الشرك.
فإذاً: أريد أن أقول: إذا لم يفهم العامي معنى الشرك وأقسامه ربما خلط بين ما اصطلح على تسميته، وأعود لأقول: لا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يخالف شرعاً، ماذا يقولون في تقسيم العلماء وأظن أنهم لا يخالفون في هذا التقسيم كما هم يخالفون يخالفون في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر وشرك أصغر، هل يسلمون بهذا فيما تعلم منهم؟
مداخلة: يسلمون.
الشيخ: حسنا! هل في الكتاب والسنة ما يسمى بشرك أكبر وشرك أصغر؟ طبعاً لا، لا يوجد هذا، إذاً: كيف يسلمون بتقسيم الشرك إلى شرك أكبر وأصغر مع اعترافهم، ونحن نشهد معهم أنه فعلاً لا نجد في الكتاب هناك شرك موصوف بأنه شرك أكبر، وهناك شرك موصوف بأنه شرك أصغر، هذا أولاً، وثانياً: ما نجد في الكتاب تفصيل الشرك الأكبر أجزاء وأجزاء، ولا نجد تفصيل الشرك الأصغر أيضاً أجزاء وأجزاء، وإنما هذا من فهم العلماء فهماً صحيحاً من كتاب الله، ومن حديث رسول الله ﵌.
فإذا سلموا إذاً معنا في تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر مع أنه لا يوجد عندنا أولاً هذا التقسيم ولئن وجد جدلاً فلا يوجد عندنا تفصيل الشرك الأكبر هو كذا وكذا وكذا، والشرك الأصغر هو كذا وكذا، فهل نحن حينئذ نخلط بين الشركين؟
إذا ما حلف إنسان بأبيه أو بجده أو برأسه أو ما شابه ذلك من الأيمان المحرمة، هل نقول بمجرد أنه حلف بغير الله: أشرك وارتد عن الدين؟ لا، نحن عندنا تفصيل أن من حلف بغير الله فقد أشرك، تارة يكون مشركاً مرتداً عن دينه،
стр. 492
وتارة يكون مشركاً شركاً لفظياً، وهذا أيضاً يذكرنا بتقسيم الكفر، وتقسيم الشرك إلى قسمين آخرين: كفر اعتقادي وكفر عملي، شرك اعتقادي وشرك عملي، ما في الكتاب والسنة.
يعني: معنى هذا الموقف باختصار: إنكار جهود العلماء بصورة مطلقة في تقريبهم نصوص الكتاب والسنة، أصولاً كما يقولون أو فروعاً، فيا سبحان الله! إنه موقف عجيب غريب، لا ينكرون تعمق بعض العلماء في تفصيل الفروع إلى درجة أنهم تعرضوا لبيان بعض الفروع التي هي خيال، لا يمكن تصور وقوعها، والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة جداً وبعضها مما يستحي المسلم من ذكرها خجلاً.
أنا أذكر مثالين: مثال لهذا ومثال يقابله وليس فيه شيء من هذا الاستحياء ولكنه مستحيل: إذا مات رجل وخلف سبعين جداً، فكل جد كم يرث؟ كم حقه؟ أين سبعين جداً! يمكن نصل إلى آدم في سبعين جداً، ما هذا الخيال؟ ما أنكر هذا النوع من التفريع، وإذا أنكر على الخلف؟ قالوا: هذا من باب تشحيذ الأذهان، لكن ما بالكم إذا قال قائلهم، وهذا المثال الثاني الذي يُستحيَى من ذكره: إذا جلس الرجل من زوجته وأدخل عضوه فيها فانشطر عضوه قسمين: قسم دخل فيها وقسم خرج منها، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ هذا التفريع لا أحد ينكره من هؤلاء الخلف.
أما لماذا تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والصفات .. لماذا تقسيم الشرك إلى كبير وصغير .. لماذا تقسيم الكفر إلى كفر اعتقادي .. هذا مشكلة عويصة جداً، [انقطاع] بإقرار هذا الخلاف الذي هو موجود اليوم بين الناس، ولذلك صح فيهم قول العامة: كل مين على دينه الله يعينه.
стр. 493
أما:
فهذا هو الحق ما به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق
هذا أمر لا يتمثلون به، لعلي أجبت أيضاً.
مداخلة: ... قضية (الانشغال) بإنكارهم هذا التقسيم، في الواقع ما جاءت من فراغ مثلما تفضل الأستاذ إنما هم مسبوقون، يعني: كثير من الكُتَّاب كأبي غدة وغيره وشخص اسمه مرزوق الميداني أو كذا في كتابه: براءة الأشعريين، تكلموا في هذه القضية وردوها، وفي الواقع: ردهم لهذا جاء نتيجة عملية المشاحنة التي بينهم وبين شيخ الإسلام فقط لا غير وبين الدعوة السلفية بشكل عام، مع أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا بابن مندة، ابن منده في كتاب التوحيد له مثل هذا التقسيم، والدكتور الفقيهي محقق الكتاب أتى بالتاريخ الفعلي لهذه القضية وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وأثبت أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا وليس وحيداً.
"الهدى والنور" (١٧٠/ ١١: ١٧: ٠٠)
[٨٧] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية
[سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]:
كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
стр. 494
فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولاً يؤمنون بوجود الله وثانياً لا يجعلون شريكاً لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقاً معه، نافعاً معه، ضاراً معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله هو الضار وهو النافع، فهم كانوا يؤمنون بما كان يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، لكن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة هؤلاء الناس جميعاً إلى عبادته وحده لا شريك له، ليس إلى اعتقاد أنه واحد في ذاته، وأنه لا خالق معه، لاحظ الاعتقاد كانوا يؤمنون به بصريح القرآن الكريم، وإنما الذين كانوا يكفرون به أن هناك أشخاصاً مخلوقين ويستحقون أن يعبدوا مع الله ﵎، وهذا صريح في القرآن، حيث قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤)، الذين تدعونهم في الشدة هم عباد أمثالكم.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤)؛ لأنهم يعتقدون أنهم عبيد، ولذلك قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
стр. 495
هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء إذا سئلوا: لماذا تعبدونهم من دون الله، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
إذاً: هم يؤمنون بأن المعبود الحق هو واحد لا شريك له في العبادة، ولكنهم من ضلالهم أنهم اتخذوا من بعض الصالحين أولياء يعبدونهم، يتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة والركوع والسجود، لماذا؟
هم أجابوا بأنفسهم وألسنتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فإذاً: المشركون الذين كانوا في عهد الرسول ﵇ ما كان الخلاف بينهم وبين الرسول هو في أن الخالق واحد والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، هذا كانوا يؤمنون به، ولكن الخلاف كان في أنهم عبدوا غير الله ، خضعوا لغير الله ، فأشركوا مع الله في العبادة، وليس في الربوبية، ولذلك وصل ضلال هؤلاء المشركين إلى أنهم كانوا إذا طافوا بالبيت وهذا الطواف ورثوه من أبيهم إبراهيم ﵊، ثم دخلهم الشرك، فكان قائلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً تملكه أنت وما ملك.
لك شريك لكن هذا الشريك هو مملوك لك، وما معه أيضاً مملوك لك.
إذاً: فالمشركون كفروا بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة وليس بتوحيد الربوبية، ولهذا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، أما الآية السابقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، ... قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
стр. 496
الشاهد أن الآية الأولى صريحة بأن المشركين يؤمنون بربوبية الله وحده لا شريك له، الآية الثانية صريحة بأنهم ينكرون أن يكون الإله واحد، ما معنى
الإله إذاً؟
الإله: هو المعبود، فلما كان الرسول يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، كانوا ينكرون ذلك ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، كيف يستكبرون وهم في الآية الأخرى ربنا يخبر عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
معنى ذلك أن الربوبية شيء، والألوهية شيء آخر.
الرب واحد باتفاق البشر جميعاً حتى المشركين الذين قاتلوا الرسول ﵇ وعادوه كما ذكرنا، أما الإله فمتعدد عندهم، ولذلك استنكروا على الرسول ﵇ حينما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة أنواع وأقسام، وأعظم عبادة تتجلى فيها حاجة الإنسان وعبوديته لله هو الدعاء، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة» (١)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
إذاً: المشركون، هذه نقطة مع الأسف كثير من الخواص المسلمين اليوم لم
стр. 497
يتنبهوا لها، وهو التفريق بين الربوبية وبين الألوهية، فالمشركون كانوا يؤمنون بوحدانية الله في الربوبية، ولكنهم كانوا يكفرون بوحدانية الله في العبادة والألوهية، ولذلك كانوا يقولون بأن لله شريكاً لكن هذا الشريك مملوك لله وما يملكه هذا الشريك، وعلى هذا فمعنى: لا إله إلا الله، لا يجوز تفسيره بمعنى: لا رب إلا الله، هذا اعتقاد المشركين لا يكفي، وإنما لا إله إلا الله، معنى هذه الكلمة التي جاءت في القرآن مأمور بها ﵇ والمقصودين أمته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩)، معنى هذا، فاعلم أنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله.
ليس لا رب إلا الله، لا رب إلا الله، المشركون يؤمنون بهذا، يعني الخالق والرازق والمحيي والمميت، المشركون يعتقدون بأنه واحد لا شريك له، لكنهم يجعلون له شريكاً في العبادة.
من هنا لا يجوز للمسلم أولاً أن يفهم هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) بمعنى لا رب إلا الله، لأنه تعطيل لمعنى الألوهية والعبادة لله وحده.
ثانياً: إذا فهم المسلم هذه الكلمة الطيبة أن المعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، فلا يجوز له أن ينقض هذه العقيدة، عقيدة التوحيد في عبادة الله وحده لا شريك له عملياً، كثير من المسلمين اليوم يدعون في الشدائد غير الله، كما كان المشركون يفعلون تماماً، فهذا ينادي البدوي، وهذا ينادي
عبد القادر الجيلاني، وهذا ينادي الشاذلي، ... إلى آخره.
كل هؤلاء الأشخاص يُعْبَدُون اليوم من كثير من المسلمين بسبب جهلهم معنى هذه الكلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولهذا كان أول ما دعا إليه الرسول ﵇ هو هذه الكلمة الطيبة، كما قال ﵌ في
стр. 498
الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله» (١).
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله» لا يعني: أن لا رب، وإنما يعني أن لا معبود بحق إلا الله، فمن اعتقد أن لا معبود بحق إلا الله آمن بأن الرب واحد لا شريك له، لكن من آمن بأن الرب واحد لا شريك له بذاته، قد يكفر بالعبودية، بعبادة الله وحده لا شريك له، لأنه من عبادة الله الدعاء، فإذا دعا غير الله فقد اتخذه إلهاً من دون الله ﵎.
"الهدى والنور" (١٧٨/ ٥٠: ٠٢: ٠١)
[٨٨] باب الدفاع عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبيان التوحيد الذي دعى إليه، مع التنبيه على أقسام التوحيد وخطر الشرك
سؤال: ترددت كلمة الوهابية في كلام أخينا الشيخ أبو أحمد جزاه الله خير فحبذا لو توضح فإنها كلمة يعتريها كثير من كلام والناس ما بيعرفوها على حقيقتها هل هي فعلاً كما ذكر أو أيش المقصود بالوهابية ونسبة لأيش حتى تتضح الصورة وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ: حسن، سؤال طيب الواقع أن هذه اللفظة: «الوهابية» هي خطأ لغةً، وخطأ عرفاً؛ أما اللغة فالوهابية نسبة إلى الوهَّاب والوهاب اسم من أسماء الله ... ،
стр. 499
والذين ينتسبون إلى هذا الوهابي فهم الوهابيون (فهذه) النسبة إذا أخذناها من الناحية العربية هي نسبة تشريف فلان وهابي يعني: منسوب إلى الوهَّاب وهو الله ﵎، والوهابيون هون منسوبون لمن ينسب هذه النسبة فالمقصود بكلمة الوهابيين كما لا يخفى على الجميع هم النجديون، والنجديون ليس فيهم من ينتمي إلى هذا الاسم مع أنه خلاف ما يستعمل هو اسم تشريف وهابي، وليس اسم ذم وتقبيح، لكن من حكمة الله ليظهر خطأ المفترين على المسلمين ينسبون هؤلاء الناس النجديين إلى كونهم وهابيين بزعم أن هذه النسبة إلى
إمام لهم.
وإمام النجديين وفي جانب من الشريعة وليس في كل الشريعة إنما هو
محمد بن عبد الوهاب وليس الوهاب؛ لأن الوهاب هو الله ﵎،
عبد الوهاب هو والد محمد الذي جدد لهم دعوة التوحيد، فلو نسب منتسب ما إلى عبد الوهاب لم تكن النسبة إليه وهابي فهي خطأ مزدوج لأن الذي جدد لهم دعوة التوحيد هو محمد بن عبد الوهاب، وليس والده عبد الوهاب، ثم النسبة إلى عبد الوهاب ليس وهابياً وإنما هو ممكن يقال: عبدلي أو نحو ذلك، فهذا خطأ من حيث التعبير اللغوي ومن حيث-كما قلنا- من حيث الواقع، فليس هناك من ينتمي إلى هذا الاسم الوهابية إطلاقاً، بينما الفرق الموجودة قديماً وحديثاً كلها حينما تنسب إلى نسبة تعترف بهذه النسبة كالشيعة والزيدية والإباضية ونحو ذلك، ولكن لا يوجد على وجه الأرض الإسلامية أبداً رجل يقول أنا وهابي، والسبب ما ذكرناه آنفاً من ناحيتين: ناحية اللغة العربية والناحية الواقعية.
لكن هذه الكلمة مع الأسف شاعت وأذيعت بين عامة المسلمين في زمن أواخر دولة الأتراك وقصدوا بذلك تنفير المسلمين جميعاً عن الدعوة التي سميت
стр. 500
بالدعوة الوهابية، علماً أن هذه الدعوة الوهابية ليس فيها إلا الدعوة إلى توحيد الله بالمعنى الجامع لكلمة التوحيد، وهذا في الواقع مما يمتاز به النجديون على كل الجماعات والطوائف والفرق الإسلامية في كل بلاد الدنيا منذ أن جاء محمد بن عبد الوهاب حتى هذه الساعة؛ ذلك لأنهم يفهمون التوحيد بالمعنى الأعم والأشمل والصحيح بينما كثير من المسلمين الآخرين يفهمونه بمعنى ضيق جداً ذلك أن التوحيد الذي أنزل الله به الكتب وبعث به الرسل يعني أموراً ثلاثة:
الأمر الأول: إنما هو توحيد الربوبية ومعنى ذلك أنه لا رب إلا الله وأن الله هو الذي تفرد بخلق السموات والأرض كما هو معروف بإجماع كل من يؤمن بالله على اختلاف كل الملل، لكن الفرق بين الدعوة الإسلامية الحقة والتي جاءت بهذا التوحيد الذي أحيا معناه الصحيح محمد بن عبد الوهاب هنا تختلف الدعوة الإسلامية هذه الحقة عن اليهودية والنصرانية، فهي بالإضافة إلى أنها توجب على كل مسلم أن يعتقد بأنه لا خالق إلا الله، فهي توجب عليه في الوقت نفسه أن لا تعبد مع هذا الخالق سواه، ولذلك فعلماء المسلمين متفقون جميعاً أن معنى لا إله إلا الله لا يساوي لا رب إلا الله، وإنما هذه الكلمة الطيبة لا إله إلا الله تعني معنى أوسع من معنى لا رب إلا الله، ذلك أنها تعني لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎ فهذه الكلمة الطيبة التي هي مفتاح الجنة كما جاء في بعض الآثار، وبها ينجو المسلم من الخلود في النار كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵌؛ جمعت بين التوحيدين توحيد الربوبية أي لا خالق مع الله لا رب مع الله سواه وتوحيد الإلوهية ويعبر عن هذا التوحيد أحياناً بتوحيد العبادة؛ أي: أن يعبد الله وحده لا شريك له فإذا فسر مفسر ما هذه الكلمة الطيبة لا إله إلا الله بمعنى
стр. 501
لا رب إلا الله لم يكن موحداً هذه نقطة الفصل بين المسلمين حقاً وبين الآخرين؛ المسلم يوحد الله في ذاته ويوحده في عبادته بينما الآخرون من اليهود والنصارى يوحدونه في ذاته إلا من ضل منهم ضلالاً بعيدا ولكنهم يعبدون معه سواه. لهذا يجب على المسلمين جميعاً أن يعرفوا أولاً هذا المعنى الحقيقي لكلمة لا إله إلا الله وأنها لا تعني لا رب إلا الله فقط، وإنما تعني إضافةً على ذلك أنه لا معبود مع الله أيضاً بحق وكلمة بحق هي احتراز من إنكار أن هناك معبودات في الأرض قديماً وحديثاً يعبد من دون الله تبارك، وتعالى فلا يجوز أن يقال لا معبود إلا الله لأن المعبودات كثيرة وكثيرة جداً لكن إنما يصح التفسير بقيد (بحق) لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، وإلا قد عُبِدَت اللات والعزى، وعُبِدَت الطواغيت حتى الآن، فكيف يستطيع المسلم أن يقول لا معبود إلا الله؟ لا؛ المعبودات موجودة بكثرة ولكنها بالباطل، والمعبود بحق إنما هو الله ﵎.
كذلك بالإضافة إلى هذين النوعين من التوحيدين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة أو الألوهية، هناك توحيد ثالث به يتم التوحيد، وبه تقبل شهادة الموحد لا إله إلا الله، وإلا فهي مردودة عليه ما هو هذا التوحيد الثالث؟: توحيد الله في صفاته فكما أنه واحد في ذاته وواحد في ألوهيته فهو واحد أيضاً في صفاته لذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشُّورى: ١١) هذه الدعوة التي جاء بها محمد ﵌ وعرفها السلف الصالح والأئمة جميعاً، ولكن خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ ليسوا فقط أضاعوا الصلاة بل وأضاعوا التوحيد، لأنهم فهموا هذه الكلمة الطيبة بالمعنى الأول الضيق لا إله إلا الله: لا رب إلا الله، ونحن نرى رسائل في العصر الحاضر مؤلفة ومطبوعة وفسرت هذه الكلمة الطيبة بهذا
стр. 502
التوحيد الوحيد فقط وهو: لا إله إلا الله؛ أي: لا رب إلا الله، هذا لا يجوز المسلم أن يفهم هذه الكلمة الطيبة بهذا المعنى الضيق.
لذلك كان من آثار ذلك لما أخلُّوا-جماهير المسلمين وبخاصة عامتهم- لما أخلُّوا بفهم هذه الكلمة الطيبة؛ أخلُّوا عملياً في تطبيقها، فهم يعبدون مع الله آلهةً أخرى وهم لا يشعرون، وهذه من أكبر المصائب التي حلت في المسلمين، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين إثنين ذكرنا أنفاً أحدهما: أنهم لم يفهموا من كلمة التوحيد توحيد الله في العبادة، والأمر الأخر: أنهم لم يفهموا معنى العبادة؛ فإذا قلت لإنسان أنت تعبد مع الله آلهة أخرى، قال لك: لا، أنا لا أعبد إلا الله، أنا لا أصلي إلا لله ، نقول: إلى هنا نحن معك، أنت لا تصلي إلا لله ، ولكن ألست تدعو غير الله عند الشدة؛ فتقول يا سيدي أحمد، يا سيدي بدوي، يا سيدي شعيب، يا كذا يا كذا؟! هذا هو عبادة الله، أو هذا من عبادة الله ﵎، والله قد أنزل علينا كتاباً كريماً وافتتحه بسورةٍ هي سورة الفاتحة وفيها يقول المسلم مخاطباً ربه في كل ركعة من صلواته [إياك نعبد وإياك نستعين] فأنت تعبد الله وحده لا شريك له، لكنك تستعين بغيره، هذه الاستعانة سواءً عليها سميناها استعانة، وهي تسمية صحيحة أو سميناها استغاثة، وهي أيضاً تسمية صحيحة، أو سميناها توسلاً، وهي تسمية خاطئة؛ هذه الأسماء تدل على مسمى واحد، بعض هذه الأسماء صحيح كالاستغاثة والاستعانة، وبعضها توسل، هذا تسمية الاستعانة بغير الله والتوسل بغير الله توسلاً من باب قوله ﵇ في غير هذه المناسبة «يسمونها بغير اسمها» (١) فقول القائل يا رسول الله أغثني، زعموا أن هذا توسل، لا، هذا دعاء لغير الله، وهذا استعانة بغير الله، وهذا إشراك بتوحيد
стр. 503
العبودية؛ لأن الذي ينادي غير الله خاصة في الشدائد فقد عبده من دون الله ، ومن الدليل على ذلك وهو مذكور في القرآن وفي السنة قول الله ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ تدعون ما قال تعبدون لكن الحقيقة أن هذه الآية تعني تدعون أي تعبدون، فسواء قلت: يعبدون غير الله أو يدعون غير الله، فكِلا التعبيرين يؤدي إلى حقيقة واحدة وهي أنهم يستعينون بغير الله وهذا إخلال بتوحيد الإلوهية وليس إخلالاً بتوحيد الربوبية، هذا التفصيل الذي جاء في الكتاب والسنة وجرى على ذلك سلف الأمة إلى ما قبل قرون قليلة، ثم انحرف الخط على بعض المسلمين ففهموا لا إله إلا الله بمعنى لا رب إلا الله، وهذا المعنى ما كفر به المشركون بل كانوا يؤمنون به، لكنهم كفروا بهذا المعنى الصحيح الذي جهله كثير من المسلمين ألا وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبودية أو العبادة.
في سورة من القرآن ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ إذاً المشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية لا يعتقدون بأن هناك-كما هو دين المجوس- بأن هناك خالقاً للخير وخالقاً للشر مثلاً، وإنما يعتقدون أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، إذاً من أين جاء شركهم؟ ولماذا قاتلوا نبيهم إذ دعاهم إلى لا إله إلا الله مع ذلك يستكبرون، كما قال في القرآن الكريم ﴿وإذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ وقالوا: ﴿أجعل الألهة إلهاً واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾، إذاً مفهوم لفظة الإله عند العرب في الجاهلية غير مفهوم الرب لأنهم كانوا يؤمنون بأنه لا رب إلا الله؛ أي: لا خالق ولا مربي ولا رازق إلا الله، أما الإله فهو الذي لا يخضع إلا له ﵎، وهم كانوا يخضعون لغير الله من الأوثان والأصنام المعروفة في التاريخ.
стр. 504
ولذلك كان من غرائب شرك المشركين قبيل بعثة الرسول ﵊ أنهم كانوا يطوفون حول الكعبة ويقولون في تلبيتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك»، شريك تملكه وما ملك لماذا؟ لأنهم يعتقدون أن لا خالق مع الله لكن جعلوا لله شركاء، أي: يعبدونهم من دون الله ﵎ كما في الآية ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر:٣) فهذه الآية صريحة بأن الهدف الأساسي عند المشركين هو الله، ومع ذلك فهم يعبدون معه سواه، لكن إذا سئلوا لماذا تعبدون هؤلاء قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣) فهذه حقيقة مؤسفة جداً أنهم يؤمنون بأن الله واحد لا شريك له، ومع ذلك جعلوا له شركاء في ماذا جعلوا له شركاء؟ في العبادة.
ولذلك يجب أن نتنبه لأمر في ظني أن كثيراً من الناس غفلوا عنه ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ أيش معنى أنداداً؟ أنداداً في الخلق، أنداداً في الرزق أنداداً في الإحياء والإماتة؟ .. لا، وإنما أنداداً في العبادة وهذا هو كان شرك المشركين في الجاهلية.
وهذا بحث طويل والغرض منه التنبيه إلى أن النجديين هؤلاء ينبزون بلقب الوهابية هذه نسبة كما ذكرنا خطأ، وإنما هم أرادوا أن ينسبوهم إلى محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأت بشيء جديد مطلقاً وإنما هو من المجددين الذين ذكرهم الرسول ﵊ في الحديث الصحيح «إن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة» (١) المجددون كما يذكر الإمام السيوطي وغيره لا ينبغي أن نتصور أن المجدد يكون واحداً في كل عصر
стр. 505
وإنما يمكن أن يكون هناك مجددون في كل عصر مجددون كثيرون، لكن لكل منهم اختصاصه في التجديد، فمجددٌ في التوحيد، مجددٌ في الحديث، مجددٌ في التفسير، وفي اللغة، وفي كل شيء تعلق بإحياء فرض كفاية لفهم الإسلام فهماً صحيحاً، والغرض أن محمد بن عبد الوهاب جدد التوحيد الذي لا تزال آثار الإخلال به مع الأسف الشديد في كل البلاد الإسلامية إلا هذه البلاد النجدية بفضل دعوة محمد بن عبد الوهاب ولا أقول بفضل الدعوة الوهابية.
علماً أن تلك البلاد قبل محمد بن عبد الوهاب كان شأنها شأن البلاد الأخرى وأظن أنه لا يخفى على الحاضرين جميعاً ما يوجد في مصر من مقابر الحسين مثلاً أو السيدة زينب، وما يقع في تلك الأمكنة من الوثنيات والشركيات التي تنافي لا إله إلا الله من الطواف حول قبور هؤلاء الأولياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم مثل هذا يوجد في هذه البلاد وفي سوريا وفي أكثر البلاد الإسلامية، ما هو السبب؟ السبب تقصير علماء المسلمين ببيان دعوة التوحيد دعوة الحق التي جاءت في الكتاب والسنة وماتت هذه الدعوة في كثير من البلاد الإسلامية ثم جددها محمد بن عبد الوهاب ﵀.
فمحمد بن عبد الوهاب ليس له جهد بارز سوى هذه الناحية وكفى له بذلك فضلا؛ لأن البلاد النجدية كانت كالبلاد المصرية والسورية ونحو ذلك من حيث انتشار الآثار الوثنية وعبادة القبور والاستغاثة بها من دون الله ، حتى الآن مع الأسف مع أنه بدأت الحركة الإسلامية الصحيحة في تلك البلاد تضعف رويداً رويداً لكن لن تجد هناك يعني وثنية تذكر، حتى ولا رفع القبر من على وجه الأرض لا يوجد هذا الشيء إطلاقاً، بينما إذا طفت البلاد الإسلامية كلها فأنت واجد فيها من المخالفات الشيء الكثير، أرونا بلداً لا يوجد فيه مسجد فيه قبر مع
стр. 506
شدة تحذير الرسول ﵇ للمسلمين أن يتخذوا مساجد على القبور، كما قال ﵇: «لعنة الله على اليهود والنصارى أو لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) والأحاديث في هذا كثيرة أكثر من عشرة أحاديث ومنها ما يتعلق بالأمة الإسلامية قوله ﵇: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبياءهم مساجد» (٢) فعندكم مثلاً المقام المعروف بسيدي شعيب، وهناك مسجد يقصد للصلاة فيه من أجل أيش؟ سيدي شعيب وعندنا مقام أخر أسمه يوشع، نعم؟
مداخلة: أبو عبيدة
الشيخ: لا أقول، هنا يوشع غير أبو عبيدة أيضاً هذه في الأغوار إلى آخره، كل هذه المقامات بنيت على قبور مزعومة إن كانت هذه القبور حقيقة لمن نسبت إليه من الصحابة أو الأنبياء فالأمر أشكل؛ لأنه مخالفة صريحة لمثل هذه الأحاديث التي تنهى عن بناء المساجد على القبور لماذا هذا النهي؟ ولماذا هذا اللعن الشديد؟ في سبيل المحافظة على التوحيد؟ ذلك (لأن وجود) قبر في المسجد مَدْعَاةٌ إلى أن يُدْعَى من دون الله ﵎، كم وكم من أناس نراهم يقفون خاشعين متبتلين يدعون، هم صحيح أنهم يدعون الله ولكن يتوسلون بهذا الميت، فمحمد بن عبد الوهاب خلاصة القول ... هو مجدد لدعوة التوحيد، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أبداً؛ لأنه كما قيل:
هذه أثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الأثار
стр. 507
النجديون كانوا قديماً بدو يعني البدو الذين تعرفونهم في كل الصحارى وكان ... (إنقطاع) مما يخل بتوحيد العبودية هذه الأشياء قضي عليها حتى هذه الساعة لا تجد لها ذكراً بينما البلاد الأخرى عامرة مع الأسف بهذه الشركيات وبهذه الوثنيات.
"الهدى والنور" (١٩٥/ ١٢: ٢١: ٠٠)
[٨٩] باب كان الناس على التوحيد ثم طرأ عليهم الشرك
[قال رسول ﵌]:
«كان بين آدمَ ونوحٍ عشرةُ قرونِ، وبين نوحٍ وإبراهيم عشرةُ قرونٍ»
[قال الإمام]:
وفيه فائدة هامة؛ وهي أن الناس كانوا في أول عهدهم أمة واحدة على التوحيد الخالص، ثم طرأ عليهم الشرك، خلافاً لقول بعض الفلاسفة والملاحدة؛ أن الأصل فيهم الشرك ثم طرأ عليهم التوحيد! ويبطل قولهم هذا الحديثُ وغيرهُ مما هو نصٌّ في نبوة أبيهم آدم ﵇، إلى أدلة أخرى كنت ذكرت بعضها في كتابي"تحذير الساجد" (ص ١٤٧ - ١٥٠)،فراجعه فإنه مهم.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٥٢،٨٥٤ - ٨٥٥).
[٩٠] باب الرد على من يقول أن الدعوة إلى التوحيد تفرق الصف
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله! ما هو ردكم على من يقول: أن الدعوة إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة ومنهج السلف يفرِّق الناس وجزاك الله خيرًا؟
стр. 508
الشيخ: الله أكبر! وهل من يقول في هذا الزمان: أن الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ومنهج السلف الصالح يفرق الأمة سبحان الله! ذلك القول هو الضلال البعيد، هذا السؤال يذكرني بحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه في حديث لا أستحضر لفظه الآن وإنما فيه أن من أسماء النبي ﵌: المفرِّق (١)، وهذا بلا شك قد تستغربونه من أسماء النبي: أحمد ومحمد والماحي، ونحو ذلك مما هو وارد في الحديث الصحيح، لكن حديث في صحيح البخاري فيه أن من أسماءه ﵊: المفرق، تُرى! لماذا كان هذا الاسم من أسمائه ﵌؟ ذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والقرآن من أسمائه: الفرقان يفرق من تمسك به واهتدى به بين الحق والباطل، يهدي إلى صراط مستقيم، ومن دعا إليه فهو أيضًا مفرق، فرسول الله بحق مفرق، ثم من تمام هذا الاسم أو من لوازمه أن نتيجة الدعوة إلى الحق والتفريق بينه وبين الباطل هو التفريق من نتائج ذلك حتمًا والتاريخ الأول يؤكد ذلك أن يفرق بين الرجل وابنه .. بين الزوجة وزوجها لماذا؟ لأن الزوجة أسلمت وبقي زوجها على الكفر فأوجب عليها الإسلام أن تفارقه، أسلم الابن ففارق أباه بل وربما قتله إذا لقيه في المعركة وهكذا، فأين هؤلاء الذين يقولون: إن الدعوة إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح يفرق الأمة سبحان الله! كأنهم يتجاهلون الحديث الذي ذكرناه قبل صلاة المغرب وهو قوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» إلى آخر الحديث.
فالفُرقة قائمة وموجودة فما حلها وما الخلاص منها وما النجاة من هذه
стр. 509
الفُرقة؟ أليس هو قال الله قال رسول الله؟! أليس هو اتباع سبيل المؤمنين كما قال رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥) هذا أمر واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان، لكني أقول جدلًا: إذا تركنا لا سمح الله الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؛ لأنه بزعمهم يفرق الأمة، فما الذي يجمع الأمة ليت شعري؟ ما الذي يجمعها إذا تركنا الكتاب والسنة، والنبي ﵌ حينما بعث في قومه العرب فكلنا يعلم أنهم كانوا مستعبدين من فارس والروم فما الذي جعلهم أعزاء ومتسلطين على الأمم التي هي أقوى منهم ماديًة؟ أليس أن الله جمعهم على كلمة سواء هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنصرهم الله بسبب ذلك، فكيف يقول هؤلاء أن هذه الدعوة تفرق؟ فما هو الدليل؟ لا أعتقد إلا أنهم يريدون خلاف ما يظهرون، يريدون القضاء على دعوة الإسلام الصحيحة وإقامة إسلام إما أن يكون إسلامًا أوروبيًّا أو إسلامًا أمريكيًا أو إسلامًا خلفيًا كل هذا وهذا لا يقربنا إلى الله زلفى إلا كما سمعتم في الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣) ومن هذه السبل من يقول هذه الكلمة الباطلة التي هي الكفر بعينه، وقد شهد النبي ﵌ على أمثال هؤلاء بالحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقي عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» فهؤلاء الناس الذين يفتون الناس بمثل هذه الكلمات هم الذين عناهم الرسول ﵇ بقوله: «اتخذ الناس رؤوسًا جهالا
стр. 510
فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) نسأل الله ﵎ أن يلهمنا العلم النافع، وليس هو إلا العلم بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، ثم أن يقوينا ويساعدنا على العمل به إنه سميع مجيب.
"رحلة النور" (٣٣ب/٥١: ١١: ٠٠)
[٩١] باب إخلاص العبودية لله
[قال رسول الله ﵌]:
«إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه».
[قال الإمام]:
فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله ، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قول الله ﵎: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١١٨ - ١١٩).
[٩٢] باب توحيد الاتباع
[قال الإمام]:
روى الإمام أحمد وغيره عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال:
стр. 511
«رأى رسول الله ﵌ في يد عمر صحيفة، فسأله عنها، فقال ﵁: هذه صحيفة من التوراة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» (١).
في هذا الحديث ما يشرح لنا جانباً من جوانب شهادة أن محمداً رسول الله، ذلك أن كثيراً من المسلمين ينطقون بالركن الأول من الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن الكثير من هؤلاء ينطقون بما لا يفهمون معناه على وجه الصحة، ولقد تكلمنا مراراً وتكراراً، وبمناسبات شتى على الشهادة الأولى: لا إله إلا الله، وأنها تعني: أنه لا معبود بحق في هذا الوجود إلا الله ﵎، هذا المعنى الموجز وهو المعنى الصحيح لهذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله يجهل هذا المعنى كثير ممن ينطقون بهذه الكلمة، ولست الآن في صدد شرح هذا المعنى الصحيح: لا معبود بحق إلا الله، فإنها تستلزم ألا يتوجه المسلم إلى غير الله ﵎ بشيء من العبادات مطلقاً، كما يفعله كثير من الناس اليوم من دعاء غير الله، والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، والحلف بغير الله إلى غير ذلك من الأمور كل ذلك ينافي قول المسلم وشهادة المؤمن: لا إله إلا الله، لأن هذه الأمور التي ذكرناها كلها عبادات لا يجوز التوجه بها إلا إلى هذا الإله رب السماوات والأرض.
ومع ذلك فنجد هؤلاء المسلمين الذين أشرنا إليهم يذهبون إلى القبور فيذبحون هناك، وينذرون النذور، وقد يطوفون حول بعض القبور، زعموا استشفاء، طلباً للاستشفاء ممن لو كان حياً لما استطاع أن يرد المستشفي به شفاءً
стр. 512
لأنه لا شافي إلا الله ﵎، فكيف بهم وهم يطلبون الشفاء من الموتى من الذين أصبحوا تراباً رميماً، فهذا مما ينافي شهادة التوحيد هذه.
تكلمنا في هذه الشهادة كما قلنا مراراً وتكراراً، والآن أريد أن أتكلم بشيء من التوسع والبسط حول الشهادة الثانية التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها، فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم لم يتبعها بشهادة أن محمداً رسول الله لم تنفعه الشهادة الأولى، لذلك كان مقرراً بين المسلمين جميعاً أن الركن الأول مما بني عليه الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن هذه الشهادة من الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة لا تنجي صاحبها من الخلود في النار إلا إذا فهمها قبل كل شيء فهماً صحيحاً, إلا إذا حققها في منطلقه في حياته تحقيقاً صادقاً، فكيف يكون تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله؟ أيكون ذلك بمجرد أن نطيعه في بعض ما أتانا به عن الله ، ونخالفه إلى أمور لم يأت بها رسول الله ﵌ عن الله ﵎، هذا ما أريد أن أبينه الآن في هذه الكلمة في هذه الليلة المباركة إن شاء الله.
فإذاً: نعلم أن قول المسلم: وأشهد أن محمداً رسول الله، أو وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لا يتحقق هذا المعنى حتى يخلص له ﵊ في اتباعه كما يخلص لربه في توحيده، فمعنى الشهادتين أن تخلص لله في عبادته فلا تشرك معه أحداً في شيء من العبادات كما ذكرنا، وأن تخلص لرسوله ﵊ في اتباعه فلا تشرك معه متبوعاً غيره، ولئن فعل ذلك إنسان فلن يؤمن به إيماناً خالصاً صادقاً، مصداق هذا الذي أقوله حديث جابر السابق، فقد قال الرسول ﵊ كما سمعتم لعمر: والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» فإذا كان موسى عليه الصلاة والسلام
стр. 513
وهو الذي كلمه الله تكليماً وأنزل عليه التوراة، مع ذلك لو كان في زمن الرسول ﵊ ما وسعه إلا إتباعه، فكيف يكون حال من ليس من الأنبياء والرسل، فلابد أن يكون هذا أوجب وأوجب أن يتبع الرسول ﵌، وما معنى أن يتبع الرسول؟ كمعنى يعبد الله، ما معنى يعبد الله؟ أي: لا يعبد غيره، يعبد الله وحده لا شريك له، وما معنى أن يتبع الرسول؟ أي: يتبعه وحده لا يتخذ معه متبوعاً غيره، وذلك لأن موسى نبي الله بل وكليم الله، فهذه الصحيفة التي رآها الرسول ﵇ في يده كأنه يقول له: ألم يكفك ما أتيتك يا عمر من الله من وحي السماء حتى تشرك فيما أتيتك به ما أنزل الله على موسى وقد صار ما أنزل الله على موسى شرعاً منسوخاً، لأن الله أنزل القرآن على قلب محمد ﵊، وجعله مهيمناً مسيطراً على سائر الكتب والشرائع التي كانت من قبل، فإذا كان موسى بشريعته لا يسعه إلا أن يدع شريعته ويخلص في إتباعه لرسول الله ﵌.
وهاهنا بيت القصيد في هذه الكلمة، فإذا كان موسى لا يسعه إلا اتباع الرسول ﵇ ولا يتبع شريعته؛ تُرى إذا اخترع مخترعٌ ما طريقةً أو منهجاً أو حزباً أو أي شيئاً آخر لم يأت به رسول الله ﵌ فاتبعه فلا يكون حين ذلك قد أخلص للرسول ﵊ في الاتباع، وبالتالي لا يكون حقق معنى هذه الشهادة: وأن محمداً رسول الله، لأن هذه الشهادة تسلتزم اتباع الرسول فيما أرسله الله به من الحق والنور، فإذا افترضنا أن إنساناً اتبع غير رسول الله أقول: إذا افترضنا وهذه فرضية واقعة في صور شتى وطرائق قدداً، فإذا فرضنا أن إنساناً اتبع غير رسول الله ﵌ ولو في بعض المسائل وهو يعلم أن الرسول ﵌ لم يأت بهذه المسائل من عند الله ، ومع ذلك اتبع هذا الإنسان أو هذه الطريق أو هذا
стр. 514
المذهب أو الحزب فما يكون مخلصاً في إتباعه للرسول ﵊، وإلا فحينما رأى الرسول ﵇ في يد عمر الصحيفة هل يظن ظان أن عمر أراد أن يستبدل الصحيفة بالشريعة الإسلامية أو أن يعرض عن الشرعية الإسلامية، أو عن الرسالة التي دعاه الرسول ﵇ إليها وصدقه عليها وآمن بها، هل يدعها إلى اتباع التوراة؟ هذا ما لا يحصل في بال الإنسان مطلقاً، إذاً: ما هو الذي أنكره الرسول ﵊ على عمر بن الخطاب حينما قال له تلك الكلمة العظيمة: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى» أي: أمنحرفون أنتم عن شريعة الله كما انحرف اليهود والنصارى عن شريعة الله «والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» فإذا كان عمر لا يعقل أن ينحرف عن اتباع الرسول ﵇ قيد شعرة فما الذي أنكره الرسول ﵊ على عمر؟ ..
الذي خشيه رسول الله على عمر: أن يشرك مع الرسول اتّباعه غيره من الأنبياء والرسل، فماذا نقول للذين يشركون مع الرسول اتّباع غير الأنبياء والرسل؟ هؤلاء أشد إنكار من إنكار الرسول على عمر بن الخطاب رضي الله ﵎ عنه.
إذا عرفنا هذا فالله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: ٣) ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ أي: لا تتخذوا أشخاصاً تتبعونهم كما لو كان أنزل عليهم من السماء، أي: كما تتبعون رسول الله ﵌، فاتباع غير رسول الله ﵌ معناه شيئان اثنان: أولاً: الشك في أن الرسول ﵊ أدى الرسالة وبلغ الأمانة، ومن شك في هذا فهو كافر ومرتد عن دين الإسلام، والشيء الآخر: الإشراك، إشراك شخص مع الله في التشريع، والله ﵎ أنكر أن يكون له شركاء، فيقول عز
стр. 515
وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١).
فلا يجوز لمسلم أن يشرع من عند نفسه شيئاً مهما حقر وصغر، وبالتالي لا يجوز لمسلم أن يتبع هذا المشرع ولو في أدنى مسألة وأحقرها، فالذي يشرع المسألة من عند نفسه أشرك مع الله ﵎، فلم يؤمن بحقيقة لا إله إلا الله، ومن اتبع هذا المشرع من دون الله فقد اتخذه شريكاً مع الله، وبالتالي لم يوحد الرسول في اتباعه وحده ولم يخلص له في ذلك.
ولهذا لما أنزل الله على قلب محمد ﵊ قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) كان في المجلس أحد الصحابة ممن كان تعلم القراءة والكتابة، وبالتالي كان تنصر قبل بعثة الرسول ﵇ من بين العرب الوثنيين، ألا وهو عدي بن حاتم الطائي، لما نزلت هذه الآية كان هو قد أسلم وكفر بالنصرانية وآمن بالله ورسوله، ولكنه كان على علم بما كان عليه النصارى، فأشكل عليه قول ربنا ﵎ في حق النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١)، قال: يا رسول الله! والله ما اتخذناهم أرباباً من دون الله، خفي عليه معنى: اتخاذ النصارى الأحبار والقسيسين أرباباً من دون الله، توهموا أن المقصود في هذه الآية أنهم اعتقدوا أن القسيسين والرهبان يخلقون مع الله، فبين له الرسول ﵇ المقصود من هذه الآية، وأنه ليس ذلك الفهم الذي عرض له، فقال له على طريقة السؤال والجواب، قال: ألستم كنتم إذا حرموا لكم حراماً حرمتموه وإذا حللوا لكم حلالاً حللتموه؟ قال: أما هذا فقد كان، فقال ﵊: ذلك اتخاذكم إياهم أرباباً من دون الله، حينما كان القسيسون يقول هذا حلال فيقولون: حلال، أو قالوا هذا حرام فيقولون حرام، والواقع أن هذا التحريم والتحليل صدر من عند أنفسهم، ولم
стр. 516
يتنقله بواسطة نبيهم عن ربهم، فبين الرسول ﵇ أن هذا هو معنى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) فكفرت طائفتان، الطائفة التي حللت وحرمت لنفسها، والطائفة الأخرى التي اتبعتهم على عماها كما يقولون دون بصيرة من شريعة الله ﵎، ولهذا فالمسلم إذا أخلص للرسول ﵊ في الاتباع كان ذلك عصمة له من أن يزل في التوحيد لله ﵎ في عبادته، فكأن توحيد الله في عبادته وإفراد الرسول في اتباعه أمران مرتبطان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فمن أراد أن يكون من المؤمنين الصادقين المخلصين في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فلابد له أن يوحد رسول الله في الاتباع، كما يوحد الله في العبادة، فمن أخل بهذا، أي: من أخل في توحيد الرسول في الاتباع فشأنه شأن من أخل في توحيد الله في العبادة، فكل من التوحيدين إذا صح هذا التعبير توحيد الله في عبادته وتوحيد الرسول في اتباعه ركن من أركان الإسلام، إذا اختل أحدهما انهار هذا الإسلام من أُسه وأصله.
وإذا عرفنا هذا يتبين لنا خطر ما وصل إليه بعض الناس اليوم من الإخلال بهذا الإخلاص لرسول الله في الاتباع، فجعلوا الإخلاص في الاتباع لغير رسول الله ﵌ , وأنا أذكر لكم بعض الأمثلة:
هناك بعض المشايخ الطرقيين قديماً وحديثاً يلقنون أتباعهم ومن يسمونهم بمريديهم مثل الجمل الآتية: المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي غاسله، هذا الكلام نقلوه من رسول الله والمؤمنون به فخصوا به المشايخ لو قال مسلم: المسلم بين يدي الرسول ﵊ كالميت بين يدي الغاسل, فربما يكون فيه شيء من الغلو من حيث التعبير, أما من حيث المعنى فهذا مصداق قول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا
стр. 517
في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) هذا التسليم إذا عبر عنه معبر مسلِّم بتلك الكلمة أو لو قال: المسلم بين يدي الرسول كالميت بين يدي الغاسل لكان أصاب هذا المعنى ولو أننا لا نقره في تعبيره، فما بالكم وقد أقروا التعبير والمعنى كليهما معاً وجعلوه لمن؟ لرسول الله، لا لغير رسول الله ﵌، فأين إخلاص الاتباع لرسول الله ﵌، وهم قالوا في غير الرسول من متبعوعيهم ما لم يقولوه لرسول الله ﵌، أضف إلى ذلك كلمة أخرى مشهورة بينهم: من قال لشيخه: لمه لا يفلح أبداً. بينما نحن نجد أصحاب الرسول ﵇ قد قالوا له في مناسبات شتى: لم يا رسول الله؟ فلم ينكر عليهم، لأنه يعلم أنهم يسألون ليستفسروا عما يكون قد غاب عليهم، أما هؤلاء الذين نسبوهم وأنزلوهم منزلة الرسول المعصوم فقد قالوا فيهم: من قال لشيخه: لمه لا يفلح أبداً، وليس هذا فقط، بل من قال لشيخه في المنام لمه لا يفلح، وهذا مذكور في كتاب مشهور وهو كتاب إحياء علوم الدين للغزالي الذي يعتقد جماهير الناس اليوم من المثقفين ... المثقفون يسمونه بحجة الإسلام، حجة الإسلام هذا جاء في كتابه في الإحياء أنا قرأته بنفسي، حكى القصة الآتية: أن شيخاً من الشيوخ في القرن الرابع أن مريداً له جاءه فقال له: رأيتك في المنام أبكي تأمرني بشيء فقلت لك: لمه؟ هذا في المنام كله، قال المريد لشيخه: لمه؟ قال الراوي للقصة في كتاب الإحياء، فهجره شيخه شهراً كاملاً لماذا؟ لأن مريده قال له في المنام وليس في اليقظة لمه؟ هجره شهراً كاملاً، وليت أن حجة الإسلام الغزالي أورد هذه القصة ومر منها مر الكرام، لا، بل وقف عندها متفقهاً مستنبطاً كما يفعل الفقيه المسلم في كتاب الله وفي حديث رسول الله، فقال: دلت هذه القصة على أن هذا المريد كان في قلبه زغل ضد شيخه، لمه؟ لأنه لو كان قلبه صافياً مع شيخه لم ير في منامه نفسه يقول له لمه؟ مع أن كل عالم يعلم أن الرؤيا التي يراها المسلم فهي تحتمل أن تكون واحدة من
стр. 518
ثلاثة كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الرؤى ثلاثة: فرؤيا من الرحمن، ورؤيا من تهاويل الشيطان، أي: من تلاعبه بالإنسان، ورؤيا من تحديث النفس» (١)،
فلم فسرت رؤيا هذا المريد المسكين بالتآويل بتأويل واحد من هذه التأويل، أي: أن نفسه كانت تحدثه في أثناء النهار بالاعتراض على شيخه فرأى هذا في منامه، مع أنه من الممكن أن تكون هذه الرؤيا من تهاويل الشيطان، بل لعل الشيطان أراد بهذه القصة أن يدل الشيخ نفسه قبل المريد، ولا شك أن الشيخ حينما يهجر تلميذه المخلص له في الاتباع لأنه قال له في المنام: لمه؟ لا يكون متبعاً للشرع، بل يكون ظالماً له وأن قوله له: لمه لو صدر في قيد حياته في صحته وفي يقظته لم يكن في ذلك أي خطأ، (وأيّاً كان) فلا يجوز أن يهجر، لماذا؟ لأن الرسول ﵊ يقول: «لا يحل لرجل مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث-ثلاثة أيام- يلتقيان فيعرض هذا عن هذا, ويعرض هذا عن هذا، وخيرهما الذي يبادر أخاه في السلام» (٢) فإذا كان الرسول يُقرِّر أنه لا يجوز هجر المسلم إلا ثلاثة أيام فما فوق ذلك حرام، فكيف يجوز للشيخ العالم ذي الأخلاق الكريمة ومنها التواضع والألفة والمعشر الحسن، كيف يجوز أن يهجر أخاه المسلم ليس ثلاثة أيام بل شهراً كاملاً لمجرد أنه قال له في المنام: لمه؟
فانظروا كم انحرف المسلمون عن إخلاص الاتباع للرسول ﵇، بل لقد انعدم هذا الاتباع بالكلية من أمثال هؤلاء، حيث نقلوه من اتباع الرسول إلى اتباع الشيخ، ولذلك وقعنا في المشكلة التي نحياها اليوم، إذا قلت لإنسان: إذا قلت لإنسان قال الله قال رسول الله كان الجواب: قال شيخي كذا، ذلك لأن
стр. 519
الإخلاص في الاتباع قد فقدوه، بل أحلوا محله متبوعين آخرين ألا وهم المشايخ، أي: مشايخ الطرق، هذا مثال.
ومثال آخر له علاقة في واقعنا وحياتنا القريبة اليوم، فقد انقسم مع الأسف الشديد المسلمون انقسامات جديدة، وانقسموا إلى أفكار حديثة، وكل يدعي بأنه ينصر الإسلام، ويريد أن يقيم صرح الإسلام شامخاً عالياً، ومع ذلك إذا ما دعوا إلى الله ورسوله قال كل من الأحزاب: نحن رأينا هكذا، فأين تحقيق الاتباع للرسول ﵇ إذا قيل لهم: قال رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح وهذا معروف لدى الجميع: «تفرقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلى واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» في رواية مفسرة مبينة: «هي ما أنا عليه وأصحابي» كلهم يعلمون هذا الحديث، فإذا دعوتهم إلى اتباع السلف الذين هم الميزان في معرفة الفرقة الناجية من الفرق الهالكة في قول الرسول ﵇ حينما سئل: من هي هذه الفرقة الناجية؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي.
فإذاً: حينما يدعى المسلم إلى تحقيق الاتباع «انقطاع صوتي»
عن الإخلاص في اتباع الرسول ﵇ كان يقول لهم: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق، أي: عليكم ما كان عليه الرسول ﵊ دون زيادة أو نقصان، وقد جاء عنه في قصة صحيحة وفيها عبرة وبيان سبب هذه الكلمة: اتبعوا ولا تبدعوا، فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق، روى الإمام الدارمي في سننه بالسند الصحيح عنه أن أبا موسى الأشعري جاء إلى داره، فذات يوم خرج والناس ينتظرونه ليخرجوا معه إلى المسجد، فقال لهم: أخرج أبو عبد الرحمن؟ أبو عبد الرحمن كنية عبد الله بن مسعود، قالوا: لا، فجلس ينتظر
стр. 520
حتى خرج ابن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن! لقد رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته، ومع ذلك والحمد لله لم أر إلا خيراً، قال: ماذا رأيت؟ قال: إن عشت فستراه، رأيت أناساً حلقاً حلقاً، وفي وسط كل حلقة منها رجل يقول لمن حوله: سبحوا كذا، كبروا كذا، احمدوا كذا، وأمام كل واحد منهم حصى يعد فيه التسبيح والتكبير والتحميد، قال ابن مسعود: أفأنكرت عليهم؟ قال: لا، انتظار أمرك أو انتظار رأيك، فعاد ابن مسعود إلى داره، وخرج متقنعاً لا يرى إلا عيناه، ثم انطلق إلى المسجد فوقف على أصحاب الحلقة، حتى رأى ما ذكر له أبو موسى، فكشف عن وجهه اللثام وقال: أنا عبد الله بن مسعود، صحابي رسول الله ﵌، ويحكم ما هذا الذي تصنعون؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! حصى، يعني: بالتعبير العامي: ما فيها شيء، شغلة بسيطة، حصى نعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال: عدوا سيئاتكم وأنا الضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه ﵌ لم تبل، وهذه آنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده! أئنكم أهدى من أمة محمد ﵌ أو إنكم متمسكون بذنب ضلالة. فقالوا: والله يا أبا عبد الرحمن يقولون معتذرين عما فعلوا: ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمداً ﵌ حدثنا إن أقواماً يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال شاهد القصة وراويها: فلقد رأينا أولئك الأقوام أصحاب الحلقات قال: رأيناهم يقاتلوننا يوم النهروان، أي: أصبحوا من الخوارج ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقاتلهم حتى استأصل شأفتهم إلا قليلاً منهم، هذه
القصة وقعت لعبد الله بن مسعود الآمر بقوله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق.
يعني: أن الرسول ﵇ قد جاءكم بشريعة كاملة تامة فما معنى إحداث
стр. 521
عبادات من بعده إلا الاستدراك عليه ونسبة الرسول ﵊ إلى أنه لم يؤد الأمانة ولم يبلغ الرسالة، وإلا فمن كان مؤمناً بأن هذه الشريعة كاملة تامة فكيف يلتقي مع إيمانه هذا أن يحدث بدعاً وأموراً وعبادات لم تكن في عهد الرسول ﵊، هذه أمور متناقضة متنافرة، أن يؤمن الإنسان بأن الشريعة كاملة ثم هو يأتي بزيادات يلحقها بها فهذه الزيادات بلا شك ليست منها، لذلك كان أصحاب الرسول ﵇ ينكرون أشد الإنكار الإحداث في الدين، لأنهم يجزمون ويقطعون بأن هذا الإحداث في الدين ينافي قول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) فالزيادة على هذا الإسلام ينافي هذه الآية الكريمة، حيث امتن الله بأنه أكمل علينا النعمة بإتمام الدين.
ومن عجائب الأمور والجحد بأهمية هذه النعمة -من رب العالمين- من المؤمنين بشريعته يغفلون عن هذا بينما ينتبه الكافرون بالشريعة الإسلامية فيعرفون قدر تمام هذه الشريعة وفضل وأهمية امتنان الله على عباده بهذه الآية الكريمة، ذلك أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب في خلافته فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله-يعني: في القرآن- لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، آية عندكم يا معشر المسلمين آية في كتاب الله في القرآن الكريم يقول الرجل اليهودي: لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال عمر: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) قال عمر: إنها نزلت في يوم عيد، نزلت يوم جمعة وفي عرفات، الغاية أن هذا اليهودي عرف أهمية هذه الآية الكريمة، لأن الله يمتن فيها على عباده بأنه أتم الدين على المسلمين، فهذه نعمة كبرى لازم تتخذوا يوم نزولها عيداً، فأجابه عمر قد فعلنا لأنها نزلت في يوم جمعة
стр. 522
وهو عيد في الأسبوع للمسلمين، وزيادة على ذلك ورسول الله في عرفات، في حجة الوداع، فهذا اليوم يوم العيد الأسبوعي الذي نزلت فيه هذه الآية الكريمة أين المسلمون اليوم الذين يقدرون هذه الآية وما فيها من النعمة من رب العالمين على المسلمين فيقفون عند تمام الإسلام ولا يزيدون عليه من هذه الزيادات التي شوَّهت جمال الإسلام, وضيعت صورته الحقيقية عن أعين الناس وبصائرهم, ولذلك بدءوا ينصرفون عنه بأنه ليس هو هذا الإسلام بصورته الكاملة الحقيقية التي أنزلها ربنا ﵎ على نبيه ﵊.
ولقد أكد الرسول ﵇ معنى هذه الآية الكريمة حين قال: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» (١) لهذه المعاني التي أدركها أصحاب النبي ﵌ كانوا ينهون أشد النهي عن الابتداع في الدين, لمنافاة الابتداع لكمال الدين ولمنافاة الابتداع لكون المشرع رب العالمين ولمنافاة الابتداع لكون المتبوع هو محمد رسول الله فقط ليس إلا؛ كما يقال.
من تلك الآثار التي وردت عن الصحابة الكبار ﵃ قول حذيفة بن اليمان: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوها» ومن ذلك وهو أوضح في إنكار الزيادة في الدين قول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» فأين نحن اليوم من هذه الأقوال السلفية، لقد ابتعدنا جداً وخالفنا هذا الخط إلى خط آخر فبينما أصحاب الرسول ينهون عن الزيادة في الدين إذا بنا نحن نقرر بكل جرءة أن الزيادة في الدين لا بأس
стр. 523
فيه؛ لأن فيه بدعة حسنة يقولون، وهذا ابن عمر يصرح فيقول، أولاً يروي قول الرسول: «كل بدعة ضلالة» هذا حديث مشهور معروف، ويفسر هذه الجملة من حديث الرسول فيزيد بياناً فيقول: «وإن رآها الناس حسنة» «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» لمه؟ لأن الاستحسان كما قال الإمام الشافعي: "من استحسن فقد شَرَّعَ"، لأن الاستحسان لا يجوز أن يكون من إنسان لا يدري الغيب والشرع غيب، ولولا ذلك ما كان هناك من حاجة أن يبعث الله الرسل وينزل الكتب إذا كان كل إنسان يستحكم لعقله، عرف هذه الحقيقة أصحاب الرسول ﵇ فأمروا من جاءوا بعدهم بأن يخلصوا للرسول ﵊ بالإتباع ولا يزيدوا على ما جاء به ﵊.
هذه كلمة وهي تحتمل البسط والزيادة أكثر وأكثر، ولكني أخشى أن يتسرب إليكم الملل، فأكتفي بهذا القدر.
" الهدى والنور" (٤٥٥/ ٠٨: ٠٠: ٠٠ طريق الإسلام)
[٩٣] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«لا والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني».
(حسن).
[قال الإمام]:
قلت: فإذا كان مثل موسى كليم الله لا يسعه أن يتبع غير النبي ﵌ فهل يسع ذلك غيره؟ فهذا من الأدلة القاطعة على وجوب إفراد النبي ﵌ في الاتباع، وهو
стр. 524
من لوازم شهادة «أن محمداً رسول الله»، ولذلك جعل الله ﵎ في الآية المتقدمة أتباعه ﵌ دون سواه دليلاً على حب الله إياه، ومما لا شك فيه أن من أحبه الله كان الله معه في كل شيء، كما في الحديث القدسي الصحيح: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ... » (البخاري).
وإذا كانت هذه العناية الإلهية إنما هي بعبده المحبوب من الله، كان واجباً على كل مسلم أن يتخذ السبب الذي يجعله محبوباً عند الله، ألا وهو اتباع رسول الله ﵌ دون سواه، وبذلك فقط يحظى بالعناية الخاصة من مولاه ﵎، ألست ترى أنه لا سبيل إلى معرفة الفرائض وتمييزها عن النوافل إلا باتباعه ﵌ وحده؟
وإن مما لا شك فيه أن المسلم كلما كان بسيرة رسول الله ﵌ أعلم، وبمحاسنه وفضائله أعرف، كان حبه إياه أكثر، واتباعه إياه أوسع وأشمل.
"تحقيق بداية السول" (ص ٦).
[٩٤] باب معنى الشهادتين
[قال الإمام]:
الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ .. الشهادة الأولى تعني: ألا تعبد إلا الله، والشهادة الأخرى تعني: ألا تعبد الله إلا بما جاءك به رسول الله، فهما شهادتان وهما توحيدان، هذا أيضاً اصطلاح .. ، توحيدان: توحيد الله في العبادة،
стр. 525
وتوحيد الرسول في الاتباع، فكما أننا لا نعبد مع الله أحداً ولا نشرك به شيئاً كذلك لا نتخذ مع نبينا متبوعاً آخر، فهو متبوعنا لا سواه، وهو ربنا لا نعبد غيره.
"الهدى والنور" (٦٥٠/ ١٤: ٢٠: ٠١)
[٩٥] باب بيان مقتضيات الشهادتين
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١) أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
كلمتي في هذه الليلة الطيبة إن شاء الله والمباركة في كلمتين خفيفتين قصيرتين جداً، لكنهما يجمعان الإسلام كله، هما: ألا نعبد إلا الله، وهذا كلكم تعرفونه مع غفلة عن كثير من حقائق هذه العبادة.
стр. 526
أما الأخرى فكثير من الناس لا يعلمونها وهي بعد أن قلنا في الكلمة الأولى: ألا نعبد إلا الله، أما الكلمة الأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله، ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع الله.
إذاً هما حقيقتان شرعيتان هامتان جداً جداً، لا يكون المسلم مؤمناً إلا بعد أن يحقِّق معنى هاتين الكلمتين في نفسه وقلبه وإيمانه، هما: ألا نعبد إلا الله. هذه الأولى. والأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله.
فهاتان الكلمتان هما خلاصة الشهادتين اللتين قال فيهما رسول الله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس-كل الناس من الكفار-حتى يشهدوا ألا إله إلا الله» هي الكلمة الأولى.
«وأن محمداً رسول الله» هي الكلمة الأخرى «إلا بحسابها، إلا بحقها وحسابهم عند الله ﵎».
كثير من الناس لا يعلمون حقيقة هاتين الشهادتين اللتين لا يمكن لكافر أن يُقبل إسلامُه إلا بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كلنا يعلم هذه الحقيقة أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن الكثير من المسلمين لا يعلمون ما تتطلبه هاتان الشهادتان، الأولى لا إله إلا الله، والأخرى محمد رسول الله.
أريد أن أدير كلمتي هذه في هذه الليلة حول الشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله، مع الإيجاز من البيان في الشهادة الأولى لا بد منه.
فقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» تعني أول ما تعني: ألاَ معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، تعني: أن يخلص المسلم
стр. 527
عبادته لله فلا يشرك في عبادة الله مع الله أحداً. وهذا له بحثه الطويل، ولعلنا تعرضنا له أكثر من مرة، لكن أردت إيجاز الكلام في هذه الكلمة الطيبة أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ليس معناها كما قد يتوهم البعض: لا إله أي: لا رب، هذا معنىً قاصر، الإله هو المعبود، أما الرب فقد يطلق على الخالق الذي هو رب البيت وهو رب العالمين ورب العرش العظيم ونحو ذلك، وقد يطلق على رب المال صاحب المال وصاحب الدار ونحو ذلك.
فليس المقصود من الكلمة الطيبة هذه: لا إله إلا الله بمعنى: لا رب إلا الله فقط، لا. وإنما المقصود: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولذلك فكلمة التوحيد هذه لا تفيد صاحبها شيئاً مما يرجى لقائلها يوم لقاء الله من النجاة في الخلود في النار إلا إذا فهم معنى الإله في هذه الشهادة، في هذه الكلمة الطيبة الإله هو المعبود الحق، فلا يعبد مع الله غيره ﵎.
هكذا معنى كلمة التوحيد، ذلك لأن المشركين كانوا بنص القرآن الكريم، كانوا بنص القرآن الكريم يشهدون أن خالق السماوات والأرضين هو الله، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزمر: ٣٨).
فلا يكفي المسلم إذاً أن يقول: إن الله هو الخالق هو الرازق وهذا لا بد منه، لكن يجب أن يضم إلى اعتقاده بأنه لا رب إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا معبود في الوجود بحق إلا الله ﵎، وبذلك يقوم بحق هذه الكلمة الطيبة.
قلت آنفاً: أُوجز الكلام في هذه الكلمة الطيبة لأنني تعرضت لذلك أكثر من مرة، أريد أن أخصص قليلاً من جلستنا هذه حول الشهادة الثانية وهي: وأن محمداً رسول الله.
стр. 528
قلت: هما كلمتان: لا نعبد إلا الله هذا معنى لا إله إلا الله. والكلمة الثانية: لا نعبد الله إلا بما شرع الله، فإذا عبدنا الله بما شرع الله فقط يكون صدقنا وآمنا حقيقة حينما نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أما إذا وسعنا دائرة العبادة فعبدنا الله بما لم يشرع ربنا في القرآن ولا في السنة فلا نكون قد آمنا حقيقة بالشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله. لم؟ لأن إيماننا بأن محمداً رسول الله يعني أمرين اثنين:
الأمر الأول: أنه مبعوث رسولاً من رب العالمين لكافة الناس بشيراً ونذيراً، رسولاً يعني برسالة هي رسالة الإسلام.
والأمر الآخر: أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ولم يدع لأحد شيئاً يستدركه عليه ﵌، ولذلك قال ربنا ﵎ مؤكداً لقيامه ﵌ بحق كونه رسولاً وبذلك نشهد فنقول: وأن محمداً رسول الله.
وقد نزلت آية عظيمة جداً جداً ورسول الله ﵌ على عرفة وفي حجة الوداع تأكيداً لهذا المعنى أن النبي ﵌ أدى الرسالة كاملة غير منقوصة، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣).
نزلت هذه الآية الكريمة ورسول الله ﵌ على عرفة ويوم جمعة، ولقد عرف قيمة هذه الآية الكريمة، هذه النعمة العظيمة الذي امتن الله ﵎ بها على عباده بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية.
وقد عرف هذه الحقيقة حبر من أحبار اليهود كان قد أسلم هداه الله عز وجل
стр. 529
إلى الإيمان بالله ورسوله ألا وهو كعب الأحبار على قلة من أسلم من اليهود، فلما عرف مما درس من كتاب الله هذه الآية الكريمة جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيداً. قال عمر: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد نزلت في يوم عيد يوم الجمعة ورسول الله ﵌
على عرفة.
لقد صدق ظن كعب الأحبار حينما أحس بعظمة هذه الآية حينما قال: لو نزلت على اليهود لاتخذوا يوم نزولها عيداً، فأخبره عمر بأن المسلمين يعيدون في هذا اليوم فعلاً ألا وهو يوم الجمعة ويوم عرفة أيضاً.
الغرض من تقديم هذه الرواية الصحيحة- وهي في صحيح البخاري- هو تذكير المؤمنين بالله ورسوله حقاً، بعظمة هذه النعمة التي امتن الله بها على عباده حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) لكن المسلمين إلا قليلاً منهم لم يعرفوا قيمة هذه النعمة، ولم يقدروها حق قدرها، لم؟ لسببين اثنين، أحدهما يعود إلى الفكر والآخر يعود إلى العمل الذي هم عليه.
أما الفكر فإننا إلى اليوم نعيش في مشكلة فقهية مخالفة لما تنص عليه هذه الآية الكريمة من أن الدين أكمله الله على رسوله ﵌، نعيش في مشكلة، مشكلة أن العبادات التي يتعبدها المسلمون اليوم كثير منها ليس من الدين بشيء، ليس من الإسلام بسبيل مع أننا سمعنا آنفاً أولاً الآية وأنها نزلت في يوم عيد ورسول الله ﵌ على جبل عرفات وفي حجة الوداع.
هذه النعمة عظيمة ما قدرها كثير من المسلمين حق قدرها، ولو أنهم قدروها
стр. 530
حق قدرها لوقفوا عند ما شرع الله على لسان رسول الله ﵌، لست أعني فقط أن هناك قوانين ودساتير وضعت لم توضع على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، لأن هذه الدساتير والقوانين لم يضعها علماء المسلمين وفقهاء المسلمين المتعبدون المخلصون لدينهم، وإنما هي فرضت عليهم، وإنما أعني أفراد المسلمين الصالحين منهم الذين يقومون الليل ويصومون النهار ومع ذلك فهم لا يقفون عند هذه النعمة من كمال الدين، فيتعبدون الله بما لم يأتِ في الدين ولم يبينه رسول رب العالمين.
هذا الذي أردت توضيحه بعد ذلك الإجمال حينما قلنا: أصلان لا بد لكل مسلم أن يدين الله بهما، الأصل الأول: ألا يعبد إلا الله. والأصل الثاني: ألا يعبده إلا بما شرع الله، لم؟ لأن الدين قد أكمله الله ﵎.
هذه الحقيقة-مع الأسف-غائبة عن أذهان كثير من المسلمين المتعبدين والمتفقهين، ذلك لأن الإسلام اليوم وقد مضى عليه أربعة عشر قرناً قد دخل فيه مع الزمن ما ليس منه، ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵌ والآثار السلفية تحذر من الإدخال لشيء ما في الدين باسم التقرب إلى الله ﵎، ذلك لأن الله قد كفانا مؤنة الإحداث والإدخال في الدين ما لم يكن منه كما سمعتم آنفاً من الآية التي نزلت في عرفة.
وأكد النبي ﵌ هذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة في بعض الأحاديث الصحيحة التي منها قوله ﵌: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويبعدكم عن
النار إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» إذاً انتهى باب العبادة، فلا سبيل لأن يتعبد المسلم إلا بما جاءنا به