الشيخ: ... بلا شك، هذا إذا تداخلت الأضلاع فهذا ألم شديد لكن لا يستمر، ضغطة واحدة ثم يعود كل شيء إلى طبيعته إن صالحًا فصالح وإن طالح فطالح كما شرحنا آنفًا من حيث أنه يفتح للميت طاقة في القبر.
مداخلة: يعني: الضغطة لا بد منها.
الشيخ: لا بد منها.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٣٦: ٢٢: ٠٠).
[١٥٣٣] باب مِن عذاب القبر ونعيمه
سؤال: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، هذا حديث؟
الشيخ: حديث ضعيف (١)، لكن معناه مأخوذ من أحاديث صحيحة لعلكم تذكرون أن الميت إذا وضع في قبره وكان صالحًا فتحت له طاقة نافذة يطل منها على منزله في الجنة، فيأتيه من روحها وريحها ونعيمها ولا يزال كذلك ينعم حتى تقوم الساعة، وإذا كان والعياذ بالله غير صالح فتحت له طاقة إلى النار ويرى منزله من النار فيأتيه من ريحها ودخانها ولهيبها فلا يزال كذلك يعذب حتى تقوم الساعة، هذا بمعنى حديث: روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار تقريبًا أو يؤدي هذا المعنى وإن كان الحديث الضعيف هذا فيه شيء من المبالغة في الوصف، روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لا لكن يأتيه من روحها ... ونعيمها إن كان صالحًا، والعكس بالعكس كما ذكرنا.
"فتاوى رابغ" (١/ ٠٠:٠٦:١٧).
стр. 4027
[١٥٣٤] باب رزق الشهداء في قوله تعالى:
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ يكون في القبر أم في الجنة ؟
[قال الألباني معلقا على كلمة "عند"في الآية الكريمة]:
فيه إشارة إلى أن رزقهم المذكور ليس في القبر وإنما عند ربهم، وذلك صريح في حديث مسروق قال: سألنا عبد الله (ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٦٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٩).
[١٥٣٥] باب عدم التنزه من البول
والنميمة من أسباب عذاب القبر
سؤال: في كل بلاد المسلمين ... نحن أحوج ما نكون للتعلم على الأشياء الصغيرة في ديننا، فالأشياء الصغيرة في ديننا نحن نجهلها تماماً حتى الناس المتعلمين منا، نرى الشيوخ عندنا في المساجد يقف الواحد يخطب خطبة كاملة عن مشكلة اقتصادية، أو مشكلة سياسية أو مشكلة كذا، ولا نرى أن أحداً منهم يعلم الناس كيف يتبرأ الإنسان من البول هذه الأشياء المهمة جداً بالنسبة لنا.
الشيخ: على كل حال يعني الأمر كما تقول مع ملاحظة شيء وهو: إنه هذه في الواقع قد تكون صغيرة بمعنى هينة، ولكنها عند الله كبيرة، انظر الآن بمناسبة ما
стр. 4028
قلت قوله ﵇: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» إذاً تنزهوا من البول هذا شيء صغير رشاش من البول يصيب البدن أو الثياب، وهذا يقع فيه كثير من الناس وخاصة الذين ابتلوا بلباس البنطلون يا أبا عبد الله هذه مصيبة الدهر؛ لأنه هذا البنطلون لا يساعد على التنزه من البول هذه حقيقة، ولذلك كما قال أيضاً في الحديث الآخر وهو أصح من الأول رواه البخاري ومسلم في صيحيحهما من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﵌ مر بقبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» هنا الشاهد «بلى إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» وفي رواية: «لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة» ثم أمر ﵊ أن يؤتى إليه بعذق من نخيل فشقه شقين ووضع على كل قبر شقاً فسألوه عن هذا فقال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين».
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
[١٥٣٦] باب هل وضع أغصان رطبة على
القبر يخفف عن الميت في القبر ؟
[قال الإمام]:
يظن كثير من الناس وقد تسمعون هذا الظن من بعض الخاصة من الناس، العادة الجاهلية اليوم وبخاصة في الأعياد من وضع الأغصان الرطبة على القبور زعماً منهم إنه هذا ينفع الميت، هيهات هيهات؛ لا ينفع الميت إلا ما قدم من عملٍ صالح، أو ما خلَّف من بعده من آثاره الصالحة، كما قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢)، وشرح ذلك الرسول ﵇ في قوله: «إذا مات الإنسان» وفي رواية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع
стр. 4029
به أو ولد صالح يدعو له»، فإذا مات الميت ما أحد يستطيع أن يفيده إطلاقاً إلا عمله الصالح وإلا كما قلنا ما خلَّف من بعده من آثار لعمل له صالح كما تدل الآية والحديث، وإلا بإمكاننا أن نستثني استثناء آخر ويجب أن يظل هذا قائماً في أذهاننا وإلا دعاء يدعو به المسلم لمسلم ميت فيستجيب الله لهذا الدعاء فينتفع به ذلك الميت، ولكن هذا أمر غيبي لا يجوز لنا أن نتكل عليه لا في حياتنا ولا بعد وفاتنا بمعنى: أن نؤمل أننا إذا متنا أن يمر بنا رجل صالح فيدعو لنا فيغفر الله لنا هذا في عالم الغيب، ولذلك المثل يقول: عصفور في اليد ولا عشرة في الشجرة، فإذاً: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:٩٤)، فهذا الغصن الرطب الندي لا يفيد الميت إطلاقاً، أما ما فعله الرسول ﵇ فهذه معجزة وكرامة من الله كما جاء في رواية في صحيح مسلم من حديث جابر أن الله قبل شفاعة النبي ﵌ في المقبور ما دام الغصن رطباً.
فإذاً: علة انتفاع الميت الذي وضع الرسول ﵊ الغصن على قبره ليس هو الرطوبة والنداوة الموجودة بالغصن، وإنما العلة هو أن النبي ﵌ دعا وقبل الله منه دعاءه بحق الميت، ولكن ليس إلى يوم يبعثون، وإنما ما دام الغصن رطباً فإذاً هذا هو معنى الحديث ونستفيد منه أن الشيء الذي لا يهتم به المسلم مثل استغابة أخيه المسلم في المجلس، أو عدم الاهتمام بالتنزه من رشاش البول فذلك من الأسباب الموجبة لعذاب القبر، ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر.
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
стр. 4030
[١٥٣٧] باب هل زراعة الأشجار
على القبور تخفف من عذاب القبر ؟
عن ابن عباس قال مر النبي ﵌ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول - وفي رواية لمسلم: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة» قالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا».متفق عليه.
[قال الإمام]:
لقد توهم كثير من الناس أن التخفيف إنما كان من أجل رطابة الشقين, وهذا ليس بصحيح ولو كان كذلك لما شق الغصن شقين لأن ذلك مما يسرع اليبوسة إلى الشقين كما لا يخفى, والصحيح أن سبب التخفيف إِنما هو شفاعته ﵌ ودعاؤه لهما, وأن الله استجاب له ذلك إلى أن ييبساً, فالرطابة علامة لا سبب, ويشهد لهذا حديث جابر الطويل في مسلم (٨/ ٢٣٥): "إني مررت بقبرين يُعذبان, فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما مادام الغصنان رطبين". ولهذا لم يعرف عن النبي ﵌ أنه كان يفعل ذلك عند زيارة القبور ولا عن الصحابة ولا عن أحد السلف, بل قد أنكر الإمام الخطابي ما يفعله الناس اليوم من وضع الأخضر على القبور, وقال: إنه لا أصل له, وقد تكلمت على هذه المسألة بتفصيل في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها" وراجح أيضاً تعليق أحمد شاكر على "الترمذي" (١/ ١٠٣).
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ١١٠).
[قال: الإمام معلقًا على قوله ﵌: "بشفاعتي"]:
أي بدعائي. قلت: وهذا نص في أن التخفيف عن عذاب القبرين إنما كان بسبب دعائه ﵌ , وليس ذلك بسبب الغصنين كما يظن كثير من الناس, وإنما الغصنان علامة لمدة التخفيف ما داما رطبين. ليس إلا, وهذا مما يؤكد أن ذلك خاص به ﵌ , ولذلك لم يجر العمل به في العهد الأول عند زيارة القبور, وما عليه الناس اليوم بدعة ينبغي نبذها, لا سيما وقد تطورت إلى أشكال أخرى مثل تزيين القبور بالأكاليل والزهور، حتى لقد حدثني بعض الثقات أنه رأى إكليلاً منها في صورة صليب ظاهر جداً موضوعاًُ على قبر مسلم. فإلى الله المشتكى.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٤٠٤).
стр. 4033
جماع أبواب شرح حديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وحديث: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه»
стр. 4034
[١٥٣٩] باب معنى قول النبي ﵌: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»
[سئل الإمام]:
هناك من يقول: إذا عارض الحديث آية من القران, فهو مردود مهما كانت درجة صحته, وضرب مثالاً لذلك بحديث: «إن الميت ليُعذب ببكاء أهله عليه» (١) , واحتج بقول عائشة في ردها الحديث بقول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر١٨) , فكيف يُرد على من يقول ذلك؟
[فأجاب الإمام] رد هذا الحديث هو من مشاكل رد السنة بالقرآن، وهو يدل على انحراف ذلك الخط.
أما الجواب عن هذا الحديث - وأخص به من تمسك بحديث عائشة ﵂ فهو:
أولاً: من الناحية الحديثية: فإن هذا الحديث لا سبيل لرده من الناحية الحديثية لسببين اثنين:
أ - أنه قد جاء بسند صحيح عن ابن عمر ﵄.
ب - أن ابن عمر ﵁ لم يتفرد به, بل تابعه على ذلك عمر بن الخطاب وهو وابنه لم يتفردا به, فقد تابعهما المغيرة ين شُعبة, وهذا مما يحضرني في هذه الساعة بأن هذه الروايات عن هؤلاء الصحابة الثلاثة ﵃ في الصحيحين.
стр. 4035
أما لو أن الباحث بحث بحثاً خاصاً في هذا الحديث فيسجد له طرقاً أخرى, وهذه الأحاديث الثلاثة كلها أحاديث صحيحة الأسانيد فلا تُرد بمجرد دعوى التعارض مع القران الكريم.
ثانياً: من الناحية التفسيرية: فإن هذا الحديث قد فسره العلماء بوجهين اثنين:
الوجه الأول:
أن هذا الحديث إنما ينطبق على الميت الذي كان يعلم في قيد حياته أن أهله بعد موته سيرتكبون مخالفات شرعية, ثم لم ينصحهم ولم يوصهم أن لا يبكوا عليه؛ لأن هذا البكاء يكون سبباً لتعذيب الميت.
و" ال " التعريف في لفظ " الميت " هنا ليست للاستغراق والشمول, أي: ليس الحديث بمعنى أن كل ميت يُعذب ببكاء أهله عليه, وإنما " ال " هنا للعهد, أي: الميت الذي لا ينصح بألا يرتكبوا بعد وفاته ما يخالف الشرع, فهذا الذي يعذب ببكاء أهله عليه, أما من قام بواجب النصيحة, وواجب الوصية الشرعية بألا ينوحوا عليه, وألا يأتوا بالمنكرات التي تُفعل خاصة في هذا الزمان, فإنه لا يُعذب وإذا لم يُوص ولم يَنصح عُذب.
هذا التفصيل هو الذي يجب أن نفهمه من التفسير الأول لكثير من العلماء المعروفين والمشهورين؛ كالنووي وغيره, وإذا عرفنا هذا التفصيل, وضح ألا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر١٨) , إنما يظهر التعارض فيما لو فُهم أن " ال " في لفظ " الميت " إنما هي للاستغراق والشمول, أي: كل ميت يُعذب, حينئذٍ يُشكل الحديث ويتعارض مع الآية الكريمة, أما إذا عرفنا المعنى الذي ذكرناه آنفا, فلا تعارض ولا إشكال, لأن الذي
стр. 4036
يُعذب إنما يُعذب بسبب عدم قيامه بواجب النصح والوصية, هذا الوجه الأول مما قيل في تفسير هذا الحديث لدفع التعارض.
أما الوجه الثاني: فهو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض مصنفاته, أن العذاب هنا ليس عذاباُ في القبر, أو عذاباً في الآخرة, وإنما هو بمعنى التألم وبمعنى الحزن, أي: إن الميت إذا سمع بكاء أهله عليه, أسف وحزن لحزنهم هم عليه.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية, وهذا لو صح لاستأصل شأفة الشبهة.
لكني أقول: أن هذا التفسير يتعارض مع حقيقتين اثنتين لذلك لا يسعنا إلا أن نعتمد على التفسير الأول للحديث:
الحقيقة الأولى: أن في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ الذي أشرت إليه آنفاً زيادة تبين أن العذاب ليس بمعنى التألم, وإنما هو بمعنى العذاب المتبادر, أي: عذاب النار, إلا أن يعفو الله ﵎, كما هو صريح قوله عزوجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء٤٨) , ففي رواية المغيرة قال: «إن الميت ليُعذب ببكاء أهله يوم القيامة» , فهذا صريح بأن الميت يُعذب بسبب بكاء أهله عليه يوم القيامة, وليس في القبر, وهو الذي فسره ابن تيمية بالألم والحزن.
الحقيقة الأخرى: هي أن الميت إذا مات لا يحس بشيء يجري من حوله, سواء أكان هذا الشيء خيراً أو شراً - كما تدل عليه أدلة الكتاب والسنة - اللهم إلا في بعض المناسبات التي جاء ذكرها في بعض الأحاديث, إما كقاعدة لكل ميت, أو لبعض الأموات, حيث أسمعهم الله عزوجل بعض الشيء الذي يتألمون به.
стр. 4037
فمن الأول: الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «إن العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه -حتى إنه سمع قرع نعالهم - أتاه ملكان» (١) , ففي هذا الحديث الصحيح إثبات سمع خاص للميت في وقت دفنه, وحين ينصرف الناس عنه, أي: في الوقت الذي يُجلسه الملكان أُعيدت الروح إليه, فهو في هذه الحالة يسمع قرع النعال, فلا يعني الحديث بداهةً أن هذا الميت وكل الأموات تُعاد إليهم أرواحهم, وأنهم يظلون يسمعون قرع نعال المارة بين القبور إلى يوم يبعثون! لا.
إنما هذا وضعٌ خاص وسماع خاص من الميت, لأنه أُعيدت روحه إليه, وحينئذٍ لو أخذنا بتفسير ابن تيمية ﵀, وسعنا دائرة إحساس الميت بما يجري حوله, سواءً عند نعشه قبل دفنه, أو بعد وضعه في قبره, ومعنى ذلك: أن يسمع بكاء الأحياء عليه وهذا يحتاج إلى نص, وهو مفقود. هذا أولاً.
وثانياً: بعض نصوص الكتاب والسنة الصحيحة تدل على أن الموتى لا يسمعون, وهذا بحث طويل, ولكني سأذكر حديثاً واحداً, وأنهي الجواب عن السؤال وهو قول النبي ﵌: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (٢) , وقوله " سياحين " أي: طوافين على المجالس, فكلما صلى مسلم على النبي ﵌ , فهناك ملك موكَّلٌ يُوْصِلُ السلام من ذاك المسلم إلى النبي ﵌ , فلو كان الأموات يسمعون, لكان أحق هؤلاء الأموات أن يسمع هو نبينا ﵌ , لما فضله الله ﵎, وخصه بخصائص على كل الأنبياء والرسل والعالمين, فلو كان أحدٌ يسمع لكان النبي ﵌، ثم لو كان النبي ﵌ يسمع شيئا بعد موته,
стр. 4038
لسمع صلاة أمته عليه.
ومن هنا تفهمون خطأ - بل ضلال - الذين يستغيثون ليس بالنبي ﵌ بل وبمن دونه, سواء كانوا رسلاً أو أنبياء أو صالحين؛ لأنه لو استغاثوا بالرسول ﵊ لما سمعهم, كما هو صريح القران ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف١٩٤) , و ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (فاطر١٤) إلى آخر الآية.
إذاً فالموتى من بعد موتهم لا يسمعون, إلا ما جاء النص في قضية خاصة - كما ذكرت آنفاً - من سماع الميت قرع النعال, وبهذا ينتهي الجواب عن هذا السؤال.
"كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص١١ - ١٧).
[١٥٤٠] باب منه
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵄ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَغْفِرُ الله لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله ﵌ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا».
[قال الإمام]:
قد جاء هذا عن ابن عمر عن النبي ﵌ , وعن ابن عمر, والمغيرة بن شعبة, ﵃, في "الصحيحين " وغيرهما, ولهذا فلا مجال إلى تخطئة ابن عمر, بل الصواب أن ما رواه هو صحيح, وما روته السيدة عائشة صحيح أيضاً, ولا منافاة بين الروايتين كما ظاهر.
стр. 4039
ثم أن المراد بـ "البكاء" فيه: النياحة, بدليل حديث المغيرة بلفظ: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» رواه مسلم. واختصره المؤلف
رحمة الله, وهذا اللفظ يرجح قول الجمهور في تفسير «يعذب» أنه بمعنى
«يعاقب» وليس بمعنى «يتألم ويحزن» كما قال ابن جرير الطبري ونصره ابن تيمية، والله أعلم.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٢٦).
[١٥٤١] باب منه
[ذكر الإمام في" أحكام الجنائز" أن النياحة مما يحرم على أقارب الميت، ثم أورد أدلة ذلك فذكر منها]:
عن أنس بن مالك:
" أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عولت عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله ﵌ يقول: المعول عليه يعذب؟! وعول عليه وفي أخرى: (في قبره) بما نيح عليه".
أخرجه البخاري ومسلم والسياق له والبيهقي (٤/ ٧٢ - ٧٣) وأحمد (رقم ٢٦٨، ٢٨٨، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٣٤، ٢٥٤، ٣٨٦) من طرق عن عمر مطولا ومختصراً، وروى ابن حبان في " صحيحه " (٧٤١) قصة حفصة فقط.
- " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الأخرى لمسلم
стр. 4040
وأحمد ورواه ابن حبان في "صحيحة" (٧٤٢) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الأولى.
- " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) "
أخرجه البخاري (٣/ ١٢٦) ومسلم (٣/ ٤٥) والبيهقي (٤/ ٧٢) وأحمد (٤/ ٢٤٥، ٢٥٢، ٢٥٥).
[ثم قال الإمام]:
في هذا الحديث بيان أن البكاء المذكور في الحديث الذي قبله، ليس المراد به مطلق البكاء، بل بكاء خاص وهو النياحة، وقد أشار إلى هذا حديث عمر المتقدم في الرواية الثانية وهو قوله: " ببعض بكاء ... ".
[ثم علق على هذه الأحاديث قائلاً]:
ثم إن ظاهر هذا الحديث واللذين قبله مشكل، لأنه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾،
وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى
الصواب قولان:
الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوص بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: " إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء ".
والعذاب عندهم بمعنى العقاب.
стр. 4041
والآخر: أن معنى" يعذب" أي: يتألم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة.
وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
قالوا: " ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: " السفر قطعة من العذاب "، وليس هذا عقاباً على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم ".
وقد يؤيد هذا قوله في الحديث (٥، ٦): " في قبره ".
وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف لمخالفته للحديث [السابق] الذي قيد العذاب بأنه " يوم القيامة "، ومن الواضح أن هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا، ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور، ولا منافاة عندهم بين هذا القيد والقيد الآخر في قوله " في قبره "، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بين إن شاء الله تعالى.
"أحكام الجنائز" (ص٤٠ - ٤٢).
[١٥٤٢] باب منه
سؤال: الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله .. » كيف شرحه؟
الشيخ: هذا قد جرى خلاف بين عائشة وبين ابن عمر وغيره من الصحابة، فالسيدة عائشة ﵂ أنكرت هذا الحديث، وقالت: إنما قال ﵇ هذا الحديث بالنسبة لبعض اليهود كانوا يبكون على ميتهم، لكن علماء الحديث ما وافقوها على الإنكار؛ ذلك لأن الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»
стр. 4042
رواه جماعة من الصحابة، غير ابن عمر رواه أبوه عمر، وغير عمر وابنه عبد الله رواه أيضًا المغيرة بن شعبة، ولذلك فلا مجال لتوهيم ابن عمر كما فعلت السيدة عائشة، كان يمكن هذا التوهيم لو كان ابن عمر وحده قد روى هذا الحديث، لكن ما دام أن معه أبوه ومعه المغيرة بن شعبة فالثلاثة أحفظ من واحد وهي عائشة.
لو كان ابن عمر لوحده كان يمكن حينئذٍ أن يغلب رأي عائشة وقولها على قول ابن عمر؛ ذلك بأن السيدة عائشة ﵂ كما تعلمون هي زوجة النبي ﵌ وهي تصاحبه ما شاء الله في أكثر الأوقات بخلاف عبد الله بن عمر، فلو كان ابن عمر هو وحده روى هذا الحديث وخطأته عائشة ﵂ كان يمكن أن نقبل تخطئتها ونتبنى حديثها دون حديث ابن عمر، كما وقع لها في قضية أخرى: وهي أن ابن عمر حدث بأن النبي ﵌ اعتمر في شهر رجب فقيل لعائشة: اسمعي عبد الله بن عمر ماذا يقول؟ قالت: ماذا يقول؟ قالوا: يقول: إن النبي ﵌ اعتمر في شهر رجب، فقالت: لقد غفل عبد الله بن عمر يرحمه الله، ما اعتمر رسول الله ﵌ عمرةً إلا في ذي القعدة.
جاء في بعض الروايات أن عائشة لما ذكرت هذا سمع كلامها ابن عمر
ما تكلم بكلمة مما يُشْعِرُ أنه كأنه شعر بأنه فعلًا هو واهم، لكن حديثنا: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» لا سبيل إلى تبني رأي عائشة وتخطئة عبد الله بن عمر كما فعلنا في حديث العمرة لما ذكرته آنفًا أن مع ابن عمر نفسه والمغيرة بن شعبة ...
[و] للعلماء قولان في تفسير: يعذب ببكاء أهله عليه:
منهم من يقول: أن العذاب المذكور في الحديث هو عذاب الآخرة، ومنهم
стр. 4043
من يقول: المقصود بالعذاب هو التألم والحزن، والذي يقول هذا القول يعني: أن الميت يسمع بكاء الأحياء عليه فيأسف لأسفهم ويحزن لحزنهم، هذا هو العذاب الذي عناه الرسول في الحديث في قول هذا البعض، أما الأولون وهم الجمهور يقولون: يعذب فعلًا، وهنا يرد قول السيدة عائشة المذكور والمشار إليه آنفًا، أنها لماذا أنكرت هذا الحديث؟ لأنها فهمت أن العذاب هنا هو العذاب بمعنى التألم إما بالنار أو بالزمهرير أو ما شابه ذلك مما هو معروف، فقالت: لماذا يعذب هذا والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام:١٦٤)؟ أجاب العلماء عن هذه الشبهة: بأن المقصود من الحديث على المعنى الذي ذهب إليه الجمهور وهو العذاب المعروف أنه إنما يعني به الميت الذي يموت ولا يوصي ولا ينصح أهله بألاَّ يبكوا عليه، أما إذا قاموا بواجب التذكير والنصيحة ثم بكوا عليه فلا يضره ذلك؛ لأنه قد أدى الواجب.
هذا مع ملاحظة أن المقصود بالبكاء ليس هو مطلق البكاء، وإنما المقصود به النياحة وهو رفع الصوت، فبرفع الصوت إذا كان الميت لم ينصح ولم يذكر أهله قبل وفاته بأنه إذا جاءتني الوفاة فلا تصيحوا ولا تنوحوا لأن هذا يكون سببًا ليس لعذابكم فقط بل سببًا لعذابي أنا، على هذا يفسر الحديث.
وخلاصة ذلك: أن الميت الذي لم يذكر أهله بما يجب عليه من النصح إذا مات ألا يبكوا عليه فهذا الذي هو يعذب، والعذاب ليس هو بمعنى الألم والحزن وإنما هو بمعنى العذاب الذي يستحقه العاصي يوم القيامة أو في القبر، ويؤيد هذا المعنى من السنة ومن النظر أيضًا، أما السنة ففي رواية للمغيرة بن شعبة قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه يوم القيامة"، بينما التفسير الثاني الذي فسر العذاب بالألم فهو يعني وهو في القبر، إنما حديث المغيرة يقول: يعذب يوم القيامة.
стр. 4044
أما النظر فسأذكره قريبًا إن شاء الله .. فالتفسير الثاني أنه يتألم فمعنى ذلك: أن الميت إذا مات ما انقطعت علاقته مع الناس فهو يحس بهم ويتألم بألمهم، وهذا الكلام ليس صحيحًا؛ لأن الميت إذا مات انقطعت علاقته بهذه الحياة الدنيا فهو لا يسمع ولا يحس بشيء كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) .. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (النمل:٨٠).
فإذًا: الأموات لا يسمعون فكيف يقال: إن الميت إذا بكى أو ناح أهله عليه هو يحس ببكائهم ويتألم لألمهم، هذا المعنى مع مخالفته للحديث يعذب يوم القيامة فهو يخالف نصوص أخرى في الكتاب وفي السنة التي تدل على أن الميت لا يسمع ولا يحس، فإذًا: المعنى الأول هو المعنى الصحيح ...
"فتاوى رابغ" (١/ ٠٠:٠٧:٤٨)
[١٥٤٣] باب منه
السائل: شيخنا على ذكر موضوع ... أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ حديث الميت، وهو الحديث الذي قد كثر الكلام فيه (١) وخاصة من أولئك العقلانيين الذين يجعلون النصوص حكماً على الشرع وما شابه ذلك.
الشيخ: يجعلون عقولهم.
مداخلة: عفواً، يجعلون عقولهم حكماً على الشرع، أقول هؤلاء شيخنا يلمزون من طرف خفي بأبي هريرة ﵁ وروايته بسبب إنكار السيدة عائشة وردها.
стр. 4045
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: مع أن الحديث مروي عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فحينئذ هل نقول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أخطأت في التأويل أو في الرد أم نقول كما قلت في الحديث الأول أنها اعترضت على لفظ وردها وإلا فالألفاظ الأخرى جاءت تبين النياحة وما شابه ذلك.
الشيخ: ما في شك.
مداخلة: هو هذا.
الشيخ: أي نعم، يعني الحديث الذي أنكرته السيدة عائشة هنا غير الحديث الذي أنكرته هنا، الحديث الذي أنكرته صحيح بلا شك، «الميت يعذب ببكاء أهله عليه»، وكون الرسول ﵇ قال في بعض المناسبات أو الحوادث بالنسبة ليهودي مات فبكى أهله عليه، فهذا من باب أولى أن يطبق هذا الحديث عليه، لكن هذا لا ينفي ما رواه أولاً ابن عمر ثم ما رواه أبو ابن عمر ثم ما رواه المغيرة بن شعبة، كل هؤلاء الثلاثة من الصحابة اتفقوا على رواية الحديث الذي أنكرته السيدة عائشة، ولذلك فلا مجال للاعتماد عليها بالإنكار هنا، وبهذه المناسبة لا بد من أن نذكر شيئاً يفيد طالب العلم، ألا وهو:
ظاهر الحديث يتبادر منه أنه يخالف القاعدة الإسلامية المصرح بها في القرآن الكريم وغيره، أن لا تزر وازرة وزر أخرى، لماذا يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟ هذا ليس من عمله وليس من صنعه، وليس أيضاً من سعيه، فاختلفت آراء العلماء في الإجابة على هذه المشكلة، جمهورهم قال هذا الحديث في ظاهره عام، لكن لا بد من تقييده أو تخصيصه بمن يعلم أنه إذا مات يبكي أهله عليه بكاء نياحة
стр. 4046
وليس بكاء دمع، فمن كان بهذه المثابة ممن سيبكى عليهم فعليهم أن ينصحوا وأن يذكروا، فإن فعلوا ذلك لم يشملهم الحديث؛ لأنهم قاموا بالواجب، هذا هو التأويل الذي ذهب إليه الجماهير من العلماء، وهو الذي لا نرى له بديلاً، أما شيخ الإسلام ﵀ فذهب إلى تأويل آخر، فقال: العذاب هنا ليس من عذاب النكال الذي يعذبه الإنسان في الآخرة أو في القبر، وإنما هو من باب السفر قطعة من العذب، فهذا مسافر لا يعذب بشيء يأتيه من غيره، وإنما هو بشيء نابع من نفسه، أي أن هذا الميت حينما يبكي أهله عليه يأسف على بكائهم عليه ويأسى، فإذاً العذاب هنا بمعنى الحزن، ليس بمعنى العذاب النكال، كان يمكن أن يقبل
من شيخ الإسلام هذا التأويل الناعم الجميل لولا زيادة استفدناها من حديث المغيرة بن شعبة حيث قال: الميت يعذب ببكاء أهله عليه يوم القيامة، فهذه الزيادة اضطرتنا أن نرجع إلى التأويل الأول.
هذا الذي أحببت أن أذكر به .. الميت لا يعلم بحال أهله.
الشيخ: هو هذا صحيح.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: أنا قلت هذا في بعض الكتابات، أن يقال أن الميت بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية، معناه أن الميت عنده إحساس وعنده شعور من قريب ومن بعيد، الميت دفن مثلاً كما يقع اليوم مع الأسف كان مستوطناً في بلاد الكفر فدفن هناك، وأهله يبكون هنا، شو عرفه، بل شو عرفه لو بكوا حول قبره، انقطعت العلاقة بينه وبين الدنيا إطلاقاً، فهذا التأويل وهذا ليس بعيداً حقيقة عن مذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ لأنهم يتوسعون في هذه الناحية، وهذا من توسعهم جاءهم، وهم يصرحون بأن الميت يحس بما قد يقع من حوله أو من أهله أو نحو ذلك،
стр. 4047
فمثلاً مثلما قال الأستاذ ما يرد عليه هذا أيضاً.
مداخلة: شيخنا ورد في كلامكم شرح الحديث الذي هو تفسير البكاء ببكاء النياحة، وهذا شيخنا نبهتم أنتم أن هناك رواية صريحة بهذا.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: إن الميت ليعذب بما نيح عليه.
الشيخ: أي نعم.
الأحاديث تفسر بعضها بعضاً أو أن يكون قد أوصى بأن يبكى عليه.
مداخلة: كالذي يوصي مثلاً بأن يصنع له كذا وكذا بعد موته، أو أن تحيى ذكراه في الأربعين، أو أن يبنى عليه القبر.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وهذا من هذا الباب أيضاً.
الشيخ: الله أكبر. نعم.
"الهدى والنور" (٦٦٨/ ٣٣: ٤٢: ٠٠).
[١٥٤٤] باب معنى قوله ﵌: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة»
عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة».
(صحيح).
стр. 4048
[قال الإمام]:
فيه إشعار بأن العذاب المذكور هو في يوم القيامة، فتفسيره بتألم الميت في قبره مع أنه يستلزم علمه بنوح أهله عليه، فهذا مع كونه مما لا دليل عليه، فإنه لا يساعد عليه القيد المذكور (يوم القيامة) فتنبه لهذا ولا تكن للرجال مقلداً، فالحق أن العذاب فيه وفي غيره على ظاهره، إلا أنه مقيد بمن لم ينكر ذلك في حياته، توفيقاً بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١٢٦٨).
[١٥٤٥] باب منه
[قال صديق حسن خان في "الروضة الندية":ويحرم النعي والنياحة [أي على الميت] لحديث": من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وهو في الصحيحين].
[فقال الإمام معلقاً]:
أي يتألم ويتوجع، قال شيخ الإسلام ... بعد أن قرر أن ليس على أحد من وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه-، قال (٢/ ٢٠٩ - من المجموعة المنيرية):
"وإن ظن بعض الناس أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافي الأول! فليس كذلك؛ إذ ذلك النائح يعذب بنوحه، لا يحمل الميت وزره، ولكن الميت يناله ألم من فعل هذا كما يتألم الإنسان من أمور خارجه عن كسبه، وإن لم يكن جزاء الكسب والعذاب أعم من العقاب، كما قال ﵌:"السفر قطعة من العذاب".
وانظر تفصيل هذا البحث في "تهذيب السنن"لابن القيم (٤/ ٢٩٠)، وقد صرح فيه بخطإ تفسير الحديث علي هذا الوجه، فراجعه؛ فإنه مفيد.
"التعليقات الرضية" (١/ ٤٦٠).
стр. 4049
جماع أبواب الكلام حول الحياة في القبور
стр. 4050
[١٥٤٦] باب هل النبي ﵌ حيٌّ في قبره ؟
سؤال: حديث يقول فيما معناه: «ما من عبدٍ يصلي عليّ يوم الجمعة إلا رد الله علي روحي» (١).
الشيخ: ما فيش يوم الجمعة «ما من مسلمٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇».
مداخلة: نعم فبعض الصوفيين استدل عليه بأن الرسول الصلاة والسلام ما مات بل حي في القبر، ويستدلوا بهذا الحديث.
الشيخ: أيش معنى يرد علي روحي؟ ما مات؛ أنت روحك هلا في نفسك ولا مردودة إليك هذا كلام صوفي ويكفي أنه كلاماً صوفياً؛ لأنه خالف حديث الرسول ﵇ ولذلك أقول هذول الصوفية لبالغ جهلهم ينكرون النصوص القاطعة بشبهات ما أنزل الله بها من سلطان؛ ربنا يقول في صريح القرآن ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزُّمر:٣٠) فإذاً هو كسائر البشر ميت كما هم أيش؟ ميتون، إيش معنى ميت؟ أي: ستموت أي ستصبح ميتاً، وكذلك الناس جميعاً.
أينكرون هذه الحقائق بشبهات مثل هذه الشبهة التي ذكرتها عن الحديث، الحديث يعني أن النبي ﵌ مات، وكل حي فإنما سبيله الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، ولذلك لما قال ﵇ في الحديث الآخر الصحيح: «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أَرَمْتَ؟ ماذا فهم الصحابة من قوله ﵇ هذا؟ فهموا أنه ميت، ولذلك استغربوا كيف تبلغه صلاته، وقد أَرِمَ أي: فني، أي: صار رميماً، قال ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) فالصحابة كانوا يتلقون عن الرسول ﵇ هذه
стр. 4051
الحقيقة التي لا مناص لأحدٍ من البشر إلا وأن يقع فيها، وهي ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزُّمر:٣٠) كانوا عرفوا هذه الحقيقة ولذلك لما جاءهم الرسول ﵇ بشيء ما كانوا يعرفونه من قبل: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني» قالوا كيف ذاك وقد أرمت، أي فنيت، طبعاً مت، وأكثر من مت، أي: فنيت وصرت رميماً، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» فأجساد الأنبياء كل الأنبياء لا تصبح رميماً كأجساد الآخرين، ولذلك فرسول الله ﵌ جسده في قبره كما هو من قبل هذه معجزة هذه كرامه من الله لنبيه ﵇، بل ولِسائر الأنبياء الكرام ولكن الله كرم نبيه ﵇ بكرامةٍ أخرى لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء؛ وهي قوله ﵇: «فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أرمت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أي أنا كسائر الأنبياء جسدي في القبر حي طري ولكن اصطفاني ربي بخصلةٍ أخرى؛ أنه كلما سلَّم علي مسلمٌ رد الله إليًَّ روحي فأردُّ ﵇.
وهذا الحديث وهو ثابت فيه دلاله على أن الرسول ﵇ خلاف ما يتوهم كثير من العامة بل وفيهم بعض الخاصة وهي أن النبي لا يسمع سلام المسلمين عليه، وإنما كما جاء في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «إن لله ملائكة سياحين» يعني: طوافين على المسلمين، فكلما سمعوا مسلماً يصلي على النبي ﵌ بلغوه بذلك، وهو لا يسمع؛ لأن الميت لا يسمع انفصل عن هذه الحياة الدنيا ومتعلقاتها كلها، ولكن الله اصطفى نبيه ﵇ فيما ذكرنا من الحياة، ومن تمكينه بإعادة روحه إلى جسده ورد السلام على المسلمين عليه، ومن ذلك أيضاً أن هناك ملائكة يبلغونه السلام، فكلما سلموا عليه من فلان هو رد ﵈.
" الهدى والنور" (٢٦٨/ ٠٨: ٢٢: ٠٠).
стр. 4052
[١٥٤٧] باب حياة الأنبياء في قبورهم
[قال رسول الله ﵌]:
«الأنبياء - صلوات الله عليهم - أحياء في قبورهم يصلون».
[قال الإمام]:
اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها, ومحاولة تكييفها, وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا, هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء, كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته ﵌ في قبره حياة حقيقية!
قال: يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!. وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله .
"الصحيحة" (٢/ ١٩٠،١٧٨).
[١٥٤٨] باب في صلاة الأنبياء في قبورهم
سؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله ذكرتم في أحد مؤلفاتكم حديث أن الأنبياء يصلون في قبورهم أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: هذا الحديث من أنباء الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يعمل عقله فيها بل من الواجب عليه أن يسلم بها تسليمًا، وهذا الحديث وإن كان وقع فيه خلاف من بعض العلماء علماء الحديث تصحيحًا وتضعيفًا فالراجح عندي أنه صحيح
стр. 4053
ومذكور في سلسلة الأحاديث صحيحة ومخرج تخريجًا علميًا، لكن إن كان يشك بعضهم في صحة هذا الحديث فهناك حديث لا شك في صحته؛ لأن الإمام مسلمًا قد أخرجه في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «مررت ليلة أسري بي بموسى قائمًا يصلي في قبره» (١) فإذًا صلاة الأنبياء في قبورهم عقيدة صحيحة يجب على المسلم أن يؤمن بها لكن لا يتوسع في محاولة تكييف هذه الصلاة فلا يقول مثلًا: كيف يصلي موسى في قبره والقبر لا يتسع لقيام موسى في القبر؟ لأننا نقول عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة .. عالم البرزخ لا يقاس على عالم الآخرة فلكل طبائعه وخواصه فإذا أخبرنا الصادق المصدوق أنه رأى موسى ﵊ قائمًا يصلي في قبره صدقناه وأمنا به ووكلنا معرفة حقيقة هذه الصلاة إلى الله ﵎.
وعلى هذا الميزان قوله ﵊: «إن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» فليست هذه الحياة بالحياة المادية بحيث أننا إذا خاطبناهم يردون علينا ويسمعون كلامنا كما كانوا يسمعون كلام الناس في الدنيا حينما كانوا أحياء لا نتوسع في مثل هذه التفاصيل؛ لأنه كما قلت آنفًا عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة على عالم المادة.
"رحلة النور" (ب٣٣/ ٠٠:٢٩:٤٧).
стр. 4054
[١٥٤٩] باب يفهم من صلاة المؤمنين في قبورهم أنهم مكلفون في القبور ؟
سؤال: صلاة المؤمنين في قبورهم صح الحديث عن ابن ماجه فهل هذا من تكليف المؤمنين في القبور؟
الشيخ: هل يوجد تكليف في الجنة؟
مداخلة: لا يوجد.
الشيخ: في تسبيح في الجنة، في حمد، في تسبيح في الجنة،
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذه مثل هذه .. ، ليس تكليف، هذا شكر لله .
مداخلة: ولكن لا نعرف كيفية هذه الصلاة.
الشيخ: كل أمور الغيب لا تعرف.
مداخلة: فيه فرق بينهم وبين صلاة الأنبياء أم لا نعلم؟
الشيخ: لا نعلم، هل علمت صلاة الأنبياء؟ لا، تلك بأولى.
" الهدى والنور" (٥٦/ ١٢: ٤١: ٠٠).
стр. 4055
[١٥٥٠] باب هل يشعر المقبور بزيارة أهله ؟
سؤال: زيارة القبور يا شيخ، هل المقبور يشعر بزيارة أهله مثلاً؟
الشيخ: أبداً ليس عنده هذا الشعور، ولا ذاك العلم بالزائر للمزور.
مداخلة: يعني الدعاء لا يصل في الحال في نفس الوقت.
الشيخ: الدعاء إذا كان مقبولاً يصل إلى الله فيستجيبه أما الميت فلا يشعر به، لكن لو فرضنا مثلاً أن الميت كان يعذب فرُفع العذاب عنه كلاًّ أو جزءًا بسبب دعاء الرجل الصالح، فهو يشعر بالفرق بين العذاب الذي كان فيه، وبين انتفاء العذاب كلاً أو جزءًا.
" الهدى والنور" (٢٢٩/ ٢١: ٥١: ٠٠).
стр. 4056
القيامة الكبرى
стр. 4057
[١٥٥١] باب حكم من أنكر شيئاً من أشراط الساعة
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى بن مريم فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر، ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، فإن جبريل ﵇ أخبرني بأن الله تعالى يقول: من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فليتخذ ربا غيري».
(باطل).
[قال الإمام]:
واعلم أن الإيمان بكل ما ذكر في هذا الحديث من خروج المهدي، ونزول عيسى، وبالقدر خيره وشره، كل ذلك واجب الإيمان به، لثبوته في الكتاب والسنة، ولكن ليس هناك نص في أن " من أنكر ذلك فقد كفر "، ومن أجل هذا أوردت الحديث وبينت وضعه، وهو ظاهر الوضع، وكأنه من وضع بعض المحدثين أو غيره من الجهلة، وضعه ليقيم به الحجة على منكري ذلك من ذوي الأهواء والمعتزلة، ولن تقوم الحجة على أحد بالكذب على رسول الله ﵌ والافتراء على الله تعالى، فقاتل الله الوضاعين ما أجرأهم على الله .
والتكفير ليس بالأمر السهل، نعم من أنكر ما ثبت من الدين بالضرورة بعدما قامت الحجة عليه، فهو الكافر الذي يتحقق فيه حقيقة معنى كفر، وأما من أنكر شيئا لعدم ثبوته عنده، أو لشبهة من حيث المعنى، فهو ضال، وليس بكافر مرتد عن الدين شأنه في ذلك شأن من ينكر أي حديث صحيح عند أهل العلم، والله أعلم.
"الضعيفة" (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢).
стр. 4058
(جماع أبواب علامات الساعة الصغرى)
стр. 4059
[١٥٥٢] باب المستقبل للإسلام في آخر الزمان
قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾.
[قال الإمام]:
تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها, وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده ﵌ وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين, وليس كذلك, فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق, كما أشار إلى ذلك النبي ﵌ بقوله: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى, فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ أن ذلك تامّاً, قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ... » الحديث.
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره, بحيث لا يدع مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه.
وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم العاملين للإسلام, وحجة على اليائسين المتواكلين:
- «إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». الحديث
- «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزّاً يعز الله به الإسلام وذلّاً يذل به الكفر».
стр. 4060
- عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﵌ نكتب، إذ سئل رسول الله ﵌: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﵌: " مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية ".
- «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريّاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت».
"الصحيحة" (١/ ١/٣١ - ٣٤)
[١٥٥٣] باب من المبشرات بأن المستقبل للإسلام
تقدم العرب اقتصاديّاً وزراعيّاً
[قال الإمام]:
إن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثماراً يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبئ عن أن لهم مستقبلاً باهراً حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية قوله ﵌: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».
[حتى قال الإمام]: قد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات
стр. 4061
تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غداً لناظره قريب.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٦).
[١٥٥٤] باب الجمع بين هذه الأحاديث وبين قوله ﵌: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه»
[قال الإمام]:
مما يجب أن يعلم ... أن قوله ﵌: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم».
رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعاً.
فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها مثل أحاديث المهدي ونزول عيسى ﵇ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه بل هو من العام المخصوص، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾ أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقّاً.
"الصحيحة (١/ ١/٣٦).
[١٥٥٥] باب رفع القرآن في آخر الزمان
[قال رسول الله ﵌]:
«يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة
стр. 4062
ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها».
[قال الإمام]:
من فوائد الحديث:
وفي هذا الحديث نبأ خطير، وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره، وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة، وذلك لا يكون قطعاً إلا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العليا.
كما هو نص قول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وكما شرح رسول الله ﵌ ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات (الأحاديث الصحيحة).
وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة، حتى ولا توحيده!
"الصحيحة" (١/ ١/١٧٣،١٧١).
[١٥٥٦] باب معنى قول النبي ﵌
في حديث جبريل في علامات الساعة «أن تلد الأمَةُ ربَّتها»
سؤال: في حديث جبريل من علامات الساعة «أن تلد الأمة ربتها» (١)، كيف هذا يا شيخ؟
стр. 4063
الشيخ: هذا بارك الله فيك كان في بعض العصور الزاهرة حينما كان تنتشر الجيوش الإسلامية في بلاد الكفر تدعوها إلى الإسلام، فمنهم من يستجيب ومنهم من لا يستجيب، فحينئذٍ ما يكون من الجيش المسلم إلا أن يحارب كما جاء في قوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وكما جاء في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب: «أن النبي ﵌ كان إذا أمر أميرًا على سرية أو جيش أوصاه، وكان من وصيته: إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث: إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن أبو فأن يعطوا الجزية عند يد وهم صاغرون، فإن أبوا فالقتال» (١) فحينما كان يجري هذا القتال بين المسلمين وبين الكافرين يقع في أغلب الأحيان كثير من الأسرى في أيدي المسلمين من النساء ومن الرجال، ثم تجري قسمة هذه المغانم وفيها أولئك الأسرى، فيقسمها قائد الجيش المسلم على الغانمين.
فكان يقع كثيرًا وكثيرًا جدًّا أن يكون حصة بعض الغانمين سبية من السبايا التي وقعت في أيدي المسلمين، فيجوز للمسلم كما أظنكم تعلمون أن يتمتع بمثل هذه السبية الأسيرة كما يتمتع الرجل بحلاله بزوجته، كما قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون:٥ - ٦) إلى آخر الآيات، فملك اليمين هي السرية هذه التي كان أصلها غنيمة من الكفار، والذي وقع في التاريخ الإسلامي الأول وسنين طويلة وعصور مديدة فيما بعد أن هذا السيد ينكح هذه الأمة أو هذه
стр. 4064
الجارية وهي مملوكة فيرزق منها ولدًا قد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، والشرع يحكم بأن هذه الأمة أو الجارية إذا رزقت من سيدها ولدًا فهذا الولد يعتقها، فإذا كان المولود منها من سيدها بنتًا فهذه البنت هي تلحق بأبيها فهي سيدة، فقوله ﵇: «وأن تلد الأمة ربتها» فهي كانت أمة ثم ولدت هذه البنت من سيدها فهي ربتها، أي: سيدتها، هذا من معاني التي ذكرها شراح الحديث في هذا الحديث.
وبعضهم قال معنًى آخر، معنى مجازي يمكن أن يكون صوابًا لكن المعنى الأول هو المتبادر، قالوا: هذا إشارة إلى فساد التربية وفساد الزمان، بحيث أن السيدة الحرة حينما ترزق من سيدها من زوجها الحر أيضًا .. حينما ترزق منه بنتًا، فبسبب سوء تربية هذه البنت - وهذا مشاهد اليوم - تصبح هذه البنت متعالية على أمها، فكأن أمها هي عبدة مملوكة وهي سيدتها، هذا من معاني قوله ﵇: «وأن تلد الأمة ربتها» هي ليست أمةً حقيقةً كما هو في التفسير الأول، لكن بالنسبة لسوء التربية تصبح ابنتها سيدة عليها وهي كأنها عبدة لها ومملوكة لها، والواقع أنها حرة بنت حرة، لكن سوء التربية قلب الأمر فجعل الأم التي هي سيدة أمة، وجعل البنت التي هي بنت هذه كأنها هي السيدة تستعلي عليها وتتأمر عليها ولا تسمع كلامًا، والأم تضطر أن تخضع لأوامرها وهذا هو المشاهد في هذا الزمان.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٠٠:٥٢:١٤).
[١٥٥٧] باب منه
[قال الإمام]:
وقد اختلفوا في المراد [أي بهذا الحديث] على أقوال حكاها الحافظ، ومال إلى أن المعنى: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة الولد أمه
стр. 4065
معاملة أمته من الإهانة والسب والضرب والاستخدام. فأطلق عليه (ربها) مجازاً لذلك، أو المراد بـ (الرب): المربي، فيكون حقيقة.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٧٥١).
[١٥٥٨] ظهور السيارات في آخر الزمان
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلاً]:
الحديث معجزة علمية غيبية للنبي ﵌؛ فإنه يشير إلى السيارات الفاخرة التي يركبها أشباه الرجال الذين يأتون عليها إلى المساجد مشيعين للجنازة, فإذا أدخلت المسجد للصلاة عليها؛ ظل أولئك في سياراتهم أو واقفين بجانبها بالانتظار.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٤٧).
[١٥٥٩] باب من أشراط الساعة ظهور التعصب المذهبي
[قال رسول الله ﵌]:
- «من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ويفتح القول ويخزن العمل ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما