← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 4516–4534 · переход к 4521.

стр. 4516

الأحاديث من أجل يزيحوا العثر بزعمهم من طريق عامة المسلمين فما في فائدة لا ينزل عيسى ويخرج المهدي، هذا فهمه خطأ كما فهم الجبريون من القدر ووراهم المعتزلة ثم أنكروا الجبر، وأنكروا معه القدر. ما دام لا يوجد في الأحاديث الصحيحة التي نزلت في عيسى ﵇، وفي خروج المهدي ما يشعرنا بالتواكل على مجيئهما إذاً: يجب علينا أن نعمل؛ لأن عيسى إن نزل وجد الأرض مهيئة لقائد يقودهم، وإذا نزل عيسى ﵇ والمسلمون كما هم اليوم - أنا أقول هذا الكلام مؤمن به - سوف لا يستطيع عيسى أن يجمع المسلمين في لحظة، في يوم وليلة يجمع المسلمين الصالحين منهم بطبيعة الحال حول قيادته؛ لأنه سوف لا يكون في اعتقادي أحلم وأقدر على جمع قلوب الناس حوله من نبينا محمد ﵌ وهو لبث في قومه عشرين سنة، وحتى استطاع أن أوجد هذه النواة التي غذاها الله بِقَوَّتِهِ وعلمه ثم امتدت ظِلالها كما تعلمون من التاريخ الإسلامي. فإذاً: عيسى ﵇ يجب ألا نتصور أنه ينزل إلى الأرض إلا وقد هيئت له لقبوله، إذاً: ينبغي أن نفهم أحاديث النزول والخروج؛ على أنها تحض المسلمين على العمل لإعادة الإسلام إلى مجده الغابر، لا أن ينتظروا عيسى والمهدي ليعيد لهم المجد الغابر، إذا آمنا هكذا فما المشكلة من أحاديث عيسى ﵇ وخروج المهدي؟ لا إشكال أبداً دائماً المشاكل تأتي من سوء فهم النصوص، وهذه الحقيقة نقطة مهمة جداً في العالم الإسلامي من حيث إنهم أساءوا فهم بعض النصوص فأساؤوا فهم نصوص أخرى. ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً وإياكم للفهم الصحيح عن الله ورسوله.

стр. 4517

مداخلة: يا شيخ ... ابن خلدون يتكلم عن أحاديث المهدي ما رأيكم في أحاديث المهدي يقول: إنها ضعيفة كلها. الشيخ: أولاً: لا يخفاكم أن ابن خلدون هو مؤرخ وحكيم في التاريخ وليس عالماً بالحديث، وما أردت أن أقول ليس متخصصاً في الحديث، بل هو ليس عالماً في الحديث. مداخلة: يعني: أبعد من هذا. الشيخ: هو هكذا، ثم من قرأ كتابته في تاريخه أو في مقدمة تاريخه حول أحاديث المهدي يجد هناك في بعض الأحاديث اعترافاً بالصحة لهذا البعض، ولذلك فيخطئ كثيراً من الكتاب الذين كتبوا في هذه القضية ومنهم: شيخ قطر إذا سمعتم به. مداخلة: القرضاوي الشيخ: لا المحمود هذا. مداخلة: الشيخ الكبير. الشيخ: يخطئ كثيراً كهذا الشيخ حين يعزوا إلى ابن خلدون أنه ضعف كل أحاديث المهدي، فهذا خطأ ليس فقط على الحديث النبوي، بل وخطأ آخر على ابن خلدون المؤرخ. ثم علم الحديث في الواقع فيه دقائق هي التي صرفت كثيراً من العلماء عن الاشتغال بالحديث؛ لأنه يتطلب جهداً ودأباً قد لا يستطيعه أكثر النفوس، ولو كانوا من أهل العلم والفضل. أضرب لك مثلاً بين عالم يكتب بحثاً علمياً وكاتب يكتب مقالة أدبية كم

стр. 4518

الفرق بينهما؟ مداخلة: الفرق شاسع. الشيخ: شاسع جداً الذي يكتب مقالة أدبية، الأفكار المخزونة في ماذا؟ مخه وفكره يسير قلمه لا يحتاج أن يراجع هذه الكتب التي يسميها بعض الناس ظلماً الكتب الصفراء ... ، لا يحتاج. بينما الذي يريد أن يكتب ويحرر مقالة علمية خاصة في آخر الزمان الذين علمهم كأمثالنا في سطورهم وليس في صدورهم هؤلاء بحاجة أن يراجعوا على الأقل يتثبتوا، أما ذاك الكاتب ما يحتاج إلى مراجعة أبداً، يكتب يشحبر -يقولوا عندنا في الشام- يعني بالقلم الأسود. النسبة التي ذكرتها بين الكاتب العالم، والكاتب الأديب هي النسبة بين العالم المحدث المتخصص في الحديث والعالم يحتاج إلى صبر ومراجعة كثيرة وكثيرة جداً لماذا؟ لأن كثيراً من الأحاديث هي من القسم الذي يسميه علماء الحديث صحيح لغيره، حسن لغيره. صحيح لغيره وحسن لغيره، أحد العلماء كالترمذي مثلاً إذا قال في حديث ما حديث حسن، وهذا من الغرائب واللطائف التي لا يتنبه لها أكثر العلماء بل وكثير من المحدثين إذا قال الترمذي في حديث: حسن, يعني: إسناده ضعيف أسمعتم بهذا؟ إذا قال في حديثٍ ما: حديث حسن يعني: أن إسناده ضعيف. مداخلة: لم يصل إلى درجة الصحة يعني .... الشيخ: إذا قال الترمذي في حديث ما حديث حسن يعني: إسناد الحديث الذي حسنه الترمذي إسناده ضعيف كيف هذا؟ هذا اصطلاح، على خلاف ما إذا

стр. 4519

قال في حديث آخر: حديث حسن غريب، فإنما يعني حديث حسن إسناده، كلمة غريب حددت المراد من كلمة قوله: حسن. أما إذا عَرَّى هذه الكلمة حسن عن لفظة غريب، فهو يعني حسنٌ متنه ضعيفٌ إسناده لماذا جاء هذا التحسين؟ من علمه أن لهذا المتن شواهد، وطرق أخرى ارتقت به من الضعف الذي جاءه من هذا الاسناد. إذاً: من أجل ذلك قال علماء الحديث: إذا وقف طالب العلم على حديث إسناده ضعيف، فهل يجوز له أن يقول حديث ضعيف؟ قالوا وقالوا؛ قالوا: لا يجوز لأنه قد يكون له إسناد آخر إما أن يكون هذا الإسناد الآخر حسناً لذاته، أو صحيحاً لذاته أو على الأقل يجعل هذا الحديث الضعيف إسناده حسناً أو صحيحاً لغيره، ولذلك فلا يستقل بالقول بأنه هذا حديث ضعيف وإنما يقول: حديث إسناده ضعيف، ثم استثنوا فقالوا: اللهم إلا رجل عالم متمكن في علم الحديث محيط ما شاء الله بطرق الحديث، ثم لم يجد لهذا الحديث إلا هذا الإسناد فلمثله فقط أن يقول هذا حديث ضعيف. "الهدى والنور" (١٩٨/ ٠٩: ٢١: ٠٠) [١٨٠٩] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى [قال الإمام]: الأشاعرة ... غلوا وأنكروا الحكمة على ما فصله ابن القيم في «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». فراجعه فإنه هام جداً. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٥).

стр. 4520

[١٨١٠] باب الرد على من قال أن لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﵌ فيما يروي عن ربه أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... » الحديث. (صحيح). [قال الإمام]: قال الراغب: [الظلم] هو لغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به بنقص أو زيادة، أو عدول عن وقته أو مكانه، قلت: ففيه رد على الذين يفسرونه بأنه التصرف في ملك الغير! وبناء عليه يقولون بأن لله تعذيب الطائع، وإثابة العاصي! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، راجع للرد عليهم كتاب ابن القيم: «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٨٥٨). [١٨١١] باب خطأ من قال بأن الشر ليس من خلقه تعالى [قال رسول الله ﵌]: «إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما [فليأخذ بناصيتها] [وليسم الله ] [وليدع بالبركة] وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه». رواه البخاري.

стр. 4521

[قال الإمام]: في الحديث دليل على أن الله خالق الخير والشر خلافًا لمن يقول - من المعتزلة وغيرهم - بأن الشر ليس من خلقه ﵎، وليس في كون الله خالقًا للشر ما ينافي كماله تعالى، بل هو من كماله ﵎، وتفصيل ذلك في المطولات ومن أحسنها كتاب " شفاء العليل في القضاء والقدر والتعليل " لابن القيم فليراجعه من شاء. "آداب الزفاف" (ص٩٣).

стр. 4522

جماع أبواب الكلام على حكم منكري القدر أو بعض مراتبه

стр. 4523

[١٨١٢] باب الجبرية والقدرية؛ هل تخرجهم مقالتهم من الإسلام ؟ سؤال: يقول السائل: ذكرتم .. أن المعتزلة لا يكفرون، فكيف ذلك وهم يقولون بخلق القرآن وغيره من الأمور العقدية المخالفة، فما هو الضابط في قضية الكفر؟ الجواب: نعم، هذا سؤال مهم. الحقيقة أن هناك شيئاً وسطاً، لا يلزم من وقوع الإنسان في الكفر أن يقع الكفر عليه، ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، لكن إذا أردنا أن نقول: إنه كفر وارتد عن الدين فلا بد من إقامة الحجة عليه حتى تتجلى له الحقيقة وتزول عنه الشبهة التي كانت هي السبب في انحرافه عن الحق الذي جاء به الشرع وخالفه فوقع في الضلال المبين. هذا الجواب يشمل كل الفرق الإسلامية التي لا تزال مسلمة معنا، لا تنكر شيئاً من الأحكام المتعلقة بالإسلام، يعني الأحكام العملية. فما دام مسلماً لا ينكر ما هو ثابت من الدين بالضرورة - كما يقول الفقهاء - فهو مسلم ولو ضل سواء السبيل في بعض الأفكار أو في بعض العقائد، فمن أنكر - كما قلنا عن المعتزلة وغيرهم من الجبرية وأمثالهم من المبتدعة قديماً وحديثاً، حديثاً اليوم جبرية ما شئت من المسلمين جبرية، يقول لك: ما في فائدة، الإنسان مجبور، وكلمة سائرة على الألسنة يمكن كلكم يشترك في معرفتها، الإنسان مسير وإلا مخير؟ ويش يقولون؟ مسير، أيش هو معنى مسير؟

стр. 4524

مداخلة: مجبور. الشيخ: يعني مجبور. فإذاً أمة يغلب عليها هذه العقيدة أن الإنسان مسير ما هو مخير مش ممكن أنها تنهض، بدها علاج بدها تصحيح المفهوم. هل نكفر هؤلاء؟ نقول: لا. لماذا؟ لأنهم يعيشون في جو جاهلي الحقيقة. نرجع للمعتزلة الموجودين اليوم، كثير منهم بيقول لك: أن الإنسان مش معقول أن الله يكتب عليه أنه شقي وبعدين أيش يعذبه، فأنكروا الكتاب الإلهي السابق، قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر:٥٣) يعني: مسجل. ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) الكتاب هنا ليس كما تسمعون أحياناً من بعض الكتاب المعاصرين يعني القرآن، ويريدون [أن] يتفاخروا على سائر الأديان بباطل، والمسلمون ليسوا بحاجة إلى مثل هذا الافتخار بالباطل حين يقولون: أن القرآن كل شيء مذكور فيه. ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، الكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ وليس القرآن الكريم. القرآن الكريم بشهادة أهل السنة والجماعة ليس فيه كل شيء مما يتعلق بإصلاح عبادة الإنسان وسلوكه، وإنما تمام ذلك في سنة نبيه، كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (١). فإذا كانت السنة متممة للقرآن فكيف يقال: إن القرآن فيه كل شيء من الاختراعات والابتكارات وعلم الفلك والجغرافيا وو، هذه مبالغة ليس الإسلام

стр. 4525

بحاجة إليها أبداً. ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) أي: اللوح المحفوظ، فالناس اليوم ينكرون هذه الكتابة ويتوهمون شيئاً آخر وهو الذي وقع فيه المعتزلة: أن القدر الإلهي هو العلم الإلهي، بينما القدر ليس هو العلم الإلهي كالكتابة، القدر مشتق من التقدير من تفصيل كل شيء ووضعه في مكان لائق به، فالقدر الإلهي هو فعل الإله ، لكن حسب العلم الإلهي الأزلي. كذلك الكتابة، كتب كل شيء في اللوح المحفوظ كما جاء في الحديث الصحيح: «لما خلق الله القلم، أو أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) هذه عقيدة المسلمين كافة، إلا المعتزلة يقولون: لا قدر، لا كتابة. إذاً: ليس فقط إلا العلم الإلهي. الحقيقة أنهم حينما يؤمنون بالعلم الإلهي من جهة يجعلهم في دائرة الإسلام، لكن من جهة يخرجون عن الإيمان - كما قلنا آنفاً - بعض الخروج بإنكارهم التقدير الإلهي والتسطير الإلهي والكتابة الإلهية. لكن من عجائب عقولهم: أنهم ما استفادوا شيئاً من تعطيل هذه النصوص التي قصدوا بهذا التعطيل تخليص جماهير الجبريين من الجبر، ما استفادوا شيئاً، لماذا؟ لأن الذي قدره الله وفق علمه ولأن الذي كتبه الله هو وفق علمه، فإذاً بزعمهم الجبر لا يزال ملازماً لهذا الإنسان المخلوق. إذا رفعنا الآن من أذهاننا كما يريد المعتزلة لا كتابة ولا قدر، طيب. ألم يسبق في علم الله أن فلاناً من أهل النار؟ مثلاً: أن إبليس هو في أسفل الدرك من النار؟

стр. 4526

نعم، سبق في علم الله. طيب. هل يستطيع ألا يفعل ذلك؟ نفس الشبهة هم يوردونها على أهل السنة حينما يقولون بالقدر ويقولون بالكتابة، الشبهة واردة عليهم أيضاً، لأن الكتابة لا تزيد على أكثر مما في العلم الإلهي. بلا تشبيه، إنسان منا عنده فكرة أجى كتبها، الكتابة هذه ما زادت على ما في فكره وفي عقله فهي تبقى هذا الفكر، فما أدت بشيء جديد إلا لماذا يكتب أحدنا الآن؟ ليبين للناس الحقيقة التي في مخه. بلا تشبيه، ربنا أراد أن يبين ما سبق في علمه فقدر كل شيء وكتب كل شيء، وذلك لتأكيد أن الله على كل شيء قدير. إذاً: الجواب لإبطال شبهة الجبر ليس هو بإنكار الكتابة والقدر وإنما بأن نلاحظ شيئاً واحداً وهو: أن ندرس طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه ربنا في أحسن تقويم، هل هو فعل المجبور؟ أو بالتعبير العامي: هل هو ميسر ما هو مخير؟ الجواب: لا يصح أن نقول كما يقولون، الإنسان مسير ما هو مخير، ولا يصح العكس أيضاً أن نقول: الإنسان مخير ما هو مسير، وإنما نقول: إنه تارة يكون مسيراً أي: مجبوراً، وتارة يكون مخيراً مختاراً، فلا نطلق لا سلباً ولا إيجاباً، لا نقول كما تقول العامة: مسير ما هو مخير، ولا العكس نكاية في العامة نقول: لا، هو مخير ما هو مسير، لأن الواقع يشهد أن الإنسان تارة مسير وتارة مخير. بدليل حينما يكون الإنسان في أي شيء ما صدر منه، لوحظ في ذلك أنه كان مجبوراً، كان مسيراً من الغير وهو رب العالمين ولم يكن مخيراً هل عليه مسئولية

стр. 4527

عند الله ﵎؟ لا مسئولية. لماذا؟ لأنه ثابت كتاباً وسنة وعقلاً: أن المسئولية والجبر لا يجتمعان، كما قال الجبري المقيت واصفاً ربه بما لا يصح أن نصف به جباراً ظالماً مبيراً، قال في الله واصفاً علاقة العبد مع ربه: ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء هكذا الإنسان مع رب الأنام؟ حاشا لله . قال بصريح القرآن: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩). قال الرسول: «من أراد الحج فليتعجل، ومن أراد أن يضحي ودخل عليه عشر ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وظفره» إلى غير ذلك من النصوص. إذاً: الإنسان له إرادة، له اختيار، فإذا سلبت منه هذه الإرادة رفع عنه التكليف، وإذا ثبتت هذه الإرادة وهذا الاختيار ترتب من ورائه التكليف. فإذاً: الإنسان تارة يكون مسيراً وتارة يكون مخيراً، الذي يقتل إنساناً خطأً هذا مسير، رمى عصفور، رمى غزال، رمى أرنب راحت الرصاصة وأصابت أيش؟ وراء الأكمة مُزارع يعمل في الأرض هذا قتل خطأ، لا يقول لهذا الإنسان رب العالمين: لماذا قتلت فلاناً؟ لأنه غير مختار. وعلى العكس من ذلك الذي يُبَيِّتُ قتل زيد من الناس ويتخذ الأسباب ويعزم على قتله ويقتله كما يقولون اليوم في لغة المحامين: عن سابق إصرار وترصد. نعم. هذا يستوي مع ذاك؟ لا يستويان مثلاً، هذا سيقول رب العالمين: لم قتلت فلاناً؟ ولم عزمت على قتله؟ وسيحاسبه حساباً عسيراً جداً.

стр. 4528

فكل نصوص الشريعة فضلاً عن العقل الفطري السليم يحكمان معاً على أن الإنسان تارة يكون مختاراً وتارة مجبوراً، فلما يقول لك الجبري: لا قدر، كيف لا قدر يا أخي؟ هذا أرغم وقتل إنساناً خطأً هذا هو القدر، لكن أين الذي قتل الإنسان بإرادته وبسابق ترصد؟ هذا أيضاً بقدر، لكن الذي أردت بهذه الأمثلة أن أقول: كتب الله على فلان هكذا في اللوح المحفوظ بوفق العلم الإلهي، كتب الله على إبليس أنه سيكون في أسفل سافلين، في الدرك الأسفل من النار، لماذا؟ لأنه يؤمر بالسجود وهو مستطيع فيستكبر على أمر ربه ويقول ناسباً إلى الله الظلم: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء:٦١). إذاً هو لا يسجد وباستطاعته أن يسجد، فإذاً كُتب من أهل النار بل أشقى أهل النار، لكن على العكس، نرجع الآن لموضوع المعتزلة؛ الذي مات في القطب الشمالي أو القطب الجنوبي ولم يطرق سمعه شيء اسمه دين الإسلام، أو إنسان اسمه محمد بن عبد الله نبي الإسلام ما طرق سمعه فعاش يعبد الأصنام التي كان يعبدها أهل الجاهلية الأولى هل هذا يقال له يوم القيامة: لم كفرت؟ لا. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥). وهذا باب واسع جداً، ولذلك فلا أريد أن أذهب بعيداً عن السؤال. فالمعتزلة وكل الفرق الضالة إذا ضلوا سواء السبيل وظلوا مع المسلمين يقومون بالواجبات الدينية فهم ضالون ولا شك، ولكن لا نخرجهم من دائرة الإسلام إلا بعد إقامة الحجة عليهم، فإذا أقيمت الحجة عليهم فهناك أمران اثنان: أمر يتعلق برب العالمين، ونحن ما ندري ما سيكون عاقبة أمره عند الله.

стр. 4529

وأمر يتعلق بحاكم المسلمين، حاكم المسلمين هنا يظهر أهمية الحكم الإسلامي، يؤتى بهذا الإنسان إليه ويؤتى ببعض علماء المسلمين ويقيمون الحجة عليه، فإذا أصر على ضلاله بعد أن تبينت له حجة الله عليه قتلوه ردةً، لأنه كفر فعلاً وأقيمت الحجة عليه. أما إنسان لم يتاح له مثل هذه الفرصة أن تقام عليه الحجة فنحن نكتفي وبخاصة بالنسبة للماضين معتزلة وخوارج ومرجئة وجبرية و .. و .. إلى آخره، نقول: أمرهم إلى الله، فمن يعلم الله بأنه كابر وجحد فحسبه جهنم، ومن يعلم الله بأنه ما جحد شيئاً وهو يؤمن بحقيقة الأمر فهذا لا يحاسب حساب الكفار، يجوز أن يحاسب لأنه مقصر، ما سلك الطريق الذي يوصله لمعرفة الحق فحينئذ ربنا هو حسيبه. أما نحن فلا نخرج مسلماً من دائرة الإسلام مهما كان ضالاً إلا بعد إقامة الحجة. هذا آخر الجواب. "الهدى والنور" (٢١٩/ ٣٦: ١٠: ٠٠) [١٨١٣] باب حكم من أنكر القضاء والقدر [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى بن مريم فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر، ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، فإن جبريل ﵇ أخبرني بأن الله تعالى يقول: من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فليتخذ ربا غيري». (باطل).

стр. 4530

[قال الأمام]: واعلم أن الإيمان بكل ما ذكر في هذا الحديث من خروج المهدي، ونزول عيسى، وبالقدر خيره وشره، كل ذلك واجب الإيمان به، لثبوته في الكتاب والسنة، ولكن ليس هناك نص في أن " من أنكر ذلك فقد كفر "، ومن أجل هذا أوردت الحديث وبينت وضعه، وهو ظاهر الوضع، وكأنه من وضع بعض المحدثين أوغيره من الجهلة، وضعه ليقيم به الحجة على منكري ذلك من ذوي الأهواء والمعتزلة، ولن تقوم الحجة على أحد بالكذب على رسول الله ﵌ والافتراء على الله تعالى، فقاتل الله الوضاعين ما أجرأهم على الله . والتكفير ليس بالأمر السهل، نعم من أنكر ما ثبت من الدين بالضرورة بعدما قامت الحجة عليه، فهو الكافر الذي يتحقق فيه حقيقة معنى كفر، وأما من أنكر شيئاً لعدم ثبوته عنده، أولشبهة من حيث المعنى، فهو ضال، وليس بكافر مرتد عن الدين شأنه في ذلك شأن من ينكر أي حديث صحيح عند أهل العلم، والله أعلم. "الضعيفة" (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢). [١٨١٤] باب حكم من أنكر قدرة الله لعارضٍ سؤال: هل الرجل الذي أوصى أبناءه إذا مات أن يذروه في التراب، أن يذروه في الريح يحرقوه ويذروه حتى لا يستطيع الله أن يجمعه ثم جمعه، فكيف وأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؟ الشيخ: نعم. نحن ذكرنا هذا أكثر من مرة أن الآية التي ذكرت في ختام سؤالك هي القاعدة وهي الأصل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) كما أن الآية: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ (البقرة:٨٦)

стр. 4531

المشركون لا يخفف عنهم العذاب، لكن هناك قاعدة في علم الأصول أن كثيراً من العمومات يدخلها التخصيص وإن كان الأصل البقاء مع النص العام حتى يأتي المخصص، فإذا جاء المخصص لا يتردد الإنسان في قبوله سلفاً لا يتردد، ولو أنه لم يظهر له وجه التوفيق بين العام والخاص يكفي أن ذاك نص عام وهذا نص خاص. أما ما هي الحكمة وما هي فلسفة الموضوع وتوجيهه هذا بحث ثاني، قد يستطيعه بعض الناس وقد لا يستطيعه، لكن المشي مع القواعد يريح عقل الإنسان ونفسه، هذا عام وهذا خاص: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:١١٦). ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ (البقرة:٨٦) ممكن يدخل تخصيص من الناحية العقلية؟ ممكن، لكن من الناحية الشرعية ننتظر الشرع، إن جاء ما يدل على التخفيف قبلناه وإلا نحن مع النص العام ونرفض كل رأي يخالف النص العام إلا إذا كان مقروناً بالدليل. نحن ننظر ما هو موقفنا نحن أهل الحديث، بالنسبة للحديث الصحيح أن الرسول سئل أن عمك أبو طالب كان يدافع عنك، كان وكان إلى آخره: هل نفعه ذلك شيء؟ قال: لقد خفف عنه العذاب وهو أخف أهل النار عذاباً، وإنه ليغلي دماغه من شدة العذاب في نعليه. المهم خفف عنه العذاب، وربنا يقول ما يخفف عنهم العذاب، إذاً هذا نص عام وهذا نص خاص ما في مانع، نقبله ما دام صح، ولهذه القاعدة والجهل بها يضل كثير من الناس قديماً وحديثاً.

стр. 4532

الخوارج مثلاً الذين ضلوا في كثير من الأمور الاعتقادية والفروع الشرعية، لماذا؟ لأنهم استندوا إلى نصوص عامة، ورفضوا النصوص الخاصة، .. وقواعد أهل العلم هو الجمع بين النص العام والنص الخاص. الآن ما نحن في صدده [ننظره] من زاوية عامة شوية وهي: الذين أشركوا وكفروا وبغوا واعتدوا وما بلغتهم الدعوة، ما حكمهم عند الله؟ هل هم في النار؟ هل هذا ذنبهم مغفور؟ الجواب: نعم، هؤلاء لا يشملهم العذاب الذي هو جزاء الكافرين المخلدين في النار، وإنما لهم معاملة أخرى في عرصات يوم القيامة، يؤمرون بطاعة الرسول هناك، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصا دخل النار. هؤلاء الذين دخلوا الجنة داخلين في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:١١٦). إذاً: ما جاز لنا أن نأخذ هذا العموم على شموله وإطلاقه، وأنا سأدخل في موضوع الإجابة عن السؤال من باب ممكن الجميع يدركوه يعني، حتى ما ندرك شيئاً ربما لا يدركه بعض الناس. فإذاً إذا وصلنا إلى هذه الحقيقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:١١٦) شو صار في هذه الآية؟ بقيت على عمومها وَلاَّ دخلها شيء من التخصيص؟ دخلها شيء من التخصيص، لا يغفر أن يشرك به إلا إذا كان الشرك به دون بلوغ ماذا؟ دعوة، إذاً: الآية ليست على الإطلاق والشمول الذي يتبادر إلى الأذهان. إذا كان هذا واضحاً وظاهراً وهو كذلك بإذن الله، ننتقل الآن إلى قصة هذا الرجل الذي أوصى أولاده بتلك الوصية والتي أعتقد أنها أغرب وصية علمناها في الدنيا، أنه إذا مات أنه يحرقوه، ولماذا؟ قال: «لأني مذنب مع ربي، ولئن قدر

стр. 4533

الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» فهو الآن بين عقيدتين متناقضتين أشد التناقض، هو يعتقد بأنه عاصي ومذنب وهو كذلك، ويعتقد أن الله إذا عذبه فهو عادل، لكن هو يريد أن يخلص من هذا العذاب فوقع في الضلال، فأوصى أنهم يحرقوه بالنار وأن يجعلوا نصف رماده في الريح ونصف رماده في البحر، لماذا؟ ليضل على ربه زعم، ونسي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨). هذا الرجل أنا أتصور الآن أنه كان في ساعة شدة، فيها غاب عقله ووعيه عن الحقيقة التي يؤمن بها كل من يعتقد أنه عاص مع ربه وأن ربه إذا عذبه عادل به، وهو لخوفه من ربه غلب عليه هذا الضلال، والدليل أنه ربنا لما أحياه وقال لذراته المنتشرة في الريح الهائج والبحر المائج: كوني فلاناً فكان بشراً سوياً، قال له: «أي فلان! ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك». فهو مؤمن بالله، لكن يعني خفت منك أي: الخوف [اشتد] به فأوحى إليه بأن يأتي بهذه الوصية الجائرة، فعلم الله ما في قلبه فقال له: قد غفرت لك. فإذاً هذا النوع من الكفر ليس من الكفر المستمكن في النفس، وإنما هو الكفر العارض لحالة نفسية واضحة جداً في هذه الحادثة، فلا إشكال والحمد لله في هذا الحديث الصحيح. أما الذين يتسرعون ويتفهمون نصوص الشرعية بألفاظها العامة دون أن يدققوا النظر في معانيها الخاصة فهم يضربون نصوص الشريعة بعضها في بعض، بيقولك هذا الحديث غير صحيح ولو رواه البخاري ومسلم، نحن نعرف بعض إخواننا كانت عندهم هذه الجرأة أنه هذا الحديث ما هو صحيح ولو رواه البخاري

стр. 4534

ومسلم ... الشاهد: يجب دائماً وأبداً إذا جاءنا حديث صحيح أن نتريث ونتثبت، هذا حديث صحيح؟ إي نعم حديث صحيح على الرأس والعين. كيف التوفيق بين الحديث والآية؟ [الجواب] ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء:٧). قد لا توفقون لأهل الذكر، إما لأنكم حرمتم منهم، أو أنتم حرمتم أنفسكم منهم، ممكن هذا وممكن هذا حتى ما نظلم الناس، حينئذ نقف نؤمن أن هذه الآية وهذا الحديث صحيح، التوفيق بينهما الله أعلم به، لكن نحن ما نتسرع فنضرب الحديث بالآية أو العكس لا سمح الله نضرب الآية بالحديث، ليس هذا هو سبيل المؤمنين، ورب العالمين يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). "الهدى والنور" (٢٣٤/ ٣٨: ٥٨: ٠٠) وتتمته (٢٣٥/ ٣٨: ٠٠: ٠٠) [١٨١٥] باب حكم اعتقاد أن بعض الصالحين يطلعون على ما في اللوح المحفوظ [قال الإمام]: واعتقاد أن بعض الصالحين يطلعون على ما فيه [أي اللوح] كفر بالآيات والأحاديث المصرحة بأنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٧).