عليه فإنه يسمعها ليل نهار، أما من كان في البلاد الأخرى فهو يسمع نقيض ذلك فهو معذور بجهله، فإذاً عرفتم الآن ثلاثة صور أو ثلاثة مجتمعات ..
المجتمع الأول: المجتمع الإسلامي الذي فهم العقيدة الصحيحة فمن عاش في هذا المجتمع فلا يعذر بجهله.
المجتمع الثاني: المجتمع الكافر الذي قد يُسْلِمُ فيه فردٌ من أفراده أو بعض أفراده فمن أين له أن يعرف العقيدة الصحيحة فهو معذور بجهله.
المجتمع الثالث: مجتمع بينهما فهو في الظاهر مسلم وعلامات الإسلام ظاهره فالمساجد عامرة بالصلاة والأذان مرفوعٌ صوته وإلى آخره، لكن كبار أهله منحرفون عن العقيدة الصحيحة، فمن أين يتلقى أفراد هذا الشعب العقيدة الصحيحة؟ فيكونون والحالة هذه معذورين.
هذا الذي تيسر لي من الجواب عن هذا السؤال وبهذا القدر كفاية .. والحمد لله رب العالمين.
"فتاوى جدة -الأثر- (١٠/ ٤٣: ٥٥: ٠٠)
[٧٢٥] باب هل يُعذر بالجهل
في مسائل الاعتقاد في بلادنا اليوم ؟
السؤال: هل يعذر بالجهل في مسائل الاعتقاد؟
الجواب: أما في بلادنا اليوم يعذر؛ لأنه ليس هناك علماء يبلغون أحكام الله إلى عامة المسلمين.
"الهدى والنور" (٢٦٢/ ٠٠:٤٣:٠٥)
стр. 2277
[٧٢٦] باب هل يعذر بالجهل
من عاش في مجتمع مليء بالشركيات ؟
السائل: بسم الله والصلاة السلام على رسول الله، أما بعد:
قد ذكرت فيما مضى من الأسئلة السابقة أن قضية العذر بالجهل، هذا بالنسبة للصفات، هل يعذر بالجهل من كان في بلدة يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام، وبلدهم أو بلادهم .. الطابع هذا كله في جميع البلاد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل أم لا؟ ويعتقد أن الأولياء .. أو أن هذا الذي يطوف حوله ينفع ويضر، وهذا المعتقد السائد في هذا البلد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل، أم ماذا؟
والسؤال الثاني: ..
الشيخ: حسبك سؤالًا سؤالًا .. أنا جوابي على جوابك بكل صراحة: نعم، وهو مفهوم من جوابي السابق تمامًا؛ لأن السؤال كما قلت أنت الآن في العقيدة: هل يعذر إذا كان ضالًَا في العقيدة أم لا، وما دندنت حوله من الطواف حول القبور هو من الإشراك بالله ﵎، فالجواب هو الجواب الذي دندنا حوله وصرحنا به فيما مضى، وليس في السؤال شيء جديد.
إذا تذكرت بأنني جعلت المجتمع الذي يعيش فيه هذا الذي يعذر أو لا يعذر جعلت المجتمعات ثلاثة:
إما مجتمع إسلامي صحيح، وإما مجتمع كافر، وإما مجتمع اسمًا مجتمع إسلامي، ولكن العلماء الذين هم مفروض فيهم أن يكونوا هداة هادين لغيرهم هم في أنفسهم ضالون، وقد ذكرتُ ومن أين يأتيه علم هذا الجاهل، فهو معذور إذا
стр. 2278
وجد في مثل المجتمع الثاني المجتمع الكافر، أو المجتمع الثالث المجتمع المسلم الذي ليس فيه أهل التوحيد وأهل العقيدة الصحيحة، فما الذي حملك على أن تجدد السؤال بضرب مثال، مع أن الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى.
قد يكون هناك شيء خفي أمره على بعض الحاضرين، وقد تكون أنت منهم، فهل تستطيع أن تقول ما الذي حملك على توجيه هذا السؤال وهو داخل في الجواب السابق، تفضل.
مداخلة: هناك آيات من القرآن كثيرة .. أن الأولياء إذا دعوهم الناس لا يضروهم ولا ينفعوهم ..
الشيخ: ليس هنا داعي يا أخي! أنت الآن كأنك تناقش إنسانًا يقر دعوة غير الله من الأموات، لسنا في هذا الصدد، بحثنا هذا الجاهل يعيش بين أناس يعتقدون أن هذه الاستغاثة بغير الله هو من باب التوسل المشروع، لسنا في هذا الصدد، نحن والحمد لله منذ نعومة أظفارنا ونحن من أهل التوحيد: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ (يوسف:٣٨) لكن بحثنا الآن: من وجد في مجتمع شرك، هل أقيمت حجة الله عليه؟
مداخلة: على العقائد هذه ..
الشيخ: واضح أن الحجة لم تقم، فهذا الذي نحن ندندن حوله، ولذلك ففي سؤالك ليس فيه شيء جديد، ونحن حين نقول: إنه معذور يمكن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح، ماذا نعني إنه معذور بمعنى: إننا لا نحكم عيه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، هذا الذي نعنيه، ولسنا نعني أنه يدخل الجنة ترانزيت! لا ما نعني هذا، لا يدخل الجنة كما قال ﵇ إلا نفس مؤمنة، هذا أعلنه في
стр. 2279
حجة الوداع، ولكني أريد من قولي: إنه معذور، أي: لا نحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، له معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.
"فتاوى جدة-الأثر-" (١١/ ٠١:١٨:٤٨)
[٧٢٧] باب هل يعذر المخالف في العقيدة ؟
سؤال: فضيلة الشيخ! هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرد اشتراكه في النية حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال؟
الشيخ: هذه المسألة كثيراً ما تثار في هذا الزمان، وأنا أرى أنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، وقد يُطرح هذا السؤال بصيغة أخرى، وهي هل يُعذر الجاهل بجهله؟، ولا شك أن الجهل قد يكون جهلاً جزئيًّا أو يكون جهلاً كليًّا، أنا أشرت آنفاً إلى أن بعض المخالفين قديماً خالفوا في بعض العقائد ... [فهذا] إذا كان قصده الوصول إلى معرفة حكم الله فيما ذهبوا إليه فأخطأ، الخطأ في اعتقادي معذور إذا كان صادراً عن اجتهاد قد أفرغ صاحبه جهده ولم يقصر، فلا فرق في الخطأ في الأصول أو في الفروع إذا لاحظت هذه القاعدة: لو أن رجل استحل حكماً هو في الشرع حرام، لا شك أنه إذا علم حرمته ومع ذلك استحله، فإنه يكفر، وهذا حكم شرعي وليس عقيدةً، وكذلك العكس تماماً لو أنه استحل محرماً باجتهاده فلا يعتبر هذا كفراً وإن كان يعتبر خطأ وضلالة فمن حيث ... به لا يجوز حتمًا، لكن من حيث أنه مؤاخذ عند الله مؤاخذته للكافر الذي عرف الحق وجحده فليس الأمر كذلك، فالمناط في هذه المسألة من حيث المؤاخذة ليس هو كونه أخطأ في العقيدة أو في أصل من الأصول، وإنما المناط
стр. 2280
في القضية: هل تبين من الحق ثم جحده كما قال تعالى في حق المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) وقال في حق اليهود ومعرفتهم بصدق النبي ﵌، ومع ذلك كفروا به، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦).
فإذاً: المناط في المؤاخذة في الخطأ في العقيدة أو في الأحكام ليس هو التفريق بين هذه وهذه، وإنما التفريق بين أن يكون المخطئ قصد الحق بإخلاص وإفراغ الجهد للوصول فيه أو لم يقصد، فعلى هذا يحكم بأنه معاقب عند الله أو لا.
ويحضرني بهذه المناسبة حديثان اثنان: أحدهما يتعلق بما ذكر آنفاً في قوله تعالى لليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١) أن النبي ﵌ كان له غلام من اليهود يخدمه فمرض هذا اليهودي، فعاده ﵊ فوجده في حضرة الموت فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله» وعند رأس الغلام والده، فرفع بصره إليه كأنه يستشيره يسأله: ما رأيك في قول محمد ﵇، فالخبيث أجاب بكلمة حق فقال لابنه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: لا إله إلا الله ومات، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» الشاهد في هذا الحديث هو كتفسير الآية الكريمة: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) والد هذا الغلام لما رأى ابنه في حضرة الموت ويعرف حقيقة أن النبي ﵌ نبي صادق أراد أن ينقذ ابنه من الورود في العذاب فقال له: أطع أبا القاسم، أما هو نفسه فصدق فيه قوله تعالى:
стр. 2281
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) فعاش أبوه كافراً وربما مات كذلك، ولكنه نصح ابنه وقال له: أطع أبا القاسم.
هذا الكفر الذي هو الجحد هو الذي يحاسب عليه الإنسان عند الله ويكون خالداً مخلداً في النار.
الحديث الثاني: حديث في اعتقادي مهم جداً فيما يتعلق بالكفر وأنه ليس الخطأ في الكفر غير معذور؛ لأنه كفر وإنما المناط كما ذكرنا الجحد، لقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري وغيره أيضاً قال: «كان رجل فيمن قبلكم لم يعمل خيراً قط، فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله وقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي» وهنا يبدأ الشاهد: قال: «فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر» فلما مات نفذوا فيه هذه الوصية العجيبة الغريبة فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكانت بشراً سوياً، قال الله : «أي عبدي! ما حملك على ما فعلت، قال: يا رب! خشيتك، قال: فقد غفرت لك».
الشاهد: أن هذا الإنسان لا يشك مسلم بأنه قد وقع في الكفر حينما شك في قدرة الله ﵎ أن يعيده كما كان وهو يستحق العذاب، فصورت له غفلته أن يضيع على ربه بزعمه فأوصى بتلك الوصية الجائرة الغريبة حيث أمر أولاده بأن يحرقوه بالنار وأن يذروا نصفه في الريح الشديدة والنصف في البحر المائل، فما كان ذلك بالذي يضيع على ربه كما قال في القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) إلى آخر الآيات، تعالى الله والله أعلم بما كان، في نفسه من الوازع والدافع الذي دفعه على مثل هذه
стр. 2282
الوصية: «ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك» أي: إنه مؤمن بالله أولاً، وبِعَدله ثانياً، وأنه يستحق العقوبة؛ لأنه لم يعمل خيراً قط، هذا الخوف من ربه هو الذي أعماه عن قدرته التي لا يتصور أن يعيش مسلم جاحداً لها، لكن
الخوف أعماه فأوصى بهذه الوصية، فلما علم الله منه ذلك قال: قد غفرت لك.
فلذلك لا يجوز الفصل بين الخطأ في الفرع أو الخطأ في الأصل؛ لأن الخطأ في الأحكام أو الخطأ في العقائد فهو خطأ هنا وهناك، وهو كفر هنا وهناك، أو خطأ هنا وهناك، فالله العليم بما في الصدور هو الذي سيحاسب كل إنسان بما قام في نفسه حينما انحرف عن الصواب، هل كان متعمداً له أو كان غير متعمد .. هل كان قاصداً لمعرفة الحق أو غير قاصد؟ هذا أمره يعود إلى الله ﵎، أما الأحكام الظاهرة فهذه شأن آخر فلا بد من تنفيذ الأحكام الظاهرة إذا ظهر أن مسلماً ما يقول كما تقول الشيعة، بأن هذا المصحف ناقص والله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) هذا بلا شك يؤتى به إلى الحاكم والقاضي الذي يحكم بالشرع فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، فهذا حكم غير ما نتكلم فيه عند الله : هل يدان بالخطأ بالعقيدة أم لا يدان؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه آنفاً.
"رحلة النور" (١٣أ/٠٠:٤٣:٣١) (١٣ب/٠٠:٠٠:٠٠)
[٧٢٨] باب هل يعذر بالجهل في الأسماء والصفات ؟
السائل: هل يعذر الإنسان بالجهل في الأسماء والصفات؟
الشيخ: الجواب بارك الله فيك: أن الأمر يختلف باختلاف الإنسان من حيث موطنه، وأنا كما يقولون في دمشق: نضربها علاوية، يعني: فارق كبير، يعني:
стр. 2283
للمسلم الأوروبي الذي أسلم بسببٍ بدا له من نور الإسلام فآمن، كذاك البدوي الذي أسلم في بعض المعارك وسأل الرسول ﵇: أنه إذا قاتل واستشهد أيدخل الجنة؟ قال: نعم، فهجم على الكفار وقاتل حتى قتل، هذا ما يتصور أنه عرف تفاصيل الإسلام، صح أو لا؟ نرجع للمثال السابق: هذا الأوروبي الذي أسلم من أين يستمد المعلومات التفصيلية فيما يتعلق بالصفات الإلهية سواء ما كان منها في الكتاب أو ما كان منها في السنة، فهذا يعذر، هذا أعلى شيء مثال، ننزل قليلًا إلى الوسط: المسلم الذي يعيش في جو خلفي ماتريدي أو أشعري، لو سأل أي عالم من العلماء الذين يقال إنهم من أهل العلم، فسيفتونه بما تعلم من التأويل والتعطيل، فهذا بلا شك يعذر، أما من كان يعيش في بلاد فيها علماء سلفيين .. فيها علماء خلفيين، فهذا عليه أن يجتهد، أما من كان في بلاد سلفية محضة فهنا يقال: لا يعذر بجهله، واضح؟ فالأصل في هذا هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
(فتاوى جدة -الأثر-" (٥/ ٠٠:٤٢:١٩)
[٧٢٩] باب هل يعذر الإنسان بجهله في زمن انتشار العلم ؟
السائل: [هل يعذر الإنسان بجهله في هذا الزمان مع انتشار العلم؟]
الشيخ: هذا ليس على إطلاقه، وكثيراً ما سئلنا مثل هذا السؤال في هذه البلاد وفي غيرها، السؤال التقليدي: هل يعذر الجاهل بجهله أم لا؟ فجوابي: أنه قد يعذر وقد لا يعذر، إذا كان الجاهل يعيش في بلاد إسلامية يغلب عليها العلم الإسلامي وخاصة بعقائده وبصورة أخص ما يتعلق منها بالتوحيد فهنا لا يعذر هذا الإنسان بجهله؛ لأنه يعيش في جو إسلامي يفترض أن يكون قد عرف من الجو الصالح الذي يعيش فيه العقيدة الصحيحة وهذا بلا شك أيضاً يستطيع الإنسان أن
стр. 2284
يتصور صوراً متعددة.
جو إسلامي والحمد لله أن البلاد السعودية لا تزال من حيث صلاح عقيدتها هي في القمة ولكن يقصدها كثير من المسلمين العرب أو العجم لقضاء مصالحهم وأحياناً عباداتهم من الحج أو العمرة، فقد يكون الواحد منهم أقام في هذه البلاد مدة من الزمن لم يتمكن في المدة لقصرها أن يتعرف على عقيدة التوحيد مثلاً فهو لا يزال يحمل في أفكاره بعض الانحرافات عن التوحيد الصحيح، فهذا بالرغم أنه أقام في جو إسلامي وتوحيده صحيح لا يمكن أن يقاس به من ولد في هذه البلاد وعاش فيها وترعرع ونشأ وتعلم فهناك فرق كبير بين الأول وبين الثاني؛ ولذلك إذا أخذنا هذا الإنسان الأول أي: البلد الإسلامي الصحيح توحيده وعقيدته ثم قابلناه ببلد آخر ليس بلداً إسلامياً فالمسلمون الذين يسلمون في بلاد الكفر كأوروبا مثلاً .. أو نحو ذلك، فهؤلاء إذا لم يفهموا بعض العقائد الإسلامية على وجهها الصحيح .. هؤلاء يعذرون لأنهم لا يجدون الجو الذي يعطينا المعنى الذي أشرت أنت إليه آنفاً بقول: صار من المعلوم من الدين بالضرورة، هذا إنما [هو في] المجتمع الأول وفي التفصيل الذي ذكرته: من نشأ وترعرع به وليس بالنسبة لمن [زاره] حالاًّ فيه لمدة قصيرة من الزمن.
ثم نأخذ مثلاً بل أمثلة أخرى ما بين المثل الأول الطالح والمثل الآخر الصالح نأخذ مثلاً كالبلاد المصرية حيث يوجد فيها مشايخ وعلماء الأزهر وما أدراك ما علماء الأزهر من حيث الأزهر الشريف وإلى آخره، ومع ذلك فتجد هناك الشرك ضارباً أطنابه في الأزهر وفي المساجد التي في الحسين وغيره، فيعيش المصري هناك مسكينًا ولا يسمع صوت التوحيد إطلاقاً، فهذا ليس كهذا الذي عاش في المجتمع الأول؛ فلذلك فمن الخطورة بمكان مع استحضارنا لهذا التفصيل وما
стр. 2285
أشير إليه مما لم يذكر .. من الخطورة بمكان أن يقال بأن الجاهل لا يعذر؛ لأنه يعيش في بلد إسلامي، يشترط في هذا البلد الإسلامي أن تكون عقائده مشهورة وكما قلت معلومة من الدين بالضرورة.
لنفترض كما قلنا آنفاً رجل فرنسي أو ألماني أسلم، ما الذي دفعه للإسلام؟ شيء من عظمة الإسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن يا ترى هل مجرد أن أعلن إسلامه وعودي من قومه عرف الإسلام بتفاصيله؟ طبعاً الجواب: لا، فقد يكون يعيش هو وزوجته وزوجته لا تزال سافرة متبرجة كما كان قبل إسلامه بل وكما كانت هي قبل إسلامها ويعيشون مع بعضهم البعض أشقاء وإخوة وتظهر أمامهم كما تظهر أمام زوجها، هل يعذر أم لا؟ يعذر؛ لأنه حديث عهد بالإسلام؛ ولذلك نجد في بعض الأحاديث ما يمكن اتخاذه حجة؛ لأن القول بأن الجاهل لا يعذر قول يخالف سنة الرسول ﵇ العملية.
ماذا نقول اليوم لو أن مسلماً في بلاد الإسلام صاح في صلاته بأعلى صوته واستمر في صلاته ولم يعد الصلاة صلاته صحيحة أو باطلة؟ صلاته باطلة لكن الرسول ما أبطل صلاة ... ؛ لأنه عذره بجهله وما ذاك إلا لأنه كان حديث عهد بالإسلام وعلى ذلك يقاس هذه المسألة الحساسة فلا يقال مطلقاً: الجاهل يعذر، ولا يقال مطلقاً: الجاهل لا يعذر وإنما المسألة تتحمل تفاصيل كثيرة ذكرت
آنفاً بعضها.
أنا أشرت في مثالي الأخير إلى قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وهو بداهةًَ غير معاوية بن أبي سفيان الأموي، فقد حدث كما جاء في موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد وصحيح الإمام مسلم بالسند الصحيح عنه أنه صلى
стр. 2286
ذات يوم ورأى النبي ﵌ عطس رجل بجانبه فقال له وهو في الصف في الصلاة: يرحمك الله، فنظروا إليه بأطراف أعينهم تسكيتاً له، فعظم عليه هذا الأمر فصاح بأعلى صوته وهو يصلي: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟ فما كان لمن حوله إلا أن أخذوا ضرباً على أفخاذهم تسكيتاً، يبدوا أن الرجل تنبه ولو بعد لأي بأنه أخطأ فيما فعل من الكلام والصياح؛ لذلك قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إليّ .. تصوروا مصلياً في هذا الزمان لو فعل مثل ذلك الإنسان وجاء الإمام إليه ما الذي يتصوره؟ سيشتمه ويسبه إن لم يضربه، كأن معاوية هذا ﵁ تصور شيئاً من ذلك لما رأى الرسول مقبلاً إليه ولكن خاب تصوره؛ لأنه رسول الله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩) قال: فما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي ووالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما تسبيح وتحميد وتكبير وتلاوة القرآن.
انتهت قصة الرجل هاهنا، ولكن يبدو من ناحية النفس أنه لما رأى هذا اللطف النبوي شجعه لأن يتعلم؛ لأنه عرف أنه جاهل .. يصيح في الصلاة بما سمعتم فيقول الرسول: أنه لا يصلح شيء من كلام الناس وإنما هو التسبيح والتحميد والتكبير وتلاوة القرآن، فتشجع على أن يوجه إلى النبي ﵌ بعض الأسئلة فأخذ [يطرح] هذه الأسئلة سؤالاً بعد سؤال.
كان مما جاء ذكره في هذا الحديث أن قال: «يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون، قال: فلا يصدنكم، قال: إن منا أقواماً يخطون بالرمل، فقال ﵊: قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطُه خطَه فذاك، قال: يا رسول الله! إن لي جارية ترعى لي غنماً في أُحُد فسطا الذئب يوماً على غنمي وأنا بشر
стр. 2287
أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعلي عتق رقبة، فقال ﵇: هاتها، قال لها ﵊: أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: اعتقها فإنها مؤمنة».
الآن: لو وجه هذا السؤال النبوي إلى بعض شيوخ الأزهر: أين الله؟ لأقاموا [الدنيا] عليه، فضلاً عن أنه لا يحسن جواب الجارية، لا يقول ذاك الله في السماء، وإن كان عنده شيء من العلم فيحاول أن يطعن في صحة هذا الحديث، وإن سلم بصحته فسيعلل جواب الجارية بتعليلات تعود بالطعن في الرسول ﵇ من حيث هو لا يدري ولا يشعر ولا أرى الآن ضرورة أن أخوض في تفصيل هذا الكلام وإنما حسبي أن أربط هذا الكلام بما سبق.
إذا كان بعض شيوخ الأزهر اليوم من كثرة كاثرة في مصر مثلاً لا يتبنون العقيدة السلفية التي اتضح فيها الآيات الكريمة وتتابعت عليها الأحاديث النبوية الصحيحة لا يعتقدون أن الله له صفة العلو فماذا يكون عقيدة عامة الشعب المصري؟ هل يعتقد كما تعتقد هذه الجارية؟
إذاً: ينبغي أن نقول: أن هؤلاء العامة في مصر وفي أمثالها من البلاد الأخرى سواء ما كان منها بلاداً عربية أو أعجمية فالشعب هنا وهناك معذور؛ لأنه لا يعيش في ذلك الجو الإسلامي الذي منه تعلمت الجارية تلك العقيدة الصحيحة، من أين للجارية وهي راعية غنم أن تعرف هذه العقيدة التي لا يعرفها علماء الأزهر؟ من الجوّ .. الصحابة سيدها وسيدتها وما حولها من الناس كلهم يدينون ديناً واحداً ويتبنون عقيدة واحدة فعرفت هذه العقيدة من المجتمع الذي عاشته، وربما تكون قد قرأت واتبعت سنة الرسول ﵇ بقراءة سورة تبارك التي يسن للمسلم
стр. 2288
أن يقرأها في كل ليلة قبل يضطجع وينام ففيها يقول ربنا ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧).
فإذاً هذه الجارية وفي بعض الروايات الضعيفة أنها أعجمية تلقت هذه العقيدة الصحيحة من الجو الذي كانت تعيش فيه فسلمت عقيدتها، أما الجو المصري وجو البلاد الأعجمية الأخرى فهو موضوء ولا يجد فيه الأفراد العقيدة الصحيحة، وأنا في اعتقادي يكونون معذورين كل العذر.
"رحلة النور" (٥أ/١٨: ٠٦: ٠٠)
[٧٣٠] باب حكم الطواف بالقبور وهل يعذر بالجهل في مثل ذلك وهل أخذ الميثاق يكفي كحجة؟ وحكم أهل الفترة
السؤال: ... ما حكم الطواف القبور؟ أو
الشيخ: الطواف في القبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب، إذا كان النبي ﵌ قد قال كما في صحيح مسلم (١): «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وهذا نص صريح أنه لا يجوز اتخاذ القبر قبلة؛ لأن قبلة المسلم إنما هي بيت الله الحرام أو الكعبة المشرفة، فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذاك المقبور الذي يعتقد بأنه من الأنبياء أو الاولياء أو الصالحين، ولا شك أن مثل هذا الارتكاب هو إخلال بحق لا إله إلا الله؛ لأن معنى هذه الكلمة الطيبة: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، فربنا عز
стр. 2289
وجل يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة:٥) فأي عبادة توجه لغير الله فهو شرك بالله في توحيد العبادة لأنكم تعلمون فيما أعتقد أن العلماء المحققين قسموا التوحيد الذي ينجي يوم القيامة .. يوم رب العالمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام فإذا أخل المسلم بواحد منها لم يكن موحداً حقاً:
القسم الأول: توحيد الربوبية.
والقسم الثاني: توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة.
والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد الله بها عباده إلى غيره فقد اتخذه معه إلهاً؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم أن النبي ﵌ لما كان يدعو المشركين من قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالكلمة الطيبة: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥) وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥) المشركون لم يكونوا ينكرون التوحيد الأول وهو توحيد الربوبية وتوحيد الخالقية وإنما كانوا يعترفون بذلك تماماً وإنما أنكروا توحيد العبادة لذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥) فأنكروا على النبي ﵌ حينما أمرهم بأن لا يذبحوا إلا لله، وأن لا يحلفوا إلا بالله، وأن لا ينذروا إلا لله .. أنكروا ذلك عليه وجعلوا ذلك علامة منهم على كفرهم وشركهم للألوهية وتوحيد الله في العبادة، فقول المسلم أي مسلم كان: لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا بلا شك ينجيه من عذاب الدنيا ألا وهو القتل كما قال ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالواها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم
стр. 2290
إلا بحقها وحسابهم على الله» فمن قال: لا إله إلا الله نجا بنفسه من الموت لكن لا ينجو أمام الله من الخلود في النار إلا إذا قام بحق هذه الكلمة وأول حقها هو عبادة الله وحده لا شريك له.
من طاف إذاً حول القبور فمعنى هذا أن ما عظمه بعبادة جعلها الله عبادة له فنقلها هذا الضال من عبادته لله إلى عبادة مقبور وهو شرك لا شك ولا ريب فيه.
هل هناك شيء آخر؟
مداخلة: [متى يقام الحد على مثل هذا؟]
الشيخ: نعم، هذا السؤال حينما يراد إقامة الحد ﵇؛ لأن هذا بهذا العمل يرتد، فإذا كان هناك من يقيم الحد، أي: القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب، لا يسأل: تعتقد أو لا تعتقد؛ لأن عمله برهان عن عقيدته، إنما يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة، أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرق، فلو أن إنساناً سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يسأل لماذا أنت تسجد، وهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم؛ لأن عمله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فالرسول ﵇ قال كما على العموم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (١) فالسجود بعد هذا التعظيم ليس من حاجة أن يسأل: لماذا أنت تسجد؟ لكن نحن بحاجة أن نفهمه أن هذا السجود إشراك مع الله لمن تعظمه
стр. 2291
بنفس الوسيلة التي تعظم بها ربك، فإما أن ترتدع وإما أمامك لا سمح الله القتل.
وسبب هذا الحديث الأخير أن معاذاً ﵁ أتى الشام في زمن النبي عليه الصلاة السلام وغاب ما غاب عنه ﵌، ثم لما جاء إلى المدينة ووقع بصره على النبي ﵌ أراد أن يسجد له، فقال له: «مه يا معاذ! قال: يا رسول الله! إني أتيت الشام فوجدت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعلمائهم فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵇: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» لكن لا يصلح السجود إلا لله ﵎.
إذاً: سواء من سجد لغير الله أو طاف بغير بيت الله لا حاجة بنا أن نسأله ماذا تعني .. أتعتقد أن هذا يستحق العبادة؟ سيقول لك: لا، ما أعتقد؛ لأنه لا يفهم ما هي العبادة، لكن نحن نقيم الحجة عليه ونفهمه أن هذا إشراك في قسم من التوحيد، ... الأول: قلنا الربوبية، والثاني: العبادة أو الألوهية، فإن استجاب وذلك ما نبغي فبها ونعمت وإلا قتل كفراً ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مداخلة: هل يعذر الجاهل في أمور العقيدة مثل هذه الأمور؟
الشيخ: هذه أيضاً لنا فيها أكثر من شريط فيما أعتقد، والسؤال يحتاج إلى تفصيل، ... فالشاهد: يختلف الجاهل باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مجتمعاً جاهلياً فهو يعذر؛ لأن ما في من يقيم الحجة عليه ويبين له التوحيد، وإذا كان مجتمعاً إسلامياً محضاً موحداً فلا يعذر، وبين هذا وهذا طبعاً وجوه كثيرة وربنا هو الذي يعلم ما في الصدور، فمن علم الله منه أنه لم تبلغه حجة الله فيما كان جاهلاً به فهذا معذور عند الله لقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
стр. 2292
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) ولقوله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» يسمع بي، يعني: يسمع بدعوتي على حقيقتها ثم هو مع ذلك لا يؤمن فهو خالد في النار أبداً.
هذا هو مجمل القول في هذه المسألة: المحيط والبيئة له أثر كبير جداً في تقويم الإنسان أو إفساده؛ ولذلك نهى عليه الصلاة السلام أن يسافر المسلم إلى بلاد الكفر ويساكنهم ويعاشرهم.
مداخلة: ذهب القائلون يا شيخ بارك الله فيك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف:١٧٢) ذهب القائلون في هذا إلى أنه لا يعذر الإنسان بجهله وقد أخذ الله العهد عليه من ظهور .. فما رأيكم في هذا الدليل يا شيخ جزاك الله خيرًا؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك استدلال هزيل جداً، وإنما معنى الآية السابقة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) هذا الاستدلال معناه: تعطيل حكمة بعث الرسل وإنزال الكتب، فلو كان ما وقع في عالم الأرواح كما يقولون يكفي لإقامة الحجة كان لم يقل ربنا : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) ولم يكن هناك حاجة قصوى لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهذا استدلال خاطئ اعتزالي؛ لأن المعتزلة يفسرون الآية التي ذكرتها آنفاً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أي: العقل، وهذا انحراف طبعاً عن السنة؛ لأن السنة توضح أن أربعة أجناس يوم القيامة يدلون بحجتهم:
الطفل الذي لم يبلغ سن التكليف، والمجنون، والشيخ ... ، والرابع لا أذكره الآن .. المهم هؤلاء يحاسبون يوم القيامة حساباً غير حساب الناس .. يرسل الله
стр. 2293
تبارك وتعالى إليهم رسولاً فمن أطاع هذا الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فلذلك الآية السابقة وهذا الحديث وما جاء في كتب التفاسير من السلف تبطل الاستدلال بالآية التي ذكرتها آنفاً.
فضلاً عن الحديث الذي ذكرته أيضاً آنفاً وهو من الحجج: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فلو كانت الحجة السابقة صحيحة لم يكن لهذا الحديث معنى أبداً؛ لأن الحجة السابقة تسوي بين من سمع عن الرسول وبين من لم يسمع به إطلاقاً، وهذا لا يقول به عالم أبداً.
مداخلة: معنى سمع بي؟
الشيخ: شرحته آنفاً .. سمع بدعوتي وعلى حقيقتها، وبأوصافه وشمائله المعروفة، وهذا أيضاً لنا بعض تسجيلات في هذه الفترة عندكم، نعم.
مداخلة: أهل الفترة يا شيخ [ما حكمهم]؟
الشيخ: إذا كان المقصود باهل الفترة جماعة بخصوصهم فينبغي تعيينهم، وإذا كان المقصود بأهل الفترة ليس جماعة بخصوصهم وإنما هم أقوام لم تبلغهم دعوة نبي ورسول فقد سبق الجواب، فيا ترى! ما هو المقصود بأهل الفترة في سؤالك؟
مداخلة: يقول: هم الذين ما بلغتهم رسالة نبي
الشيخ: سبق البحث: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
"رحلة النور" (٢٠ب/١٠: ٠٥: ٠٠)
стр. 2294
[٧٣١] باب حكم من مات من المسلمين
وهو يجهل التوحيد لعذر
مداخلة: الحمد لله والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وصحبه من والاه.
يا شيخ! ما هو حكم من مات من المسلمين وهو يجهل التوحيد حيث لم تصله الدعوة إما لجهله وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإما لكون بعض العلماء الجاهلين تولوا نشر الدعوة بين الناس وأَضْرِبُ مثلاً على ذلك: الصوفية ... الناس يتصوفون ويعلمون أن الصوفية عبادة ..
الشيخ: نعم.
مداخلة: كنتم فضيلتكم تكلمتم عن قضية الدعوة ونشر الإسلام في أكثر الأجوبة وضربتم مثل عن القديانية أن من لم تصله الدعوة الحقة دعوة التوحيد فهم إن شاء الله لهم معاملة خاصة، فما هو رد فضيلتكم؟
الشيخ: إن عرفت فالزم .. هذا هو الجواب، أي: هذا النوع من المسلمين يعاملون فيما نعلم من دين الإسلام عند رب العالمين معاملة مَنْ لم تبلغهم
الدعوة.
فالجواب هو حسب ما جاء في السؤال، أنت وصفت الوضع الذي عاش فيه هذا الإنسان، يعني: المجتمع الذي عاش [فيه] ذلك الإنسان الذي مات وهو لم يفقه التوحيد يغلب عليه .. أو هو صورة مماثلة لهذا المجتمع الذي لم يفهم التوحيد، وإذا كان المشايخ أو العلماء في مثل ذاك المجتمع الذين هم المفروض
стр. 2295
فيهم أن يكونوا هداةً مهتدين هم أنفسهم ضالين منحرفين فما يكون شأن الآخرين، يعني كما قيل:
إذا كان رب البيت للدف ضارباً فما على الساكنين فيه إلا الرقص
"الهدى والنور" (١٠/ ٥١: ٤١:٠٠)
[٧٣٢] باب هل يُدعى لمن مات جاهلاً بحقيقة التوحيد
ونقاش حول ذلك ؟
سؤال: من ناحية الأموات الذي قلت لك أنهم ماتوا على عقيدة دعاء الأموات والأولياء ... فالدعاء لهم إذا كان يعتقدون الضر والنفع بالأولياء بغير الله، وماتوا على هذا، إنما هم لا يعرفون حقيقة التوحيد، فالذي عرفوه هو هذا من العلماء.
الشيخ: أنا أجبتك عن هذا في ظني، قلت: أن هؤلاء ما دام أنهم كانوا يحافظون على أركان الإسلام، لكن فيهم جهل، والمسؤول عنهم هم هؤلاء الجهلة من أهل العلم، الذين هم يضللونهم، فهؤلاء الذين ماتوا، فالأصل فيهم أنهم مسلمون، فيعاملون معاملة المسلمين، فهم يدفنون في مقابر المسلمين، وبالتالي إذا مر المار بقبورهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين، ويترحم عليهم ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، ثم أَمْرُهم إلى الله ﵎؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، ثم لا يؤاخذ المشرك إلا بعد أن تكون قد بلغته الدعوة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فربنا من فضله ورحمته بعباده أنه يقبل عذر العبد، فإذا كان أحد هؤلاء المسلمين الخرافيين، فلنسميهم، إذا كان هؤلاء الخرافيين من المسلمين ضل سواء السبيل، ولم يكن هناك من ينبئه
стр. 2296
ويحذره وينهاه عن ضلاله، فهو يكون معذوراً عند ربه ﵎، ولا يؤاخذهم مؤاخذة الذي أقيمت الحجة عليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
لقد جاء في صحيح البخاري ومسلم حديث عجيب جداً يدل على واسع رحمة الله بعباده، بحيث أن يغفر الكفر أحياناً، لعلمه بعذر هذا الكافر، قال ﵊: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط» الحديث في صحيح البخاري ومسلم، إياكم أن تشكوا بصحته «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضرته الوفاة، فقال لهم: أي ... » [حصل هنا انقطاع صوتي]
وهنا الغرابة تأتي: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» هذا شك في البعث، ألا تشعرون معي.
قول: «ولئن قدر الله علي» كأنه يشك بقدرة الله.
«ليعذبني عذاباً شديداً» إذاً: كيف يتخلص هو من عذاب الله الشديد المعترف بأنه (سيلاقيه).
قال: «فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار لأضل على ربي ... ثم خذوني وذرّوني نصفي في الريح، ونصفي في البحر». انظر ماذا أوحى له الشيطان.
مداخلة: فين يدور، فين يلاقيني؟
الشيخ: فلما مات الرجل، والأولاد أبرار، وهذه وصية أبيهم، وهو كما اعترفوا كان خير أب لهم، نفذوا وصيته فحرقوه بالنهار حتى صار رميماً، صار رماداً، فأخذوا نصف هذا الرماد، ورموه في الريح الهائج راحت بدداً، والنصف الثاني في البحر المائج وراحت مع هذه الأمواج، فقال الله لهذه الذرات: كوني
стр. 2297
فلاناً، فكان بشراً سويا، أي: عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، أنا خفت منك؛ لأنه أنا مستحق لهذا العذاب، وخوفاً منك، لأضل عنك فعلت ما فعلت، قال: اذهب فقد غفرت لك.
هذا كفر، وهذا شرك، وهذا صريح في القرآن، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:٧٨، ٧٩).
لكن يبدو أن هذا الرجل طيلة حياته كان مؤمناً، لكن ساعة احتضار الموت واستحضاره لذنوبه ومعاصيه، غلبت عليه خشيته من الله، فعمت عليه الطريق، وسولت له نفسه هذه الوصية الجائرة التي لا أتصور أن وجد في الدنيا أجأر منها، وأفظع منها، مع ذلك غفرها الله لهذا الإنسان، فنحن إذا تصورنا هؤلاء المساكين الضالين من إخواننا المسلمين بسبب علماء السوء، يقعون في الشرك وفي الضلال، يستغيثون بغير الله، وينادون الأموات، وهم لا يسمعون، وبينهم برزخ إلى يوم بيعثون، فالله إذا علم من أحدهم أنه لم تتبين له الحقيقة، وأن هذا شرك وضلال، بل لم يوجد من يقول لهم يوماً ما: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء:٩٨)، فاعتقادنا أن الله لا يؤاخذ الإنسان إلا بعد قيام الحجة، فمن علم من هؤلاء الموتى، - نحن لا نعلم-، من علم الله من هؤلاء الموتى أنه سمع دعوة الحق من الشيخ الفلاني، أن هذا شرك وضلال، فما أبه لذلك، وما اهتم لأنه الشيخ الضال هناك سول له عمله، فهذا إلى جهنم وبئس المصير.
أما الذي لم يُقَيَّض له من ينبهه فهو معذور عند الله، ولما كنا نحن عاجزين عن
стр. 2298
أن نميز من الذي بلغته الدعوة الصحيحة، عن الذي لم تبلغه الدعوة الصحيحة، فنحن لنا الظاهر وهو أنه مسلم كان يصلي ويصوم، فدفن في مقابر المسلمين، فنحن ندعو له ونستغفر له ونسلم عليه.
أما ما حاله عند الله أمره إلى الله.
[مداخلة: كلام غير واضح للسائل خلاصته أنه يرى جواز الدعاء للمسلمين جملةً، أما الدعاء اللأعيان الذين عرف عنهم الوقوع في الشرك فلا يُدعى لهم، لذلك فهو لا يدعو لجده ولا لجدته].
الشيخ: سامحك الله.
مداخلة: آمين يا رب، ..
الشيخ: أنا أسألك الآن عن جدك المرحوم ﵀.
مداخلة: ... مرحوم هل يجوز ...
الشيخ: أنت تسألني عن شيء فعلته، وأنا أقول لك عن الجد المرحوم، وأنت تقول: يجوز أو لا؟
جدك المرحوم فيما تعلم كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟
مداخلة: ...
الشيخ: لا بد أن تقول، نحن تعلمنا منك يعني خير الكلام ما قل ودل، تعلم أنه كان يقول ... ولا أسألك عما في قلبه.
مداخلة: لا شك هو يقول.
стр. 2299
الشيخ: بس خلاص، أنت تعلم أن جدك كان يقول: لا إله إلا الله محمداً رسول الله، هل شققت عن قلبه، فوجدت الكفر قد انعقد في قلبه، فمنعك أن تستغفر له. قل: لا، بارك الله فيك، لكي يتعلم إخواننا هؤلاء يتعلمون طريق البحث، ويأخذوا حريتهم، بساط أحمدي يا أستاذ.
فإذا علمت أنه كان يقول أشهد أن لا إله إلا الله، ولم تعلم ما ينقض هذه الشهادة، وهذه الكلمة.
مداخلة: أعلم أنه كان يعمل ما ينقض هذه الشهادة.
الشيخ: جدك تعرفه أدركته؟
مداخلة: لا ما أدركته لكن ...
الشيخ: أنا ظننت أنك ستقول أدركته، فسأغير وأقول: جد جدك تعرفه؟
فالحمد لله، إذا سمحت بارك الله فيك، حتى لا نطيل المشوار على الجماعة، ليس كل الناس عندهم نفسك الطويل، فصبراً.
مداخلة: ... أمد الله بساطك الأحمدي إلى ... عندي نفس طويل.
الشيخ: بشرك الله خيراً.
أنت علمت أن جدك كان يشهد أن لا إله إلا الله.
مداخلة: كان يقول: لا إله إلا الله.
الشيخ: وما هو الفرق بارك الله فيك.
مداخلة: هذا كان عن علم.
стр. 2300
الشيخ: سامحكم الله، رجل يقول: لا إله إلا الله، آخر يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، من الناحية الإسلامية في فرق.
مداخلة: لا .....
الشيخ: سامحك الله، إذاً: أنت تناقشني في الألفاظ، فسامحك الله، ومع ذلك تعلمنا نحن، اللي ما يجي معك امشي معه أقول أنا: كان يقول أم كان يشهد؟ ستقول لي: سواء قلت هكذا وهكذا لأنه المغزى واحد.
إذاً: أنت تعلم أن جدك كان يقول أو يشهد أن لا إله إلا الله، لكن أنت ما عرفت ما في قلبه، هل هو يلتقي مع ما في لسانه، أم مع ما ينافيه.
إذاً: أنت لا يجوز لك أبداً إلا أن تشهد له بشهادته، إلا أن تقول أنه كان مسلماً، أنا أقول لك: لا تقل كان مؤمناً؛ لأن الإيمان أمر قلبي.
إذا قلت أنا لا أشهد بأنه كان مؤمناً، أنا أعذرك، لكن أنت تقول إنه مسلم، ولا يسعك إلا هذا، فإذا مررت بقبر المسلم، ماذا يكون موقفك؟ لا بد أنك تسلم عليه ...
مداخلة: الذي قال: لا إله إلا الله، وقال رسول الله حاضر ناظر في كل مكان ...
الشيخ: حدت، أنا أتكلم عن جدك الذي لا تعرف ولا سمعت عنه شيئاً.
مداخلة: سمعت عما كان يعتقده، لأنه أبويا كان يقول زيه.
الشيخ: وجد جدك؟
مداخلة: لا، أنا لا أتكلم عن جد جدي الآن، أتكلم عن جدي وأبي.
стр. 2301
الشيخ: أنا إذاً أخطأت، أنا أنقل السؤال من جدك إلى جد جدك، تقول أيضاً مثلما أردت أن تقول عن جدك، هذا لا يجوز، لا ينبغي يا أستاذ هذا التوسع بالظنون.
مداخلة: الآن أتيت لي بواحد يقول: لا إله إلا الله، أمامي ... هو يقول: يا رسول الله! يا رسول الله! يا بدوي! ..
الشيخ: حيدة ... حيدة ... نحن نتكلم عمن نعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، ولا نعلم أنه كفر عملياً واعتقادياً بلا إله إلا الله.
مداخلة: أنا أعني هذا، أنا معك بالعشرة.
الشيخ: لا، أنت لست معي.
مداخلة: إذا علمت أنه كان يلفظها في كل لحظة.
الشيخ: يا أستاذ، بس البحث فيمن لم تعلم.
مداخلة: ... أدع.
الشيخ: طيب، أنت تعلم جد جدك ماذا كان حاله.
مداخلة: هو رب اغفر لنا ولإخواننا ... على هذا ... أو رب اغفر وللمسلمين.
الشيخ: أنت كما تعلم بارك الله فيك، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء:١٧١).
إذا رأيت إنساناً يقول: لا إله إلا الله، ثم يعبد غير الله، هذا شيء، وإذا عرفت أن والد هذا الإنسان كان يقول لا إله إلا الله، وما شهدت منه ما شهدت من ابنه، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولذلك أنا عجبت حينما تتكلم عن جدك، وتقول: أنا لا
стр. 2302
أترحم عليه.
مداخلة: لما وصلني من أبي عنه، لأن أبي أخذ عنه.
الشيخ: لا، ليسوا سواء؛ لأن الوردة تخلف شوكة، والشوكة تخلف وردة ... الخلاصة: نرجع إلى الصورة التي أنت تريد أن تتحدث عنها، رجل يشهد أن لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم ويحج إلى بيت الله الحرام، وكل شيء ما أحسنه، لكن يا باز! أغثني، يا بدوي! كذا .. مدد .. إلى آخره، هذا شرك، هذا كفر.
مداخلة: هل نستغفر له؟
الشيخ: وأنا ماذا أقول، أنا أتيت معك، لست أنت أتيت معي، أنا تركت البحث الذي ابتدأته من أجل طي البحث والخسارة، وانتقلت رأساً إلى هذا الذي رأيناه يستغيث بغير الله .
هل نقول عن هذا إنه مرتد عن دينه؟ أنا بالطبع لا أقول .. الشيخ .. رأساً، قفز من السلم من تحت إلى فوق، نستغفر له أم لا، هذا فيما بعد نستغفر له أو لا.
أنا أقول: هل هذا ارتد عن دينه؟
مداخلة: هذا العمل عمل ...
الشيخ: حقاً، لا نريد حيدات بارك الله فيك.
مداخلة: ....
الشيخ: كلمة، خير الكلام ما قل ودل، سامحك الله.
أنت لك الحرية المطلقة على حسب ما عندك من علم، أن تقول ارتد عن دينه أو لم يرتد عن دينه، الذي تراه تقوله.
стр. 2303
مداخلة: .. ارتد وفعل فعل شرك.
الشيخ: سبحان الله، أنا أقول فعل فعل الشرك، فتعلمني بماذا، لا تعلمني بشيء، إنما تقول إنه فعل شركاً، أنا الذي قررت هذا، فلست بحاجة أن تعيد ...
مداخلة: ما ارتد عن دينه.
الشيخ: هذا هو الجواب بارك الله فيك، هذه مسألة مهمة جداً، فما دام لا تستطيع أن تقول هذا الذي يشهد بلسانه أن لا إله إلا الله ويصلي ويستقبل قبلتنا ويأكل من ذبيحتنا .. إلى آخره، لا تستطيع أن تقول ارتد عن دينه، هذا هو الحق الذي أعرفه منك، ولا يسعك أنت ولا غيرك أن تقول سواه.
حينئذ هذا الذي لم يرتد عن دينه، ما دينه الذي لم يرتد عنه؟
مداخلة: الإسلام.
الشيخ: الإسلام، إذاً هو مسلم، وبماذا يعامل هذا المسلم، بأعمال المسلمين أم أعمال المرتدين، طبعاً بأعمال المسلمين، فإذا مات هذا الإنسان، أولاده يرثونه ونصلي عليه، انتهى الأمر كله.
مداخلة: هل أدعو له؟
الشيخ: ادع له، كيف لا وهو مسلم، ما دام يرثه أهله، ويرث من مات قبله، وما دام أننا نصلي عليه.
" الهدى والنور " (٩٥/ ٤٠: ٤٥: ٠٠)
стр. 2304
[٧٣٣] باب منه
سؤال: (الذين) يقرؤون القرآن جاهلين بفهم القرآن من آبائنا وأجدادنا الذين مضوا، وهم على عقيدة دعاء الأموات، وما أشبه ذلك مما هو حاصل، وماتوا وظهر لنا أن هذا الشيء أنه لا يجوز، فكيف من ناحية الدعاء هل ندعو لهم أم لا، وهم لا يعرفون، ما عرفوا الحقيقة، عندهم العلماء الذين كانوا موجودين معهم هم الذين دلوهم على هذا الشيء، أن هذا هو الدين، ولا يوجد غيره؟
الشيخ: ما دام أنهم كانوا يحافظون على أركان الإسلام فأنتم تدعون لهم؛ لأنكم لا تعلمون ما في قلوبهم.
(الهدى والنور/ ٩٥/ ٥٥: ٢١: .. )
[٧٣٤] باب العذر بالجهل، وبيان أن الموحِّد لا يخلد في النار مهما كان فعله مخالفاً لما يسلتزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال [قال رسول الله ﵌ -]:
«كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين]، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه]، فإذا هو [قائم] في قبضة الله، فقال الله : يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم)، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد».
стр. 2305
[قال الإمام]:
واعلم أن قوله في حديث الترجمة: "إلا التوحيد" مع كونها صحيحة الإسناد، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبد البر من حيث الرواية، وإن كان قد جزم بصحتها من حيث الدراية، فكأنه لم يقف على إسنادها، لأنه علقها على أبي رافع عن أبي هريرة، فقال ﵀ (١٨/ ٤٠):
"وهذه اللفظة- إن صحت- رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل؛ فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله قد أخبر أنه ﴿لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ لمن مات كافراً، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة.
والدليل على أن الرجل كان مؤمناً قوله حين قيل له " لم فعلت هذا؟ " فقال:" من خشيتك يا رب! ". والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق؛ بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم؛ كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر:٢٨)، قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
وأما قوله: "لئن قدر الله علي "؛ فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير، قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله عزوجل، وآمن بسائر صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافراً. قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله.
стр. 2306
وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين.
وقال آخرون: أراد بقوله: "لئن قدر الله علي " من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء. قالوا: وهو مثل قول الله في ذي النون: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء:٨٧).
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان:
أحدهما: أنها من التقدير والقضاء.
والآخر: أنها من التقتير والتضييق.
وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله: "لئن قدر الله علي "، فأحد الوجهين تقديره: كأن الرجل قال: لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه؛ ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيري.
والوجه الآخر: تقديره: والله! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك. ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه.
وأما جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره؛ فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله ﵌ عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين.
وروى الليث عن أبي قبيل عن شُفَيٍّ الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن
стр. 2307
العاص- فذكر حديثاً في القدر، وفيه: فقال أصحاب رسول الله ﵌: فأي شيء نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه؟ (١)، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵌ وهم العلماء الفضلاء- سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل؛ لا سؤال متعنت معاند، فعلمهم رسول الله ﵌ ما جهلوا من ذلك، ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه، ولو كان لا يسعهم جهله وقتاً من الأوقات؟ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم، ولجعله عموداً سادساً للإسلام، فتدبر واستعن بالله.
فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته، وقد أديت اجتهادي في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آلُ، وما أبرئ نفسي، وفوق كل ذي علم عليم. وبالله التوفيق ".
هذا كله كلام الحافظ ابن عبد البر، وهو كلام قوي متين يدل على أنه كان إماماً في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
وخلاصته؛ أن الرجل النباش كان مؤمناً موحداً، وأن أمره أولاده بحرقه ... إنما كان إما لجهله بقدرة الله تعالى على إعادته- وهذا ما أستبعده أنا- أو لفرط خوفه من عذاب ربه، فغطى الخوف على فهمه؛ كما قال ابن الملقن فيما ذكره الحافظ (١١/ ٣١٤)، وهو الذي يترجح عندي من مجموع روايات قصته، والله أعلم.
стр. 2308
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فمن المقطوع به أن الرجل لم يصدر منه ما ينافي توحيده، ويخرج به من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لما غفر الله له؛ كما تقدم تحقيقه من ابن عبد البر.
ومن ذلك يتبين بوضوح أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع الكفر عليه وأحاط به. ومن الأمثلة على ذلك: الرجل الذي كان قد ضلت راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة فرحه:
"اللهم! أنت عبدي وأنا ربك "! (١).
وفي ذلك كله رد قوي جداً على فئتين من الشباب المغرورين بما عندهم من علم ضحل: الفئة الأولى: الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقاً؛ حتى ألف بعض المعاصرين منهم رسالة في ذلك!
والصواب الذي تقتضيه الأصول والنصوص التفصيل؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جو إسلامي علمي مصفى، وجهل من الأحكام ما كان منها معلوماً من الدين بالضرورة- كما يقول الفقهاء- فهذا لا يكون معذوراً؛ لأنه بلغته الدعوة وأقيمت الحجة.
وأما من كان في مجتمع كافر لم تبلغه الدعوة، أو بلغته وأسلم؛ ولكن خفي
стр. 2309
عليه بعض تلك الأحكام لحداثة عهده بالإسلام، أو لعدم وجود من يبلغه ذلك من أهل العلم بالكتاب والسنة؛ فمثل هذا يكون معذوراً.
ومثله- عندي- أولئك الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة والخرافة، وغلب عليها الجهل، ولم يوجد فيهم عالم يبين لهم ما هم فيه من الضلال، أو وجد ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره؛ فهؤلاء أيضاً معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء:١٥)، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرع منها تبني العلماء عدم مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفراداً أو قبائل أو شعوباً؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى.
ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول- كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة
-: "دعوا الناس في غفلاتهم"! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون- كما تقول العوام في بعض البلاد-: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه "!.
والفئة الثانية: نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزراً يسيراً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك؛ اغتروا بعلمهم فانطلقوا
стр. 2310
يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم، لا يرقبون فيهم (إلاً ولا ذمة)، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٣، ١٤). وقال في الذين كفروا بالقرآن: ﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون﴾ (فصلت:٢٨) ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٦/ ٤٣٤ - مجموع الفتاوى):
" لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافراً، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة ".
يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم؛ إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند.
وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شكه في قدرة الله على بعثه غفر الله له؛ لأنه لم يكن جاحداً معانداً؛ بل كان مؤمناً بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله. قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية " الصحيح " وذكر أنه حديث متواتر (١٢/ ٤٩١):
" وهنا أصلان عظيمان:
стр. 2311
أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملاً صالحاً- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ".
ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى "مجموع الفتاوى" فإنه "كُنَيْف مُلِىءَ علماً"، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة "التكفير"، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب:
"ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ".
يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ وأمثالهم.
فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك
стр. 2312
فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/ ٤٦٤ - ٥٠١) الذي ختمه بقوله:"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر، (يعني: الدعاة إلى البدعة).
وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين)؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ".
هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط، ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤).
"الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥ - ١١٦).
стр. 2313
[٧٣٥] باب هل يحشر قول عائشة:
«مهما يكتم الناس يعلمه الله» في أبواب العذر بالجهل ؟
مداخلة: .... يا شيخ في الحديث يا شيخ لما عائشة تقول في رواية البخاري، يقول الرسول ﵌ قال: «أما خفت أن يحيف الله عليك ورسوله ... » المهم فقالت: أو كلما يفعله (١) الناس يعلمه الله؟ ... الحديث. بلفظ البخاري.
وفي لفظ مسلم: «كل ما يعمله الناس يعلمه الله» ..
فشيخي هذا دليل على أن عائشة ﵂ شَكَّت هنا في علم الله ﵎، وشيخ الإسلام أقر بذلك، وبين أن الرسول ﵌ عذرها، وارتكاب عائشة لهذا النوع من الكفر كان لجهل ... ، ولذلك يقول فأعطاها، يعني شيء مقابل ما تلفظت به، هل يقال هذا شيخنا؟
الشيخ: لا أعتقد هذا.
مداخلة: لماذا؟
الشيخ: لأن هناك استفهام استنكاري، واستفهام استقراري.
يعني: يقول الإنسان وهو يعتقد بهذا الذي يستفهمه وليس يعني استنكاره.
مداخلة: شيخي عائشة ﵂، هذا ليس كلامي، ولكن شيخ الإسلام ... يقول في مجموع الفتاوى: وعائشة قبل قولها لهذا الكلام لم تكن كافرة، وصرح بموضع آخر، وهذا كفر صدر من عائشة ﵂، كان شيخ
стр. 2314
الإسلام يتكلم حول العذر بالجهل، يستدل بهذا الحديث على أن الذي ينكر صفة ...
الشيخ: أنت يا أبا حذيفة تعلم أننا لسنا تيميين، وأراك تلهج كثيراً بالاحتجاج بكلام ابن تيمية ...
هناك قاعدة عن العلماء المتأخرين، حينما كثر فيهم إطلاق لفظة التكفير لأدنى سبب.
قال بعض المتأنين منهم: إذا كان هناك أقوال كثيرة، بل تسعة وتسعون قولاً في تكفير رجل مسلم بسببٍ صدر منه قول أو فعل، وهناك قول آخر أن هذا لا يكفر به، أخذ بهذا القول الذي يقابله تسعة وتسعون قولاً؛ لأن القول بأن المسلم كفر -ولو فيما بعد نحن عذرناه- فيه خطورة.
فكلام السيدة عائشة، لماذا أنا وجهت لك السؤال: هل هو نص بأنها كفرت لجهلها؟ ليس نصاً يحتمل الكلام هذا، ويحتمل ما قلناه آنفاً.
فإذا دار الأمر بين أن يحمل كلام المسلم وبخاصة زوجة الرسول والمبشرة بالجنة على المعنى الأسلم، هذا الحمل هو الأسلم، ولا نحمله على المعنى الأنكر. هذا أقل ما يقال في الموضوع.
ومع ذلك فأنا لما أسمع هذه العبارة من السيدة عائشة ليس فيها إشعار بأنها كانت لا تعتقد من قبل بأن الله يعلم كل شيء، وهل يخفى هذا الأمر على رجل من عامة الناس؟
الآن على سبيل التذكير، ﴿أءله مَعَ الله﴾ (النمل:٦٠). ماذا يعني هذا؟
стр. 2315
مداخلة: استفهام إنكاري.
الشيخ: هذا استفهام.
مداخلة: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ (يوسف:٣٩).
الشيخ: كثير في القرآن، هذا أسلوب قرآني، هذا لا يعني إقرار الألوهية لغير الله، وإنما يعني الإنكار تماماً.
الشاهد: اللغة العربية واسعة، فإذا تَحَمَّلَ كلامُ مسلمٍ معنىً سليماً ومعنى غير سليم، وجب حمله على المعنى السليم، وليس على المعنى غير السليم، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (١٦٤/ ٥٠: ٢١: ٠٠) و (١٦٤/ ٢٩: ٣٦: ٠٠)
[٧٣٦] باب هل العذر بالإكراه
كان موجوداً في شريعة من سبقنا ؟
مداخلة: قلتم في أحد الأشرطة في شريط الحج ١٤١٠هـ في أثر سلمان: "دخل رجل الجنة في ذبابة، ودخل رجل النار في ذبابة", قلتم إن إسناده صحيح برواية أحمد لكن فيه نكارة من حيث أن الإكراه، فهذا مكره فكيف يدخل النار، أليس كذلك؟
الشيخ: قبل أن أقول هو كذلك أو ليس كذلك، لما قلت إسناده صحيح مرفوعاً أم موقوفاً؟
مداخلة: موقوفاً، أنا قلت أثراً.