← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

بقضاء وقدر، كما قال ﵇: «حتى العجز والكيس». وهذا بحث طويل جداً، ونحن تكلمنا عنه مراراً وتكراراً، لكني أقول: كلمة قضاء الله وقدره عقيدة إسلامية، وإن عجز مسلم ما أن يجمع في ذهنه بين اعتقاده: إن الإنسان والله مخير؛ لأنه لو كان مسيراً مثل ما بيقولوا الجهلة ما يقال له: افعل أو لا تفعل، مثل ما قال هاداك الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء لو وصف إنسان رجلاً بهذا الوصف الذي وصف هذا الشاعر به لنسبه إلى الظلم، إنسان لو وصف ملكاً أو رئيساً بهذا الوصف لوصفه ظالماً، ما بعده ظلم، فما باله وهو يصف رب العالمين: خلقه وألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له: إياك إياك أن تبتل بالماء، حاشا لله، وإنما قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩)، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:١٠)، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:١٠)، إلى آخره. إذن كل من المذهبين: المعتزلة والجبرية باطل والحق بينهما. الإنسان فيما كان مخيراً فيه هو مأجور أو مأزور، وفيما وقع منه رغم أنفه فهو غير مسؤول. "الهدى والنور" (٥٢٩/ ١٨: ١١: ٠٠) [١٨٠٠] باب بيان معتقد الجبرية والرد عليهم سؤال: نرجو من فضيلتكم إيضاح معتقد الجبرية وكيفية الرد عليهم بشبهة أن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بزمن بعيد، فكيف يقال بأن الإنسان مخير في أعماله كالطاعة والنسيان؟

стр. 4482

الشيخ: المسألة في الحقيقة سهلة عند من أحاط معرفةً بتقادير الله السابقة للحوادث، فإذا نحن درسنا أي حادثة من الحوادث وقعت فلا نشك أن هذا الواقع هو الذي سبق في اللوح المحفوظ وسجل قبل أن يقع، لنضرب على ذلك بعض الأمثلة: القاتل العمد والقاتل الخطأ، والمجتهد المصيب والمجتهد المخطئ، فلان قتل عامدًا، ترى! في اللوح المحفوظ ما الذي كتب؟ أنه سيقتل عامدًا، والآخر قتل خطأً، ترى! ما الذي كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ؟ يقتل عامدًا أم يقتل خطأً؟ لا شك أن القدر الإلهي سابق للحوادث وهو بعلمه ﵎ الأزلي السابق يكتشف هذه الحوادث وسجلها في اللوح المحفوظ قبل وقوعها، فهي كما وقعت سجلت، وحينئذٍ نقول: القاتل العمد قتل باختياره أم باضطراره، وعلى العكس القاتل الخطأ قتل أيضًا باختياره أم رغم أنفه؟ سيأتي الجواب: القاتل الأول قتل باختياره، والقاتل الثاني قتل رغم أنفه ليس باختياره، فهل نحن لأنه ربنا ﵎ بالقدر الذي سبق أن سجل المخلوقات كلها؛ لأننا علمنا هذه الحقيقة، هل معرفتنا بهذه الحقيقة تضطرنا نحن أن نغير علمنا بهذا الواقع، قلنا: أن أحد القاتلين قتل باختياره، فهل نقول: إنه قتل رغم أنفه؛ لأننا اعتقدنا أنه سبق في كتاب الله أنه سيقتل؟ كان جوابنا: سبق في كتاب الله أنه سيقتل باختياره، فإذًا الاختيار ثابت في القدر كالاضطرار تمامًا، ولذلك كان كنتيجة بدهية جدًا أن الله يعذب القاتل العمد ولا يعذب القاتل الخطأ؛ لأن القاتل العمد قتل باختياره، فالاختيار لا يمكن إنكاره لمجرد اعتقاد أن هذا القتل سجل في اللوح المحفوظ، لكن ينبغي أن نتذكر أن الذي سجل في اللوح المحفوظ سيقع بكل دقة. وقد قلنا أن الذي وقع وقع باختياره، فهذا مطابق القدر الإلهي أو مخالف؟

стр. 4483

كان مطابق للقدر الإلهي، ولهذا فالذين يقولون بالجبر هم يخالفون القدر الإلهي، ويريدون أن يسووا بين ما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي القدر الإلهي بالاختيار أو بالاضطرار، من أجل هذا فرق الشرع والقانون والعقل بين من كان مختارًا في شيء، وبين من كان غير مختار، فمناط التكليف إنما هو بوجود الاختيار، فإذا انتفى الاختيار انتفى التكليف، فالقول بالجبر ينفي القدر، بينما هم يريدون من إثبات الجبر بأنه ثبت في القدر، القدر قسمان: مسجل بالاختيار أنه سيفعل كذا ومسجل بالاضطرار أنه سيفعل كذا، فإذًا يعود قولهم بالجبر مستميلين إلى القضاء والقدر تعود الحجة عليهم على خلاف ما يزعمون. وهناك نكتة لبعض الظرفاء: إذا قال لك الجبري: كل شيء يفعله الإنسان فإنما هو مضطر؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وأنه لا بد أن يقع، قل له: فهل المضطر مؤاخذ ومكلف؟ سيقول لك: لا، فما عليك بعد أن يقول هذه الدلالة إلا أن تصفعه صفعة في خده مثلًا، فهو سيقول: أخ لماذا ضربتني؟ قل له: مضطر، مضطر كلام من أسخف ما يكون والإنسان خلقه الله في أحسن تقويم. أنا أقول مثلًا: أين الاضطرار؟ أنا الآن أتكلم معكم يا ترى! مختارًا أو مجبورًا؟ إذا قلت: مجبورًا هه .. [سكت الشيخ] هه مجبور عن السكوت هه سأتكلم معكم، أين الاضطرار المزعوم، فالله أحكم الحاكمين خلق الإنسان ومكنه من عمل الخير كما مكنه من عمل الشر، ولذلك قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩) فالمشيئة البشرية تحمل الخير والشر .. [صوت مختلط لا يفهم] ربنا قد فرق بين من كفر اختيارًا وبين من كفر اضطرارًا: ﴿إِلَّا مَنْ

стр. 4484

أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦) ولقد روى بعض علماء التفسير كابن حجر وكابن جرير الطبري وغيره أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ﵁ حيث عذبه المشركون كما عذبوا بلالًا، ثم يظهر أنهم شعروا منهم شيئًا من الضعف والارتخاء فعرضوا عليه أن يكفر بمحمد ﵌ وأن يقول فيه: إنه كذاب .. إنه ساحر .. إنه شاعر، قالوا له: إن قلت هذا أطلقنا سراحك، .. فقال هذه الكلمات فأطلقوه، فجاء إلى الرسول ﵊ فبعد هذه الراحة التي وجدها عاد إليه رشده فأنبته نفسه كيف أنا قلت فيمن هداني الله بسببه: إنه كذاب .. إنه ساحر .. إنه شاعر، فشكا الأمر إلى النبي ﵌ لعله ترتاح نفسه مما بدر منه من الخطأ، فقال له ﵊: «كيف تجد قلبك؟» أي: هذه الكلمات التي هي الكفر بعينه هل أنت مطمئن إليها، ومنكر صدقي ونبوتي وإلى آخره؟ قال: أجد قلبي مطمئن بالإيمان، فقال ﵊: «فإن عادوا فعد» (١). فالآن: مَن مِن العقلاء ممن أوتي ذرة من عقل ولب يسوي بين كفر عمار بن ياسر وكفر أبي لهب وأبي جهل، هل يستويان مثلًا؟ الجواب: لا، لكنهما كل من الكفرين مسجل في اللوح المحفوظ، لأن الله قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) لكن هذا المسجل هو الذي وقع، فلماذا هؤلاء الجبريون يتخذون إذًا الكتابة السابقة دليلًا على أن المقصود مجبور عليه صاحبه، والمكتوب فيه تفصيل تارةً قد يكتب مجبوراً، وتارًة قد يكتب مختارًا، فالقدر نفسه مطابق الواقع له، فما كان جبرًا فلا مؤاخذة كما في قصة عمار بن ياسر، وما كان اختيارًا كما في قصة أبي لهب وأبي جهل وأمثاله من الكفرة، فبهذا يمكن الرد على هؤلاء الجبرية، ويكفي أن تعرفوا خطورة مذهبهم وسخافة عقولهم ما قاله الشاعر

стр. 4485

في حقهم ممثلًا لهم كيف اعتقدوا في ربهم الظن الذي يترفع عنه أظلم الناس حيث وصفوا ربهم بقولهم كما قال الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء هل يغلله بالأغلال ثم يرميه في البحر ويقول له: إياك يصيبك رشاش الماء، أظلم الناس ما يفعل هذا، أما هم فقد وصفوا ربهم بما لا يليق بأظلم الناس وأفجر الناس: ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء أما الله فقد صرح بأنه لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وفي الحديث القدسي، قال الله ﵎: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! لو اجتمع أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم على صعيد واحد فسألني كل واحد مسألته فأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! - وهنا الشاهد - إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد لله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (١).

стр. 4486

هل هذا الحديث من أوله إلى آخره يدل على أن الإنسان لا يملك التصرف .. لا يملك أن يكون صالحًا، ولا يملك أن يكون طالحًا، فإذا كان طالحًا فعذبه رب العالمين وهو يقول: أنا حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، أي: الظلم الذي تعرفونه بينكم ظلمًا هو عندي ظلم فنزهوني ولا تنسبوا إلي الظلم، فإذا رجعنا إلى ذلك البيت الذي وصف عقيدة الجبرية: ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء هذا في عرف البشر عدل أو ظلم؟ هو ظلم، إذًا: ربنا يعلم الناس أنه أنزه من أن يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، نعم. "رحلة النور" (٤١ أ/٠٠:٠٦:٣٤) [١٨٠١] باب الرد على الجبرية الذين يستدلون بقوله ﵌: «كل ميسر لما خلق له» على ضلالهم [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:- «وكذلك [أي يعلم الله] أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه وكل ميسر لما خلق له»]: هو قطعة من حديث علي المروي في «الصحيحين» وقد خرجته في «تخريج السنة» برقم (١٧١). وقد صح أن بعض الصحابة لما سمعوا هذا الحديث منه ﵌ قالوا: إذا نجتهد, وفي رواية: فالآن نجد الآن نجد الآن نجد. انظر «السنة». (١٦١ - ١٦٧) ففيه رد صريح على الجبرية المتواكلة الذين يفهمون من الحديث خلاف فهم الصحابة فتأمل. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٠).

стр. 4487

[١٨٠٢] باب القدر وحديث القبضتين حق ورد بعض ما قد يستدل به الجبرية [قال رسول الله ﵌]: عن ابن عمر عن النبي ﵌ أنه قال في القبضتين: «هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه». [وقال ﵌]: «إن الله قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي». [وقال ﵌]: «إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر». [وقال ﵌]: «خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي». -[وقال ﵌]: «إن الله ﵎ قبض قبضة بيمينه فقال: هذه لهذه ولا أبالي وقبض قبضة أخرى، يعني: بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه ولا أبالي». [ترجم الإمام لهذه الأحاديث بما ترجمناها به ثم قال]: (كثير) من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث - ونحوها أحاديث كثيرة - تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية، ما دام أنه حكم عليه منذ القديم

стр. 4488

وقبل أن يخلق بالجنة أو النار، وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى كان من أهل الشقاوة، فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه وعدله وحكمته، فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هو حكم من الله ﵎ عليهم بما سيصدر منهم من إيمان يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يكره الله ﵎ أحدا من خلقه على واحد منهما ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وهذا مشاهد معلوم بالضرورة، ولولا ذلك لكان الثواب والعقاب عبثا، والله منزه عن ذلك. ومن المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس حتى من بعض المشايخ التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له! وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة، وإعلانه بأنه قادر على الظلم ولكنه نزه نفسه عنه كما في الحديث القدسي المشهور: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... " وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة، بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾، مصرين بذلك على أن

стр. 4489

الله تعالى قد يظلم ولكنه لا يسأل عن ذلك! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وفاتهم أن الآية حجة عليهم لأن المراد بها - كما حققه العلامة ابن القيم وغيره - أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح فلا داعي للسؤال. وللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية لعله أخذ مادتها من ابن القيم فلتراجع. هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها فإن وفقت لذلك فبها ونعمت، وإلا فإني أحيل القارىء إلي المطولات في هذا البحث الخطير، مثل كتاب ابن القيم السابق، وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذه أحدها. "الصحيحة" (١/ ١/١١٢ - ١١٧). [١٨٠٣] باب ما قد يُسْتَدَلُّ به على عقيدة الجبر وبيان بطلانه [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، وإنه يصير إلى ما جبل عليه». (ضعيف). [قال الإمام]: وهذا الحديث يستشم منه رائحة الجبر وأن المسلم لا يملك تحسين خلقه لأنه لا يملك تغييره!، وحينئذ فما معنى الأحاديث الثابتة في الحض على تحسين

стр. 4490

الخلق كقوله ﵌: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» رواه أبو داود (٢/ ٢٨٨) وغيره في حديث, وسنده صحيح، فهذا يدل على أن حديث الباب منكر، والله أعلم. "الضعيفة" (١/ ٢٦٠ - ٢٦١). [١٨٠٤] باب رد شبهةٍ للجبرية [سئل الإمام عن مقولة لبعض الناس أنه بما أننا نقول بأن الله هو الذي خلق القلوب ثم صنفها فلا ذنب للإنسان فيما يفعل أو يعتقد]. الشيخ: أولاً: هذا الرجل مسلم أم كافر؟ مداخلة: مسلم. الشيخ: مسلم. طيب: ... هو ماذا يقول؟ مداخلة: يقول: نحن لا ذنب لنا ... الشيخ: وفيه مسلم اليوم يقول هذا؟ مداخلة: ... يعني: لا يعتقد هذا، وإنما هو مذبذب كما تقول. الشيخ: هذا إقناعه إذا قال بالجبر اصفعه على وجهه صفعة تكون ماكنة وقوية، إذا قال: لماذا؟ قل: مجبور. مداخلة: هل يجوز ضرب [الوجه]؟ الشيخ: ما فيه يجوز أو ما يجوز بالنسبة للمجبور. مداخلة: نكمل الشيء هذا، فيقول: أن الله ﵎ هو الذي خلق

стр. 4491

القلوب. الشيخ: خلق القلوب بما فيها من إيمان وكفر؟ مداخلة: هذا كلامه. الشيخ: ودليله؟ مداخلة: أنه هو الذي خلق كل شيء. الشيخ: هو خلق كل شيء صحيح، لكن لم يخلق الإنسان مجبوراً على الإيمان والكفر، وإلا حينئذٍ هو يكفر بالقرآن، ما معنى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩)؟! "الهدى والنور" (٢٧/ ٠٦: ٤١: ٠٠) [١٨٠٥] باب هل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ يُشَم منه رائحة الجبر؟ والكلام على الإرادة الشرعية والإرادة الكونية [سئل الإمام]: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الأنعام٢٥) , يَشُم البعض من هذه الآية رائحة الجبر, فما رأيكم في ذلك؟ [فأجاب]: هذا الجعل هو جعلٌ كوني, ولفهم هذا لابد من شرح معنى الإرادة الإلهية, فالإرادة الإلهية تنقسم إلى قسمين: "إرادة شرعية, وإرادة كونية". والإرادة الشرعية: هي كل ما شرعه الله لعباده, وحضهم على القيام

стр. 4492

به من طاعات وعبادات على اختلاف أحكامها, من فرائض إلى مندوبات, فهذه الطاعات والعبادات يريدها ﵎ ويُحبها. وأما الإرادة الكونية: فهي قد تكون تارة مما لم يشرعها الله, ولكنه قدرها وهذه الإرادة إنما سُميت بالإرادة الكونية اشتقاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس٨٢) , فـ (شَيْئًا) اسم نكرة يشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو معصية, وإنما يكون ذلك بقوله تعالى (كُنْ) , أي بمشيئته وقضائه وقدره, فإذا عرفنا هذه الإرادة الكونية - وهي أنها تشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو كان معصية - فلا بد من الرجوع بنا إلى موضوع القضاء والقدر, لأن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ , معناه أن هذا الذي قال له (كُنْ) جعله أمراً مُقدراً كائناً لابد منه, فكل شيء عند الله بقدر, وهذا أيضاً يشمل الخير والشر, ولكن ما يتعلق منه بنا نحن الثقلين -الإنس والجن المكلفين المأمورين من الله عزوجل- أن ننظر فيما نقوم نحن به, إما أن يكون بمحض إرادتنا واختيارنا, وإما أن يكون رغماً عنا, وهذا القسم الثاني لا يتعلق به طاعة ولا معصية, ولا يكون عاقبة ذلك جنة ولا ناراً, وإنما القسم الأول هو الذي عليه تدور الأحكام الشرعية, وعلى ذلك يكون جزاء الإنسان الجنة أو النار, أي: ما يفعله الإنسان بإرادته, ويسعى إليه بكسبه واختياره هو الذي يحاسب عليه, إنْ كان خيراً فخير, وإن كان شراً فشر. وكون الإنسان مختاراً في قسم كبير من أعماله, فهذه حقيقة لا يمكن المجادلة فيها شرعاً ولا عقلاً. أما شرعاً: فنصوص الكتاب والسنة متواترة في أمر الإنسان بأن يفعل ما أمر به, وفي أن يترك ما نُهي عنه, وهذه النصوص أكثر من أن تذكر.

стр. 4493

أما عقلاً: فواضح لكل إنسان متجرد عن الهوى والغرض بأنه حينما يتكلم, حينما يمشي, حينما يأكل, حينما يشرب, حينما يفعل أي شيء, مما يدخل في اختياره, فهو مختار في ذلك غير مضطر إطلاقاً, وأنا شئتُ أنْ أتكلم الآن, فليس هناك أحد يجبرني على ذلك بطبيعة الحال, ولكنه مقدر, ومعنى كلامي هذا مع كونه مقدراً, أي أنه مقدر مع اختياري لهذا الذي أقوله وأتكلم به, ولكن باستطاعتي أن أصمت لأبين لمن كان في شك مما أقول أني مختار في هذا الكلام. إذاً, فاختيار الإنسان -من حيث الواقع- أمر لا يقبل المناقشة والمجادلة, وإلا فالذي يجادل في مثل هذا إنما هو يسفسط ويشكك في البدهيات, وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة انقطع معه الكلام. إذاً فأعمال الإنسان قسمان: اختيارية, واضطرارية. والاضطرارية: ليس فيها كلام, لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الواقعية, والشرع يتعلق بالأمور الاختيارية, فهذه هي الحقيقة, وإذا ركزناها في أذهاننا, استطعنا أن نفهم الآية السابقة ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهذا الجعل كوني, ويجب أن نتذكر الآية السابقة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أن الإرادة ههنا إرادة كونية, ولكن ليس رغماُ عن هذا الذي جعل الله على قلبه أكنة. مثال من الناحية المادية: أن الإنسان حينما يُخلق إنما يُخلق ولحمه غض طري, ثم إذا كبر وكبر يقسو لحمه ويشتد عظمه ولكن الناس ليسوا كلهم سواءً, فهذا مثلاً إنسان منكب على نوع من الدراسة والعلم, فهذا ماذا يقوى فيه؟ يقوى

стр. 4494

عقله؟ ويقوى دماغه من الناحية التي هو ينشغل بها, ويَنصب بكل جهده عليها, ولكن من الناحية البدنية جسده لا يقوى, وعضلاته لا تنمو. والعكس بالعكس تماماً: فهذا شخص منصب على الناحية المادية, فهو في كل يوم يتعاطى تمارين رياضية -كما يقولون اليوم- فهذا تشتد عضلاته, ويقوى جسده, ويصبح له صورة كما نرى ذلك أحياناً في الواقع, وأحياناً في الصور, فهؤلاء الأبطال مثلاً تصبح أجسادهم كلها عضلات, فهل هو خُلق هكذا, أم هو اكتسب هذه البنية القوية ذات العضلات الكثيرة؟ هذا شيء وصل إليه هو بكسبه واختياره. ذلك هو مثل الإنسان الذي يضل في ضلاله وفي عناده, وفي كفره وجحوده, فيصل الران إلى هذه الأكنة التي يجعلها الله عزوجل على قلوبهم؟ لا بفرض من الله واضطرار من الله لهم, وإنما بسبب كسبهم واختيارهم, فهذا هو الجعل الكوني الذي يكسبه هؤلاء الكفار, فيصلون إلى هذه النقطة التي يتوهم الجُهال أنها فُرضت عليهم, والحقيقة أن ذلك لم يُفرض عليهم وإنما ذلك بما كسبت أيديهم, وأن الله ليس بظلامٍ للعبيد. "كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص٢٣ - ٢٨). [١٨٠٦] باب الكلام على بطلان مذهبي القدرية والجبرية سؤال: ما أدري يا شيخ كيف التوفيق يا شيخ بين حديث: «أركان الإيمان ستة: الإيمان بالقدر خيره وشره»، وبين قول الرسول ﵌: «والشر ليس إليك﴾، كيف يفهم هذا الشر يا شيخ؟ الشيخ: نسبي، الشر بالنسبة إلينا لا بالنسبة لربنا؛ لأن أفعال الله كلها

стр. 4495

خير، ويمكن تقريب المسألة بمثال مع التذكير بأن لله المثل الأعلى هذا أولاً، وثانياً: التذكير بمبدأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فتقدير الله هو خلق وتصرف منه ، يتوافق تماماً مع كل الصفات التي منها: القدرة والإرادة والعدالة والحكمة، فحينما نحن نرى شراً يقع، فهذا كما قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام:٩٦). فالمثال الذي أريد أن أقرب به هذه المسألة الإيمانية: إذا رأيت طبيباً يقطع عضواً من مريضٍ ما فلا شك أنك تستنكر عمله إذا كنت لا تعرف أن هذا الطبيب أولاً ماهر في طبابته، وثانياً: عادل في تنفيذه لطبه، كذلك إذا رأيت حاكماً يضرب إنساناً أو يجلده، فستقول: بأن هذا شر، لكن إذا عرفت أنه يضربه بحق انقلب المفهوم السابق الذي كان في ذهنك وهو أنه شر إلى أنه ليس بشر، وهذا نحن بين بعضنا البعض فما بالك بالنسبة للخالق الذي لا يقاس به شيء إطلاقاً؟! ولذلك فنحن نقول في موضوع القضاء والقدر: الأصل فيه الإيمان الصادق الصحيح، وحينما يجري نقاش بين المعتزلة والجبرية، حيث إن كلاً من الفريقين يقف بعيداً جداً عن الآخر، وكلاهما على طرفي نقيض؛ لأنهم يحكمون عقولهم دون أن يلاحظوا ما ذكرت آنفاً من أن الله لا يضرب له الأمثال، وأنه ﵎ ليس كمثله شيء، فالمعتزلة يلتقون مع الجبرية في رأي واحد، لكن الفرق بين الفريقين: أن المعتزلة حينما يعملون عقلهم في ذلك الرأي يجدونه لا يلتقي مع العدالة الإلهية، فيفرون منه، أما الجبرية فيستقرون عليه ويطمئنون إليه، ما هو؟ إذا قيل: بأن الإنسان مقدر عليه كل عمل يأتيه، سواء كان خيراً أو شراً، التقى الفريقان: أن هذا يعني أنه جبر للإنسان على أن يفعل الخير أو الشر، فالتقيا في هذا كلاهما، لكن المعتزلة فروا قالوا: لو كان الأمر كذلك لم يبق هناك حكمة لله عز

стр. 4496

وجل أولاً في أن يأمر بالخير وينهى عن الشر، وثانياً: أن يجزي على الخير خيراً وعلى الشر شراً، أن يجزي على الخير جنة وعلى الشر ناراً، يقول المعتزلة: التقدير مع التكليف لا يلتقيان، إذاً فروا إلى قولهم: لا قدر، الجبرية ظلوا على رأيهم: أن معنى كون لله قدر على الإنسان الخير أو الشر أنه مجبور، وظلوا عليه. فأخذ كلٌّ من الفريقين يرد الباطل الذي في كل منهما: الباطل في المعتزلة إنكارهم للقدر، الباطل في الجبرية تشبثهم بالقدر وإثبات الجبر، وهو إيمان باطل؛ ولذلك الأمر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: يؤخذ الصواب من كل من الفريقين ويترك لهم الضلال، يؤخذ من الجبرية إيمانهم بالقدر؛ لأنه حق، ويترك لهم القول بالجبر؛ لأنه باطل، ويؤخذ من المعتزلة قولهم: أن الجبر باطل، وينكر عليهم إنكارهم للقضاء والقدر. فالشاهد: فكل من الفريقين تمسك بحق ورد باطلاً؛ والسبب: أنهم أرادوا أن يعقدوا هذه الصفة الإلهية التقدير الإلهي: وكل شيء بقدر، ما قال ﵇: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، أرادوا أن يفهموا التصرف الإلهي بعقولهم المحدودة فوقعوا في الضلال، أولئك أنكروا القدر؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين الإيمان بالقدر وبين الإيمان بأن الإنسان مختار، وهؤلاء أنكروا اختيار الإنسان؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين اختيار الإنسان وبين القدر الإلهي. فلذلك القصد من هذا الكلام: أن المؤمن يستعمل عقله وفكره إلى حد، وبخاصة فيما يتعلق بالصفات الإلهية، ومن ذلك القدر، فهو لا يستطيع أن يحل مشكلة القدر أو بالمعنى الصحيح: عقيدة القدر، بحيث أنه يفهمه ويخضعه لعقله، لا بد من إجمال، ولا بد من التسليم.

стр. 4497

فالاختيار الذي أنكره الجبرية هذا إنكار للأمور البدهية، وكما أقول أنا في مثل هذا البحث، أنا الآن أتكلم معكم: من الذي يشك بأني أتكلم مختاراً؟ وإذا عاند أحدهم وقال لي: أنت تتكلم غير مختار، أصمت، إذن أنا أتكلم باختياري وأصمت باختياري هذه مكابرة وجحد للحقائق البدهية، لماذا ينكرون هذه الحقائق البدهية؟ يا أخي مكتوب هذا مسجل، نعم مسجل ولا شك ولا ريب، ومسجل بعلم وعدل وحكمة. وأنا أضرب مثلاً لقتل الخطأ وقتل العمد، فهذا القتل وذاك كلاهما مقدر مكتوب في اللوح المحفوظ ولا شك، ولا يقبل تأويلاً ولا تحويلاً، ولكن كيف كتب؟ كيف قدر؟ حينما نقول: قتل العمد وقتل الخطأ بلا شك نذكر مع قتل الخطأ عدم وجود الإرادة البشرية، قتل ولكنه ما أراد القتل، أما قتل العمد كما يقولون اليوم في لغة القانون: قتل عن سابق عزم وتصميم وتخطيط، فأنا أضرب مثلاً لهذين النوعين من القتل: رجل خطط لقتل رجل من ذويه على رأس الجبل، ووضع الخطة الدقيقة للغدر به وقتله، فصعد الجبل في ليلة لا قمر فيها -كما يقال- فقتله، آخر صعد الجبل لأمر ما للنزهة، فزلت به القدم، وهناك شخص فصدمه فانقلب يتدحرج حتى وصل قتيلاً إلى سفح الجبل، ذاك قاتل وهذا قاتل، فمن الذي يقول هذا كهذا؟! كلاهما مقدر. إذاً: يجب أن نفكر أن القدر الإلهي كما ألمحت في أول كلامي مقرون بالصفات الإلهية الأخرى، منها العلم ومنها الحكمة، فإذا انكشف الغطاء لنا وكنا

стр. 4498

من قبل لا نعلم شيئاً عن صفة هذين القتلين، لكن بعد أن وقعت الواقعة عرفنا أن الأول قتل عن سابق علم وتصميم وتخطيط، أما الآخر فزلت به القدم صدم شخصاً فانقلب هذا الشخص يتدحرج ميتاً، انكشف الأمر أن القتل الأول عمد والقتل الآخر خطأ، فالآن تحليل الكتابة الإلهية: كتب الله أن الأول سيتعمد ويخطط وسيعزم على قتل الرجل باختياره، فكتبه في اللوح المحفوظ قاتلاً عمداً، وادخر له عذاب جهنم، أما الآخر فقد كتب: بأنه سيقتل بغير قصد وبغير إرادة منه؛ ولذلك ما كتب عليه جهنم. إذاً: الأمر الأول يمثل ما يستحق عليه العذاب، والآخر ما لا يستحق عليه العذاب. "الهدى والنور" (٧٢٤/ ٣٩: ٠١: ٠٠) [١٨٠٧] باب بيان بعض أسباب إنكار المعتزلة للقدر سؤال: يقول السائل: ما هو حكم الشرع في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، مع معرفة السبيل الأمثل لتحقيق ذلك؟ علماً: أن هناك أحاديث يفهمها البعض على أنها تعني القعود عن هذا العمل وهي: أحاديث المهدي، فما هو رأيكم في ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب: لقد كتبنا أكثر من مرة حول أحاديث المهدي ﵇، ومواقف علماء العصر وهذا الزمان، فإنهم مختلفون في ذلك أشد الاختلاف. أما العلماء الذين لا يزالون يتمسكون بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة؛ فهم لا يزالون يعتقدون والحمد لله بأن خروج المهدي حق لا ريب فيه، ولكن لابد بهذه المناسبة من التذكير أن هناك شخصاً آخر لابد من خروجه،

стр. 4499

وسيلتقي مع المهدي وهو عيسى ﵊، فإن عيسى ﵇ أحاديثه أقوى من أحاديث المهدي، وإن كان كل من أحاديث الرجلين يلتقيان في الصحة إلا أن أحاديث عيسى ﵇ أصح من أحاديث المهدي كما لا يخفى ذلك على أهل العلم من الحديث؛ لأنه من المتفق بين أهل الحديث أن أحاديث عيسى متواترة، بلغت علم اليقين، أحاديث المهدي ﵊، يوجد هناك خلاف بين بعض العلماء هل بلغت هذه المرتبة أم لا؟ وأنا لا يهمني الوصول إلى هذه المرتبة، وإن أكنت أميل إليها أي: إن أحاديث المهدي أيضاً وصلت إلى هذه المرتبة، ولكن يكفي المسلم أن يعلم أن أحاديث المهدي صحيحة، وأن علماء المسلمين توارثوا خلفاً عن سلف الاعتقاد بخروج المهدي، وبنزول عيسى ﵉. إذاً: قلت هذا لأن السؤال ذكر المهدي، وكان الأولى أن يذكر عيسى؛ لأن أحاديث عيسى أقوى، فلذلك هذا السؤال فتح لي باب التطرق لأحاديث عيسى ﵊. قلنا: إن هذه العقيدة حق لا عوج فيها. بعض العلماء في العصر الحاضر ممن لا يهتمون بدراسات العلماء السابقين سواءً ما كان منها متعلق بتصحيح الأحاديث، أو ما كان منها متعلق بتصحيح العقائد المبنية على الأحاديث، فكثير من علماء العصر الحاضر ينكرون خروج المهدي بل غلا بعضهم فأنكروا أيضاً: نزول عيسى ﵊. لا أريد الخوض بتفصيل في هذه المسألة إلا بمقدار ما نود من تقديمه جواباً عن هذا السؤال.

стр. 4500

كثير من المعاصرين الذين يدعون الإصلاح، وجدوا عامة المسلمين يتكؤون في العمل الإسلامي، وبعبارة أوضح: في ترك العمل للإسلام يقولون: ما في فائدة للعمل إلا حينما يخرج المهدي أو ينزل عيسى ﵇، هكذا يعتقد كثير من الناس أي: وصلوا إلى مرتبة اليأس التي لا يجوز للمسلم أن يقع فيها؛ لأنه ﴿وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ في القرآن الكريم. فلما وجد بعض المصلحين هذا اليأس مسيطراً على جماهير المسلمين، وجدوا أن سبب هذا اليأس هو إيمانهم بنزول عيسى وخروج المهدي، فظنوا أن الإصلاح يكون بإنكار هاتين العقيدتين الصحيحتين بأن يقول للناس: يا جماعة اعملوا فعقيدة نزول عيسى ﵇ ما هي ثابتة بالطريق اليقين وهم مخطئون أشد الخطأ اعملوا فإن خروج المهدي هذا عقيدة شيعية وهي غير صحيحة، كذلك هم في ذلك مخطئون، فقلنا مراراً وتكراراً وكتبنا شيئاً من هذا المعنى في بعض المؤلفات قلنا: لا يكون الإصلاح على هذا المنوال، وعلى هذا المنهاج في إنكار الأحاديث الصحيحة وما بني عليها من عقيدة؛ لأن هذا المنهج الاستمرار عليه سيؤدي بأصحابه إلى الاعتزال الماضي قديماً، ذلك؛ لأن المعتزلة أنكروا ما هو أخطر من عقيدة عيسى ﵇، والمهدي ما الذي أنكروه؟ أنكروا القدر، فقالوا: لا قدر مع أن القدر ثابت في الكتاب والسنة، وهي عقيدة كما تعلمون جميعاً: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره قالت المعتزلة: لا قدر فنحن إذا درسنا ما الذي حمل المعتزلة وهم بطبيعة الحال ليسوا كفاراً ليسوا مرتدين عن دين الإسلام كل ما نستطيع أن نقول عنهم: إنهم مسلمون ضالون؛ لأنهم أنكروا حقائق شرعية منها: إنكارهم للقدر الإلهي لكننا إذا درسنا السر في

стр. 4501

إنكارهم للقدر الإلهي وجدناه كإنكار بعض المعاصرين اليوم لعقيدة خروج المهدي ونزول عيسى ﵇ كيف؟ وجدوا أن كثيراً من المسلمين فهموا من عقيدة القدر أنها تعني الجبر، وأن الإنسان ليس مخيراً في طاعته لله، أو في معصيته إياه، وهم بلا شك وجدوا نصوصاً في الكتاب والسنة وذلك مقتضى العقل الصحيح السليم: أنه لا يجتمع في الإنسان جبر وتكليف ضدان لا يجتمعان. فالمعتزلة نظروا فقالوا: إذاً: إذا كان معنى القدر الجبر، فلا يمكن أن ربنا يجبر الإنسان على معاصيه، وبعدين ماذا؟ يعذبه، إذاً: هذه العقيدة عقيدة باطلة. نحن نلتقي مع المعتزلة في قولهم: بأن الجبر عقيدة باطلة كما نلتقي مع أولئك المصلحين بأن الاتكال على خروج المهدي ونزول عيسى، وعدم العمل للإسلام أيضاً: عقيدة باطلة، ولكننا لا نلتقي لا مع هؤلاء، ولا مع أولئك المعتزلة فيما أنكروا من عقائد صحيحة ثبتت بعضها بالكتاب والسنة، وبعضها بالأحاديث الصحيحة المتواترة. فالمعتزلة تأولوا الآيات التي تنص على القدر كما تأولوا الأحاديث، بل وأنكروا بعضها حينما لا يسعهم تأويلها، فوقعوا في القدر وهو إنكار القدر الإلهي الذي ثبت في القرآن وفي السنة كما ذكرنا. فنقول نحن للمعتزلة كما نقول لهؤلاء المصلحين اليوم: ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ما هكذا يا جماعة يكون الإصلاح لا يكون الإصلاح بإنكار حقائق شرعية، وإنما يكون الإصلاح بتفهيم المسلمين الفهم الصحيح بتلك النصوص سواءً ما كان منها قائماً على إثبات القدر، أو ما كان منها قائماً على إثبات نزول

стр. 4502

عيسى وخروج المهدي ﵉. فنقول: إن النبي ﵌ مكث في قومه ثلاث وعشرين سنة، وهو يدعوهم ليلاً نهاراً حتى استطاع أن يضع النواة للخلافة الإسلامية بالمدينة المنورة. فنحن علينا معشر المسلمين ألا ننتظر ما بُشِّرنا بمجيئه من المهدي أو عيسى علينا أن نعمل؛ لأن الواقع الآن نشعر نحن تماماً: أن هناك جماعات من المسلمين متفرقون في العالم الإسلامي هم ينتظرون قائداً يأخذ بأيديهم ويجاهد بهم أعداء الإسلام في كل زمان، وفي كل مكان، فهم ينقصهم هذا الإنسان المصلح القائد، لكن تصوروا معي الآن: إذا جاء هذا المبشر به، وهو: المهدي أو عيسى، وأخذ يصلح بين المسلمين كما يفعل اليوم المصلحون المتفرقون في العالم الإسلامي، فكم سيظل في عملية الإصلاح هذه؟ ستنقضي حياته إلا إن كان له حياة تشبه حياة نوح ﵇، وهذا لم نبشَّر به، ستنقضي حياته في إصلاح المسلمين تفهيمهم الإسلام الصحيح، وحملهم على العمل بالإسلام [ .... انقطاع]. نقول مثلاً: نحن يعلم يقيناً: أن من آفة العالم الإسلامي هو: الانكباب على الدنيا. ومن آثار هذا الإنكباب: استحباب ما حرم الله من الربا بأدنى الحيل فضلاً عن غير ذلك من المحرمات، أبمثل هؤلاء الناس يمكن إذا خرج المهدي أو نزل عيسى ﵇ أن يجاهد به الكفار أو بهم الكفار؟ الجواب: لا؛ إذاً: على المسلمين كافة في كل بلاد الإسلام أن يعملوا بفهم الإسلام أولاً فهماً صحيحاً، وأن يطبقوه في ذوات أنفسهم وفي أهليهم وذراريهم ثانياً، حتى إذا جاء المهدي أو نزل عيسى وجد القوم ليسوا بحاجة إلى إصلاح ما أفسده هذا الزمن الطويل. " الهدى والنور" (٢١٨/ ٣٥: ٤٦: ٠٠)

стр. 4503

[١٨٠٨] باب بيان سبب خطأ الجبرية والقدرية في أبواب القضاء والقدر باب [قال الإمام]: عقيدة الجبر ... نشأت عند الجبرية من غلوهم في الإيمان بالقضاء والقدر، وفهمها أو فهمهم لهذه العقيدة فهماً خاطئاً، فاستلزموا من هذه العقيدة الجبر، فقالوا بلازمه في زعمهم أنه كما جاء في بعض أشعارهم: ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء فهذا يصور عقيدة الجبرية، فمن أين جاءت الجبرية؟ من الإيمان بالقضاء والقدر مع الفهم الخاطئ، فعالج هذا الخطأ الفريق الآخر وهو: المعتزلة قالوا: لا سبيل لنا إلى إبطال الجبر إلا بما اتكئوا عليه من الإيمان وهو القدر؛ إذاً: لا قدر، كلاهما على طرفين نقيض، وكلاهما على مذهب أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء، وأنا أرى أن كثيراً من العقائد يساء فهمها فتعالَج على هذا المذهب المنحرف عن الحق، وقد يقع في مثل هذا كثير من كبار العلماء المشهورين، يدفعهم في ذلك إساءة العامة وربما بعض الخاصة فهم العقيدة الصحيحة فيضربون سوء الفهم بضرب العقيدة الصحيحة. لاشك أنكم تعلمون أن من العقائد الصحيحة التي توارثها الخلف عن السلف: الإيمان بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ويقترن معه الإيمان بخروج المهدي، نعم. نعود إلى أصل المسألة عن القدر، فكيف عالجت المعتزلة الجبر معالجة سيئة وذلك لما لم يستطيعوا أن يفهموا القدر الإلهي فهماً لا يستوجب الجبر، بل

стр. 4504

هم شاركوا الجبريين في فهمهم للقدر؛ بأنه يستلزم الجبر، والجبر باطل وما لزم منه باطل فهو باطل، وإذاً: لم يجدوا وسيلة أعني بطبيعة الحال المعتزلة بمحاربة الجبر إلا بنفس عقيدة القدر، وهم لاشك ما يستطيعون وإن كانوا ضلالاً فهم مؤمنون بكتاب الله ، لا يستطيعون أن ينكروا القدر كلفظ مذكور في القرآن الكريم في غير ما آية لا يستطيعون أن ينكروا ذلك وإلا خرجوا من الدين، لكنهم وهكذا شأن كل الفرق الضالة الذين انحرفوا عن الكتاب والسنة أنهم يؤمنون بألفاظ الكتاب، ولا يؤمنون بمعانيها، فما [أنكروا] القدر، ولكنهم تأولوا القدر بما يساوي العلم كما يفعلون في كثير من الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية، فهم مثلاً: ينكرون أن يكون الله ﵎ له صفة السمع والبصر، وهم يعلمون مثل قول رب العالمين آية التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهم لا يستطيعون أن ينكروا هاتين الصفتين أنه سميع وبصير إلا بالطريقة ذاتها التي أنكروا فيها القدر ألا وهو: التأويل بل هو التعطيل فقالوا: السميع البصير يعني: العليم. فكذلك أولوا القدر بمعنى ماذا؟ العلم. مع أنه كما لا يخفاكم العلم صفة ذاتية، أما التقدير الإلهي فصفة فعل، نعم من صفات الأفعال، فهم خلطوا بين هذه الصفة الذاتية وبين الصفة العملية لماذا هذا الخلط؟ ليضربوا الجبر، ولكن أصابهم كما يقول المثل في بعض البلاد: كانوا تحت المطر صاروا تحت المزراب ... والشاعر العربي القديم - كما تعلمون - يقول: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل أي: [يحب] الجمع بين الصفات الإلهية كلها والمشتقة من كتاب الله

стр. 4505

وأحاديث رسول الله ولا يجوز ضرب بعضها ببعض، أو إنكار بعضها على حساب البعض. ما أحسن ما قال ابن القيم ﵀ في هذه المناسبة: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحاب ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه وهذا هو الموقف العادل لا تعطيل ولا تشبيه، وإنما هو الإيمان على ما أراد الله بهذه الآية وأحاديث الرسول ﵇ التي تثبت الصفات الإلهية. فالشاهد: أعود إلى ما كنت انتهيت إليه أن كثيراً من العلماء حينما يريدون أن يعالجوا بعض الانحرافات التي أصابت الجماهير قديماً وحديثاً: إنما يعالجون بانحراف مثله أو بأخطر منه، وضربت على ذلك مثلاً عقيدة نزول عيسى ﵇. أنا أذكر جيداً أنني حينما نشأت في طلب العلم أني انتفعت بالسيد رشيد رضا وبمجلته المنار خاصة انتفاعاً كثيراً، بل أعتقد أنه لم يكن المفتاح الذي فُتِح لي به طريقة السلف إلا هذه المجلة، أي نعم. لكن وجدت في كثير فيما بعد من مقالاته: أنه انحرف في قليل أو كثير مما جاءت به السنة، والسبب في ذلك: أنه كان ابتلي بمن يسمون بالقاديانية تعرفونهم؟ مداخلة: هؤلاء القاديانية؟

стр. 4506

الشيخ: نعم القاديانية الذين يسمون أنفسهم بالأحمديين. مداخلة: غلام أحمد ... الشيخ: الغلام غلام أحمد القادياني. مداخلة: نعم. الشيخ: فهم معروفون عند أهل السنة بالقاديانية وهم: يفرون من هذه النسبة إلى النسبة الأحمدية فهم يقولون: نحن أحمديون، ولهم هدف خبيث بالفرار من تلك النسبة إلى هذه، لأن النسبة الأولى إنما هي نسبة إلى البلدة التي خرج منها نبيهم الكذاب هذا الغلام أحمد القادياني وهي قاديان. وينتسبون إلى أحمد لأن غلام أحمد القادياني ليس اسمه أحمد وإنما هو غلام، غلام أحمد وهذا أسلوب في اللغة الهندية تفسيره: خادم أحمد، فهو ليس أحمد وإنما هو خادم أحمد. والمقصود بأحمد هو: نبينا ﵊، والأعاجم لهم مثل هذه النسبات افتخاراً بانتسابهم للرسول ﵇. فغلام أحمد هكذا عرف الرجل ولكنه لما ادعى المهدوية، ثم ادعى النبوة فحمل على نفسه بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة جرها جراً على نفسه مثل: قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف:٦) من هذا أحمد؟! هو محمد لا، هو أحمدهم هذا، وبناءً على ذلك حتى يصح له جر هذه الآية وحملها على ذاته غَيَّرَ اسمه في مؤلفاته، أنا هذا درسته شخصياً؛ لأني ابتليت بمجادلة القاديانية بدمشق سنين طويلة. فهو كان يكتب اسمه في مؤلفاته ميرزا غلام أحمد أي: خادم أحمد بن

стр. 4507

عبد الله بن عبد المطلب، فحذف ميرزا غلام أحمد فقال: أحمد؛ لكي يضلل الناس أن هذه الآية تعنيني أنا وأنا اسمي أحمد، أما محمد النبي المبعوث رحمة للعالمين اسمه: محمد وليس اسمه أحمد، هكذا أوهم المضللين به، أي نعم. ولذلك فهو إتماماً لإضلال شيخهم لهم يبينون للعالم بأنهم أحمديون ليسوا منتسبين لأحمد بن عبد الله هذا ابن عبد المطلب، وإنما لأحمد بس هذا الكذاب. هؤلاء كالمعتزلة، بل وأشد إغراقاً في الضلال؛ لأنهم ينكرون ما هو معلوم من الدين بالضرورة، يؤمنون بكل الكتاب ولكن لفظاً وليس معنىً، ولا يخفى على أهل العلم أن اللفظ في كل الكلام فضلاً عن الكلام الإلهي ليس مقصوداً بذاته، وإنما هو وسيلة للمعاني، وكما يقال: الألفاظ قوالب المعاني، فما الفائدة إذا آمن مؤمنٌ ما، بآية ما ثم لف ودار عليها واستخرج لها من ضلاله معنى لا صلة لهذا المعنى باللفظ القرآني، هكذا كل الفرق الضالة شأنهم مع القرآن الذين لم يعلنوا الخروج عن الإسلام، وإنما لا يزالون يدعون أنهم مسلمون ونؤمن بالقرآن. القاديانيون هكذا مثالهم يؤمنون بألفاظ القرآن في كثير من نصوصه، ولكنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه كما حكى ربنا ذلك في القرآن الكريم عن اليهود. هم يعتقدون مثلاً: بأن باب النبوة مفتوح بعد محمد ﵊ على رغم مثل قوله ﵎ في القرآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠). هم لا ينكرون أنه خاتم النبيين، لكنهم ينكرون كما أنكرت المعتزلة القدر، وأنكروا الصفات الإلهية ونحو ذلك، فهم يقولون: خاتم النبيين ليس معنى

стр. 4508

آخرهم، وإنما خاتم النبيين كالخاتم في الأصبع، فهو زينتهم، هذا موقفهم من القرآن، ما موقفهم من الأحاديث المتواترة، في أنه لا نبي بعد محمد ﵊؟ ما استطاعوا تأويله حرفوه كما حرفوا القرآن، وما لم يستطيعوا نسفوه نسفاً فقالوا: هذا مخالف للقرآن. من أشهر الأحاديث التي تثبت أن لا نبي بعده ﵇ حديث: مخاطبة الرسول ﵌ لعلي حينما سافر إلى تبوك غازياً، وترك علياً في المدينة، وبكى علي فأنسه ﵇ بقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (١). قالوا: هذا حديث صحيح، لكن ما فهمتموه جيداً، «لا نبي بعدي» أي: معي، أما بعده يعني: بعده في نبي، هذا، وهذا مثال آخر يعني كيف يحرفون الكلم من بعد مواضعه. مداخلة: يستدلون أن هارون كان مع موسى. الشيخ: نعم. مداخلة: لهم ذكاء مع ضلالهم يعني. الشيخ: إيه ذكاء، لكنه ذكاء بدون عقل ما يفيد شيئاً أبداً. مداخلة: ذكاء يجعلهم ضلالاً. الشيخ: ولذلك حكى ربنا في القرآن الكريم عن الكفار المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠).

стр. 4509

لذلك الذكاء شيء والعقل شيء: أنا جعلت الاستطراد طويل جداً، يعني: كنت أتكلم عن السيد رشيد رضا، وأنني استفدت منه، لكن رأيت منه بعض الانحرافات منها: بسبب رده على القاديانية، والقاديانيون يدعون من دعاويهم الباطلة أن ميرزا غلام أحمد القادياني هو عيسى المبشر به في الحديث، وهذا أيضاً من تآويلهم الباطلة، «لينزلن فيكم عيسى ابن مريم حكماً عدلاً» (١) نعم ليس المقصود عيسى، وإنما المضاف محذوف تقديره مثيل عيسى، لف ودوران من هو هذا المثيل؟ ميرزا غلام أحمد القادياني، فالسيد رشيد رضا ﵀ كأنه شعر أنه ما استطاع أن يقيم الحجة عليهم حجة دامغة قاهرة إلا بالتشكيك في أحاديث نزول عيسى ﵇ من أجل ماذا؟ يقلص الجمهور المتأثر بالقاديانية لا عيسى ولا مهدي. لذلك قلنا بالنسبة إليه مع فضله وعلمه: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل وأنا كتبت في بعض ما كتبت من المؤلفات والكتب: أن السبيل في كل هذه الأمثلة وسواها ليس هو التأويل الذي هو أخو التعطيل، وإنما هو فهم النصوص فهماً جيداً من المسلمين حتى لا يقعوا في انحراف سلبي أو إيجابي. نعود إلى مسألة القدر وهي مشكلة المشاكل في الواقع من يوم وجدت المعتزلة إلى اليوم. المعتزلة يقولون: إذا قلنا: إن الله قدر على الإنسان الإيمان والكفر،

стр. 4510

والخير والشر فهذا معناه أنه مجبور لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً! إذاً: ما المخرج عندهم؟ لا قدر إذاً: ماذا نقول في الآيات التي أثبتت القدر؟ نؤولها بالمعنى الذي سمعته: العلم، لكن ما استفادوا شيئاً من هذا الإنكار؛ لأنه لا فرق بين كل المؤمنين الذين يؤمنون بالعلم الإلهي، وبين أكثر المؤمنين الذين يؤمنون أيضاً بالقدر الإلهي من حيث المشكلة التي أوردها المعتزلة لا فرق بين العقيدتين: عقيدة الإيمان بالعلم الإلهي الأزلي والإيمان بالقدر الإلهي لا فرق من حيث المشكلة، ما هي المشكلة؟ قالوا: إذا قلنا إن الله قَدَّرَ وكتب الإيمان والكفر والخير والشر لزمنا الجبر. كذلك نقول نحن: لاشك ولا ريب عند كل المؤمنين بالقدر الإلهي أنه وفق العلم الإلهي، كذلك الكتابة الإلهية على مراحلها المتعددة كما شرح ذلك الإمام ابن القيم في كتابه العظيم المسمى ماذا؟ الحكمة والتعليل. مداخلة: شفاء الغليل. الشيخ: شفاء الغليل (١)، نعم أحسنت. فهناك مراحل للكتابة كل هذه الكتابة، الكتابة الأولى والأخيرة التي والولد في بطن أمه بطبيعة الحال على وفق ماذا؟ العلم الإلهي. فإذاً: الإشكال الذي أوردوه لا يزال قائماً بمعنى: حذفنا الآن من أذهاننا ما حذفوه هم من عقائدهم وهو: القدر الإلهي طوينا عنه صفحة مؤقتاً. كذلك الكتابة الإلهية، وأن نتفق معهم هناك على العلم أو هم يتفقون معنا،

стр. 4511

طيب. سبق في العلم الإلهي أن فلاناً سيكفر هل يمكن أن يتغير العلم الإلهي؟! طبعاً لا. مداخلة: لا يتغير. الشيخ: طيب. الكتابة الإلهية تتغير؟! لا. القدر الإلهي يتغير؟ لا. فما الذي استفدتموه من قولكم: لا قدر واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: إذاً: يجب الإيمان بكل ما جاء من العلم والكتابة والقدر وتأويل ذلك بما يتفق مع الأدلة الأخرى. فما استفادوا شيئاً من إنكارهم القدر بحجة أنه إذا كان القدر لا يتغير فإذاً: صار المكلف مجبوراً نقول لهم: هل العلم الإلهي يتغير؟ سيقولون: العلم الإلهي ما يتغير. مداخلة: لا يتغير. الشيخ: نعم. فسيكون من جوابهم: أنه لا يتغير، إذاً: هل سبق في العلم الإلهي أن فلاناً سعيد، فلاناً شقي؟! فمن قولهم: أنه أحاط بكل شيء علماً إذاً: لا يتغير فما جوابكم عن العلم الإلهي الذي لا يتغير فهو جوابنا عن القدر الإلهي الذي لا يتغير، هذا كما لا يخفاكم جواب جدلي. مداخلة: إي والله جدلي. الشيخ: لكنه حق، لكن عندي جواب آخر: ما سبق في العلم الإلهي أو في القدر الإلهي هو بلا شك يوافق ما سيقع لا يختلف قيد شعرة، وإذا كان الأمر

стр. 4512

كذلك فنحن نرد على كل من الفريقين المعتزلة وخصومهم الجبرية، جواب يشمل الفريقين معاً، ثم نعود على الجبرية بتفصيل لا يحتاجه المعتزلة، إنهم معنا في أن العلم الإلهي يعرف الوقائع على حقائقها الجلية، ونحن نعلم من واقع المكلفين أن أعمالهم وحياتهم فيها ما هم مختارون ضرورة، وما هم مجبورون أيضاً. نبدأ بعمل القلب، عمل القلب مجبورون فيه؛ لأنه من خلق الله الذي ليس للبشر فيه خيرة، ولذلك إذا شاء الله عطل هذه الحركة بإماتة صاحبها. كذلك نقول في كون زيد من الناس طويلاً وآخر قصير بليداً نحيلاً وو ... إلى آخر ما هنالك. هنا يصدق قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص:٦٨). لكن هناك أمور أخرى تتعلق بهذا الإنسان المجبور من هذه الزاوية، هناك أمور أخرى تصدر منه باختياره، فالآن أنا أتكلم، وأنتم تصغون وأحياناً تتكلمون أيضاً معنا، هل أنتم يا معشر المعتزلة الجبرية لهم خطاب آخر قلنا آنفاً، أنتم معشر المعتزلة تقولون أننا نحن الآن في هذا الكلام مختارون أم مجبرون؟ سيكون من قولهم: مختارون، طيب في الحال الأولى أو الأمثلة الأخرى: مختارون أم مجبورون؟ يعني: في كون حركات القلب، وهذا إنسان طويل وآخر قصير، وأبيض وأسمر وأسود إلى آخره، مختارون أم مجبورون؟ ما يستطيعون أن يقولوا مختارون. إذاً: هذا الواقع بقسميه بصورتيه سبق في علم الله ، سبق في علم الله .

стр. 4513

العلم يشملهما الصورتين. ننزل الآن إلى ما أنكرتم من القدر، القدر يشملهما أيضاً؛ لأننا قلنا أن القدر الإلهي وفق العلم الإلهي، فما في اختلاف بينهما من حيث أنه يكتشف الواقع على حقيقته يكتشفان الواقع على حقيقته قبل وقوعه، فمن هذه الحيثية القدر مطابق لماذا؟ للعلم الإلهي. إذاً: أين الإشكال إذا كان ما قدره الله من القسم الأول فأنا لا أسأل عنه؛ لأني لا إرادة لي، كون واحد أسود فاحم قد يعير الأبيض بسواد بشرته مثلاً، لكن لا يعير؛ لأنه هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه. لكن أنا إذا انحرفت أو شتمت أعير لماذا؟ لأنه من القسم الآخر. مداخلة: في إرادة يعني؟ الشيخ: نعم في إرادة، فإذاً: ما هو الإشكال في إنكاركم القدر، والقدر يكتشف الواقع بقسميه؟! نحن آنفاً ضربنا القسم الأول؛ لأنه واضح لا جدل فيه إطلاقاً وهو مفهوم لدى الجميع. الآن نضرب مثلاً في أعمالنا نحن التي تصدر من جوارحنا: إنسان رمى عصفوراً فأصاب إنساناً فقتله هذا. مداخلة: قتل خطأ. الشيخ: قتل خطأ، لكن بفعل ماذا؟ بإنسان. مداخلة: أي نعم.

стр. 4514

الشيخ: ليس فعل الإله مباشرة كما هو القسم الأول. مداخلة: أي نعم. الشيخ: هذا مقدر أم، عفواً لا أقول للمعتزلة مقدر؛ سبق في العلم الإلهي هذا أنه عمل وَلَّا لا؟ مداخلة: سبق. الشيخ: ولذلك كان من العدل الإلهي أنه لن يؤاخذه في الآخرة؛ لأنه قتله خطأ. طيب. كذلك نحن نقول: نحن المؤمنين بالقدر الإلهي القدر الإلهي سجل عليه هذا الخطأ، هذا القتل خطأً، ولذلك ما يؤاخذني لكن إنسان آخر فنقول: إنسان آخر، وفي ليلة لا قمر فيها ترصد خصماً له، وتهيأ لقتله فرماه بالبندقية أو طعنه بخنجره، هل يستوي هذا وذاك؟ مداخلة: لا. الشيخ: لا يستويان مثلاً. مداخلة: هذا متعمد. الشيخ: نعم هذا متعمد، وكما يقولون في القضاء اليوم عن سابق ماذا؟ تصميم وإصرار. الشيخ: كلاهما الصورتان سبقتا في العلم الإلهي بلا شك، لأنه أحاط بكل شيء علماً، فما المانع يا معتزلة أن يكون هذا العلم الإلهي سجل في اللوح المحفوظ فكان قدراً، فالقدر إذاً: يحيط بالواقع على حقيقته إن كان جبراً لا

стр. 4515

مؤاخذة، وإن كان اختياراً فهنا مؤاخذة، فلماذا تخشون من القول بالقدر؟ واضح هذا الجواب، هذا الجواب ملزم بالإيمان بالقدر. كذلك الجواب الأول، لكن ذاك جواب جدلي وهذا مؤكد لذاك الجواب، على هذا يجب أن تعالج كل العقائد الإسلامية الصحيحة منها: قضية نزول عيسى ﵇ أشكل الأمر على السيد رشيد رضا ﵀ ومنه استقينا نحن هذا المنهج السلفي والحديثي، وأشكل على كثير من علماء الأزهر كشلتوت وأمثاله، أنكروا عقيدة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان لماذا؟ قالوا: لأن كثيراً من الناس ادعوا العيسوية، وهذا غلام أحمد القادياني كثير منهم ادعوا المهدوية وجاركم هناك في السودان المهدوي هذا معروف، وفي التاريخ الإسلامي كثير ممن ادعى ماذا؟ العيسوية وادعى المهدوية، إذاً: سداً لباب هذه الدعوات الباطلة ... نضيع [على] الناس ... عقيدة نزول عيسى ﵇ وخروج المهدي، هذا خطأ، ونعالج الخطأ بخطأ مثله وشر منه، فأنا قلت في بعض ما كتبت رداً على أمثال هؤلاء أنا أخشى ما أخشى أن يأتي يوم يعالج فيه بعضهم الإلهية فينكرها؛ لأن الفراعنة ما انتهوا بعد، فبعضهم يدعي الإلوهية، فلنريح الناس من هذه الدعوة وهي أبطل الباطل ما في إلوهية وانتهت المشكلة هل هذا يصلح مع الردود الصحيحة؟ نحن نقول أخيراً: نزول عيسى عقيدة صحيحة آمن بها السلف وتبعهم الخلف على هدى من ربهم، لكن ليس في الأحاديث ولا في أحاديث المهدي ﵉ أن على المسلمين ألا يعملوا لإسلامهم ولعزة دينهم حتى ينزل عيسى ويخرج المهدي، ما يوجد في هذه الأحاديث كلها ما يشعر بهذا الفهم الخاطئ الذي وقع فيه بعض المسلمين، ولذلك أنكر بعض المصريين هذه

стр. 4516

الأحاديث من أجل يزيحوا العثر بزعمهم من طريق عامة المسلمين فما في فائدة لا ينزل عيسى ويخرج المهدي، هذا فهمه خطأ كما فهم الجبريون من القدر ووراهم المعتزلة ثم أنكروا الجبر، وأنكروا معه القدر. ما دام لا يوجد في الأحاديث الصحيحة التي نزلت في عيسى ﵇، وفي خروج المهدي ما يشعرنا بالتواكل على مجيئهما إذاً: يجب علينا أن نعمل؛ لأن عيسى إن نزل وجد الأرض مهيئة لقائد يقودهم، وإذا نزل عيسى ﵇ والمسلمون كما هم اليوم - أنا أقول هذا الكلام مؤمن به - سوف لا يستطيع عيسى أن يجمع المسلمين في لحظة، في يوم وليلة يجمع المسلمين الصالحين منهم بطبيعة الحال حول قيادته؛ لأنه سوف لا يكون في اعتقادي أحلم وأقدر على جمع قلوب الناس حوله من نبينا محمد ﵌ وهو لبث في قومه عشرين سنة، وحتى استطاع أن أوجد هذه النواة التي غذاها الله بِقَوَّتِهِ وعلمه ثم امتدت ظِلالها كما تعلمون من التاريخ الإسلامي. فإذاً: عيسى ﵇ يجب ألا نتصور أنه ينزل إلى الأرض إلا وقد هيئت له لقبوله، إذاً: ينبغي أن نفهم أحاديث النزول والخروج؛ على أنها تحض المسلمين على العمل لإعادة الإسلام إلى مجده الغابر، لا أن ينتظروا عيسى والمهدي ليعيد لهم المجد الغابر، إذا آمنا هكذا فما المشكلة من أحاديث عيسى ﵇ وخروج المهدي؟ لا إشكال أبداً دائماً المشاكل تأتي من سوء فهم النصوص، وهذه الحقيقة نقطة مهمة جداً في العالم الإسلامي من حيث إنهم أساءوا فهم بعض النصوص فأساؤوا فهم نصوص أخرى. ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً وإياكم للفهم الصحيح عن الله ورسوله.

стр. 4517

مداخلة: يا شيخ ... ابن خلدون يتكلم عن أحاديث المهدي ما رأيكم في أحاديث المهدي يقول: إنها ضعيفة كلها. الشيخ: أولاً: لا يخفاكم أن ابن خلدون هو مؤرخ وحكيم في التاريخ وليس عالماً بالحديث، وما أردت أن أقول ليس متخصصاً في الحديث، بل هو ليس عالماً في الحديث. مداخلة: يعني: أبعد من هذا. الشيخ: هو هكذا، ثم من قرأ كتابته في تاريخه أو في مقدمة تاريخه حول أحاديث المهدي يجد هناك في بعض الأحاديث اعترافاً بالصحة لهذا البعض، ولذلك فيخطئ كثيراً من الكتاب الذين كتبوا في هذه القضية ومنهم: شيخ قطر إذا سمعتم به. مداخلة: القرضاوي الشيخ: لا المحمود هذا. مداخلة: الشيخ الكبير. الشيخ: يخطئ كثيراً كهذا الشيخ حين يعزوا إلى ابن خلدون أنه ضعف كل أحاديث المهدي، فهذا خطأ ليس فقط على الحديث النبوي، بل وخطأ آخر على ابن خلدون المؤرخ. ثم علم الحديث في الواقع فيه دقائق هي التي صرفت كثيراً من العلماء عن الاشتغال بالحديث؛ لأنه يتطلب جهداً ودأباً قد لا يستطيعه أكثر النفوس، ولو كانوا من أهل العلم والفضل. أضرب لك مثلاً بين عالم يكتب بحثاً علمياً وكاتب يكتب مقالة أدبية كم

стр. 4518

الفرق بينهما؟ مداخلة: الفرق شاسع. الشيخ: شاسع جداً الذي يكتب مقالة أدبية، الأفكار المخزونة في ماذا؟ مخه وفكره يسير قلمه لا يحتاج أن يراجع هذه الكتب التي يسميها بعض الناس ظلماً الكتب الصفراء ... ، لا يحتاج. بينما الذي يريد أن يكتب ويحرر مقالة علمية خاصة في آخر الزمان الذين علمهم كأمثالنا في سطورهم وليس في صدورهم هؤلاء بحاجة أن يراجعوا على الأقل يتثبتوا، أما ذاك الكاتب ما يحتاج إلى مراجعة أبداً، يكتب يشحبر -يقولوا عندنا في الشام- يعني بالقلم الأسود. النسبة التي ذكرتها بين الكاتب العالم، والكاتب الأديب هي النسبة بين العالم المحدث المتخصص في الحديث والعالم يحتاج إلى صبر ومراجعة كثيرة وكثيرة جداً لماذا؟ لأن كثيراً من الأحاديث هي من القسم الذي يسميه علماء الحديث صحيح لغيره، حسن لغيره. صحيح لغيره وحسن لغيره، أحد العلماء كالترمذي مثلاً إذا قال في حديث ما حديث حسن، وهذا من الغرائب واللطائف التي لا يتنبه لها أكثر العلماء بل وكثير من المحدثين إذا قال الترمذي في حديث: حسن, يعني: إسناده ضعيف أسمعتم بهذا؟ إذا قال في حديثٍ ما: حديث حسن يعني: أن إسناده ضعيف. مداخلة: لم يصل إلى درجة الصحة يعني .... الشيخ: إذا قال الترمذي في حديث ما حديث حسن يعني: إسناد الحديث الذي حسنه الترمذي إسناده ضعيف كيف هذا؟ هذا اصطلاح، على خلاف ما إذا

стр. 4519

قال في حديث آخر: حديث حسن غريب، فإنما يعني حديث حسن إسناده، كلمة غريب حددت المراد من كلمة قوله: حسن. أما إذا عَرَّى هذه الكلمة حسن عن لفظة غريب، فهو يعني حسنٌ متنه ضعيفٌ إسناده لماذا جاء هذا التحسين؟ من علمه أن لهذا المتن شواهد، وطرق أخرى ارتقت به من الضعف الذي جاءه من هذا الاسناد. إذاً: من أجل ذلك قال علماء الحديث: إذا وقف طالب العلم على حديث إسناده ضعيف، فهل يجوز له أن يقول حديث ضعيف؟ قالوا وقالوا؛ قالوا: لا يجوز لأنه قد يكون له إسناد آخر إما أن يكون هذا الإسناد الآخر حسناً لذاته، أو صحيحاً لذاته أو على الأقل يجعل هذا الحديث الضعيف إسناده حسناً أو صحيحاً لغيره، ولذلك فلا يستقل بالقول بأنه هذا حديث ضعيف وإنما يقول: حديث إسناده ضعيف، ثم استثنوا فقالوا: اللهم إلا رجل عالم متمكن في علم الحديث محيط ما شاء الله بطرق الحديث، ثم لم يجد لهذا الحديث إلا هذا الإسناد فلمثله فقط أن يقول هذا حديث ضعيف. "الهدى والنور" (١٩٨/ ٠٩: ٢١: ٠٠) [١٨٠٩] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى [قال الإمام]: الأشاعرة ... غلوا وأنكروا الحكمة على ما فصله ابن القيم في «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». فراجعه فإنه هام جداً. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٥).

стр. 4520

[١٨١٠] باب الرد على من قال أن لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﵌ فيما يروي عن ربه أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... » الحديث. (صحيح). [قال الإمام]: قال الراغب: [الظلم] هو لغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به بنقص أو زيادة، أو عدول عن وقته أو مكانه، قلت: ففيه رد على الذين يفسرونه بأنه التصرف في ملك الغير! وبناء عليه يقولون بأن لله تعذيب الطائع، وإثابة العاصي! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، راجع للرد عليهم كتاب ابن القيم: «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٨٥٨). [١٨١١] باب خطأ من قال بأن الشر ليس من خلقه تعالى [قال رسول الله ﵌]: «إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما [فليأخذ بناصيتها] [وليسم الله ] [وليدع بالبركة] وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه». رواه البخاري.
следующие страницы →