ذلك كانوا يجعلون لله أنداداً وشركاء في عبادته، فهم يؤمنون بأن الرب واحد، لكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة، ولذلك قال تعالى في الآية المعروفة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، فهم كانوا يعلمون أن قول لا إله إلا الله،
ينبغي أن يتبرأ قائلها من كل عبادة سوى عبادة الله ، أما المسلمون اليوم فقد فسروا الكلمة الطيبة بـ لا رب إلا الله، فإذا قال المسلم لا إله إلا الله، وهو يعني هذا المعنى لا رب إلا الله، فهو والمشركون سواء؛ عقيدةً، أما لفظاً فهو مسلم؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، بخلاف المشرك لأنه يأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فهو ليس مسلماً لا ظاهراً ولا باطناً، أما جماهير المسلمين اليوم فهم مسلمون، لأن الرسول ﵇ يقول: «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
ولذلك فأنا أقول كلمة ربما تكون نادرة الصدور مني وهي: أن واقع المسلمين اليوم شر مما كان عليه العرب من حيث سوء الفهم لهذه الكلمة الطيبة؛ لأن العرب كانوا يفهمون لكنهم لا يؤمنون، أما المسلمون اليوم فيقولون ما لا يعتقدون، يقولون: لا إله إلا الله وهم يكفرون بمعناها، ولذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين حقاً هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بالتلخيص، ثم تفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة من الإخلاص لله في العبادات بكل أنواعها؛ لأن الله لما حكى عن المشركين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، فكل عبادة توجه إلى غير الله فهو كفر بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله.
لهذا أنا أقول اليوم: لا فائدة مطلقاً من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم على تركهم في ضلالهم في بعدهم عن فهم هذه الكلمة الطيبة فذلك لا يفيد في الدنيا
стр. 457
قبل الآخرة، نحن نعلم جميعاً أن قول النبي ﵌: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه؛ حرم الله بدنه على النار» (١)، وفي أحاديث أخرى: «دخل الجنة»، فلا يمكن ضمان دخول الجنة ولو بعد لَأْيٍ، ولو بعد عذاب يمس القائل والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهالكلمة فإن هذا قد يعاقب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام، ولكن سيكون مصيره دخول الجنة، وعلى العكس من ذلك من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، فذلك لا يفيد شيئاً في الآخرة، قد يفيد في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل، أما في الآخرة فلا يفيده شيئاً إلا إذا قالها فاهماً لمعناها أولاً، ومعتقداً لهذا المعنى؛ لأن الفهم والمعرفة وحدها لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم، وهذه نقطة أظن أن كثيراً من الناس عنها غافلون، وهي: لا يلزم من الفهم الإيمان، لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمناً، ذلك لأنكم تعلمون إن شاء الله أن كثيراً من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمداً ﵌ رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة، ولكن مع ذلك، أي مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا ﵎ حين قال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦)، ومع ذلك فهذه المعرفة ما أغنتهم شيئاً، لماذا؛ لأنهم لم يصدقوه فيما عرفوا منه من ادعاء النبوة والرسالة، ولذلك فالإيمان يسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها، لا بد أن يقترن معها الإيمان، فإذاً إذا قال المسلم لا إله إلا الله بلسانه، فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة معنى هذا الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل، فإذا عرف وصدق وآمن، فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها
стр. 458
آنفاً، ومنها قوله ﵊ مشيراً إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفاً ألا وهو قوله ﵌: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره»، أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان، بعد معرفة معناها والإيمان بهذا المعنى الصحيح، ولكنه قد لا يكون قام بمقتضياتها وبلوازمها من العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي فقد يدخل النار كجزاء لما فعل وارتكب من معاصي، أو أخل ببعض الواجبات، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة، هذا معنى قوله ﵇: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره» (١)، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى فهذا لا ينفعه قوله: لا إله إلا الله، إلا هنا في العاجلة وليس في الآجلة.
لذلك لا بد من تركيز الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى حثيثاً وبحق إلى ما يدندن به كل الجماعات الإسلامية، أو لعل الأدق أن نقول: جل الجماعات الإسلامية، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي حثيثاً إلى جعلها حقيقة واقعة إلا بالبدء بما بدأ به رسول الله ﵌، أعيد التنبيه إلى أنه لا أعني بهذا الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه، هو أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها؛ لأن الإسلام بعد أن أتم الله علينا النعمة بإكماله لدينه، فلا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوه كلاً لا يتجزأ.
وأنا حين أقول هذا أقول بعد ذاك البيان الذي خلاصته أنه يجب على الدعاة
стр. 459
الإسلاميين حقاً أن يهتموا بالأهم مما جاء به الإسلام وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، لكني أريد أن ألفت النظر إلى أن هذا لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط، بل هذا يستلزم أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يتعبد ربنا بها، ولا يوجه شيئاً منها لعبد من عباد الله ﵎، هذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضاً مع ذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة.
"الهدى والنور" (٧٥٠/ ١٤: ٠٢: ٠٠)
[٧٦] باب نصيحة الشيخ لبعض
الداعيات أن تجعل التوحيد أولى أولوياتها
[قال الإمام في سياق نصيحته لبعض الداعيات]:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:٢، ٣) فقد جعل الله لكن مخرجاً هذا المسجد إن شاء الله حينما ضاق بكم دار أختكم، وعسى أن يكون ما وراء ذلك أوسع لكم مما ادخر لكم في الغيب، ولكن عليكن أن تصبرن فالدعوة إذا لم يقترن معها الصبر تعود القهقرى لا سمح الله، هذا أولاً، وثانياً هذا المسجد الذي فيه ما ذكرت من بعض الناس من تلك الجماعة أو ذاك الحزب، وما دام أنهم ليسوا متعصبين كل التعصب فأرجو أن تكون عاقبة الدعوة زيادة في الانتشار بواسطة التدريس في ذاك المسجد، ولكن أنصح باستعمال السياسة الشرعية المتضمنة في قوله تعالى المعروف لدى المسلمين والمسلمات جميعاً ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) وأن تكون منطلق البحث والتدريس هو كما قيل: العلم إن
стр. 460
طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير، فقدم الأهم منه فالأهم ولا يخفى عليكن أن أهم شيء في الإسلام هو التوحيد والعقيدة الصحيحة، ولذلك فينبغي البدء بهذا الأصل الأول من أصول الإسلام ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وليكن هذا المنطلق من رسالة العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي الحنفي فإنها وإن كان مؤلفها حنفي المذهب ماتريدي المشرب فإنه سليم بالمائة تسعة وتسعين، وهناك مسألة واحدة فقط خالف فيها منهجنا السلفي الحديثي وهو أنه يذهب إلى أن الإيمان فقط عقيدة وأنه لا يدخل في مسماه العمل الصالح خلافاً لأهل الحديث، ولذلك فليكن المنطلق في تدريس العقيدة من هذه الرسالة لصحتها على ما بينت آنفاً، ولأنها مقبولة حتى عند المخالفين للمنهج السلفي، هذه نصيحتي، خلاصتها الدعوة بالتي هي أحسن .. بالحكمة والموعظة الحسنة والبدء بالعقيدة انطلاقاً من هذه الرسالة الطيبة ..
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ١٢: ٠١: ٠٠)
[٧٧] باب أصل دعوة الأنبياء
والرسل هو دعوة التوحيد وبيان أقسام التوحيد وما يضادة
أصل دعوة كل الأنبياء والرسل إنما هي قائمة على عبادة الله ﵎ وحده لا شريك له.
فكل نبي بعثه الله، وكلُّ رسول أرسله الله إلى قومه فإنما كان أول ما يدعوهم إليه: أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت.
على هذا جاء رسول الله ﵌ وعلى هذا الأساس وقع الخلاف بينه وبين قومه، لأنهم كما تعلمون جميعاً والمسألة لا تحتاج إلى كثير من البيان والتفصيل،
стр. 461
فقد كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى فلما دعاهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ودعاهم إلى أن يقولوا: معه: لا إله إلا الله، استكبروا عن ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
كما أن النبي ﵌ كان أول ما بدأ بالدعوة هي: دعوة قومه إلى هذا التوحيد، كذلك كان رسول الله ﵌ إذا أرسل رسولاً من طرفه إلى قبيلة من قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، فلم تكن دعوة رسول رسول الله ﵌ إلى الإيمان بإسلام غير واضح معالمه، وإنما كانت دعوة رسول رسول الله ﵌ إنما كانت دعوته إلى الإسلام أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.
على هذا أدب النبي صلى الله علي وآله وسلم أصحابه، وعلمهم كذلك أن يدعوا غيرهم إلى دين الله .
من ذلك ما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ حينما بعث معاذاً إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، ولعلكم تعلمون أن اليمن يومئذ كان يجمع بين أقوام مشركين وأقوام آخرين من أهل الكتاب، من الذين يدعون مع الله عيسى بن مريم، لذلك أوصى رسول الله ﵌ رسوله معاذاً حينما بعثه إلى اليمن قال له: «ليكن- وهنا الشاهد- ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك فمرهم بالصلاة ... الخ الحديث».
والشاهد من هذا الحديث ومن الآية السابقة وما في معناها وهي آيات كثيرات طيبات في كتاب الله : أن دعوة الرسول، دعوة أتباع الرسل
إنما يكون اهتمام بدعوة من حولهم إلى هذه الكلمة الطبية: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 462
ولكن المسلمين اليوم بسبب بعد عهدهم بإسلامهم وبدينهم الذي جاءهم به رسول الله ﵌ طاهرا نقيا كما جاء في الحديث: «ليلها كنهارها».
بسبب هذه المسافة الشاسعة التي حالت بين المسلمين وبين تلقيهم الإسلام هكذا غضاً طرياً قد دخل في الإسلام، في أصوله فضلا عن فروعه ما لم يكن من قبل له وجود، أوْ لَهُ ذكر عن المسلمين الأولين.
يضاف إلى ذلك: أن القرآن الكريم كما تعلمون جميعاً أنزله الله على قلب محمد صلى الله علي وآله وسلم بلسان عربي مبين، وإلى العرب ... الذين نزل القرآن بلسانهم، فكان ميسراً لديهم أن يفهموه دون أن يتولى الرسول ﵌ بيان الكثير منه إلا ما كان له علاقة ببيان الأحكام التي تكون أصولها موجودة في كتاب الله ، أما نحن اليوم فلدخول العجمة في ألسنتنا نحن معشر العرب أصبحنا لا نفهم من القرآن الكريم من حيث اللغة العربية عل الأقل ما كان يفهمه العرب الأولون، وفهم المشركون الذين حاربوا دعوة التوحيد، كأبي جهل وأمثاله فقد كانوا بسبب لغتهم يفهمون حينما يقول لهم رسول الله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله».فهم يفهمون أن معنى هذه الشهادة: الكفر بكل ما سوى الله ﵎ فما عبد من دونه، في عهد المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﵌ مباشرة أو فيمن قبلهم، فكل هؤلاء وهؤلاء من المشركين كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى.
فكلمة الإله في اللغة العربية التي نزل بها القرآن كما ذكرنا وفهمها العرب الذين بعث إليهم الرسول ﵇ مباشرة اليوم كثير من المسلمين لا يفهمون هذه اللفظة حق فهمها، وإنما قد يفهمونها بمعنى آخر ليس مرادًّ فاللفظة: «لا إله»
стр. 463
إنما هو جزء من المعنى الذي يدل عليه لفظ: «الإله».
نحن نعلم اليوم حينما نسمع من بعض المسلمين حتى ممن قد يعدون أنفسهم من الدعاة فضلا عن عامة الناس أنهم يفهمون أن معنى الإله: هو بمعنى الرب؛ فيفسرون الكلمة الطيبة التي هي أصل الإسلام كما تعرفون وكما سمعتم الحديث السابق ذكره يفهمون لا إله: أي لا رب إلا الله، وهذا فهم قاصر ناقص، من شهد أن لا إله إلا الله بمعنى: أن لا رب إلا الله فقط، وأرجو أن تنتبهوا لقولي فقط؛ لأنني أريد أن أقول: لا إله تعني: لا رب وشيء أخر: أي لا رب يعبد إلا الله وبحق، فلا إله لا تعني لا رب إلا الله، لا خالق إلا الله فقط؟ لا، لابد من أن يضم إلى ذلك في عقيدة المسلم الذي لا بد أن يتشهد بهذا الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله أن يكون قد فهم أن معناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎. فإذا فهم المسلم هذا الفهم الصحيح؛ فهو قد استقام على الجادة، وأخذا الخيط الأول منها.
ثم علية بعد ذلك أن يحقق هذا المعنى الذي فهمه وآمن به وصدقه، أن يحققه في حياته التي يزعم بأنه يعبد الله فيها وحده لا شريك له.
كثير من الناس يتوهمون أن العبادة فقط إنما هي أن تصلى لله وحده لا شريك له، وأنك إذا ركعت, سجدت أو استغثت أو استعنت في الشدائد بغير الله لا تكون أضررت بشهادتك بقولك: لا إله إلا الله، كثير من الناس يتوهمون أن من استعان بغير الله في الشدائد هذا لا يناقض شهادة التوحيد، هذا خطأ فاضح واضح جداً؛ لأن هذا الشهادة تعني: أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وأنت إذا استعنت بالله في حالة الشدة حيث لا يمكن لأحد من البشر أن يغيثك، سواء كان من الأحياء أو الأموات؛ فقد جعلت هذا المستغاث، شريكا مع الله
стр. 464
تبارك وتعالى وحينذاك تكون قد أخللت بهذه الشهادة، ولم تؤمن بها حق الإيمان.
كل مسلم اليوم من يصلى، لا تصح صلاته إلا إذا قرأ فاتحة الكتاب كما تعلمون.
فهو في أوله يخاطب ربه بقوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥).
كثير من الناس يفهمون أنه لا يجوز عبادة غير الله، وهذا هو الأصل الأول من هذه الكلمة الطيبة التي يجب على المسلم أن يفهمها، ولكن لا ينتبهون إلى أن تمام الآية ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
إنها تعني: أن الاستعانة بغير الله تناقض عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولذلك فحينما نسمع بعض الناس أو نراهم يستعينون في الشدائد ببعض الصالحين، أو الأولياء أو الأنبياء، وهم يعلمون أنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً؛ حينئذ لا يكونون قد فهموا معنى: لا إله إلا الله؛ بينما أنكروها على رسول الله، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
الفرق بين المسلمين اليوم والمشركين قديماً وحديثاً: أن المشركين، أعني بهم: العرب خاصة كانوا يفهمون معنى هذه الشهادة ولكن لا يؤمنون بها، أما المسلمون اليوم فالقليل منهم من يفهمها، ويؤمن بها حقاً، كثير منهم يشهدون بألسنتهم، ولكن كما قال تعالى في بعض الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
والإيمان لا يتسرب إلى قلب المؤمن إلا بشيئين اثنين:
стр. 465
الأول: الفهم الصحيح.
الثاني: الإيمان الصحيح
لذلك نعى ربنا على أقوام يقرؤون القرآن، لكن لا يفهمونه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤).
فمن الأسس التي جاء بها الإسلام: فاعلم، في القرآن: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩).
لذلك المسلمون اليوم مسلمون ولا شك؛ لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فهم من هذه الحيثية فارقوا المشركين الذين لم ينطقوا بهذا الشهادة؛ لأنهم كانوا يعلمون أن النطق بها يلزمهم القيام بحقائقها ولوازمها ومقتضياتها.
من ذلك: أن لا يعبدوا إلا الله ﵎ وهكذا ما كانوا يصرحون به: أنهم لا يؤمنون به. لذلك قال في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
فقد صرحوا بأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، فما هي عبادتهم؟ هل كانوا يصلون وهم لا يعرفون الصلاة هل كانوا يصلون لتلك الآلهة: تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؟ الجواب: لا.
إذن ما هي عبادة المشركين؛ وإنما لتقربهم إلى الله زلفى؟.
ماذا كان هؤلاء الجاهليون، هؤلاء المشركون، ماذا كانوا يفعلون مع أولئك المعبودات من دون الله ؟
стр. 466
كانوا يذبحون لهم، وأنتم تعلمون هذه الحقيقة، كانوا يذبحون، كانوا ينذرون لهم نذورا، كانوا في الشدائد يستغيثون بهم؛ لكن إذا جاءت شدة يعلمون أنه لا مغيث لهم منها إلا الله حينئذ ذكروا الله ولجأوا إليه كما هو مصرح في عديد من الآيات الكريمة، إذن المسلم يجب أن يتعلم الأشياء التي تنافى التوحيد حتى يكون منزهاً من الوقوع فيها من حيث لا يدري ولا يشعر؛ لذلك جاء في بعض الأحاديث: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما سوى الله دخل الجنة» (١) فلا بد من الجمع بين إثبات العبادة لله ونفي العبادة عن غير الله .
العبادات كثيرة، وكثيرة جداً.
فكلُّ ما تعبدنا الله به، كلُّ ما تعبد الله به من العبادات، سواء كانت من الفرائض أو الواجبات أو المستحبات، فلا يجوز للمسلم أن يتوجه بشيء منها إلى غير الله ﵎ في القرآن الكريم كما تعلمون: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ (الأنعام: ١٦٢) أي: وأضحيتي وذبحيتي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢).
فمن ذبح لغير الله معنى ذلك: أنه عبد غير الله، ليس من الضروري أن يصلى لهذا الغير، يكفيه شركاً أن يذبح لغير الله، يكفيه شركاً أن ينذر لغير الله، يكفيه شركاً أن يحلف بغير الله، كل هذه الأشياء جاء النص في السنة عن رسول الله ﵌ في لعن فاعلها: «من ذبح لغير الله فهو ملعون» (٢). مطرود من رحمة الله، لماذا؟ , لأنه تقرب إلى غير الله بما لا يجوز له أن يتقرب به إلا إلى لله ﵎ لذلك بارك الله فيكم لا ينبغي لكم أن تكتفوا بأن تتكلموا سواء في الصلاة أو خارج
стр. 467
الصلاة تسبحون الله وتكبرونه وتهللونه: فتقولون: لا إله إلا الله، ثم لا تفهمون
معناها جيداً، وهأنذا قد ذكرتكم ببعض الأمثلة التي هي من واقع كثير من المسلمين اليوم.
نحن لا نتكلم عن أمور خيالية، وإنما هي مع الأسف أمور مشهودة وواقعة بصفوف كثير من المسلمين لا أقول: من عامتهم، بل ومن بعض خاصتهم الذين على الأقل إن لم يفعلوا فعل عامتهم، أيدوا فعل عامتهم، وقالوا: دعوهم وشأنهم، نيتهم طيبة.
هذا هو الضلال المبين، هذا إقرار للشرك الذي يقع فيه بعض الجهلة من المسلمين بديل أن يحرروهم، وأن ينبهوهم ولا بأس أن يتلطفوا معهم: أن يقولوا مثلاً: أنت يا أخي لما تنذر نذراً للولي الفلاني تريد أن تحترم وأن تقدس هذا الولي لصلاحه وتقواه، ولكن كما قيل:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل.
ما يكون تعظيم الأولياء والصالحين بمخالفة الأولياء والصالحين فيما كانوا عليه من عبادة وصلاح وعقيدة، الصالحون لا يعبدون إلا الله، ومن ذلك: أنهم لا يذبحون إلا لله، ولا ينذرون إلا بالله، ولا يحلفون إلا لله، فإذن أنت أيها الأخ المسلم لا تذبح للقبر الفلاني، للولي الفلاني.
اذبح لله وقل بلسانك وبلبك: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢). فلا يجوز للمسلم أن يفرق بين صلاته فيقول: أنا لا أصلى إلا لله، وهذا حق، فينبغي أيضاً أن يقول ويلتزم ما يقول: ألا يذبح إلا لله؛ لأنه من ذبح لغير الله فهو ملعون كما جاء في صحيح مسلم بالسند الذي لا غبار
стр. 468
عليه من حيث الصحة: «ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من غير تخوم الأرض» (١) الحديث له تتمة حسبنا الآن هذا الشاهد منه: «ملعون من ذبح لغير الله».
«لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (٢)، «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣).
اليوم الحلف بغير الله أمر منتشر بين العرب وهذا أمر عجيب جداً الحلف بغير الله منتشر بين العرب أكثر من كثير من العجم.
فالعرب هم الذين حملوا الدعوة الأولى، وهم الذي يليق بهم، وهم أولى أن يحملوها في هذا الزمن؛ لأنهم هم الذين باستطاعتهم أن يفهموا كلام الله وكلام رسول الله ﵌ فهما صحيحاً.
والشاهد: أن كلمة لا إله إلا الله، التي ينجو بها المسلم في الدنيا من أن يقاتل، أو يفرض عليه الجزية، ويدفعها عن يد وهو صاغر، وينجو يوم القيامة من الخلود في النار، هذه الكلمة الطيبة لا تفيده إلا إذا فهمها فهماً صحيحاً، وآمن بهذا الفهم الصحيح إيماناً صادقاً ثم طبقه في حياته، في منطلقه في حياته.
لذلك تذكروا في نهاية هذا الكلمة كلمة حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه الذي كان يقول: «كان رسول الله ﵌ يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وأسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» (٤).
стр. 469
فإذن عليكم أن تسألوا عن الشركيات، وعن الوثنيات التي تنافي كلمة التوحيد؛ حتى يكون توحيدكم واضحاً في أذهانكم، ومستقرا في قلوبكم، وظاهرا انطلاقكم على هذا الفهم الصحيح، والإيمان الصحيح.
فلا بد إذن من الجمع بين الإيمان بعبادة الله وحدة لا شريك له، وبين معرفة ما يناقض هذا التوحيد الصحيح من الشركيات والوثنيات.
أقول كلمة أخيرة: إن المسلمين اليوم، وأعني بهم الخاصة منهم والدعاة منهم، لا يدندنون مطلقاً حول تفهيم المسلمين شهادة لا إله إلا الله وما يلزمها وما يعارضها وينافيها.
يتوهمون أن المسلمين اليوم كلهم والحمد لله موحدون، ولا يتذكرون أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام عند العلماء والمحققين، الذين فهموا الكتاب والسنة فهماً صحيحاً بعدما دخلت العجمة إلى لسان العرب، ودخل فيهم من الشركيات والوثنيات ما لم يكن للسلف الأول، ما لم يكن لهم عهد بذلك.
هؤلاء العلماء جعلوا التوحيد ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية وأذكر بأن توحيد الربوبية الذي هو التوحيد الأول وهو الذي هو أساس ما سيأتي من التوحيد الثاني والثالث، هذا التوحيد كان المشركون الأولون يؤمنون به.
فهل نفعهم شيء من ذلك؟.
الجواب: لا. لماذا؟
لأنهم كفروا بالتوحيد الثاني وهو توحيد العبادة، وقد شرحت لكم آنفاً كيف
стр. 470
كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
أما أنهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية فذلك مذكور في نصوص من الكتاب والسنة ونصوص كثير ة، وكثيرة جداً.
قال الله تعالى مثلاً في بعض تلك النصوص: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
إذن هم يعرفون بأن خالق السموات والأرض إنما هو الرب واحد لا شريك له. والآيات في هذا المعنى كثيرة ومعروفة.
لكني أكرر لكم حديثاً: كيف كانوا يصرحون بعبادة غير الله مع أنهم يوحدونه توحيد ربوبية، كان أحدهم إذا طاف حول الكعبة يلبى كما كان سيدنا إبراهيم وإسماعيل ومن سار على مسيرتهم يلبون، فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك؛ إلى هنا هذه تلبية الموحدين، لكن ماذا كانوا يقولون هم من عند أنفسهم وشركهم وضلالهم؟
كانوا يقولون بعد: لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك، لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك، فكان ﵊ وهو لا يزال في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة حينما يسمعهم وهو يدعوهم دائماً وأبداً ليلاً نهاراً إلى ألا يعبدوا إلا الله لا شريك له: كان ﵇ إذا سمعهم يقولون: لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك قبل أن يقولوا هذه الجملة الاستثنائية يقول: «قد قد» (١) يعني حسبكم لا تزيدوا، قفوا عند قول لا شريك لك قط قط.
стр. 471
لكنهم لا يبالون؛ لأنهم مشركون، فيقولون: إلا شريكا تملكه أنت وما ملك انظروا ضلالهم، ما قيمة هذا الشريك الذي هو عبد مملوك لله الذي بحق لا شريك له؟ ذلك هو الضلال البعيد.
لذلك العلماء يقسمون التوحيد إلى أقسام:
١ - توحيد الربوبية، وهذا ما كان المشركون يؤمنون به كما ذكرت.
٢ - توحيد العبادة، وقد يسمى بتوحيد الألوهية: أي لا إله: أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله، كانوا يكفرون بهذا التوحيد قد سمعتم ما فيه الكفاية آنفاً.
٣ - التوحيد الثالث: توحيد الأسماء والصفات: أي كما أن الله واحد في ذاته فهو واحد في ألوهيته وعبوديته، لا يعبد معه سواه، كذلك هو واحد في أسمائه وصفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١).
هنا لا بد لي أيضاً من وقفة والأمر كما يقال ولو طال: الحديث ذو شجون.
إن كثيراً من المسلمين اليوم يقعون في شرك الأسماء الصفات، كثير من الناس وبخاصة أولئك الذين يميلون إلى ما يسمونه التصوف، أولئك الصوفيون، الذين يعتقدون في بعض الأولياء والصالحين، أنهم يطلعون على ما في القلب، وأنهم يعلمون الغيب، حتى إنهم لم يقتصروا على هذه الضلالة، بل إنهم يتقربون إلى الله حينما يصفون عبداً من عباد الله بما لا يليق وَلاَ بالنبي ﵌ بقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم.
ماذا ترك هذا الواصف لرسول الله ﵌ بأن من علمه من هذه كما يقول اللغويون: تبعيضية: أي من بعض علومك يا رسول الله: علم اللوح والقلم.
стр. 472
ماذا ترك هذا الواصف في شعره هذا لله ﵎ وهو القائل: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥). ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥)؟
إذن رسول الله المصطفى الذي هو سيد الرسل والأنبياء هو لا يعلم الغيب بشهادة هذا القرآن الكريم بذلك جاء في حديث في صحيح البخاري ومسلم، حديث طويل والشاهد منه قول السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها: «ومن حدثكم أن رسول الله ﵌ كان يعلم ما في غد فقد افترى على الله».
أو قالت: فقد أعظم الفرية على الله ثم تلت الآية السابقة: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥).
وجاء أيضا في صحيح البخاري أن النبي ﵌ مر بجارية من جواري الأنصار وهي تغني وتقول: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال عليه الصلاة السلام: «لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي مثلما كنت تقولين» (١).
في وصف الرسول ﵇ بما وصفه الله في القرآن الكريم، كمثل قوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤).
لذلك فاحفظوا هذا وتفقهوا فيه، التوحيد ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية: وهذا لا بد منه، لكن المشركين لما آمنوا به ما أفادهم شيئاً، لا يتم التوحيد إلا بالثاني والثالث.
الثاني: توحيد العبادة؛ ألا تعبدوا غير الله.
стр. 473
التوحيد الثالث: هو أن توحِّدوا الله في أسمائه وفي صفاته فلا تصفون بشراً بصفة من صفات الله، منها: أن تظنوا بأن أحداً من المصطفين الأخيار يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله.
"الهدى والنور" (٧٤١/ ٥٨: ٠٤: ٠٠)
[٧٨] باب فضل التوحيد وأنه ينجي من الخلود في النار
[قال الإمام]:
إن شهادة أن لا إله إلا الله تُنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها.
"الصحيحة" (١/ ١/١٧٥).
[٧٩] باب الموحد لا يخلد في النار
[قال رسول الله ﵌]:
«كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، "ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين"، فلما مات فعلوا ذلك به، "فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه"، فإذا هو "قائم" في قبضة الله، فقال الله : يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم)، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد».
[قال الإمام]:
وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله
стр. 474
مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان.
يؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط. ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤).
"الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥، ١١٦).
[٨٠] باب الذنب
وإن عظُم لم يكن موجباً للنار متى ما صحت العقيدة
[قال رسول الله ﵌]:
«إنّ الله قد غَفَرَ لك كَذِبَكَ بتصديقِكَ بـ " لا إله إلا الله "».
[قال الإمام]:
(فائدة):
قال البيهقي عقب حديث الحسن هذا: " هذا منقطع، فإن كان في الأصل صحيحاً فالمقصود منه البيان: أن الذنب وإن عظم لم يكن موجباً للنار متى ما صحت العقيدة، وكان ممن سبقت له المغفرة، وليس هذا التعيين لأحد بعد النبي ﵌ ".
"الصحيحة" (٧/ ١/١٧٦، ١٨١ - ١٨٢).
стр. 475
[٨١] باب أهمية التوحيد
وبيان أنه لا تنفع الأعمال الصالحة بدونه
[قال الإمام]:
وأما الركن الأول من هذه الأركان الخمسة " شهادة أن لا إله إلا الله " فبدونها لا ينفع شيء من الأعمال الصالحة، وكذلك إذا قالها ولم يفهم حقيقة معناها، أو فهم، ولكنه أخل به عملياًّ كالاستغاثة بغير الله تعالى عند الشدائد ونحوها من الشركيات.
"الضعيفة" (١/ ٢١٣).
[٨٢] باب لا يُحدث العامة بأحاديث
قد يساء فهمها في فضل التوحيد
[قال رسول الله ﵌]:
«أبشروا وبشروا الناس من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة».
[ترجمه الإمام بقوله: ما كل حديث تُحَدَّثُ به العامة، ثم قال]:
أخرجه أحمد (٤/ ٤١١) حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أن رسول الله ﵌ قال: (فذكره). فخرجوا يبشرون الناس، فلقيهم عمر ﵁ فبشروه، فردهم.
فقال: رسول الله ﵌: " من ردكم؟ ".قالوا: عمر قال: لم رددتهم يا عمر؟ " قال: إذا يتكل الناس يا رسول الله! قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب الأزدي. وحسنه
стр. 476
الحافظ (١/ ٢٠٠) فقصر وكأنه أراد طريق مؤمل الآتية. ثم أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٢) حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة به وزاد في آخره." قال: فسكت رسول الله ﵌ ".لكن مؤمل بن إسماعيل فيه ضعف من قبل حفظه إلا أنه يشهد له حديث أبي هريرة بمثل هذه القصة.
مطولا بينه وبين عمر، وفي آخرها: " قال عمر: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله ﵌: فخلهم ".
أخرجه مسلم (١/ ٤٤) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة. وفي قصة أخرى نحو الأولى وقعت بين جابر وعمر، وفي آخرها:
" قال: يا رسول الله! إن الناس قد طمعوا وخبثوا. فقال رسول الله ﵌ (يعني لجابر): اقعد ".أخرجه ابن حبان (رقم ٧) بإسناد صحيح من حديث جابر. وفي الباب عن معاذ بن جبل ﵁ وهو الآتي بعده، وفيه:
" قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا ".وقد أخرجه البخاري (١/ ١٩٩ - فتح) ومسلم (١/ ٤٥) وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله ﵌ ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ ... " الحديث وفيه:
«أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما».وأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨ و٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٢ و٢٣٦) من طرق عن معاذ قال في أحدها: " أخبركم بشيء سمعته من رسول الله ﵌ لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، أو يقينا من قلبه لم يدخل النار، أو دخل الجنة» وقال مرة: «دخل الجنة ولم تمسه
стр. 477
النار».وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد ترجم البخاري ﵀ لحديث معاذ بقوله: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"
ثم ساق إسناده بذلك وزاد آدم بن أبي إياس في " كتاب العلم " له: " ودعوا ما ينكرون ".أي ما يشتبه عليهم فهمه. ومثله قول ابن مسعود: " ما أنت بمحدث قوما حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ".رواه مسلم (١/ ٩).
قال الحافظ: " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان, ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب, ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن, ونحوه عن حذيفة.
وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحَجَّاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم ".
"الصحيحة" (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
[٨٣] باب منه
[قال رسول الله ﵌ لأبي هريرة]:
«اذهب بنعليِّ هاتَين؛ فمَن لقِيتَ من وراءِ هذا الحائط يشهدُ أن لا إله إلا الله مُستَيقِناً بها قلبُه؛ فَبَشِّره بالجنّةِ».
стр. 478
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (١/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو عوانة (١/ ٩ - ١٠) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثني أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة قال: كنا قعوداً حول رسول الله ﵌، معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﵌ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتَطَعَ دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﵌، حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً؛ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة- والربيع: الجدول-، فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﵌ فقال: "أبو هريرة؟ ".فقلت: نعم يارسول الله! قال: "ماشأنك؟ ".قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي! فقال: "يا أبا هريرة! "، وأعطاني نعليه، قال: ... (فذكر الحديث).وقال: فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟! فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﵌، بعثني بهما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه؛ بشرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة! فرجعت إلى رسول الله عشية، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على إثري؛ فقال رسول الله ﵌: "مالك يا أبا هريرة؟! ".قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي؛ قال: ارجع! قال رسول الله ﵌: "يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟! ".قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك؛ من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، بشره بالجنة؟! قال: "نعم ".قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. قال رسول الله ﵌: "فخلِّهم ".
стр. 479
[قال الإمام]:
وفي الحديث توجيه سديد للدعاة أن لا يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب، إلا مع بيان المراد منها بالتفصيل؛ خشية أن يساء فهمها، فيتكلوا، فيبين مثلاً: أن الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيداً، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة.
وأن من شهد بها وقصر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٧٠٨ - ١٧١٠).
[٨٤] باب أقسام التوحيد والشرك
[قال الإمام]:
الشرك كالتوحيد, التوحيد ثلاثة أقسام يقابله الشرك ثلاثة أقسام:
- توحيد الربوبية.
وهو أن تجعل مع الله إلها آخر كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين: «أن تجعل لله ندا وقد خلقك» (١) يعني شريكا في الخلق, هذا
أكبر الكبائر.
توحيد الربوبية يقابله الشرك في الربوبية, مثاله: المجوس الذين يعتقدون خالقاً للخير وخالقاً للشرـ لذلك قال ﵇: «القدرية مجوس هذه الأمة» (٢)
стр. 480
لأنهم يعتقدون أن الإنسان بيخلق الشر وربنا بيخلق الخير, فهذا شرك في الربوبية, فتوحيد الربوبية أول شيء يجب أن يكون المسلم مؤمن به وهذا سهل مفطور عليه الإنسان حتى الكفار في الجاهلية كما سمعتم كانوا يوحدون الله توحيد الربوبية, وقد جاء في صحيح مسلم أنهم كانوا في الجاهلية من ضلالهم يطوفون حول الكعبة عراة نساءً ورجالاً حتى كانت المرأة اللي كان عندها شوية بقية من حياء خجل لكن الجهل والعادات والتقاليد تعمي القلوب, شوفوا اليوم أنتم المسلمين رجالاً ونساءً صباح العيد وين رايحين؟ بدل ما يروحوا إلى المصلى بيروحوا عند القبور, أنت ذهاباً وإياباً بتلاقي الناس عاكفين على القبور, (هؤلاء) كانوا يطوفون حول الكعبة عراةً نساءً ورجالاً فتقول المرأة الواحدة منهم وهي تشير إلى فرجها:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
وكانوا في أثناء هذا الطواف يقولون: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك, إلا شريكاً تملكه وما ملَك.
شو ها الشريك هذا, تملكه وما ملك, معتقدين بتوحيد الربوبية؛ أنه ليس مع الله خالق ثاني, لكن من أين جاءهم الشرك؟ في النوعين الثانيين, الأول قلنا توحيد الربوبية.
- النوع الثاني: توحيد الألوهية.
ويسمى بتوحيد العبادة, يعني أنت أيها العبد ما دام ءامنت بأن الله هو الذي خلقك وصورك, فهذا هو الذي يستحق أن تتوجَّهَ إليه بكل عبادتك, هنا كان الكفار _كفار قريش ومن دان دينهم _يكفرون بهذا التوحيد فكانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى وهذا أيضا كما حكاه في القرآن حكى عنهم إيمانهم بالربوبية وحكى
стр. 481
عنهم كُفْرُهم بالألوهية ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣) والذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم من دون الله، إذا قيل لهم لماذا تعبدونهم من دون الله؟ قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى, إذاً هذا اعتراف منهم بأنهم يعبدون أولياءهم ولا يعبدونهم لذواتهم، وإنما كوسيلة تقربهم إلى الله زلفى، فكفروا بتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة، ولذلك أيضا حكى ربنا عنهم أنه قال ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) أجعل الآلهة: يعني المعبودات جعلها معبوداً واحداً، «إنَّ هذا لشيء عجاب» ماسمعنا بهذا في آبائنا الأولين, وقال ربنا في آية أخرى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصَّفات: ٣٥) تتضاعف المصيبة حينما نعلم أن الكفار كانوا يفهمون معنى لا إله إلا الله لكن لا يخضعون له أما كثير من جهلة المسلمين اليوم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله ولذلك فليس هناك استكبار وإنما هو الجهل، فلا إله إلا الله معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله فهل المسلمون قاموا بحق هذه الكلمه _كلمة التوحيد _ هل هم بعد أن آمنوا بتوحيد الربوبية آمنوا بتوحيد الألوهية مع الأسف نقضوها هذا النوع من التوحيد نقضوه لماذا؟ لأنهم يأتون إلى قبور الأولياء والأنبياء والصالحين يصلون عندهم ويستغيثون بهم ويتوسلون بهم إلى الله وإذا سألتهم قالوا ما نعبدهم, لكن ما بيقولوا ما نعبدهم شوف من جهلهم لأنهم يفهمون العبادة بمعنى ضيق أنك تقعد تصلي لهذا القبر, لا هو ما بيصلي لكن بيقول: يا فلان أغثني، ما يعرف أن هذا صلاة وعبادة له, ما بيعرف لما بيقرأ في سورة الفاتحة [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] «الفاتحة: ٥» أنه الاستعانة بالميت هو عبادة له، ما بيعرف أنه هذه عبادة، ولذلك إذا سألته أنت تعبد غير الله يقول أعوذ بالله، لكن هو منغمس في هذه الضلالة؛ أي: في عبادة غير الله أيضاً، هذا التوحيد الثاني توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة.
стр. 482
- التوحيد الثالث والأخير: توحيد الأسماء والصفات.
اعتقدتَّ أن الله واحد في ذاته لا شريك له في خلقه, اعتقدت أن الله واحد في عبادته لا تعبد معه سواه، بقي عليك أن تعتقد أنه واحد في صفاته، كما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته, لا تعتقد مثلاً أن هناك في البشر مهما سما أحدهم وعلا؛ بيرفع راسه هيك ويشوف بينكشف له اللوح المحفوظ وبيعرف اليوم فلان بِدُّه يموت شقي، وفلان بده يموت سعيد، فهو يعلم الغيب من دون الله , والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا الله﴾ (النمل: ٦٥)، فإذا اعتقدت أن الشيخ الفلاني يعلم الغيب وهذا نحن نسمعه بآذاننا من الصوفيين أن الشيخ يكاشفنا, الشيخ كاشفنا بنكون احنا محضرين السؤال، ولسه ما طرحناه، والشيخ بيعطينا الجواب بدون ما نضع السؤال, صار في عقيدة في الناس، إشراك في القسم الثالث من التوحيد في أسماء الله وصفاته لا يعلم الغيب إلا الله، صار فيه أولياء بيعلموا الغيب ولذلك تجد أحدهم لا بيتاجر ولا بيسافر ولا بيتزوج ولا بيأتي بحركة تستحق الذكر إلا بعد استشارة الشيخ، والشيخ كاشفله يعني بيطلع له على الغيب, هذا كله كفر بلا إله إلا الله لماذا؟ لأننا لم نفقه بعد هذا التوحيد.
"الهدى والنور" (٥٢/ ٠٠: ١٨: ٠٠)
[٨٥] باب بيان أقسام التوحيد والشرك
سؤال: بالنسبة عن الشيخ عن أحمد ديدات بيقول البعض يعني وسألنا عن منهجه، وإن شاء الله طبعا يكون من المناهج الطيبة الجيدة، فيقول بعض الناس، مش المهم المنهج، المهم أنه مسلم ... ، فلو تُبَيِّن لنا هذا يا شيخ الله يجزيك الخير؟
الشيخ: احنا حقيقة نرجو أن يكون الشيخ أحمد هذا على المنهج السلفي
стр. 483
القديم، الذي يؤمن بالله ويعبده حق عبادته، لكن نحنُ بحاجة أن نتذكر دائماً، أنه لا يلزم من مجرد إيمان الإنسان بوجود خالِق لهذا الكون أن يصبح بذلك مؤمناً، لابد أن يتحقق هناك شرطان أساسيان:
الشرط الأول: أن يشهد أن لا إله إلا الله
والشرط الثاني: أن محمداً رسولُ الله
الشرط الأول: (لا إله إلا الله) لا يعني أن خالق الكون واحد وبس، لأنّه قد يجتمع في الإنسان إيمان وكُفر، قد يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، الذي يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) طبعا هذا القول له لوازم، مرتبطة هذه اللوازم مع هاتين الشهادتين، فإذا تصورنا مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، لكن بيقول إنه القرآن ناقص، إذا تصورنا مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكن بيقول القرآن ناقص، هذا ما أفاده شهادة لا إله إلا الله، لأنه مثل عسل صبينا عليه حامض، أفسد العسل، وهكذا يجتمع في الإنسان إيمان وكُفر، لذلك قال تعالى في حق المشركين الأولين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، الآية هاي تعطينا أنه الأقوام هذول مؤمنين لكن في الوقت نفسه هم مشركون، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا والحالة هاي هم مشركون، إذن يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، ضربنا لك مثالاً بإنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولكن [يقول]: القرآن ناقص، هذا كفر، هذا شرك، لكن هذا يؤمن بالله ويؤمن برسولِ الله، فصَدقَ عليهِ قولُه تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦).
لدقة الموضوع وهو أنه يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، إيمان أو توحيد وشرك، أكثر الناس حتى في هذا الزمان يصدُق عليهم قول ربنا الآن: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
стр. 484
أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، خلينا بقي ندخل للواقع، هؤلاء المسلمون الذين يصلون ويصومون ويحجون ويتصدقون، بيروحوا لمقام من المقامات، لقبر من قبور الأولياء، بيطلبوا منهم الشفاء، بيطلبوا منهم العافية، هدول ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، عالمين أنه الله موجود، لكن عبدوا مع اللهِ غيرَه والله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٤) فاستعانوا بغيرِه تعالى، لذلك العلماء المحققين قسّموا التوحيد ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الصفات.
يعني الله واحد في ذاته، الله واحد في عبادته، يعني لا يُعبد معه غيره، الله واحد في صفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، هذا ليس معناه أنه الله موجود وبس!، لا الله موجود ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، فمثلاً النصارى في أعيادهم بينشروا هاي الصور، بتشوف في صورة الرب تبعهن، شيخ كبير السن لحية طويلة بيضاء، هذا هو ربُّ العالمين الذي ليسَ كمثلِه شيء؟
اليهود والنصارى بيآمنوا بأنه هذا الكون له خالق، فهم مؤمنون بالتوحيد الأول، شو إسمه هذا التوحيد؟ توحيد الربوبية، يعني أنه لهذا الكون خالق.
السائل: دهري صاحب الكلام هذا؟!
الشيخ: بيختلفوا هم بقى عن الدهريين، أو الطبيعيين، الذين يقولون .. ما فيه خالق ولا في مخلوق، اليهود والنصارى يقولون: الله هو اللي خلق الكون، فهم إذاً
стр. 485
موحدون، لكن توحيد الربوبية، يعني توحيد الخالقية، لكن بيجي توحيد الألوهية توحيد العبادة، اليهود عبدوا عُزيراً والنصارى عبدوا عيسى، هدول كفروا بتوحيد العبادة، فهم ما يقولون: (لا إله إلا الله) وإذا قالوها، بيقولوها إما نفاقاً وإما جهلاً بحقيقة المعنى، وإلا لو قالوها اعتقاداً ومؤمنين بها، ما عبدوا عيسى ولا خضعوا له ولا سجدوا له إلى آخره، ولا وضعوا صورته وصورة مريم في الكنائس، هدول إذاً مؤمنين من جهة، كفّار من جهة، مؤمنين من حيث أنهم مو مثل الدهريين بيقولون: ما في الله!، لا بيقولوا في الله، لكن شو فايدة القول لما بيشبهوا الله بالمخلوقات؟
مداخلة: أو بيعبدوا غيره!
الشيخ: أو بيعبدوا غيرَه، آه! الشاهد من الكلام هذا، كثير من المسلمين ولا أعني العامة منهم فقط، بل وأعني كثيراً من الخاصّة، أنهم بيقولوا: (لا إله إلا الله)، لكنهم يعبدون غيرَ الله، وبيكفروا بالله من ناحية الصفات.
الآن مثلاً إحنا نعرف أن كثيرين منهم، وغير اللي أشرنا إليهم، أنهم يدعون الموتى والصالحين، ويخضعون لهم ويصلون عندهم وإلى آخره، يقولون الله موجود في كل مكان، الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون؟ حتى بيقول قائلهم:
وما اللهُ في التمثالِ ... إلا كثلجةٍ بها الماءُ
تقدِر تفرق بين الثلج والماء؟! هيك الله عند هؤلاء، هذا كفر!، إن الله في القرآن الكريم غني عن العالمين، هنا حصروه في هذا الكون مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت، إن الله غني عن العالمين، هذول مؤمنين من جهة، كفّار من جهة.
стр. 486
لذلك ونحن في الواقع بيهمنا أن هذا الشيخ أحمد -جزاه اللهُ خيراً- قائم بواجب كبير، لكن هذا الواجب وهذا الجهاد إنما يفيدُه، إذا كان يؤمن بالله رباً واحداً أي ذاتاً واحدةً، ومعبوداً واحداً، ليس المقصود بأنه معبود واحد بمعنى أنه لا يصلي إلا له، لا، لو نادى الخَضْر في الضيق ما عبد الله وحده، لأن النداء عباده، قال ﵌: «الدعاء هو العبادة»، فنحن نرجو أن يكون قد درس في بلاده التوحيد الصحيح، فيكون موحداً لله في ذاته موحداً لله في عبادته موحداً لله في صفاتِه، ثلاثة، حينذالك يكون جهاده لعله نستطيع أن نقول، قام بواجب أخل به جميع المشايخ.
السائل: اللهً أكبر!
الشيخ: إيه والله، الله يجزيه الخير
السائل: الله يبارك فيك يا شيخنا، الله يبارك لنا في عمرك إن شاء الله.
الشيخ: الله يحفظك.
السائل: تفضل شيخنا.
الشيخ: توحيد الربوبية المقصود منه أن يعتقد المسلم اعتقاداً جازماً أن خالق هذا الكون بما فيه واحد في ذاته، ليس له ند، .. ، وليس له شريك، المجوس يعتقدوا أنه فيه إلهين، إله خالق الشر، وإله خالق الخير، هذول أشركوا في توحيد الربوبية، عرفت كيف؟، فإذا المسلم لا سمح الله اعتقد أن مع الله من الأولياء والصالحين من يضر وينفع، ويحيي ويميت، ويطعم ويرزق، كفر بالتوحيد، توحيد الربوبية، وأشرك؛ لأنه جعل خالقَين، الله بيخلق الخير، بيخلق الشر، وكمان الأولياء والصالحين وبيرزقوا وبحييوا وبيموّتوا، لذلك بيروحوا لعندهم، يطلبون
стр. 487
منهم بركات.
السائل: فيه كثير نساء إذا ما بتحمل؛ تحمل حالها وتروح عند شجرة يكون تحتيه مقبور ولي تصير تربط فوقيه وكذا، نعم.
الشيخ: الله أكبر، هذا اسمه شرك في الربوبية،
الشرك في الألوهية هو شرك في العبادة، وهو أن يعبد غير الله ويؤمن أن الله واحد في ذاته، لكن بيذبح للولي فلاني، هذا أشرك في العبادة، بينادي الولي فلاني، هو صاير في التراب في قبره، بشر من البشر، يعقتد أنه بيسمع وأنه بيغيثه، وبيضر وبينفع، هذا صار شرك في العبادة.
" الهدى والنور" (٢٢٢/ ١٧: ١٩: ٠٠)
[٨٦] باب أقسام التوحيد والشرك والكفر
سؤال: موضوع الألوهية والربوبية، هل هذا نص في الإسلام أو هو اجتهاد لابن تيمية وغيره، وهل المسلم ملزم بأن يدرس التوحيد في هذه الصيغة، أو له أن يدرس التوحيد بصيغة مختلفة، على أن تؤدي إلى نفس النتيجة؟
الشيخ: إذا صح سؤال السائل، فإذا كنا نعتبر أن تقسيم بعض العلماء للتوحيد إلى ثلاثة أقسام، هذه وسيلة وليس الأمر كذلك باعتقادي فنحن نقول: بأي وسيلة على المسلم أن يفهم شهادة أن لا إله إلا الله التي أمر الله بفهمها في نص القرآن الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩).
لكن ما هي الوسيلة التي يريدون بها حينما يقولون: .. هو يفهم التوحيد بأي وسيلةٍ.
стр. 488
مداخلة: عفواً يا شيخ! هذا الاستفسار من عندي شخصياً.
الشيخ: من عندك، نقول: سامحك الله! إذاً: ممكن أن نتحاور معك في هذا الموضوع، كيف يمكن الوصول إلى فهم هذه الشهادة، وهذه الكلمة الطيبة بوسيلة أخرى غير وسيلة التقسيم الذي شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية، الحق والحق أقول: ابن تيمية لم يأت بشيء جديد.
توحيد الربوبية منصوص عليه في القرآن، توحيد الألوهية، توحيد الصفات، كل هذه الأشياء منصوصة في الكتاب والسنة ولكن ابن تيمية أوضح هذه المعاني بتفسير نصوصها من الكتاب والسنة فصار لزاماً على المسلم أن يتبناها بهذا الإيجاز؛ لأن ليس كل مسلم يستطيع أن يفهم مثلاً نص توحيد الربوبية من أين جاء؟ نص توحيد الألوهية أو العبادة من أين جاء؟ توحيد الصفات من أين جاء؟ عامة الناس المكلفين بفهم شهادة التوحيد هم لا يستطيعون أن يفهموها إلا بطريق أهل العلم.
فإذا غضضنا الطرف عن تقسيم ابن تيمية موضحاً لنصوص الكتاب والسنة التي استلخص منها هذه الأنواع الثلاثة من توحيد الربوبية .. توحيد الألوهية .. توحيد الصفات، ما هي الوسيلة التي يمكن أن تصور لنصل إلى فهم هذه الحقيقة، حقيقة لا إله إلا الله؟
نحن نضرب مثلاً الآن: كثير من الخلف ومن المتمسكين ببعض المذاهب العقائدية لا يرون حرجاً مطلقاً في أن يقول قائلهم في أناشيدهم التي يسمونها: بالأناشيد الدينية:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
стр. 489
هذا القائل وأصبح قوله ديناً متبعاً، أصبح قوله أمراً مقرراً غير منكر، بل أصبح قولاً يتبركون به، ويحاولون الاستفادة من تلاوة هذه القصيدة بوضع كوز من ماء يحل في هذا الماء بركة هذا الكفر أو هذا الشرك في هذا الماء فيسقى المرضى ليحصلوا على الشفاء، هذا النوع يا ترى إذا تركنا الاصطلاح الذي كان للشيخ ابن تيمية فضل الأسبقية في شرحه وبيانه للناس، ماذا نسميه؟ هل هذا شرك في الربوبية .. هل هذا شرك في العبادة .. هل هذا شرك في الصفات؟ نحن نتنازل ما نقول: أنه من هذا أو من هذا أو من هذا .. لكن ماذا نستطيع نقول إذا تركنا هذا الاصطلاح؟
مداخلة: نقول: شرك، مثل ما قال النبي ﵇: «ويحك أجعلتني نداً لله» نقول: ما يجوز، لكن ماذا يصير لو فصَّلنا هذا التفصيل، طالما في كل واحد من هذه البنود الثلاثة الحال فيها شرك ...
الشيخ: نحن سميناه شركاً وما اختلفنا في هذا، لكن هل هذا شرك يساوي شرك من أشرك بالله في عبادته؟
الذي سجد للصنم شأنه شأن الذي اعتقد بأن نبيه يعلم الغيب؟
لا شك هذا شرك، وهذا شرك، هذا كفر وهذا كفر لكن بلا شك الذي يدرس الكتاب والسنة يفهم أن هذا النوع من الشرك غير هذا النوع من الشرك، أنا أستغرب هذا السؤال في الحقيقة، وأستغرب أكثر قولك: أنه صادر منك ومع تصديقي لك أقول: هذا ليس صادراً منك لكنه صادر من الجو الذي تحيا فيه أنت، وهذا أكيد، وإلا كيف يمكن لإنسان يفقه الكتاب والسنة أن يقنع فقط أن يقول: هذا شرك؟ طيب! نمشي ..
стр. 490
مداخلة: عفواً شيخنا! ... العلماء مثلاً يدرسون التفصيلات هذه، ولكن أسأل لعامة المسلمين، هل لهم أن يدرسوا هذا التفصيل؟ ..
الشيخ: أخي: عامة المسلمين نحن ذكرنا سلفاً، عامة المسلمين لا يستطيعون أن يفهموا مصادر هذه الأنواع الثلاثة، لكن عليهم أن يفرِّقوا بين شرك الربوبية وهو جحد الإله كالشيوعيين والدهريين وأمثالهم، وبين شرك العبادة أن يسجد لعبد مخلوق مثله، وبين شرك الصفات الذي يقع فيه كثير من الصالحين، والسبب؛ لأنهم لم يُفَهَّمُوا أن هذا شرك ومن نوع شرك الصفات وليس شرك العبادة أو شكر الربوبية.
ثم أعود لنقول: ماذا نقول في مثل قوله ﵇: «من حلف بغير الله فقد أشرك»؟ هل نقول: أشرك وانتهى الأمر، يعني: ندع العامة يفهمون النصوص على جهلهم وأنت تقول: وهل هم مكلفون أن يدرسوا؟ نحن نقول: لا، عليهم أن يفهموا وهم لا يستطيعون أن يدرسوا ولكن بناءً على ما نسمع نحن بعض الناس، أن هذا التقسيم أنتم أوجدتموه، أي: نحن أوجدناه، ماذا تقولون فيمن يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
قال صاحبنا: لكن هو لا يستطيع أن يخالف عقيدته، لكن لا يمثل الآخرين الذين ابتلي بمصاحبتهم أو بمجادلتهم، قال: هذا شرك، وصدق لكن أولئك من الصعب جداً أن تأخذ منهم هذا الاعتراف، ثم إذا سلموا لك وقالوا لك كما قلت، هل فهمت أنهم فاهمون هذا الشرك فعلاً، أم قالوا لك الشرك جدلاً، كما لو قالوا لك: وحياة رأس أبوك! سيقولون لك: شرك، نعم، شرك لكن في الواقع هم يقرونه ولا يهتمون بإنكاره إطلاقاً، كذلك يقرون هذه الأناشيد التي فيها هذا النوع من
стр. 491
الشرك.
فإذاً: أريد أن أقول: إذا لم يفهم العامي معنى الشرك وأقسامه ربما خلط بين ما اصطلح على تسميته، وأعود لأقول: لا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يخالف شرعاً، ماذا يقولون في تقسيم العلماء وأظن أنهم لا يخالفون في هذا التقسيم كما هم يخالفون يخالفون في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر وشرك أصغر، هل يسلمون بهذا فيما تعلم منهم؟
مداخلة: يسلمون.
الشيخ: حسنا! هل في الكتاب والسنة ما يسمى بشرك أكبر وشرك أصغر؟ طبعاً لا، لا يوجد هذا، إذاً: كيف يسلمون بتقسيم الشرك إلى شرك أكبر وأصغر مع اعترافهم، ونحن نشهد معهم أنه فعلاً لا نجد في الكتاب هناك شرك موصوف بأنه شرك أكبر، وهناك شرك موصوف بأنه شرك أصغر، هذا أولاً، وثانياً: ما نجد في الكتاب تفصيل الشرك الأكبر أجزاء وأجزاء، ولا نجد تفصيل الشرك الأصغر أيضاً أجزاء وأجزاء، وإنما هذا من فهم العلماء فهماً صحيحاً من كتاب الله، ومن حديث رسول الله ﵌.
فإذا سلموا إذاً معنا في تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر مع أنه لا يوجد عندنا أولاً هذا التقسيم ولئن وجد جدلاً فلا يوجد عندنا تفصيل الشرك الأكبر هو كذا وكذا وكذا، والشرك الأصغر هو كذا وكذا، فهل نحن حينئذ نخلط بين الشركين؟
إذا ما حلف إنسان بأبيه أو بجده أو برأسه أو ما شابه ذلك من الأيمان المحرمة، هل نقول بمجرد أنه حلف بغير الله: أشرك وارتد عن الدين؟ لا، نحن عندنا تفصيل أن من حلف بغير الله فقد أشرك، تارة يكون مشركاً مرتداً عن دينه،
стр. 492
وتارة يكون مشركاً شركاً لفظياً، وهذا أيضاً يذكرنا بتقسيم الكفر، وتقسيم الشرك إلى قسمين آخرين: كفر اعتقادي وكفر عملي، شرك اعتقادي وشرك عملي، ما في الكتاب والسنة.
يعني: معنى هذا الموقف باختصار: إنكار جهود العلماء بصورة مطلقة في تقريبهم نصوص الكتاب والسنة، أصولاً كما يقولون أو فروعاً، فيا سبحان الله! إنه موقف عجيب غريب، لا ينكرون تعمق بعض العلماء في تفصيل الفروع إلى درجة أنهم تعرضوا لبيان بعض الفروع التي هي خيال، لا يمكن تصور وقوعها، والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة جداً وبعضها مما يستحي المسلم من ذكرها خجلاً.
أنا أذكر مثالين: مثال لهذا ومثال يقابله وليس فيه شيء من هذا الاستحياء ولكنه مستحيل: إذا مات رجل وخلف سبعين جداً، فكل جد كم يرث؟ كم حقه؟ أين سبعين جداً! يمكن نصل إلى آدم في سبعين جداً، ما هذا الخيال؟ ما أنكر هذا النوع من التفريع، وإذا أنكر على الخلف؟ قالوا: هذا من باب تشحيذ الأذهان، لكن ما بالكم إذا قال قائلهم، وهذا المثال الثاني الذي يُستحيَى من ذكره: إذا جلس الرجل من زوجته وأدخل عضوه فيها فانشطر عضوه قسمين: قسم دخل فيها وقسم خرج منها، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ هذا التفريع لا أحد ينكره من هؤلاء الخلف.
أما لماذا تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والصفات .. لماذا تقسيم الشرك إلى كبير وصغير .. لماذا تقسيم الكفر إلى كفر اعتقادي .. هذا مشكلة عويصة جداً، [انقطاع] بإقرار هذا الخلاف الذي هو موجود اليوم بين الناس، ولذلك صح فيهم قول العامة: كل مين على دينه الله يعينه.
стр. 493
أما:
فهذا هو الحق ما به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق
هذا أمر لا يتمثلون به، لعلي أجبت أيضاً.
مداخلة: ... قضية (الانشغال) بإنكارهم هذا التقسيم، في الواقع ما جاءت من فراغ مثلما تفضل الأستاذ إنما هم مسبوقون، يعني: كثير من الكُتَّاب كأبي غدة وغيره وشخص اسمه مرزوق الميداني أو كذا في كتابه: براءة الأشعريين، تكلموا في هذه القضية وردوها، وفي الواقع: ردهم لهذا جاء نتيجة عملية المشاحنة التي بينهم وبين شيخ الإسلام فقط لا غير وبين الدعوة السلفية بشكل عام، مع أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا بابن مندة، ابن منده في كتاب التوحيد له مثل هذا التقسيم، والدكتور الفقيهي محقق الكتاب أتى بالتاريخ الفعلي لهذه القضية وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وأثبت أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا وليس وحيداً.
"الهدى والنور" (١٧٠/ ١١: ١٧: ٠٠)
[٨٧] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية
[سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]:
كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
стр. 494
فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولاً يؤمنون بوجود الله وثانياً لا يجعلون شريكاً لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقاً معه، نافعاً معه، ضاراً معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله هو الضار وهو النافع، فهم كانوا يؤمنون بما كان يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، لكن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة هؤلاء الناس جميعاً إلى عبادته وحده لا شريك له، ليس إلى اعتقاد أنه واحد في ذاته، وأنه لا خالق معه، لاحظ الاعتقاد كانوا يؤمنون به بصريح القرآن الكريم، وإنما الذين كانوا يكفرون به أن هناك أشخاصاً مخلوقين ويستحقون أن يعبدوا مع الله ﵎، وهذا صريح في القرآن، حيث قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤)، الذين تدعونهم في الشدة هم عباد أمثالكم.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤)؛ لأنهم يعتقدون أنهم عبيد، ولذلك قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
стр. 495
هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء إذا سئلوا: لماذا تعبدونهم من دون الله، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
إذاً: هم يؤمنون بأن المعبود الحق هو واحد لا شريك له في العبادة، ولكنهم من ضلالهم أنهم اتخذوا من بعض الصالحين أولياء يعبدونهم، يتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة والركوع والسجود، لماذا؟
هم أجابوا بأنفسهم وألسنتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فإذاً: المشركون الذين كانوا في عهد الرسول ﵇ ما كان الخلاف بينهم وبين الرسول هو في أن الخالق واحد والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، هذا كانوا يؤمنون به، ولكن الخلاف كان في أنهم عبدوا غير الله ، خضعوا لغير الله ، فأشركوا مع الله في العبادة، وليس في الربوبية، ولذلك وصل ضلال هؤلاء المشركين إلى أنهم كانوا إذا طافوا بالبيت وهذا الطواف ورثوه من أبيهم إبراهيم ﵊، ثم دخلهم الشرك، فكان قائلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً تملكه أنت وما ملك.
لك شريك لكن هذا الشريك هو مملوك لك، وما معه أيضاً مملوك لك.
إذاً: فالمشركون كفروا بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة وليس بتوحيد الربوبية، ولهذا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، أما الآية السابقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، ... قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).