري الآن في واشنطن مثلاً، هل كان يمكن لبوش أن يعجل في النهاية قبل أن يتغير موقعه وأن يكون أن يأتي الرئيس الجديد؟ طبعاً الجواب: لا. هل هذا الرجل الآتي هل هو سيستعجل في حل القضية ويقول بأنني رأيت ما كان قبل السياسة التي رسمها بوش لهذه القضية هل أعود إلى المرحلة السابقة لأقف عندها وأحل القضية أو أجعل القضية محلولة بالنظريات التي كانت تحكم هذه القضية في المرحلة الزمنية السابقة؟ الجواب: لا. ولذلك سياسة واحدة لا تختلف، الفرح إذا فرحنا بقدوم كلنتون، نبكي على بوش.
الشيخ: الله أكبر، الله المستعان.
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ١٥: ٤٤: ٠٠)
стр. 2246
[٧١٦] باب هل يجوز استغابة الكافر والمشرك وسبهم ؟
سؤال: هل يجوز استغابة الكافر والمشرك، وهل يجوز أن نسبهم؟
الجواب: يجوز كل ذلك؛ لأن الكافر لا حرمة له إلا إذا كان يترتب على ذلك مفسدة، فمثلاً: إذا كان يسب الكافر في وجهه، أو بقفاه فَيَبْلُغُهُ ذلك، فربما يسب المسلم ويسب دينه ونبيه .. إلخ، فعند ذلك يحرم سب المسلم للمشرك.
"الهدى والنور " (١/ ٤٢: ٢٩: ٠٠)
[٧١٧] باب هل يجوز لعن اليهود والنصارى ؟
سؤال: بالنسبة للنصارى واليهود لو لعناهم؟ يعني: مثلاً أنا مرة بزعل فأقول لابني: الله يلعن اليهود والنصارى. هل هذا جائز؟
الشيخ: هو لعن الكفار جائز، لكن بمثل هذه المناسبة غير جائز .. ، لا تلعن لا الشيطان ولا اليهود، خاصة لعن الشيطان ينبسط منك إذا لعنته، وإنما تقول له: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
"الهدى والنور" (٢٣/ ٠٠:٠٤:٠١)
[٧١٨] باب هل يجوز لعن المعين ؟
سؤال: بالنسبة للعن فضيلة الشيخ كلنا رأينا من النساء الكاسيات العاريات ... هل يجوز لعنهن أم لا يجوز؟
الشيخ: لو كان الذكر الصوفي مشروعاً وهو الله الله الله الله الله الله نقول: لا؟!
مداخلة: ...
стр. 2247
الشيخ: لم يفهم، نحن ننكر الذكر الصوفي، هم يسمونه الذكر بالاسم المفرد، وهو: الله الله الله الله، لو كان مشروعاً ننكره عليهم؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذا جاء ذكر مشروع بلفظ لعنة الله عليك، لعنة الله عليك، لعنة الله عليك، ننكره؟!
مداخلة: لا.
الشيخ: هذا لو كان هكذا، ... مثل الذكر الصوفي، فما بالك ما بين الآونة والأخرى ترى واحدة متبرجة تقول لها: لعنة الله عليك، ما فيها تكرار وما
فيها إشكال.
مداخلة: وأحياناً يجوز .. تلفت النظر بأنك تلعنها؟
الشيخ: كأن سؤالك ليس هذا، أنت تقصد هل يجوز لعنها بحيث يسمعها، أم ما يُسْمِعُها؟
مداخلة: لا ما يسمعها.
الشيخ: إذا؛ فماذا فيها، تقول: سبحان الله سبحان الله لعنة الله عليك لعنة الله عليك، ... نعم، "فالعنوهن فإنهن ملعونات" لكن هنا ترد قاعدة: وهي: أن الأمر بعد نهي لا يفيد الوجوب، واللعن كقاعدة منهي عنه! «لا تكونوا لعانين» «واللعانون لا يكونون شهداء يوم القيامة» فما دام الأصل في اللعن النهي ثم جاء أمر به في مكانٍ ما فمعنى ذلك لا يفيد الوجوب إنما الجواز ... [إذاً] (فالعنوهن) ليس للوجوب وإنما للجواز، وللتأديب مع الأسف إما تأديب الملعون مباشرة إذا كان من الممكن إسماعه، أو تأديب النفس لكي تكون على حذر من الوقوع في
стр. 2248
نفسه وفي أهله في مثل ذلك.
مداخلة: يعني: ممكن يسمعها؟
الشيخ: قد قلت لك، في المجتمع الإسلامي ممكن، في المجتمعات اليوم
لا يمكن.
مداخلة: [يعني] لا تسمعها اللعنة إذا ترتب عليها مفسدة.
الشيخ: يمكن آتي لك بصورة خيالية تعجبك، إذا كنت تمشي في الصحراء ورأيت امرأة متبرجة وأنت متلثم قلت لها: لعنة الله عليك، وغير معروف مين أنت.
مداخلة: أو يكون الإنسان راكب السيارة وهي تمشي في الأرض يلعنها ويمشي.
الشيخ: [لا] ممكن يقع شيء، يمكن تأخذ رقم السيارة مثلاً.
"الهدى والنور" (٢٣/ ٣١: ٥٩: ٠٠)
стр. 2249
كتاب أهل الأعذار في التوحيد
стр. 2250
جماع أبواب الكلام حول مدى صحة تقسيم الدين إلى أصول وفروع وربط ذلك بمسائل التكفير
стр. 2251
[٧١٩] الكلام حول مدى صحة تقسيم الدين إلى أصول وفروع وربط ذلك بمسائل التكفير
سؤال: شيخ! ما أدري كأني سمعت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول ببدعية تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وإن هذا يعني: الشق الأول .. هل هذا صحيح ما ينقل عن شيخ الإسلام؟ الشق الثاني: كيف تكون ثمرة الخلاف، أو كيف نفرق بين من يستهين في أمر اعتقادي ومن يستهين في مسألة فقهية معينة، هل يستوي هذا مع ذاك؟ أحسن الله إليك.
الشيخ: ... هذا هي ثمرة عدم التفريق! والذي نقلته عن ابن تيمية صحيح النقل عنه، وهو صحيح من حيث الحق ومفارقته للصواب، والثمرة هو ما ذكرته آنفًا، فهذا أمر واضح جدًا، فإن تقسيم الدين إلى أصول وفروع يعني خلاف الثمرة التي ذكرتها أنت آنفًا، فبعض الأحكام الشرعية التي ليس لها علاقة بالأصول أي: بالعقيدة لو استحلها الإنسان فلا فرق بينه وبين من استهان بالشيء من العقيدة، اسمع قوله ﵊: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف يمسون في لهو ولعب ويصبحون قد مسخوا قردة وخنازير» فالآن قوله ﵊: «يستحلون الحرا» أي: الفرج، أي: الزنا، والحرير يعني: حرير الحيوان، والخمر معروف، والمعازف وهي آلات الطرب، يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير، يستحلون الآن يمكن التفسير لاستحلال معنيين:
المعنى الأول: استحلال القلبي.
والمعنى الآخر: الاستحلال العملي
стр. 2252
فالتفريق إذًا أولًا: غير صحيح، وثانيًا: لا تكون الثمرة في التفريق بين العقيدة فيكفر من أنكر شيئًا منها، وبين الأحكام، فلو أنكر بعضهم شيئًا منها يظل مسلمًا جاء بنتيجة واحدة.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٤٢:٣١)
[٧٢٠] باب منه
سؤال: يا شيخنا طبعاً ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك، فيعني وكلنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في يعني سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعاً على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعاً هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟
الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعاً أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﵌، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إماماً في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث
стр. 2253
أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحاً؟ هل يشترط في أن يكون صالحاً: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟
الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مراراً وتكراراً، فمتى يكون العبد صالحاً؟
إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تماماً يقال في المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت له من تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة.
كل إنسان يخطئ، ولا مجال من الخطأ؛ لأن الله حينما خلق ملائكة وخلق بشراً فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جداً، ولكن حذاري أن يفهم فهماً خاطئاً:
الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه»، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن
стр. 2254
يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكاً.
الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟
الجواب: لا، المقصود من الحديث تماماً عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .. » إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)، إذا كان إذاً هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص قصداً وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصداً وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصاً على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى
стр. 2255
ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه.
لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكتاب اليوم، يخطئون في هذه المسألة، كثيراً ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقاً، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تماماً التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ.
أروي لكم الآن حديثاً من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضاً رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﵌ قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» هل ترونه مؤمناً وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ، إذاً نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾) (يس:٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله في هذا
стр. 2256
المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» يعترف بأنه كان مخطئاً مع ربه، وأن الله إذا عذبه يكون عادلاً؛ لأنه كان مخطئاً معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ليس بقادر على أن يقول له: كن بشراً سوياً، لكن الله فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلاناً، فكان بشراً سوياً، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك -أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك».
هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة.
لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتاً، لكن أرى يداً رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل.
стр. 2257
مداخلة: كافر.
الشيخ: كافر، تفضل.
مداخلة: لا كافر ولا مشرك.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله لا يغفر الشرك، والله غفر له.
الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جواباً صحيحاً، الذي أنكر قدرة الله على إعادته بشراً كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)، هو جعل نفسه رميماً سلفاً، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميماً تراباً، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رماداً، لا شك أن هذا كفر.
لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨)، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعاً، أذكر لكم نوعاً آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟
стр. 2258
طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة: أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم.
فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلاً منهم.
أوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟
مداخلة: كفر.
الشيخ: كفر، هل أشرك؟
مداخلة: ما أشرك.
الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقاً، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا،
стр. 2259
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥) انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٥، ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر أم أشرك؟
مداخلة: أشرك.
الشيخ: كفر.
مداخلة: أشرك.
مداخلة: كفر.
الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُه، إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٤٢)، إذاً: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟
الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، فإذاً كل من كفر بكفرية ما يكون مشركاً مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكاً مع ربه تبارك
стр. 2260
وتعالى؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحياناً في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟
الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف ب
غير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله أي نوع من الكفر يكون مشركاً؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم.
إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟
هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصاً من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه.
وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)
стр. 2261
[٧٢١] باب منه
سؤال: يا شيخ! سؤال آخر وهو الأخير: وهو أن هناك من هو سليط اللسان على العلماء بحيث لا يراعي كبيراً ولا صغيراً، مثلاً أضرب على ذلك مثالاً: كل من هو وصف بالأشعرية أو قيل: أن معتقده أشعري فتجده يتعرض له في كتبه بأقبح الأقوال، فنريد نصيحة لهذا الرجل، خصوصاً كثيراً من الناس اغتروا به أو يقولون: أن فيه سمات الصالحين، فنريد أن تنصحه يا شيخ! توجه له نصيحة.
الشيخ: نعم، جزاك الله خيراً، أنا أعتقد أن العدل أن يذكر كل مسلم بما فيه من خير وصواب، وأن يذكر بما فيه من خطأ ولا أقول: من شر؛ لأن الشر أخص من الخطأ، أنا أعتقد أن هذا الشخص المشار إليه في السؤال ليس فقيهاً، قد يكون صالحاً ولكن الصلاح شيء والفقه شيء آخر.
ولعله يحسن بي أن أُذَكِّرَ بعاقبة الصلاح الذي لم يقترن معه العلم أن يكون عاقبة هذا الصالح أن يحكم على نفسه بالإعدام، كما حدثنا ﵊ في الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، وأراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على راهب» أي: عبد صالح منزوٍ عن الناس لعبادة الله على طريقتهم يومئذٍ من الترهُّب: «فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً وتسأل هل لك من توبة؟ لا توبة لك، فقتله وأكمل به العدد المائة» ويبدوا من تضاعيف القصة وسياقها أن رجلاً فعلاً كان مخلصاً في توبته، لكن يريد عالماً يدله على المنهج الذي ينبغي عليه أن ينهجه: «فلم يزل يسأل حتى دل على عالم فجاء إليه وقال له: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول
стр. 2262
بينك وبين التوبة؟! ولكنك بأرض سوء - هذا جواب العالم - فاخرج منها إلى الأرض الفلانية الصالح أهلها» فخرج يمشي وجاءه الأجل في الطريق فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كل يدعي أنه من حقه، فأرسل الله إليهم ملك يحكم بينهم فقال لهم: قيسوا ما بينه وبين كل من القريتين التي خرج منها والتي قصد إليها، فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بأهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية التي خرج إليها فتولت ملائكة الرحمة إخراج روحه.
الشاهد: أظن أن هذا الرجل إذا كان صالحاً كما نرجو فهو ليس فقيهاً، هو لا يتصور (١) -وهذا ليس هو فريداً-، وهذه أظن أنها فائدة مهمة جداً، كثير من الناس يفرقون بين الخطأ في الفروع وهذا اصطلاح يفرقون بين الخطأ في الفروع والخطأ في الأصول، فيقولون: الخطأ في الفروع مغتفر إذا صدر من اجتهاد، أما الخطأ في الأصول فغير مغتفر، هذا خطأ.
والسبب أولاً: لا دليل على هذا التقسيم، أعني: تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع، وترتيب هذا الحكم على هذا التقسيم هذا لا أصل له.
ثانياً: الأدلة أو بعضها على الأقل تؤكد أن الإنسان لو أخطأ حتى فيما يتعلق بالعقيدة فهو معذور أيضاً، وأكبر دليل على ذلك: حديثان اثنان يمكن الآن أن أسردهما سرداً، الحديث الأول: حديث ذاك الرجل الذي جمع أولاده حينما حضره الموت فقال لهم: «أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم خذوا نصفي فذروه في الريح والنصف الثاني في البحر» فلما مات نفذوا
стр. 2263
فيه هذه الوصية التي ربما لا يتصور في الجور والبعد عن الشرع أبعد منها: «فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكان، فقال الله له: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك».
فهذا كُفر لا شك أنه كُفر، لأنه أوصى بهذه الوصية الجائرة بزعمه: ليضل عن ربه، يذكرنا بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) فهذا الرجل يضمن هذه الوصية أن الله غير قادر على أن يعيده كما كان بشراً سوياً، لكن الله أحياه وقال له: كن فلاناً وخاطبه، لكن الله وهو العليم بما في الصدور عرف من هذا الإنسان أنه ما فعل فعلته لأنه كان جاحداً للبعث وللنشور وإنما كان الخوف من العذاب المدخر له والمعترف هو به وأنه مستحق له أعمى بصيرته فأوصى بهذه الوصية الجائرة.
أما الحديث الثاني فهو قوله ﵇، وهذا أيضاً مهم جداً وله علاقة بمسألة أهل الفترة، وهذه لها طبعاً مجالس عديدة سبقت وهو قوله ﵇: «ما من رجل في هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» إذاً: هؤلاء الذين لم يسمعوا بالرسول ﵇ وماتوا كفاراً ماتوا مشركين لا يعذبون على شركهم وعلى ضلالهم، بل أقول أكثر من ذلك تفقهاً في قوله ﵇: «يسمع بي» يعني: بحقيقتي؛ لأننا إن تصورنا أن بعض الأوروبيين: كالبريطان والألمان وأمثالهم ممن تأثروا بدعوة القاديانيين وآمنوا بأن هناك أنبياء بعد رسول الله ﵌، وأن أحدهم بعث في قاديان، وهو الذي كان معروفاً في نشأته الأولى: بميرزا غلام أحمد القادياني، ثم حرف اسمه فجعله: أحمد لغاية في نفسه معروفة، الشاهد: هؤلاء الألمان والبريطان الذين ضللوا باسم
стр. 2264
دعوة الإسلام أن الإسلام يقرر مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ وأن هذا أحدهم: ميرزا غلام أحمد القدياني، وأن الإسلام ينكر خلقاً اسمه الجن وله المواصفات المعروفة في الكتاب والسنة إلى آخره، هؤلاء بلا شك أنهم ضلوا، لكنهم هل سمعوا به ﵇ حقاً؟ الجواب: لا، إذاً: هذا الحديث يعطينا:
أولاً: من لم تبلغهم الدعوة مطلقاً فهم ليسوا معذبين، لهم معاملة معروفة في عرصات يوم القيامة.
ثانياً: إذا بلغتهم دعوة الإسلام محرفة مغيرة مبدلة فآمنوا بها أيضاً لا يؤاخذون عليها، إذاً التفريق بين الأصول والفروع هذا انحراف عن الكتاب وعن السنة، لذلك أقول: أن هذا الأخ الصالح إن شاء الله يجب أن يصلح علمه على الأقل في فتواه الجائرة؛ لأن كون الرجل العالم الفاضل منحرفاً في قضية ما من العقائد: كالأسماء والصفات ونحو ذلك مما وقع فيه بعض الأشاعرة وبعض الماتريدية، فيمكن أن يكون ذلك باجتهاد منهم وليس بسوء قصد منهم، فلا يجوز إطلاق هذا القول إلا مقيداً: من علم الحق ثم انحرف عنه فهو كذا وكذا، ثم لا يفرق بين من انحرف في مسألة الأسماء والصفات أو ما يتعلق بالعقيدة وبين من انحرف في حكم شرعي، مثلاً: من عرف أن الحق مثلاً: أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، وهو يظل يصر مكابراً للأدلة، وعلى ذلك فقس وما أكثر المسائل الفرعية التي اختلف فيها العلماء والتي بعضها قد يكون أثرها في المجتمع إفساداً أكثر بكثير من بعض المسائل التي هي تتعلق فقط في العقيدة.
ترى! من أنكر كبعض الأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية .. أنكر عذاب القبر، ترى! هذا ضرره أكثر أم ذلك الرأي الفقهي الذي يقول: إن الفتاة
стр. 2265
المسلمة إذا بلغت سن الرشد فيجوز لها أن تزوج نفسها بنفسها دون إذن وليها خلافاً للحديث؟ أي الرأيين أشد إفساداً في المجتمع؟ آلأول الذي أنكر عذاب القبر أم هذا الذي أنكر شرط إذن الولي؟ لا شك أن هذا أكثر فساداً، لكن هذا اسمه فروع وذاك أصول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (النجم:٢٣) وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٣٥/ ٢٣: ٣٢: ٠٠)
стр. 2266
جماع أبواب أحكام العذر بالجهل في العقيدة
والكلام حول العذر بالإكراه
وحكم من شذ في مسألة عقدية
стр. 2267
[٧٢٢] باب ضوابط العذر بالجهل
سؤال: ما هو الضابط بالنسبة للعذر بالجهل بالتوحيد وهل قراءة وتلاوة القرآن تكفي لإزالة هذا العذر؟
الشيخ: أولاً الضابط سواءً كان يحسن قراءة القرآن أولاً، ويفهمه ثانياً، أو كان يقرأه ولا يفهمه، أولا يحسن لا فهمه ولا قراءته، فالضابط في ذلك هو أن يعيش المسلم في جو إسلامي صحيح، وتكون العقائد منتشرة في ذلك الجو حتى صارت من قسم ما يسميه علماء الأصول بالمعلوم من الدين بالضرورة.
ولعل جميع الحاضرين يذكرون حديث الجارية التي كانت ترعى غنماً لرجل في أحد وأن الذئب سطى على الغنم ... فلما بلغه الخبر قال الرجل معتذراً لنفسه عما فعل بقوله: قال الرجل أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، يقول الرسول ﵇ وعليه عتق رقبه فأمره ﵇ بأن يأتي بها فقال: لها أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: من أنا؟ قالت أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة، الشاهد من الحديث أن كون الله في السماء في عقيدة قرآنية منصوص عليها في القرآن في غير ما آية صريحة وعقيدة سنية نبوية عليها أحاديث كثيرة جداً، ولكن الآن كثير من المجتمعات الإسلامية، لا تعتقد العقيدة الإسلامية فالرجل الذي يعيش في هذا الجو يكون معذوراً؛ لأن الحجة لم تبلغه بخلاف من كان في مجتمع آخر عقيدة التوحيد هي فاشية ومنتشرة في ذلك المجتمع الذي أشبه ما يكون بالمجتمع الأول النبوي والذي فيه الجارية وهي راعية الغنم عرفت هذه العقيدة، هل هي درست القرآن، هل هي درست حديث الرسول عليه الصلاة
стр. 2268
والسلام، ذلك مما يستبعد عادةً من راعية غنم، لكن هي تعيش مع أهل
بيت: سيدها وسيدتها فهي تسمع منهم وتتفقه على أيديهم، فتعلم ما لم تكن من
قبل تعلم.
وإذا ضممنا إلى هذا الحديث وإلى هذا المعنى قول الله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) وفهمنا الآية الكريمة فهماً صحيحا، وليس فهماً جامداً على لفظها دون مرامها ومعناها، وأعني بذلك أن الآية لا تعني فقط بقوله تعالى ﴿حتى نبعث رسولا﴾ أي أن كل جماعة وكل طائفة وفي كل عصر يأتيها رسول، قد يأتيها رسول، وقد يأتيها دعوة الرسول، المهم إذاً أن الآية ليست تعني فقط شخص الرسول وإنما تعني دعوة الرسول؛ ومن الأدلة على ذلك أن الرسول قد يأتي قوماً فيكون فيه المجنون، ويكون فيه المصروع، ويكون فيه غير البالغ، والأصم وإلخ، وهؤلاء جاءهم الرسول، ولكن ما جاءتهم دعوة الرسول، وعلى العكس من ذلك، أمثالنا نحن أتباع محمد ﵇،
نحن ما جاءنا محمد، مباشرة لكن جاءتنا دعوة محمد إذاً من وصلته دعوة محمد ﵌ على نقاوتها وعلى حقيقتها فقد بلغته الحجة، ولا يعذر بالجهل على ما وضحت آنفاً.
من هنا أنا قلت أكثر من مرة أن كثيراً من الأوروبيين والأمريكيين الذين يفتنون بدعاةٍ منحرفين عن الكتاب والسنة ولنضرب على ذلك مثلاً بطائفة القاديانية؛ لأن هؤلاء من الطوائف التي لها نشاط شديد جداً في الدعوة إلى ما يعتقدون من دينهم، ولذلك فقط استطاعوا أن يؤثروا على الألوف المؤلفة من الإنجليز والألمان والأمريكان وإلخ، ترى وهنا الشاهد هؤلاء الذين اتبعوا الدعوة
стр. 2269
القاديانية هل بلغتهم حجة الإسلام؟ الجواب: لا بلغتهم حجة القاديانية وليست حجة الإسلام، فلله الحجة البالغة وهي مناط التكليف إيجاباً وسلباً، فالضابط إذاً بلوغ الدعوة الصحيحة إلى الأفراد فمن بلغته فقد أقيمت عليه الحجة ومن لا فلا، لكن الذي يضبط الموضوع هو ملاحظة المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأفراد؛ فإن كان المجتمع مجتمع أهل السنة والجماعة كما كانوا يقولون قديماً ولا نرى استعمال هذه الكلمة حديثاً؛ لأنها في عرف المقلدين إنما تعني الأشاعرة والماتريدية وإنما نعني من بلغتهم دعوة السلفية وما كان عليه السلف الصالح فهذا قد أقيمت عليه الحجة ولكن في اعتقادي أن هؤلاء قلة في العالم الإسلامي كله، في اعتقادي أظن يكفي هذا جواباً على سؤالك.
"الهدى والنور" (٨٦١/ ٢٠: ٠١: ٠٠)
[٧٢٣] باب منه
السائل: [أسأل] ... على عملية العذر بالجهل، العذر بالجهل يعني ..
الشيخ: العذر بالجهل أخي يختلف، ... العذر بالجهل تارة يُعْذَر وتارة لا يعذر، ولا فرق بين أن يكون الأمر في العقيدة أو أن يكون في الأحكام الشرعية، قد يكون معذوراً في كل منهما وقد يكون غير معذور في كل منهما، وقد يكون معذوراً في أحدهما دون الآخر وهكذا، والمناط؛ أي: العلة التي توجب المؤاخذة أو لا توجبها، إنما هي ملاحظة كون هذا الذي نريد أن نقول عنه أنه معذور أو غير معذور يعيش في مجتمع إسلامي معروف الحكم عند هذا المجتمع وذائع وشائع مع ذلك هو ليس عنده علم بذلك فهذا غير معذور.
وبين شخص آخر يعيش في مجتمع إما غير إسلامي محض كالمجتمعات
стр. 2270
الكفرية وإما يعيش في مجتمع إسلامي اسماً حينئذ هذا يكون معذوراً بأنه لم تبلغه الحجة، عرفت الفرق؟
مداخلة: نعم.
"الهدى والنور" (١٩٩/ ٥٨: ٥٦: ٠٠) و (٢٢٤/ ٢٨: ٠٢: ٠٠)
[٧٢٤] باب منه
السائل: موضوع العذر بالجهل هنالك من يقول ..
الشيخ: موضوع إيش ..
السائل: العذر بالجهل في العقيدة خاصة، هناك من يقول يعذر الإنسان بالجهل وهنالك من يقول لا، وقد ظهرت مؤلفات في ذلك، نرجو الإفادة
في ذلك ..
الشيخ: نعم، سبق أن أجبت عن مثل هذا السؤال بشيء من التفصيل ولا أستحسن إعادة الكلام في الإجابة عن سؤال متكرر إلا إيجازاً، فأقول لا يصح القول مطلقاً بأن الإنسان يعذر بالجهل مطلقاً أو لا يعذر مطلقاً كلاهما خطأ، وإنما لابد من التفصيل، من كان يعيش في جو إسلامي، وهذا الجو الإسلامي يفهم الإسلام فهماً صحيحاً ثم وجد هناك شخصٌ يجهل العقيدة الإسلامية، وهو يحيى في هذا الجو؛ فهو غير معذور، وعلى العكس من ذلك: إذا تصورنا شخصاً آخر يعيش في جو غير إسلامي، جو الكفر والضلال مثل أوربا وأمريكا مثلاً ثم أسلم فهذا يعذر بجهله لأنه لا يجد الجو الذي يساعده على أن يتعلم وأن لا يجهل، ثم نضرب المثال الذي يعاكس الصورة الأولى، الصورة الأولى قلنا رجل يعيش في
стр. 2271
جو إسلامي يفهم الإسلام فهماً صحيحاً فهو غير معذور بجهله، الآن نقلب الصورة فنقول زيد من الناس يعيش في مجتمع إسلامي ولكن هذا المجتمع قد انحرف به الجمهور فيه عن العقيدة الصحيحة فيكون أيضاً هذا الشخص معذوراً لأنه لا يجد الجو الإسلامي الصحيح الذي يقدم إليه العقيدة الصحيحة كما يقولون اليوم أوتوماتيكيا، يعني ليس بحاجة إلى أن يتعلم بحلقات خاصة؛ لأن الجو كله مملوء بالعقيدة الصحيحة، مثال ذلك: حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: صليت يوماً ورأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعطس رجلٌ بجانبه، وعطس رجل بجانبه فقلت له: يرحمك الله، وهو يصلي مع المصلين، قال فنظروا إليَّ بمُؤخرة أعينهم فضقت ذرعاً فقلت: واثكل أُمياه، مالكم تنظرون إليَّ؟ فأخذوا ضرباً على أفخاذهم، يقولون له: اسكت ليس هذا مكان الكلام والصياح قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إليَّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي:" إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس ..
"، يرحمك الله، يهديكم الله، هذا الذي هو معتاد وعادة شرعية جيده إذا عطس الرجل فحمد الله فشمتوه هذا لا يجوز في حالة الصلاة " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس، إنما هي تسبيحٌ وتكبيرٌ وتحميدٌ وتلاوة القرآن"، قال: فقلت يا رسول الله، أتصورُ نفسية هذا الإنسان الفاضل أنه كان حديث عهد بالإسلام وأنه لم يتعلم بعد ما يجوز في الصلاة وما لا يجوز ولذلك وقع منه هذا الخطأ، حيث قال لمن عطس يرحمك الله هذا كلام وقد كان مثل هذا جائز في أول الإسلام حتى أنزل الله ﵎ القرآن ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِين﴾ فحرم الله عليهم الكلام، كان الرجل قبل استقرار تحريم الكلام يدخل
стр. 2272
المسجد فيجد الناس في الصف يصلون وراء الإمام فيقف فيقول لصاحبه إي ركعةٍ هذه يقول هذه الركعة الثانية فيفهم في صلاة الصبح مثلاً أنه قد فاتته الركعة الأولى فينوي ويكبر ويقرأ ماتيسر له ويركع لوحده ثم ينضم مع الإمام في الركعة الثانية، حتى دخل يوماً معاذ ابن جبل ﵁ دخل المسجد فوجد الناس قياماً كالعادة فنوى مباشرة ولم يسأل ذلك السؤال التقليدي ثم قام وصلى ماسُبق به من الصلاة فقال ﵊ إن معاذًا قد سن لكم سنة أي سنة حسنة، فصار من ذلك اليوم الحكم المعروف حتى اليوم ألا وهو قوله ﵇: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» بينما كان الحكم كما عرفتم، يستوضح متكلماً مع صاحبه وهو في الصلاة فيصلي ما فاته لوحده، ثم ينضم، هذا الرجل يبدو أنه لم يكن قد بلغه تحريم الكلام في الصلاة وبخاصة أن هذا ليس من الكلام المعتاد، كيف حالك وشلونك وكِيف السوق وما أشبه ذلك، إنما عطس فحمد الله، فقال له: يرحمك الله، ولم يكن قد علم بعد أن هذا شيء ممنوع في الصلاة ولذلك ازداد ثورةً وغضباً حينما وجدهم ينكرون عليه أشد الإنكار, أولاً بنظرهم إليه بمؤخرة أعينهم، ثانياً بضربهم على أفخاذهم بأكفهم، فلا شك تتصورون معي أنه هذا الإنسان ما يدري كيف صلى وهو يفكر -عرف أنه قد أخطأ لكن ما خطؤه- وعلى ذلك انتظر حينما سلم الرسول ﵇ من الصلاة أن يأتيه وأن يؤنبه وأن يقسو عليه في الكلام كما هو شأن كثير من الأئمة ومن المدرسين الذين لا يتحملون سؤال عادي إلا ويثورون ويغضبون، هكذا تصور هو أن الرسول لما أقبل إليه لكن خاب ظنه والحمد لله حينما قال معبراً عن لطفه ﵇ ورأفته قال: أقبل إليَّّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني إنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا
стр. 2273
يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح ٌ وتحميدٌ وتكبيرٌ وتلاوة للقرآن» حينما وجد هذا اللطف المحمدي تفتحت معه ذاكرته وذكرته لتوجيه السؤال بعد السؤال، قال يا رسول الله إنا منا أقوام يأتون الكهان قال: «فلا تأتوهم»، قال إنا منا أقواماً يتطيرون, قال: «فلا يصدنكم»، قال إنا منا أقوام يخطون الرًّمَل، قال: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطهُ خطه فذاك»، قال يا رسول الله -وهنا الشاهد- إن لي جاريه في أحد ترعى الغنم لي فسطى الذئب يوماً على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، وعليَّ عتق رقبة، كأنه يقول أفتجديني أن أعتقها كفارة لما علي من عتق رقبة قال:
«هاتِها» فجاءت قال لها: «أين الله» قالت في السماء، قال لها: «من أنا» قالت أنت رسول الله فالتفت إلى سيدها السائل وهو معاوية بن الحكم السلمي، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
الشاهد من هذا الحديث وفيه أحكام جمة كما سمعتم وفوائد عديدة، إنما الشاهد فيه أن النبي ﵌ سألها عن عقيدة تتعلق بكل مسلم ألا هو قوله ﵇: أين الله؟ فأجابت بالجواب الصحيح قالت في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فحكم عليها بأنها مؤمنة لأنها أجابت عن السؤالين جواباً صحيحاً، انظروا الآن الفوارق؛ هذه جارية ترعى الغنم عرفت العقيدة الصحيحة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) هذه العقيدة التي لا زال المسلمون يختلفون فيها اختلافًا جمًّا، ولا يزال جماهيرهم منهم بعض العرب وأكثرهم من العجم لا يزالون يجهلون هذه العقيدة الصحيحة بل ويحاربونها أيضاً، فإذا افترضنا جواً مثل هذا الجو النبوي، جارية ترعى الغنم، عرفت ما لا يعرفه كبار المشائخ في بعض البلاد، فمن كان من عامة الناس في تلك البلاد ومن أين
стр. 2274
له أن يعرف العقيدة الصحيحة كما عرفتها هذه الجارية والعلماء في تلك البلاد هم يعتقدون خلافها ويقولون ما لا يجوز، كمثل قولهم إذا قلت لهم أين الله؟ يقولون نعوذ بالله، هذا سؤال لا يجوز، سؤال لا يجوز والرسول هو الذي سَنَّهُ! هكذا يقولون لا يجوز هذا السؤال، لماذا؟ لأن الجواب لا يجوز، أكثر وأكثر عندهم: لا يجوز أن يقول المسلم كما قالت الجارية: الله في السماء، وكثير من هؤلاء العلماء الأعاجم بل وفيهم العرب وبعضهم من الشراكسة وبعضهم من المغاربة حاولوا [الطعن في] صحة هذا الحديث وما ذاك إلا لأنه يحمل في طواياه العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بتفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، فيعللون هذا الحديث مع كونه في صحيح مسلم ومع كونه يشهد الله لا علة له إطلاقاً، أقول هذا لأنه قد يوجد في صحيح مسلم وفي غيره ما يمكن أن يكون فيه طعن ما كتدليس ونحو ذلك، أما هذا الحديث فذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فليس فيه أي طعن من حيث إسناده، ولكن أهل الأهواء إن كانت العقيدة في القرآن حاولوا اللف والدوران حولها بتأويلها وإخراجها عن دلا لتها الصريحة، وإن كانت العقيدة في السنة حاولوا الطعن فيها بكل وسيلةٍ ولو كانت فاشلة.
فإذاً الذي يعيش مثلاً في جو مثل الأردن، مثل سوريا مثل مصر أكثر علمائها لا يعرفون هذه العقيدة بصورة خاصة، والعقيدة السلفية بصورة عامة، أفلا يعذر المسلمون الذين يقيمون في تلك البلاد، نقول نعم، لكن ليس الأمر كذلك، الغرباء الذين يعيشون في هذه البلاد والتي فضلها الله ﵎ وميزها بكثير من الخصال من أهما دعوة التوحيد التي سخر الله لها في هذه البلاد منذ نحو مئتي سنة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فأحيى دعوة التوحيد حيث كانت الشركيات والوثنيات قد كادت أن تعم البلاد الإسلامية كلها ومنها هذه البلاد في الجزيرة
стр. 2275
العربية فأنقذ الله بهِ عباده هناك، ثم سَرَت يقظته هذه إلى البلاد الإسلامية الأخرى لكن بنسب متفاوته وقليله جداً، فمن كان غريباً هنا من الأعاجم أو العرب فهو يسمع ليل نهار عقيدة التوحيد، وأن الله على العرش استوى، وأن استواءه معلوم لغةً وهو الاستعلاء، وأن الكيف مجهول، وأن السؤال عن كيفية الأستواء بدعة، فهذا لا يكون معذوراً لأنه قد وجد في جو يشبه جو تلك الجارية، من أين عرفت الجارية العقيدة؟ من المجتمع التي عاشت فيه فسيدها وسيدتها وأبناؤهما كلهم ينطقون بالعقيدة الصحيحة، فلماذا هي لا تكون كذلك عقيدتها صحيحة، وهذا مما يفسر به قوله ﵊ وهو من أنباء الغيب: «إن الله ليعجب من أقوامٍ يجرون غلى الجنة في السلاسل، إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة بالسلاسل»، كيف هذا؟! إشارة عظيمة جداً من نبينا ﵌ إلى الفتوحات الإسلامية التي ستقع من بعد الرسول ﵌، ويأتون بالأسرى مغللين في الأصفاد فيعاشرون المسلمين وهم عبيد أرقاء لكن رقهم هذا سينقلب نعمة ما بعدها نعمة عليهم، فإنهم قد كانوا من قبل وهم أحرار في بلادهم يسمعون عن الإسلام كل سيئة بسبب القساوسة والرهبان والجهال وما شابه ذلك من الذين يذيعون السوء عن الإسلام والأفكار والعقائد السيئة، فلما ابتلاهم الله ووقعوا في الأسر وسيقوا إلى بلاد الإسلام بالأغلال عاشوا مع المسلمين عن كثب وعن قرب واطَّلعوا أولاً على عقائدهم وعلى عبادتهم ثم على سلوكهم وأخلاقهم فوجدوها من أحسن ما يمكن أن يوجد على وجه الأرض، فكان ذلك سبباً لدخولهم في الإسلام اختيارا وليس اضطراراً، فدخلوا الجنة أي بسبب إسلامهم وهم قد سيقوا من قَبل بالأغلال.
فهذه البلاد إذاً من كان فيها من الغرباء سواء من العرب أو الأعاجم فلا يعذر بجهله؛ لأنه استمر في جهله، فمعنى ذلك أنه مكابر ومعاند لأنه قد أقيمت الحجة
стр. 2276
عليه فإنه يسمعها ليل نهار، أما من كان في البلاد الأخرى فهو يسمع نقيض ذلك فهو معذور بجهله، فإذاً عرفتم الآن ثلاثة صور أو ثلاثة مجتمعات ..
المجتمع الأول: المجتمع الإسلامي الذي فهم العقيدة الصحيحة فمن عاش في هذا المجتمع فلا يعذر بجهله.
المجتمع الثاني: المجتمع الكافر الذي قد يُسْلِمُ فيه فردٌ من أفراده أو بعض أفراده فمن أين له أن يعرف العقيدة الصحيحة فهو معذور بجهله.
المجتمع الثالث: مجتمع بينهما فهو في الظاهر مسلم وعلامات الإسلام ظاهره فالمساجد عامرة بالصلاة والأذان مرفوعٌ صوته وإلى آخره، لكن كبار أهله منحرفون عن العقيدة الصحيحة، فمن أين يتلقى أفراد هذا الشعب العقيدة الصحيحة؟ فيكونون والحالة هذه معذورين.
هذا الذي تيسر لي من الجواب عن هذا السؤال وبهذا القدر كفاية .. والحمد لله رب العالمين.
"فتاوى جدة -الأثر- (١٠/ ٤٣: ٥٥: ٠٠)
[٧٢٥] باب هل يُعذر بالجهل
في مسائل الاعتقاد في بلادنا اليوم ؟
السؤال: هل يعذر بالجهل في مسائل الاعتقاد؟
الجواب: أما في بلادنا اليوم يعذر؛ لأنه ليس هناك علماء يبلغون أحكام الله إلى عامة المسلمين.
"الهدى والنور" (٢٦٢/ ٠٠:٤٣:٠٥)
стр. 2277
[٧٢٦] باب هل يعذر بالجهل
من عاش في مجتمع مليء بالشركيات ؟
السائل: بسم الله والصلاة السلام على رسول الله، أما بعد:
قد ذكرت فيما مضى من الأسئلة السابقة أن قضية العذر بالجهل، هذا بالنسبة للصفات، هل يعذر بالجهل من كان في بلدة يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام، وبلدهم أو بلادهم .. الطابع هذا كله في جميع البلاد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل أم لا؟ ويعتقد أن الأولياء .. أو أن هذا الذي يطوف حوله ينفع ويضر، وهذا المعتقد السائد في هذا البلد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل، أم ماذا؟
والسؤال الثاني: ..
الشيخ: حسبك سؤالًا سؤالًا .. أنا جوابي على جوابك بكل صراحة: نعم، وهو مفهوم من جوابي السابق تمامًا؛ لأن السؤال كما قلت أنت الآن في العقيدة: هل يعذر إذا كان ضالًَا في العقيدة أم لا، وما دندنت حوله من الطواف حول القبور هو من الإشراك بالله ﵎، فالجواب هو الجواب الذي دندنا حوله وصرحنا به فيما مضى، وليس في السؤال شيء جديد.
إذا تذكرت بأنني جعلت المجتمع الذي يعيش فيه هذا الذي يعذر أو لا يعذر جعلت المجتمعات ثلاثة:
إما مجتمع إسلامي صحيح، وإما مجتمع كافر، وإما مجتمع اسمًا مجتمع إسلامي، ولكن العلماء الذين هم مفروض فيهم أن يكونوا هداة هادين لغيرهم هم في أنفسهم ضالون، وقد ذكرتُ ومن أين يأتيه علم هذا الجاهل، فهو معذور إذا
стр. 2278
وجد في مثل المجتمع الثاني المجتمع الكافر، أو المجتمع الثالث المجتمع المسلم الذي ليس فيه أهل التوحيد وأهل العقيدة الصحيحة، فما الذي حملك على أن تجدد السؤال بضرب مثال، مع أن الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى.
قد يكون هناك شيء خفي أمره على بعض الحاضرين، وقد تكون أنت منهم، فهل تستطيع أن تقول ما الذي حملك على توجيه هذا السؤال وهو داخل في الجواب السابق، تفضل.
مداخلة: هناك آيات من القرآن كثيرة .. أن الأولياء إذا دعوهم الناس لا يضروهم ولا ينفعوهم ..
الشيخ: ليس هنا داعي يا أخي! أنت الآن كأنك تناقش إنسانًا يقر دعوة غير الله من الأموات، لسنا في هذا الصدد، بحثنا هذا الجاهل يعيش بين أناس يعتقدون أن هذه الاستغاثة بغير الله هو من باب التوسل المشروع، لسنا في هذا الصدد، نحن والحمد لله منذ نعومة أظفارنا ونحن من أهل التوحيد: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ (يوسف:٣٨) لكن بحثنا الآن: من وجد في مجتمع شرك، هل أقيمت حجة الله عليه؟
مداخلة: على العقائد هذه ..
الشيخ: واضح أن الحجة لم تقم، فهذا الذي نحن ندندن حوله، ولذلك ففي سؤالك ليس فيه شيء جديد، ونحن حين نقول: إنه معذور يمكن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح، ماذا نعني إنه معذور بمعنى: إننا لا نحكم عيه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، هذا الذي نعنيه، ولسنا نعني أنه يدخل الجنة ترانزيت! لا ما نعني هذا، لا يدخل الجنة كما قال ﵇ إلا نفس مؤمنة، هذا أعلنه في
стр. 2279
حجة الوداع، ولكني أريد من قولي: إنه معذور، أي: لا نحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، له معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.
"فتاوى جدة-الأثر-" (١١/ ٠١:١٨:٤٨)
[٧٢٧] باب هل يعذر المخالف في العقيدة ؟
سؤال: فضيلة الشيخ! هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرد اشتراكه في النية حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال؟
الشيخ: هذه المسألة كثيراً ما تثار في هذا الزمان، وأنا أرى أنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، وقد يُطرح هذا السؤال بصيغة أخرى، وهي هل يُعذر الجاهل بجهله؟، ولا شك أن الجهل قد يكون جهلاً جزئيًّا أو يكون جهلاً كليًّا، أنا أشرت آنفاً إلى أن بعض المخالفين قديماً خالفوا في بعض العقائد ... [فهذا] إذا كان قصده الوصول إلى معرفة حكم الله فيما ذهبوا إليه فأخطأ، الخطأ في اعتقادي معذور إذا كان صادراً عن اجتهاد قد أفرغ صاحبه جهده ولم يقصر، فلا فرق في الخطأ في الأصول أو في الفروع إذا لاحظت هذه القاعدة: لو أن رجل استحل حكماً هو في الشرع حرام، لا شك أنه إذا علم حرمته ومع ذلك استحله، فإنه يكفر، وهذا حكم شرعي وليس عقيدةً، وكذلك العكس تماماً لو أنه استحل محرماً باجتهاده فلا يعتبر هذا كفراً وإن كان يعتبر خطأ وضلالة فمن حيث ... به لا يجوز حتمًا، لكن من حيث أنه مؤاخذ عند الله مؤاخذته للكافر الذي عرف الحق وجحده فليس الأمر كذلك، فالمناط في هذه المسألة من حيث المؤاخذة ليس هو كونه أخطأ في العقيدة أو في أصل من الأصول، وإنما المناط
стр. 2280
في القضية: هل تبين من الحق ثم جحده كما قال تعالى في حق المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) وقال في حق اليهود ومعرفتهم بصدق النبي ﵌، ومع ذلك كفروا به، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦).
فإذاً: المناط في المؤاخذة في الخطأ في العقيدة أو في الأحكام ليس هو التفريق بين هذه وهذه، وإنما التفريق بين أن يكون المخطئ قصد الحق بإخلاص وإفراغ الجهد للوصول فيه أو لم يقصد، فعلى هذا يحكم بأنه معاقب عند الله أو لا.
ويحضرني بهذه المناسبة حديثان اثنان: أحدهما يتعلق بما ذكر آنفاً في قوله تعالى لليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١) أن النبي ﵌ كان له غلام من اليهود يخدمه فمرض هذا اليهودي، فعاده ﵊ فوجده في حضرة الموت فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله» وعند رأس الغلام والده، فرفع بصره إليه كأنه يستشيره يسأله: ما رأيك في قول محمد ﵇، فالخبيث أجاب بكلمة حق فقال لابنه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: لا إله إلا الله ومات، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» الشاهد في هذا الحديث هو كتفسير الآية الكريمة: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) والد هذا الغلام لما رأى ابنه في حضرة الموت ويعرف حقيقة أن النبي ﵌ نبي صادق أراد أن ينقذ ابنه من الورود في العذاب فقال له: أطع أبا القاسم، أما هو نفسه فصدق فيه قوله تعالى: