(خَلْقُ الروح)
[١٤٩٧] باب هل الأرواح مخلوقة قبل الأجساد أم بعدها ؟
[قال الإمام]:
أما مسألة تقدم خلق الأرواح على الأجساد وتأخرها عنها، فللعلماء فيها قولان معروفان، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم وحكاه إجماعاً و [من] أدلتهم قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، ولم تكن الأبدان حينئذ موجودة، وقوله ﵌: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
رواه ابن منده بإسناده عن عمرو بن عنبسة مرفوعا كما في " الروح " (ص١٦٠) ثم قال (ص ١٧٢) " لا يصح إسناده فيه عتبة بن السكن قال الدارقطني: متروك. وأرطأة ابن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط ".
قلت: وهو البصري، وأما أرطأة بن المنذر الحمصي فثقة، لكن فوقهما عطاء بن عجلان وهو متروك أيضا فهو حديث ضعيف جداًّ إن لم يكن موضوعا، اللهم إلا قوله: " فما تعارف. . . . " فهو طرف من حديث صحيح معروف.
стр. 3992
لكن في المسألة أحاديث أخرى كثيرة تغني عن هذا الحديث من أصرحها حديث ابن عباس مرفوعاً: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى﴾ " وهو حديث صحيح بل هو متواتر المعنى كما بينته في " الصحيحة " (١٦٢٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٠).
стр. 3993
(نفخ الروح)
[١٤٩٨] باب متى تنفخ الروح في الجنين ؟
سؤال: يا شيخ بالنسبة لنفخ الروح في الجنين متى يكون، خصوصاً أن هناك من يقول: ان هناك دلالة علمية تثبت أن النفخ في بداية الأربعين الأولى من نفخ الجنين، وأن هناك حديث في مسلم يثبت أن فيه زيادة: أنه يكون علقة مثل ذلك في الأربعين يوماً، يستدلون بهذا الحديث على أنه الروح تنفخ النفخ بالأربعين اليوم الأولى؟
الشيخ: في سؤالك ناحيتان: إحداهما شرعية، والأخرى طبية، من الناحية الشرعية ثبت في حديث ابن مسعود المتفق عليه بين الشيخين أن الروح إنما تنفخ في الجنين بعد أربعة أشهر.
أما القول: أنه ثبت علمياً طبياً: أن الروح تنفخ قبل ذلك، فأنا في اعتقادي أن هذا مع أنه مخالف للحديث السابق فهو أيضاً ليس بثابت طبياً؛ لأنني أنا أعلم أن هذا ليس من اختصاصي ولكنه من معلوماتي التي يشاركني فيها كل مثقف له مشاركة في الاطلاع على ما يجري اليوم من بحوث علمية وغيرها، نحن نعلم أن الحوين الصغير هذا الذي يوجد منه الملايين المملينة في مني الرجل كلها حوينات ليست ميتة وإنما هي فيها الحياة، أليس كذلك؟
مداخلة: بلى.
стр. 3994
الشيخ: طيب، فهذا الحوين حينما ينمو حينما يلقح البويضة في رحم المرأة ينمو وينمو معه هذه الحياة التي فطرها الله في هذا الحوين وهو في صلب الرجل قبل أن ينتقل إلى رحم المرأة، فإذاً هنا حياتان، ولنتسامح في التعبير ولا بأس من ذلك قليلاً، هنا روحان: الروح الأولى وجدت مع الحوين وهو في صلب الرجل، الحياة أو الروح الأخرى نفخت بنص الحديث بعد أربعة أشهر، يوم يأتي وينفخ فيه الروح ويسأل: سعيد أم شقي، ذكر أم أنثى .. إلى آخر التفاصيل المعروفة في الصحيح.
فهنا إذاً روحان، الروح الثالث هذه ما هي؟ فقهياً لا يوجد روح ثالث إطلاقاً، بمعنى: غير الروح التي بها يحيا هذا الحوين ويكبر وينمو وينمو، حتى يصبح يتحرك في بطن الأم، والروح التي تنفخ في الجنين، هذه بلا شك روح جديدة غير تلك الروح الكبيرة في ذلك الحوين، هذه دعوى، مجرد دعوى أنه هناك ثابت في علم الطب أن الروح التي أخبر الله عنها أو أخبرنا نبينا أن الله يأمر الملك بأن ينفخ فيه الروح لا في الشرع ولا في علم الطب أن هذا ينفخ بعد أربعين يوماً، أو على الأقل قبل مضي الأربعة الأشهر، هذا لا وجود فيه إطلاقاً.
ثم أخيراً أنا أريد أن أذكر: لا ينبغي أن نخلط بين العلم التجريبي البشري وبين العلم الإلهي الذي مصدره من كتاب ربنا ومن حديث نبينا ﵌؛ لأن كلاً من العلمين لهما لكل منهما سبيله، فسبيل العلم الشرعي هو القرآن والسنة، سبيل العلم الكسبي هو البشر، فقد يخطئ وقد يصيب.
كثيراً ما نسمع ونسأل، كثير مع الأسف: أن امرأة في بطنها جنين واكتشفوا الآن بواسطة الجهاز الذي يشبه التلفاز بأن هذا الجنين مشوه، وأنه إذا لم تجهض المرأة وولدت ولادة طبيعية سيكون هذا الولد معوقاً.
стр. 3995
هكذا السؤال، سئلت بأنه بعض الأطباء قالوا للحامل: بأن هذا مشوه تشويه فظيع جداً، ربما له أكثر من يدين وأكثر من رجلين، يعني: صورة مخيفة جداً خاصة للأم الوالدة، وكان في المجلس حينما سئلت هذا السؤال امرأة حدثتنا وهي صادقة: بأن قريبة لها حدثوها بأنه الجنين في بطنها إذا ما ولد فسيولد له أربعة أرجل وما عاد أذكر كم يد، فمسكينة هي خافت جداً، ولكن قالت: أمري إلى الله ، فلما ولدت فإذا بهذا الجنين بشراً سوياً، سبحان الله! رجعت بعد ذلك عللوا لها: أنه والله التلفاز يمكن كان شوية مشوش إلى آخره، وهذه حقيقة، كثيراً ما يقع مثل هذا.
فغرضي أن أقول: ما نربط هذا بهذا؛ لأنه الحقيقة راح نقع في تناقض مع الحكم الشرعي، كلنا يعلم أن إسقاط الجنين بعد نفخ الروح لا أقول على الزعم الطبي؛ لأن هذا معناه إسقاطه بعد أربعين يوم يعني يكون محرماً، بينما نحن شرعاً ما نقول إلا بعد أربعة أشهر هذا الإسقاط يكون محرماً؛ لأنه يسقطه حياً.
أما إذا كان الإسقاط أو الإجهاض قبل ذلك فهنا لنا تفصيل مذكور أكثر من مرة: هو كالعزل، العزل وهو إسقاط الماء خارج الرحم حينما يجامع الرجل زوجته، هذا اسمه عزل، وهو شرعاً مكروه والكراهة تنزيهية؛ لما فيه من تقليل نسل الأمة المحمدية، ولكن إذا اقترن مع هذا العزل وهو قبل أن يتكون قبل أن يدخل الماء إلى فرج المرأة هذا مكروه فإذا ما دخل إلى كنه وأوى إلى مأواه فهناك يمكن أن يتكون وأن يتخلق ويصبح جنيناً ثم يولد ويصبح بشراً سوياً .. إلى آخره، فتتضاعف الكراهة، لكن ما تصل إلى حد التحريم إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول الذي ذكرته آنفاً: أن يكون قد نفخت الروح فيه.
والشرط الآخر ولو قبل نفخ الروح: أن يكون الدافع على الإجهاض قبل نفخ
стр. 3996
الروح فكر غير شرعي، مثلاً: في القرآن الكريم النهي عن قتل الأطفال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (الأنعام:١٥١)، فإذا كان الدافع على إسقاط الجنين قبل تكونه هو خشية الإملاق فيكون هذا محرماً، صحيح ليس فيه قتل لنفس نفخت فيه الروح، لكن الدافع عليه تلك العقيدة الجاهلية الأولى، كما جاء في بعض الأحاديث لما سئل ﵇ عن العزل، قال: «أأنت ترزقه؟» (١) فلماذا أنت خائف؟! فإذا كان العزل ليس لهذا السبب فهو مكروه، أما إذا كان اقترن معه هذا السبب فيكون محرماً؛ لذلك لما هذا الطبيب يقول: والله جنينك في بطنك مشوه، وإذا كمل وضعه جاء معوقاً، يالاَّ يجري عملية الإجهاض واستريح منه، وإذا الولد ليس فيه أي شيء، وإنما الخطأ من الطبيب.
خلاصة القول: نحن ننصح المسلمين جميعاً أن يبتعدوا عن العزل بكل إشكاله وأنواعه؛ لأن أدناه الكراهة؛ لما فيه من مخالفة بغية الرسول ﵇ حينما قال: «تزوجوا الولود الودود فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة» (٢)، فهذا أدناه تقليل نسل أمة الرسول ﵇، وأعلاه وأسوأه هو إسقاط الجنين بعد أن نفخت فيه الروح.
نسأل الله أن ينفخ في المسلمين روحاً طيبة تحضهم على فهمهم أولاً لإسلامهم فهماً صحيحاً، وأن يطبقوه في أنفسهم وبين الإخوة المتحابين في الله ، ثم لا تزال تتسع دائرتهم حتى تشمل البعيدين عنهم.
"الهدى والنور" (٧٢٩/ ٤٤: ٤٦: ٠٠).
стр. 3997
(قبض الروح)
[١٤٩٩] باب هل للمسلم الذي يرتكب الكبائر ملائكة مخصصون يقبضون روحه غير ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؟
سؤال: لما تأتي ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب اللي وردت في الحديث في قبض الروح، بالنسبة للمسلم العاصي اللي ارتكب كبائر، هل هناك أحاديث واردة في المنطقة الوسط (١) هنا؟
الشيخ: لا، لا أحاديث.
"الهدى والنور" (/٣٥٥/ ٢٨: ٣٠: ٠٠)
[١٥٠٠] باب هل يصحب ملك الموت
خمسمائة من الملائكة عند قبض الروح ؟
سؤال: هل ورد أن ملك الموت ﵇ يصطحب معه أو يكون معه من الملائكة عند قبض الروح خمسمائة؟
الشيخ: ما نعلم هذا في كتب السنة.
مداخلة: ما ورد عدد يعني؟
الشيخ: لا.
"الهدى والنور" (٣٤٧/ ٥٧: ٢٢: ٠٠).
стр. 3998
[١٥٠١] باب كيف يجمع بين الأحاديث التي فيها أن روح المؤمن تخرج مقرونة بالريح الطيبة وبين كونه يعذب في القبر ؟
سؤال: يسأل السائل يقول: كيف يوفق بين الثواب الذي يعرف للمؤمن من طلوع روحه والريح الطيبة لها وما إلى ذلك ويوسع له قبره، ثم إنه يعذب لبعض أفعاله في القبر، أو لا يكون ذلك الثواب إلا للمؤمن المغفور له كل ذنوبه؟
الشيخ: لا يوجد في الأحاديث الجمع بين النقيضين المذكورين في السؤال، أنه من جهة تخرج روحه مقرونة بالريح الطيبة وملفوفة بالحرير الناعم، كما هو مذكور في بعض الأحاديث الصحيحة، ثم من جهة أنه يعذب، لا يوجد مثل هذا الجمع بين النقيضين في الأحاديث، فالذي يعذب كمثل ما سبق في الحديثين السابقين: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (١) هذا لم يأت في مثله أن روحه تلف في حرير، فالظاهر: أن الجمع بين النقيضين غير واقع.
وهذا بلا شك كما لا يخفى على الجميع هو من أمور الغيب التي أشرنا إليها في الأمس القريب، بمناسبة ذكر إذا وضع الميت في قبره وانصرف الناس عنه مدبرين فإنه يسمع قرع نعالهم، قلنا: أنه لا ينبغي التوسع في الأمور الغيبية ولا استعمال أقيسة نظرية؛ لأن هذا أمر يتعلق بالإيمان فقط وليس بالأحكام الشرعية، ولذلك فلا نجد في السنة الجمع بين هذين النقيضين.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٢١:٣٠).
стр. 3999
(مصير الأرواح بعد الموت)
[١٥٠٢] باب أين مستقر أرواح المؤمنين بعد الموت
[قال الآلوسي في آخر"الآيات البينات"]:
الخاتمة؛ - ونسأل الله تعالى حسنها إذا بلغت الروح المنتهى - في بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة والبعث [ونتبعها بمسائل].
قال الحافظ ابن القيم في كتاب الروح ":
هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها وهي إنما تتلقى من السمع فقط، واختلف في ذلك فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دين، ويلقاهم ربهم بالعفو عنهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
[فعلق الألباني قائلاً]:
وهو الصحيح من الأقوال الآتية لأن غيره مما لا دليل عليه في السنة أو في أثر صحيح تقوم به الحجة كما سترى وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى " (٢٤/ ٣٦٥) وقال: " ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم "
стр. 4000
وللحافظ ابن رجب تفصيل جيد في ذلك في كتابه " الأهوال " (ق ٩٥ - ١١٣/ ٣) ولولا خشية الإطالة لنقلته برمته فاكتفيت بالإشارة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٧).
[١٥٠٣] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر (زمزم)، وأرواح الكفار ببئر
(برهوت).
[فعلق الألباني قائلاً]:
هذا رده ابن القيم بنفسه بقوله (ص ١٠٨): بأنه لا دليل عليه في الكتاب والسنة ولا في قول صاحب يوثق به.
وأما فقرة أرواح الكفار فلم ترد في حديث مرفوع وإنما هي آثار موقوفة ساقها ابن القيم (١٠٦ - ١٠٧٩ وكلها ضعيفة الإسناد، نعم وقع مرفوعاً في مؤلف لأبي سعيد الخراز كما في " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (٤/ ٢٢١) لكن الخراز هذا صوفي مشهور، بيد أنه في الرواية غير معروف. انظر " الضعيفة " (٢/ ٢٠٩).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٠).
[١٥٠٤] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله
стр. 4001
[فعلق الألباني قائلاً]:
هذا معنى طرف من حديث أبي ذر الطويل في الإسراء عند الشيخين، ولكن لا يدل ذلك على تعادلهم في اليمين والشمال، بل يكون هؤلاء عن يمينه في العلو والسمعة، وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن كما قال ابن القيم (ص ١٠٨)
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٠ - ١٤١).
[١٥٠٥] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها
[فعلق الألباني قائلاً]:
قلت: وهذا مما لا دليل عليه، وقد رده ابن القيم في فصل خاص عقده لذلك (ص ١٠٩ - ١١٠) وتبعه الحافظ ابن رجب (ق ١٢٧/ ١) باختصار.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤١).
[١٥٠٦] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية القبور.
[فعلق الألباني قائلاً]:
وهذا على إطلاقه خطأ؛ فإن أرواح المؤمنين أيضاً في الجنة كما في حديث
стр. 4002
مالك الآتي، فإذا بأن (١) ذلك في بعض الأوقات، أو بأن لها إشرافاً على القبور استقام الكلام. راجع " الروح " (ص ١٠٠).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤١).
[١٥٠٧] باب منه ومعنى قول النبي ﵌:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة»
[ساق الآلوسي في الآيات البينات حديث]:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه».
[فعلق الألباني على الحديث قائلاً]:
أي روحه، " طير " أي كطير، "يعلق" أي يأكل. وكان الأصل (معلق) فصححته من " الموطأ " (١/ ٢٣٨) وغيره. قال ابن القيم في شرح الحديث (ص١١٢):
يحتمل أن يكون هذا الطائر مركبا للروح كالبدن لها، ويكون لبعض المؤمنين والشهداء، ويحتمل أن يكون الروح في صورة طائر، وهذا اختيار ابن حزم وابن عبد البر.
قلت: ومن الملاحظ أن لفظ الحديث هنا " المؤمن طير " وفي الشهداء " في أجواف طير " كما تقدم قريباً، فمن العلماء من جعلهما حديثاً واحداً وحمل حديث مالك على هذا، ومنهم من جعلهما حديثين كابن القيم وغيره، فقال ابن
стр. 4003
كثير في " تفسيره " (١/ ٤٢٧): " وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة " وأما أرواح الشهداء فكما تقدم " في حواصل طير خضر" فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها ".
ونحوه في " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز (ص ٤٥٥ - ٤٥٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٣).
[١٥٠٨] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض. وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين.
[فعلق الألباني قائلاً]:
وقد بين ذلك وشرحه شرحا مبسطاً في " مجموع الفتاوى " (٤/ ٢٦٢ - ٢٧٠)، وصرح في مكان آخر (٤/ ٢٩٢): " أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن، خلافاً لضلال المتكلمين، وأنها تصعد وتنزل خلافا لضلال الفلاسفة "
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٤).
[١٥٠٩] باب منه
سؤال: بالنسبة للروح، بعد وفاة الشخص هل تعود إليه ثانية عندما ينزل إلى القبر وهل يعذب حسب أعماله في القبر؟
стр. 4004
الشيخ: لا شك أن الميت حينما يوضع في قبره فتعود الروح إليه ساعة مجيء الملكين: منكر ونكير لسؤاله، فإذا ما أجاب بالجواب عاد ميتاً كما كان من قبل، وأنا أعني بهذا أن الروح حين يوضع في قبره تعود إليه الروح وتتلبسه بحيث أنه لما بيكون ضجيع القبر يجلس حتى يوجه إليه السؤال فيجيب، فالروح تتلبس قسمه الأعلى فإذا ما انتهى من الجواب عاد كما كان ميتاً، هنا الآن سؤال: أين مصير روحه؟
الجواب: يعذب أو ينعم بروحه لأن جسده ميت، طريقة التنعيم والتعذيب طبعاً هذه الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يتعمق فيها، لأنه من باب الغيب وما نعلم الغيب ولا يعلمه إلا الله ﵎، ولكن في عندنا بعض التفاصيل التي عرفناهما من السنة الصحيحة، من ذلك مثلاً إذا كانت روح الميت مؤمنة يفتح له طاقة من القبر يطل منها على منزله في الجنة، من روحها، ونعيمها ولا يزال هكذا يتنعم إلى قيام الساعة.
في حديث آخر أن هنا الميت المؤمن إما أن يكون من عامة المؤمنين، وإما أن يكون شهيداً، فإذا كان من عامة المؤمنين فتتنقل روحه منه إلى بطن طير من طيور الجنة فيتنعم يأكل هذا الطير من شجر الجنة، إذا كان هذا الميت شهيدا فتكون روحه في حوصلة طير من طيور الجنة.
روح المؤمن العادي في بطن الطير، روح المؤمن الشهيد في حوصلة الطير.
فإذن روح المؤمن نعيمه إما في قبره وقد ينتقل في الجنة بروحه وليس بجسده، أما إذا كان لا سمح الله فاسقا أو كافراً فيفتح له طاقة ويرى منزله في النار، في جهنم، يفتح له منها طاقة فيأتيه من ريحها ولهيبها ودخانها فلا يزال يعذب حتى
стр. 4005
تقوم الساعة.
ومن هنا نصل إلى نقطة هامة جداً لها علاقة ببعض مشاكل العصر الحاضر، فلا بد أنكم تسمعون بناس يزعمون أنهم يستحضرون الأرواح، تسمعون الشيء هذا ولا لا؟
يعني استحضار الأرواح اليوم من بدع العصر الحاضر، وضلالات الكفار الأوربيين وأمثالهم.
هؤلاء لا يؤمنون بشيء اسمه بعث ونشور ... إلخ. فيزعمون أن بإمكانهم أن يستحضروا روح من شاؤوا من الأطباء، من العلماء، من الصالحين، من الطالحين الخ. واغتر بهم كثر من المسلمين في مصر، في سوريا الخ. نحن نعرف بعضهم، فإذا استحضرنا هذه العقيدة الإسلامية وهي أن روح الميت في القبر: ينعم أو يعذب أن ينتقل إذا كان مؤمناً إلى الجنة، كيف يمكن استعادة هذا الأرواح إلى عالم الدنيا، واستنطاقها، واستجوابها؟ هذا من تدجيل الشيطان على هؤلاء الناس اليوم
إذا تذكرتم هذا الحقيقة فاذكروا معها عملية استحضار الأرواح هو دجل عصري، دجل عصري يخالف الشريعة الإسلامية.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ١٥: ٤٩: ٠٠).
[١٥١٠] باب هل روح النبي ﵌ تستقر في جسده بعد موته ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه،
стр. 4006
ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة».
(موضوع).
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله ﵌: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇».
رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه ﵌ ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه ﵌، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحا من وفاته، فلوصح هذا فكيف ترد روحه ﵌ إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
стр. 4007
(تلاقي الأرواح بعد الموت)
[١٥١١] باب هل تعود أراوح الأموات إلى الدنيا ؟
سؤال: روح الميت هل تأتي ويعرف ماذا نفعل هنا في بيته مثلاً؟
الشيخ: أبداً، هذه خرافات تدور في أذهان بعض الناس، الميت إذا مات انقطعت علاقته بالدنيا بالكلية، يعني: لو نزلت القنابل الذرية التي سمعتي عن واحدة منها لما أنزلوها الأمريكان على اليابان، لو نزلت مئات القنابل الذرية على هذه الأرض الكروية ما يحس الأموات بها إطلاقاً: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) ﵌، فالموتى لا يسمعون، فلا تصدقي هذه الأخبار كلها.
" الهدى والنور" (٢٩٠/ ٠٢: ٥٢: ٠٠)
[١٥١٢] باب هل أرواح الأموات تتلاقى وتتزاور وتتذاكر
[قال الآلوسي في "الآيات البينات" ضمن مسائل ذكرها حول الروح]:
الأولى [أي المسألة الأولى]: هل أرواح الموتى تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟ وجوابها على ما في " كتاب الروح ":
" إن الأرواح قسمان: أرواح معذبة وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها.
стр. 4008
[فعلق الألباني قائلاً]:
وقد ساق لها [أي ساق ابن القيم للمسألة] أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والتابعية، لكن الأحاديث التي أوردها ليس فيها ما يحتج به من قبل إسناده، وقد فاته حديث أبي هريرة وفيه: «. . . وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض. . .» الحديث. وسنده حسن، وصححه السيوطي وقد خرجته في "الصحيحة" (٢٦٢٨).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٥).
[١٥١٣] باب هل تجتمع أرواح الموتى فتتذاكر في أحول الدنيا ؟
سؤال: أرواح الأحياء إذا قبضت [تجتمع بأرواح الموتى قائمةً عليهم] من عالم الأحياء فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: فلان تزوج، فلان على حال حسنة، ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية؛ هل في ذلك نصوص عن رسول الله ﵌؟
الشيخ: نعم. يوجد حديث بهذا المعنى الذي ذكرته لكني في الواقع الآن غير مستحضر إن كان صحيحاً أو ضعيفاً (١)، وعسى أن يتاح لنا المراجعة، إن شاء الله تعالى يا شيخنا.
الشيخ: إن شاء الله.
مداخلة: نراجعك بعد فترة في هذه المسألة يا شيخنا؟
стр. 4009
الشيخ: ما في مانع.
مداخلة: إن شاء الله.
مداخلة: هنا الأخ مصطفى ﵀ الذي علمت عن وفاته.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: كان أخ يعني: من أحبابنا وكان عزيز علينا يعني؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: كان يا شيخنا يعني صديق لي يعني: دائم الصداقة، فأنا بعد موته أشعر في كآبه وفي ضيق.
الشيخ: أمر طبيعي.
مداخلة: أمر طبيعي.
الشيخ: ومعلوم، لكن عليك أن تتدرع بالصبر.
مداخلة: بالصبر؟
الشيخ: أي نعم. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:١٠).
مداخلة: جزاك الله خير يا شيخنا.
الشيخ: وإياك.
مداخلة: بارك الله فيك يا شيخنا.
الشيخ: وفيك بارك إن شاء الله.
стр. 4010
"الهدى والنور" (٢٠٢/ ٠١: ٥٧: ٠٠).
[١٥١٤] باب هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات ؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات" ضمن مسائل ذكرها حول الروح]:
الثانية [أي المسألة الثانية]: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
وجوابها: نعم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ روى أبو عبد الله بن منده بسنده إلى ابن عباس في هذه الآية قال: "بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم، فيمسك الله تعالى أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ".
والقول الثاني في الآية: أن الممسك والمرسل في الآية كلاهما توفي وفاة النوم، فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكمله.
[فعلق الألباني قائلاً]:
وقد واجه ابن القيم (ص ٢٠ - ٢١) كلاًّ من القولين: وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار القول الثاني. . ثم رجح هو القول الأول ثم أفاد من التحقيق أن الآية تتناول النوعين: الوفاة الكبرى وهي الموت، والوفاة الصغرى وهي النوم، فراجع كلامه إن شئت التفصيل، وبذلك فسر الآية ابن كثير ثم قال (٤/ ٥٥):
فيه دلالة على أنها تتجمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٥).
стр. 4011
(فناء الأرواح)
[١٥١٥] باب هل تفنى الأرواح
[علق الإمام على قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ وقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ قائلاً]:
والمراد بالفناء والهلاك المذكورين في الآيتين بالنسبة للأرواح إنما هو خروجها من أبدانها، وليس عدمها مطلقا فإنها لا تفنى كالجنة والنار ونحوهما، وقد جمعها ابن القيم فقال في " الكافية الشافية " (١/ ٩٧ - شرح).
ثمانية حُكْمُ البقاء يعمها من ... الخلق والباقون في حيز العدم هي العرض والكرسي ونار وجنة ... وشجب وأرواح كذا اللوح والقلم وذكره النار فيها وأنها باقية لا تفنى هو الصواب من قوله كما بينته في مقدمتي لكتاب " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " للعلامة الصنعاني.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٧).
стр. 4012
[١٥١٦] باب منه
[عن ابن مسعود مرفوعًا]:
«كان إذا دخل الجبانة قال: السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية، والأجداث البالية، والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بالله مؤمنة، اللهم! أدخل عليهم روحاً منك، وسلاماً منا».
ضعيف.
[قال الإمام]:
والحديث ظاهر النكارة، لوصفه الأرواح بأنها فانية، وهذا خلاف ما عليه المسلمون جميعاً.
"الضعيفة" (٩/ ٢٠١).
стр. 4013
(كتاب الروح لابن القيم)
[١٥١٧] باب ما قيمة كتاب «الروح» لابن القيم العلمية ؟
مداخلة: كتاب الروح لابن القيم الجوزية هل يعتمد عليه يا شيخنا هذا الكتاب؟
الشيخ: لا يعتمد عليه، ولو كان ابن القيم هو عندنا قيم، لكن كتابه إن صح نسبته إليه فهو من الكتب التي تشبه ما يؤلفها الناشئون اليوم في العلم، والذين يتسرعون فيخبطون الخبط العشواء في الليلة الظلماء، فالظاهر إن صحت نسبة كتاب ابن القيم كان هذا الكتاب من أوائل ما ألفه، يعني: قبل أن يتحرر من التقليد والجمود الفكري والمذهبي والخرافي.
"الهدى والنور" (٣٢٨/ ٤٢: ٤٦: ٠٠).
[١٥١٨] باب هل تصح نسبة كتاب الروح لابن القيم ؟
سؤال: كتاب الروح الذي ينسب لابن القيم، هل تصح نسبته إليه فعلاً ولاَّ لا؟
الشيخ: هو ينسب له فعلاً، لكن ما ندري هل هو ألفه في أول حياته، أم هو منسوب إليه، ولا علم عنده به الله أعلم.
" الهدى والنور" (٢٢٩/ ٥٨: ٥٢: ٠٠).
стр. 4014
جماع أبواب
ذكر عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين وغير ذلك
стр. 4015
[١٥١٩] باب إثبات عذاب القبر من الكتاب والسنة
[قال رسول الله ﵌]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها ما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[قال الإمام]:
من فوائد الحديث
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منها]:
- إثبات عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة، فلا مجال للشك فيه بزعم أنها آحاد! ولو سلمنا أنها آحاد فيجب الأخذ بها لأن القرآن يشهد لها، قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ (غافر:٤٥، ٤٦).
ولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها، فهي وحدها كافية لإثبات هذه العقيدة، والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل في الإسلام، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام كالأربعة وغيرهم، بل هو مما جاء به بعض علماء الكلام، بدون برهان من الله ولا سلطان، وقد كتبنا فصلاً خاصا في
стр. 4016
هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا، أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على الناس.
- إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت، فيجب اعتقاده أيضاً، والأحاديث فيه أيضاً متواترة.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٤ - ٢٩٧).
[١٥٢٠] باب أدلة عذاب القبر
[قال الإمام]:
عذاب القبر" (ثابت) كتاباً وسنة وبإجماع أهل السنة والجماعة والسلف الصالح.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٨٤)
[١٥٢١] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر عذاب القبر
[ترجم الإمام لضرار بن عمرو قائلاً]:
هو القاضي. قال الذهبي: " معتزلي جلد له مقالات خبيثة قال ابن حزم: " كان ضرار ينكر عذاب القبر ".
قلت: ومثله اليوم كثير ممن يشككون في الأحاديث الصحيحة الصريحة في عذاب القبر ويدفعونها بزعمهم أنها أحاديث آحاد، وأن القاعدة أنه لا تثبت بها عقيدة، وقد بينت بطلان هذه القاعدة في رسالتين مطبوعتين: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام " و" وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٤).
стр. 4017
[١٥٢٢] باب منه
[قال الإمام]:
الطبيب البيطري إسماعيل منصور المصري ... [في] كتابه الذي اسماه "شفاء الصدر (ينفي) عذاب القبر" (١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٨٣ - ٨٨٤).
[١٥٢٣] باب هل تعود الروح للإنسان في قبره؟ والتنبيه على عدم التوسع في الكلام على عذاب القبر ونعيمه إلا بما ثبت
سؤال: بالنسبة للروح، بعد وفاة الشخص هل تعود إليه ثانية عندما ينزل إلى القبر وهل يعذب حسب أعماله في القبر؟
الشيخ: لا شك أن الميت حينما يوضع في قبره فتعود الروح إليه ساعة مجيء الملكين: منكر ونكير لسؤاله، فإذا ما أجاب بالجواب عاد ميتاً كما كان من قبل، وأنا أعني بهذا أن الروح حين يوضع في قبره تعود إليه الروح وتتلبسه بحيث أنه لما بيكون ضجيع القبر يجلس حتى يوجه إليه السؤال فيجيب، فالروح تتلبس قسمه الأعلى فإذا ما انتهى من الجواب عاد كما كان ميتاً، هنا الآن سؤال: أين مصير روحه؟
الجواب: يعذب أو ينعم بروحه لأن جسده ميت، طريقة التنعيم والتعذيب طبعاً هذه الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يتعمق فيها، لأنه من باب الغيب وما نعلم الغيب ولا يعلمه إلا الله ﵎، ولكن في عندنا بعض التفاصيل
стр. 4018
التي عرفناهما من السنة الصحيحة، من ذلك مثلاً إذا كانت روح الميت مؤمنة يفتح له طاقة من القبر يطل منها على منزله في الجنة، من روحها، ونعيمها ولا يزال هكذا يتنعم إلى قيام الساعة.
في حديث آخر أن هذا الميت المؤمن إما أن يكون من عامة المؤمنين، وإما أن يكون شهيداً، فإذا كان من عامة المؤمنين فتتنقل روحه منه إلى بطن طير من طيور الجنة فيتنعم يأكل هذا الطير من شجر الجنة، إذا كان هذا الميت شهيدا فتكون روحه في حوصلة طير من طيور الجنة.
روح المؤمن العادي في بطن الطير، روح المؤمن الشهيد في حوصلة الطير.
فإذن روح المؤمن نعيمه إما في قبره وقد ينتقل في الجنة بروحه وليس بجسده، أما إذا كان لا سمح الله فاسقا أو كافراً فيفتح له طاقة ويرى منزله في النار، في جهنم، يفتح له منها طاقة فيأتيه من ريحها ولهيبها ودخانها فلا يزال يعذب حتى تقوم الساعة.
ومن هنا نصل إلى نقطة هامة جداً لها علاقة ببعض مشاكل العصر الحاضر، فلا بد أنكم تسمعون بناس يزعمون أنهم يستحضرون الأرواح، تسمعون الشيء هذا ولا لا؟
يعني استحضار الأرواح اليوم من بدع العصر الحاضر، وضلالات الكفار الأوربيين وأمثالهم.
هؤلاء لا يؤمنون بشيء اسمه بعث ونشور ... الخ. فيزعمون أن بإمكانهم أن يستحضروا روح من شاؤوا من الأطباء، من العلماء، من الصالحين، من الطالحين الخ. واغتر بهم كثر من المسلمين في مصر، في سوريا الخ. نحن نعرف بعضهم،
стр. 4019
فإذا استحضرنا هذه العقيدة الإسلامية وهي أن روح الميت في القبر: ينعم أو يعذب أن ينتقل إذا كان مؤمناً إلى الجنة، كيف يمكن استعادة هذا الأرواح إلى عالم الدنيا، واستنطاقها، واستجوابها؟ هذا من تدجيل الشيطان على هؤلاء الناس اليوم إذا تذكرتم هذا الحقيقة فاذكروا معها عملية استحضار الأرواح هو دجل عصري، دجل عصري يخالف الشريعة الإسلامية.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ١٥: ٤٩: ٠٠)
[١٥٢٤] باب السؤال في القبر حق وأحاديثه متواترة
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن ... بعذاب القبر لمن كان له أهلا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﵌ وعن الصحابة رضوان الله عليهم " قائلاً]:
وهي [أي أخبار السؤال في القبر] متواترة، إلا تسمية الملكين بمنكر ونكير ففيه حديث بإسناد حسن مخرج في " الصحيحة " (١٣٩١).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٥).
[١٥٢٥] باب منه
[قال الإمام]:
- إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت، فيجب اعتقاده أيضاً، والأحاديث فيه أيضا متواترة.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٧).
стр. 4020
[١٥٢٦] باب ما جاء أن إبليس وأعوانه يأتون الميت في القبر
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، وبشروهم بالجنة، فإن الحليم من
الرجال والنساء يتحيرون عند ذلك المصرع، وإن الشيطان لأقرب ما يكون عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يألم كل عرق منه على حياله».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
(فائدة): وأما ما نقله الغزالي في " الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة " من
فتنة الموت، وأن إبليس لعنه الله وكل أعوانه يأتون الميت على صفة أبويه على
صفة اليهودية، فيقولان له: مت يهوديّاً، فإن انصرف عنهم جاء أقوام آخرون على
صفة النصارى حتى يعرض عليه عقائد كل ملة، فمن أراد الله هدايته أرسل إليه
جبريل فيطرد الشيطان وجنده، فيبتسم الميت ... إلخ، فقال السيوطي: " لم أقف عليه في الحديث ".
"الضعيفة" (٣/ ٦٤٥ - ٦٤٦).
[١٥٢٧] باب عذاب القبر يكون للكفار والفساق
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن ... بعذاب القبر لمن كان له أهلاً" قائلاً]:
يعني من الكفار وفساق المسلمين، والأول مقطوع به منصوص عليه في
стр. 4021
القرآن، والآخر كذلك، وهو منصوص عليه في أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، كما ذكر الشارح وغيره.
فيجب الاعتقاد به ولكن لا يجوز الخوض في تكييفه؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فيجب التسليم به، وتجد بعض الأحاديث المشار إليها في " الشرح " وفي " السنة " لابن أبي عاصم (رقم ٨٦٣ - ٨٧٧ بتحقيقي وتخريجي).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٤ - ٨٥).
[١٥٢٨] باب هل يعذب المسلم العاصي في
القبر بأصناف عذاب الكافر ؟
سؤال: يسأل السائل فيقول: هل حديث تعذيب الرجل الكافر في القبر وضرب الملائكة له يطبق على المسلم العاصي؟
الشيخ: ذلك مما لا نعرفه، ومن المحتمل أن يشارك المنافق أو الفاسق من المسلمين الكافر في التعذيب بنوع من العذاب، وهذا مما جاء التصريح به في مثل قوله ﵊: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» فهذا يدل على أن المسلم يعذب في القبر ولكن ما نوعية هذا العذاب هذا مما لا نعلمه، وكذلك يؤيد معنى هذا الحديث حديث ابن عباس ﵁ الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما أن النبي ﵌ مر بقبرين فقال ﵇: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه - وفي رواية: لا يستتر - من البول، وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة» ثم أمر ﵊ بأن يؤتى بغصن النخيل فشقه نصفين ووضع أحدهما على قبر والآخر على الآخر، فسألوه
стр. 4022
عن ﵇ فقال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين» فهذا أيضًا فيه تصريح بأن المسلم يعذب في قبره بسبب معصية كان اقترفها في حياته، وذكر هنا في الحديث معصيتين إحداهما: إهماله التنزه وعدم الاحتياط في أن يصاب برشاش البول والآخر أنه كان يسعى بالنميمة.
وقوله ﵇ حينما وضع على كل قبر شقًا من ذلك الغصن: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين» إشعار بأنهما كأنا مسلمين، ويؤكد ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﵌ لما سئل عن الوضع المذكور وعن السبب الحامل له على ذلك قال: «لعل الله أن يخفف عنهما بشفاعتي» أي: بدعائي، ومعنى هذا: أن النبي ﵌ دعا لهما أن يخفف الله عنهما من العذاب الذي أصابهما ما دام الغصنان رطبين.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٠:٣٨).
[١٥٢٩] باب هل عذاب القبر مستمر أم منقطع ؟
سؤال: أستاذنا، عذاب القبر هو عذاب حتى يوم القيامة، أم متقطع؟ وما الدليل على ذلك؟
الشيخ: ربنا قال في القرآن الكريم في حق فرعون وجماعته: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (غافر:٤٦)، هذا بالنسبة لأكثر الناس، فرعون وجماعته، الذي اتخذوه إلهاً من دون الله، أما الآخرين لا شك أن من الفساق من المسلمين، بيكون عذابهم دون ذلك، أما تفصيل بين كم وكم، فهذا ليس له ذكر في السنة.
"الهدى والنور" (٩/ ٠٤: ٤٦: ٠٠)
стр. 4023
[١٥٣٠] باب هل يمكن أن يرى بعض الناس ما يحدث في القبر من عذاب ؟
السائل: العاصي؛ في بعض الأوقات يدعون أنهم يشوفون ما يحدث له
في القبر.
الشيخ: هذا ممكن، لعلكم سمعتم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن العباس ﵄: أن النبي ﵌ مر بقبرين فقال ﵊: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه - وفي رواية -: لا يستتر من البول، ثم أمر بأن يؤتى له بغصن فشقه شقين ووضع كل شق منهما على القبر، فسألوه عن ذلك ﵊ فقال: لعل الله يخفف عنهما ما داما رطبين».
فالرسول ﵌ سمع عذاب هذين المعذبين، وكانا مسلمين لكن
أحدهما يسعى بالنميمة والآخر: لا يستتر، أي: يتساهل في الكشف عن عورته
أمام الناس، أو لا يستنزه من البول، أي: لا يتحاشى أن يصيبه رشاش البول، ولذلك عذبا، وقال ﵊: «استنزهوا من البول فإن أكثر عذاب القبر من البول».
كذلك جاء في الصحيح: «أن النبي ﵌ مر ذات يوم راكبًا دابته فشمست به، فنزل فرأى قبرين فسأل أصحابه الذين كانوا معه: متى مات هذان؟ قالوا: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن لا تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» (١) أي: إن
стр. 4024
الدابة لما شمست به ﵇ سمعت صوت عذاب المقبورين، فلا يستبعد أن يرى بعض الناس بعض العصاة في قبورهم يعذبون؛ لأن عذاب القبر حق، ولذلك أمر النبي ﵌ من قوله: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١) فعذاب القبر حق يمكن أن يرى بالأعين العادية أفعى تنهش منه ... ونحو ذلك، لكن يبقى كل شيء خاضع لعلم الرواية صحت الرواية أم لا؟ الذي يُحَدِّث صادق أو مُهَوِّل، كل هذا ممكن أن يقال، أما الأصل فثابت.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٩/ ٠١:٠٦:٤٨).
[١٥٣١] باب ضمة القبر غير عذاب القبر
[روي عن النبي ﵌]:
«الضمة في القبر كفارة لكل مؤمن؛ لكل ذنب بقي عليه لم يغفر له، وذلك أن يحيى بن زكريا ﵉ ضمه القبر ضمة في أكلته الشعير».
(موضوع)
[قال الإمام]:
وبيض له المناوي في "شرحيه" فلم يتكلم على إسناده بشيء؛ إلا أنه نقده من حيث متنه فقال:"وهذا يعارض خبر: «أكثر عذاب القبر من البول» و «عامة عذاب القبر من البول».
стр. 4025
وهذه معارضة غير صحيحة؛ لأن ضمة القبر غير عذاب القبر، كما يدل عليه أحاديث ضم القبر لسعد بن معاذ، وللصبي، وانظر "الصحيحة" (١٦٩٥و٢١٦٤).
والحديث الذي ذكره المناوي صحيح، ورد عن جمع من الصحابة باللفظين اللذين ذكرهما، وهو مخرج في "إرواء الغليل" (١/ ٣١٠/ ٢٨٠). ويشهد له حديث "الصحيحين": «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، وأما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة».
رواه الشيخان وهو مخرج في المصدر السابق (٢٨٣).
"الضعيفة" (٧/ ٢٨١).
[١٥٣٢] باب في ضغطة القبر
سؤال: قال في المسند .. : حديث حذيفة قال: «كنا مع رسول الله ﵌ في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر قعد على ساقيه فجعل يردد بصره فيه، ثم قال: يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله، ويُملأ على الكافر نارًا» قال: والحمال: عروق الأنثيين ... ما معنى تزول الحمائل؟
الشيخ: كناية عن شدة العذاب ..
مداخلة: يعني: المؤمن يضغط ضغطة لهذه الدرجة؟
الشيخ: وتتداخل أضلاعه لا ينجو منها حتى سعد بن معاذ كما قال ﵇ في بعض الأحاديث الصحيحة.
مداخلة: يعني: الضغطة يتألم منها؟
стр. 4026
الشيخ: ... بلا شك، هذا إذا تداخلت الأضلاع فهذا ألم شديد لكن لا يستمر، ضغطة واحدة ثم يعود كل شيء إلى طبيعته إن صالحًا فصالح وإن طالح فطالح كما شرحنا آنفًا من حيث أنه يفتح للميت طاقة في القبر.
مداخلة: يعني: الضغطة لا بد منها.
الشيخ: لا بد منها.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٣٦: ٢٢: ٠٠).
[١٥٣٣] باب مِن عذاب القبر ونعيمه
سؤال: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، هذا حديث؟
الشيخ: حديث ضعيف (١)، لكن معناه مأخوذ من أحاديث صحيحة لعلكم تذكرون أن الميت إذا وضع في قبره وكان صالحًا فتحت له طاقة نافذة يطل منها على منزله في الجنة، فيأتيه من روحها وريحها ونعيمها ولا يزال كذلك ينعم حتى تقوم الساعة، وإذا كان والعياذ بالله غير صالح فتحت له طاقة إلى النار ويرى منزله من النار فيأتيه من ريحها ودخانها ولهيبها فلا يزال كذلك يعذب حتى تقوم الساعة، هذا بمعنى حديث: روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار تقريبًا أو يؤدي هذا المعنى وإن كان الحديث الضعيف هذا فيه شيء من المبالغة في الوصف، روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لا لكن يأتيه من روحها ... ونعيمها إن كان صالحًا، والعكس بالعكس كما ذكرنا.
"فتاوى رابغ" (١/ ٠٠:٠٦:١٧).
стр. 4027
[١٥٣٤] باب رزق الشهداء في قوله تعالى:
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ يكون في القبر أم في الجنة ؟
[قال الألباني معلقا على كلمة "عند"في الآية الكريمة]:
فيه إشارة إلى أن رزقهم المذكور ليس في القبر وإنما عند ربهم، وذلك صريح في حديث مسروق قال: سألنا عبد الله (ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٦٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٩).
[١٥٣٥] باب عدم التنزه من البول
والنميمة من أسباب عذاب القبر
سؤال: في كل بلاد المسلمين ... نحن أحوج ما نكون للتعلم على الأشياء الصغيرة في ديننا، فالأشياء الصغيرة في ديننا نحن نجهلها تماماً حتى الناس المتعلمين منا، نرى الشيوخ عندنا في المساجد يقف الواحد يخطب خطبة كاملة عن مشكلة اقتصادية، أو مشكلة سياسية أو مشكلة كذا، ولا نرى أن أحداً منهم يعلم الناس كيف يتبرأ الإنسان من البول هذه الأشياء المهمة جداً بالنسبة لنا.
الشيخ: على كل حال يعني الأمر كما تقول مع ملاحظة شيء وهو: إنه هذه في الواقع قد تكون صغيرة بمعنى هينة، ولكنها عند الله كبيرة، انظر الآن بمناسبة ما
стр. 4028
قلت قوله ﵇: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» إذاً تنزهوا من البول هذا شيء صغير رشاش من البول يصيب البدن أو الثياب، وهذا يقع فيه كثير من الناس وخاصة الذين ابتلوا بلباس البنطلون يا أبا عبد الله هذه مصيبة الدهر؛ لأنه هذا البنطلون لا يساعد على التنزه من البول هذه حقيقة، ولذلك كما قال أيضاً في الحديث الآخر وهو أصح من الأول رواه البخاري ومسلم في صيحيحهما من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﵌ مر بقبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» هنا الشاهد «بلى إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» وفي رواية: «لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة» ثم أمر ﵊ أن يؤتى إليه بعذق من نخيل فشقه شقين ووضع على كل قبر شقاً فسألوه عن هذا فقال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين».
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
[١٥٣٦] باب هل وضع أغصان رطبة على
القبر يخفف عن الميت في القبر ؟
[قال الإمام]:
يظن كثير من الناس وقد تسمعون هذا الظن من بعض الخاصة من الناس، العادة الجاهلية اليوم وبخاصة في الأعياد من وضع الأغصان الرطبة على القبور زعماً منهم إنه هذا ينفع الميت، هيهات هيهات؛ لا ينفع الميت إلا ما قدم من عملٍ صالح، أو ما خلَّف من بعده من آثاره الصالحة، كما قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢)، وشرح ذلك الرسول ﵇ في قوله: «إذا مات الإنسان» وفي رواية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع
стр. 4029
به أو ولد صالح يدعو له»، فإذا مات الميت ما أحد يستطيع أن يفيده إطلاقاً إلا عمله الصالح وإلا كما قلنا ما خلَّف من بعده من آثار لعمل له صالح كما تدل الآية والحديث، وإلا بإمكاننا أن نستثني استثناء آخر ويجب أن يظل هذا قائماً في أذهاننا وإلا دعاء يدعو به المسلم لمسلم ميت فيستجيب الله لهذا الدعاء فينتفع به ذلك الميت، ولكن هذا أمر غيبي لا يجوز لنا أن نتكل عليه لا في حياتنا ولا بعد وفاتنا بمعنى: أن نؤمل أننا إذا متنا أن يمر بنا رجل صالح فيدعو لنا فيغفر الله لنا هذا في عالم الغيب، ولذلك المثل يقول: عصفور في اليد ولا عشرة في الشجرة، فإذاً: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:٩٤)، فهذا الغصن الرطب الندي لا يفيد الميت إطلاقاً، أما ما فعله الرسول ﵇ فهذه معجزة وكرامة من الله كما جاء في رواية في صحيح مسلم من حديث جابر أن الله قبل شفاعة النبي ﵌ في المقبور ما دام الغصن رطباً.
فإذاً: علة انتفاع الميت الذي وضع الرسول ﵊ الغصن على قبره ليس هو الرطوبة والنداوة الموجودة بالغصن، وإنما العلة هو أن النبي ﵌ دعا وقبل الله منه دعاءه بحق الميت، ولكن ليس إلى يوم يبعثون، وإنما ما دام الغصن رطباً فإذاً هذا هو معنى الحديث ونستفيد منه أن الشيء الذي لا يهتم به المسلم مثل استغابة أخيه المسلم في المجلس، أو عدم الاهتمام بالتنزه من رشاش البول فذلك من الأسباب الموجبة لعذاب القبر، ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر.
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
стр. 4030
[١٥٣٧] باب هل زراعة الأشجار
على القبور تخفف من عذاب القبر ؟
عن ابن عباس قال مر النبي ﵌ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول - وفي رواية لمسلم: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة» قالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا».متفق عليه.
[قال الإمام]:
لقد توهم كثير من الناس أن التخفيف إنما كان من أجل رطابة الشقين, وهذا ليس بصحيح ولو كان كذلك لما شق الغصن شقين لأن ذلك مما يسرع اليبوسة إلى الشقين كما لا يخفى, والصحيح أن سبب التخفيف إِنما هو شفاعته ﵌ ودعاؤه لهما, وأن الله استجاب له ذلك إلى أن ييبساً, فالرطابة علامة لا سبب, ويشهد لهذا حديث جابر الطويل في مسلم (٨/ ٢٣٥): "إني مررت بقبرين يُعذبان, فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما مادام الغصنان رطبين". ولهذا لم يعرف عن النبي ﵌ أنه كان يفعل ذلك عند زيارة القبور ولا عن الصحابة ولا عن أحد السلف, بل قد أنكر الإمام الخطابي ما يفعله الناس اليوم من وضع الأخضر على القبور, وقال: إنه لا أصل له, وقد تكلمت على هذه المسألة بتفصيل في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها" وراجح أيضاً تعليق أحمد شاكر على "الترمذي" (١/ ١٠٣).
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ١١٠).